الغاية في اختصار النهايةكِتابُ القَسْمُ والنُّشُوزِ

كِتابُ القَسْمُ والنُّشُوزِ

2504 -

على كلِّ واحدٍ من الزوجين كفُّ الأذى عن صاحبه، وبذلُ ما يلزمُه من غير مَطلٍ، ولا عبوسٍ، ولا إظهارِ كراهةٍ، ولا رفع إلى حاكمٍ، وأيُّهما مَطَل فمَطلُ الغنيِّ ظلم؛ إذ المطلُ تأخيرُ الحقِّ مع التمكُّن من أدائه، فمن حقوقها السُّكنى، والمهرُ، والكسوة، والنفقةُ، وله عليها التمكينُ، والاستعدادُ له بالتنظُّف وغيره، وملازمةُ المسكن، حتى يمنعُها من زيارة أبويها، وعيادتهما، وشهودِ تجهيزهما، وزيارةِ قبريهما، والأولى: ألا يمنعها من اتِّباع الجنازة؛ لِمَا فيه من الهتكة، وينبغي ألا يأذن لها في التبرُّج.

2505 -

فصل في القسم بين الإماء والحرائر

إذا كان له زوجةٌ أو زوجاتٌ يؤدِّي حقوقهنَّ، لم يلزمْه الدخولُ عليهنَّ، ولا المبيتُ عندهنَّ، وله تركهنَّ على التأبيد، والأولى: ألا يعطِّلهنَّ، ولا يَبعُدُ كراهةُ التعطيل.
ولا قَسْمَ للإماء باتِّفاق العلماء، وكذلك المستولدات، ولا قَسْمَ لهنَّ مع الزوجات، بل يتخيَّر فيهنَّ؛ فإن أقام عندهنَّ الدهرَ، وأعرض عن الزوجات، جاز.

وللحرَّة من القَسْم ضعفُ ما للأمة، والكتابيَّةُ في ذلك كالمسلمة.
فإنْ قَسَمَ للحرَّة ليلتين، وللأمة ليلة، فعتقت الْأَمة، فله حالان: إحداهما: أن يبدأ بالحرَّة، فتَعْتِقُ الأمة في الليلة الأولى، فيلزمه إتمامُها، ثم يتخيَّر بين أن يبيت الليلة الثانية، ويبيت عند المُعتقة ليلتين، أو يقتصرُ على الليلة الأولى، ويديرُ القَسْمَ ليلةً ليلةً.
وإن عتقت في الليلة الثانية في نصف الليل مثلًا، فله أن يتمَّها عند الحرَّة، ويبيتَ عند العتيقة ليلتين، وله أن يَخرجَ إلى العتيقة فيقيمَ عندها ليلةً ونصفًا، ثم يدير القَسْمَ على ما يُؤثره.
وإن خرج في بقيَّة الليل إلى صديقٍ، فقد قال الصيدلانيُّ: لا يلزمه قضاءُ النصف الماضي للعتيقة، وخالفه الإمام.
وإن عتقت الأمة في ليلةِ نفسِها أتمَّ لها ليلتين.
ولو وفَّى الحرَّة ليلتين، والأمةَ ليلةً، ثم عتقت، لم يستدرك ما مضى في الرقِّ.
فإن عتقت في النوبة الثانية من نُوَبِ الحرَّة ألحقها بها.
الحال الثانية: أن يبدأ بالأمة، فإن عتقت في نوبتها لحقت الحرائر، فله أن يبيت عند كلِّ واحدة منهما ليلةً ليلةً، أو ليلتين ليلتين.
وإن عتقت بعد انقضاء نوبتها لزمه للحرَّة ليلتين، ثم يدير القَسْمَ على ما يختار، كما لو قسم لحرَّتين ليلتين ليلتين، فبات عند إحداهما ليلتين، فليس له ردُّ القسم إلى الإفراد حتّى يوفّي الأخرى ليلتين.

ولا حكم لعتق بعض الأمة، ولا فرقَ بين العتق في ليلتها أو يومها، ولها أن تُسقط حقَّها من القَسْمِ، وليس للسيِّد طلبُه.

2506 -

فصل في هبة المرأة نوبتها

إذا وهبت نوبتها لبعض الضرائر برضا الزوجِ، صحَّ وإن لم تقبله الموهوبة، وليس له صرفُ الهبة إلى غير الموهوبة.
فإنْ توالت نوبةُ الواهبة والموهوبة والى بينهما، وإن افترقتا: فهل له الولاء؟ فيه وجهان.
ولها الرجوعُ في الهبة متى شاءت، ولا أثر للرجوع حتى يعلم به الزوج، وخرَّجه أبو محمد على قولي عزلِ الوكيل، ولو أباح ثمر بستانٍ أو غيره ممَّا يقبل الإباحة، فلا يؤثِّر رجوعُه قبل بلوغ الخبر.
وإن أطلقت الهبة صحَّ، وخرجت من حساب النُّوب، كما لو ماتت.
ولو وهبتها للزوج ليجعلها لمَن شاء، فقد أجازه أبو محمد، ومنعه القفَّال.
وحيث لا يرضَى الزوجُ بالهبة فله قهرُ الواهبة على النَّوبة.
ولا يجوز الاعتياضُ عن حقِّ القسم.

2507 -

فصل في الدخول على المرأة في نوبة غيرها

عمادُ القَسْمِ الليلُ، والنهارُ تابعٌ، إلا لمن شُغلُه بالليل؛ كالحارس.

وكلُّ امرأةٍ لها ليلةٌ أو ليالٍ، فلها مع كلِّ ليلةٍ يومٌ.
ولا يجوز نقصُ القسم عن ليلة، ويجوز ثلاثًا، وتُكره مجاوزةُ الثلاث، فإن جاوز ففي جوازِه وجهان.
فإنْ أجزناه: فهل يُفوَّض إلى خِيرته، أو يتقيَّدُ بسبع؟ فيه وجهان.
والمذهب: أنّه لا يبدأ بواحدة إلا بقرعة، وقيل: البدايةُ إلى اختياره.
ولا يلزمه التسويةُ في ميل القلب، ولا في الجماع اتِّفاقًا، فإنْ جامَعَ إحداهنَّ في يوم الأخرى أو في ليلتها حَرُمَ اتِّفاقًا، وإن دخل عليها في نوبةِ غيرها؛ فإن كان بالليل أَثِمَ، وقَضَى تلك المدَّة إن كانت ظاهرةً في الحسِّ، وإن لم تظهر ففيه احتمالٌ، وقدَّر القاضي ما يجبُ قضاؤه بثلثِ ليلةٍ، ولا وجه له، وقدَّره الإمامُ بما يمكن أن يُنسب إلى الليلة بالجزئية 1. وإن مرضت إحداهنَّ مرضًا يُخاف منه هلاكُها، فله أن ينتقل إليها بالكلِّيَّة ليمرِّضها إن لم يوجد ممرِّض غيره، وإن وُجد ففيه تردُّدٌ، وإن لم يُخَفِ الهلاكُ فليس له العيادةُ بالليل على المذهب، وفيه قولٌ ارتضاه المحقِّقون، وغلَّط صاحبُ "التقريب" مَن أجاز ذلك.
وليس له العيادةُ بما يقع عليه اسم المرض.
وضبط الإمام غيرَ المخوف بما يُمْكِنُ أن يكون مخوفًا.

ومتى دخل لتمريضٍ أو عيادة؛ فإن ماتت سقط القضاءُ، وإن شفيت قضاهنَّ من نوبتها اتِّفاقًا من العلماء.

2508 -

فرع:

ليس له التمريضُ في غير المَخُوفِ إن وُجد غيره، فإن لم يوجد فالأكثرون على المنع.
هذا كلُّه حكم الليل، وأمَّا النهارُ فله الانتشارُ فيه؛ للتصرُّف، ولا يجب الملازَمةُ فيه، فإنْ لازَمَ واحدةً في النهار، وتصرَّف في نهار الأخرى؛ فإن كان لعارضِ شُغلٍ جاز، وإن تعمَّده فالظاهرُ الجواز، وفيه احتمالٌ.
وله الدخولُ إلى غير صاحبة النوبة؛ لمُهِمٍّ، أو حاجة، فإن دخل لغير حاجةٍ فقد أجازه العراقيُّون، ومنعه غيرُهم، ودلَّ كلام صاحب "التقريب" على أنَّ النهار كالليل، ويَبعُدُ قولُ العراقيِّين؛ لأنَّه يؤدِّي إلى أن يقيم عند إحداهنَّ أكثر النهار.
فإن دخل على وجهٍ يغلُبُ فيه وقوعُ الجماع، فقد قطع الإمام بالتحريم.

2509 - فرع: إذا جامع امرأةً في ليلة غيرها فأوجُهٌ: أحدها: يلزمُه قضاءُ ليلةٍ كاملة.
والثاني: يقضي مدَّة الإقامة إن كانت محسوسةً، وإن لم تكن محسوسةً فعلى الاحتمال.
والثالث: يطأ المظلومةَ في نوبة الموطوءة، وهو بعيد.

وإن جامعها في نهارِ غيرِها فهل نُلحق الليل، أو نقتصر على التأثيم؟ فيه احتمال.
وحيث أجزنا العيادة قضى مدَّتها إن كانت محسوسةً، وإن لم تكن محسوسةً ففيه الاحتمال.

2510 -

فصل في ظلم إحداهنَّ

إذا ظلم واحدةً، فبات عند غيرها في نوبتها، لزمه قضاءُ ذلك متواليًا من نوب المظلوم بهنَّ 1، فإنْ كنَّ أربعًا، فبات عند ثلاثٍ عشرين عشرين، قضى للمظلومة عشرين متوالياتٍ.
فلو كنَّ ثلاثًا، فبات عند اثنتين عشرين 2، لزمه للمظلومة عشرة.
فإن نكح رابعةً، قَسَمَ لها ليلةً، وللمظلومة ثلاثًا، فيحصل لها تسعٌ من ثلاثِ نوبٍ، ثم يقضيها العاشرةَ، ويبيتُ عند الجديدة ثلثَ ليلةٍ، ويبيتُ بقيةَ الليل عند صديقٍ، أو في مسجدٍ، وقال أبو محمد: لا يلزمُه أن يبيت عند الجديدة ثلثَ ليلة، وهذا لا يصحُّ، فإن النُّوب إذا دارت بعد القضاء فقد لا تصلُ النوبةُ إلى الجديدة إلا في الليلة الخامسة، وكان حقُّها في الرابعة.

2511 -

فرع:

إذا طلَّق المظلومَ بهنَّ فقد تعذَّر القضاء؛ إذ لا معنى له إلا بالانقطاع عنهنَّ، والاشتغالِ بقضاء المظلومة.
فإن طلَّق المظلومة؛ فإن لم يردَّها بقيت الظلامةُ إلى القيامة، وإن راجعها، أو أبانها ثم نكحها؛ فإن كنَّ القديماتِ عنده قضى، ويُحتمل تخريجُ النكاح الثاني 1 على عود الحنث.
وإن استبدل بالقديمات فقد تعذَّر القضاء؛ فإنَّه لو أتى به لظلم الجديدات.
ولو مرَّض واحدةً فماتت، تعذَّر القضاء، وإن برئت قضى بالإجماع.
والظلم: تخصيصُ بعضهنَّ بالإقامة عندها، وليس تَخَلُّلُ الفُرَجِ في النُّوب بظلمٍ.
فإنْ قسم ليلةً ليلةً، وخلَّلهن في أثنائهنَّ بخرجاتٍ، جاز.

2512 - فرع: لا يسقط القَسْمُ بمانعٍ شرعيٍّ ولا طَبْعيٍّ، فيجب للحائض والنفساء، والمريضة والرتقاء، والمُحْرِمة والصائمة، والمظاهَرِ عنها.
وإذا انقضت مدَّةُ الإيلاء، فلها المطالبةُ بما شاءت من القَسْم أو الطلاق على سبيل البَدَل.

2513 -

فرع:

للزوج أن يأتيهنَّ في نوبهنَّ في منازلهنَّ، وله أن يدعوهنَّ إلى منزله، فإن دعا إحداهنَّ فامتنعت فهي ناشزٌ، إلا أن يسكن مع واحدةٍ في منزل لا يملك أن يجمع فيه بينها وبين ضرَّتها، فلهنَّ الامتناعُ من إتيانه.
ولو أتى بعضهنَّ، ودعا الباقيات إلى منزله، فليس بعدلٍ عند القاضي، وأجازه الإمام، كما يجوزُ التفاوتُ بينهنَّ في التهلُّل والاستبشار، والقُبَل والضمِّ والالتزام، بل هذا أولى؛ لأنَّه يختلف باختلاف المناصب والأقدار.

2514 - فرع: إذا سافرت بغير إذنه سقط حقُّها من النفقة والقَسْم، ولا يسقطان بسفرها في شغله بإذنه، وفي سفرها في شغلها بإذنه قولان، الجديد: أنَّهما يسقطان.

2515 -

فصل في جنون الزوج

لا يسقط حقُّ القَسْمِ بالجنون، وعلى وليِّ المجنون أن يطوف به عليهنَّ، أو يدعوَهنَّ في نُوبهنَّ إلى منزله، وقيل: يسقط حقُّ القسم بالجنون؛ فإنَّ المقصود منه الإيناسُ، ومُجانبةُ الميل والإضرار، ولا تحقُّقَ لذلك مع الجنون.
وعلى المذهب: لو ظلم الوليُّ واحدةً وجب القضاءُ، فإنْ تداركَه الوليُّ فذاك، وإن تركه حتى أفاق؛ فإن تصادقوا على الظلم، أو قامت به البيّنةُ، لزمه القضاء، ولا يلزمُه بقول الوليِّ بعد الإفاقة؛ لزوال ولايته.

وقال الإمام: إيجابُ التطواف على الوليِّ لا وجه له؛ فإنَّه لا يلزمه إلا ما يلزم المجنونَ لو كان عاقلًا، وللعاقل أن يُعْرِضَ عن نسائه.
ولو أدخل الوليُّ بعضَ نسائه عليه، لزمه مثلُ ذلك للباقيات عند المعظَم، وفيه الوجه البعيد.
ولو أضرب الوليُّ عن القَسْم حيث يجوزُ للعاقل الاعتزالُ، ففيه احتمالٌ؛ فإنَّا نتوقَّع القَسْمَ من العاقل بمعرفته واختياره، ولا تحقُّق لذلك في الجنون، وقد قال الشافعيُّ: وعلى وليِّ المجنون أن يطوف به على نسائه، فيُحتمل أن يُحمل على هذه الصورة، وفحوى كلام الأصحاب حملُه على تسوية النُّوب إذا جُنَّ في أثناءها.

2516 -

فرع:

إذا تقطع الجنون يومًا يومًا، فليس له تخصيصُ البعض بأيام الجنون، والبعضِ بأيام الإفاقة، بل يَجْعلُ لكلِّ واحدة نوبةَ جنونٍ، ونوبةَ إفاقةٍ؛ إمَّا على التناوُبِ، أو الجمع، وقد قال الشافعيُّ: إذا كان مجنونًا في نوبةِ واحدةٍ، مفيقًا في نوبةِ أخرى، فلا تُحسبُ أيام الجنون؛ فإنَّه فيها كالغائب، فيجب توفيتُها من أيام الإفاقة.
وقال الإمام: إن لم ترض بالإقامة في أيام الجنون قَضَى، وإن رضيت بذلك فهو كالرضا بالمَعيب.
وقال الأصحاب: يخاطَبُ المحجورُ عليه بالسَّفَه من حقِّ القَسْمِ بما يخاطَبُ به العاقل.

2517 -

فصل في السفر

إذا سافر منتقلًا فله استصحابهنَّ وتركهنَّ، وليس له السفرُ بواحدة بغير قرعة، فإن فعل عصى وقضى اتفاقًا.
وإن أقرع بينهنَّ، فإن كان السفر للنُّقلة لم يجز؛ إذ لا يمكن الجمع بين قَصْدِ النقلة وقَصْدِ القضاء، فإنْ فعل ذلك قضى أيام الإقامة (1)، وكذلك أيام الذهاب على الأصحِّ.
فإن كان لغير نقلة فله حالان: إحداهما: أن يقيم في أثنائه إقامةً تَقْطَعُ مثلُها الرُّخَصَ، أو ينوي ذلك عند عزمه على السفر، فيجوز له ذلك، لكنَّه يقضي أيام الإقامة اتِّفاقًا، ولا يقضي أيام الذهاب إجماعًا، وكذا أيامُ الإياب على الأصحِّ، وابتداءُ أيام الإياب: من حين يخرج راجعًا، وغلط مَن جعلها من حين العزم على الرجوع.
فإن أنشأ سفرًا آخر بعد الإقامة؛ فإن قلنا: يقضي مدَّة الإياب، قضى هاهنا، وإن قلنا: لا يقضيها؛ فإن أنشأ سفرًا لم يَنْوِه عند الخروج من الوطن لزمه القضاء، وإن نواه احتمل أوجهًا، ثالثها: التفرقةُ بين أن يقطع نيَّة السفر، ثم يجدِّده، وبين أن يستمرَّ على النّيَّة، والأوجَهُ: وجوبُ القضاء في الصورتين.

2518 -

فرع:

إذا نوى إقامة لا تَقْطَعُ الرُّخَصَ لم يجب قضاؤها، ولو كان السفر1

قصيرًا وجب القضاء؛ فإنَّ سقوط القضاء في السفر الطويل معلَّلٌ بما تعانيه من المشقَّة، ولا تحقُّقَ لذلك في القصير، وتردَّدَ أبو محمد في ذلك.
الثانية: ألا ينوي إقامةً تَقْطَعُ الرُّخَصَ، فلا يقضي مدَّة الإقامة، ولا الذهاب والإياب، ولو أقام بمقصده يومًا انقطعت الرخص، ولم يجب القضاء.

2519 -

فرع:

إذا لم يعزم الإقامة، لكن نوى الخروج إذا تنجَّزت حاجتُه؛ فإن أثبتنا له الرخص فلا قضاء، وإن لم نُثبتها فهو كإقامة أربعة أيام.

2520 - فرع: إذا خرج بواحدة خروجًا لا يوجبُ القضاء، فنكح في الطريق جديدةً، خصَّها بحقِّ العقد، ثم أدار القَسْمُ بينهما، فإنْ ظَلَمَ إحداهما قضاها في الطريق، فإن لم يتَّفق ذلك قضاها في الحضر من حقِّ صاحبتها دون المخلَّفات.
ولو سافر وحده، فتزوَّج في الطريق، فلا يقضي أيام السفر للمخلَّفات.
فإن كان له زوجتان 1، فنكح أُخريين، وسافر بإحداهما بالقرعة، دخل حقُّ العقد في أيام السفر، وهل يقضي حقَّ العقد للمخلَّفة؟ فيه وجهان، هذا إذا زُفَّت إليه المخلَّفة، فإن لم تُزفَّ وجب القطعُ بإيفائها حقَّ العقد.
ولو زفَّ جديدة على قديمة، ثم سافر منفردًا، وجب توفيةُ حقِّ العقد عند الإمام، وفيه احتمالٌ.

2521 -

فصل في الخروج في أثناء الليل

إذا خرج في ليلةِ واحدةٍ طَوْعًا أو كَرْهًا حُسِبَ لها ما مضى اتِّفاقًا، ولزمه قضاءُ البقيَّة، فإن خرج نصفَ الليل قضَى النصفَ الأخير بعد أن يبيت في النصف الأول بمسجدٍ، أو عند صديقٍ، وإن اختار أن يَقْسِمَ النصفَ الأول بينهنَّ، ثم يقضيها النصفَ الآخر، فله ذلك، فإن كنَّ اثنتين جعل النصف الأوّل بينهما ربعًا ربعًا، والأشبه: أن يجعل ثلاثةَ الأرباع الأُخَرَ للَّتي خرج من عندها؛ حتى لا يتفرَّق عليها حقُّها.

2522 -

باب الحال التي تختلف فيها حال النساء

إذا تزوَّج على نسائه، خصَّ الجديدةَ بسبعٍ إن كانت بكرًا، وبثلاثٍ إن كانت ثيِّبًا، ولا يقضي، ولا يتخلَّفُ عن الجماعة وشهودِ الجنازة، ولا عبرة بعادة أهل الحجاز في ذلك.
فإن زاد البكرَ على سبعٍ لزمه قضاءُ الزيادة لا غير، وإن أقام عند الثيِّب سبعًا؛ فإن كان بالتماسها قضى الباقيات سبعًا سبعًا، وإن لم يلتمسه قضى الأربع الزائدات، وإن التمست أقلَّ من سبعٍ، وأكثر من الثلاثِ، ففي بطلان حقِّها من الثلاث احتمالٌ.
والأَمَةُ في حقِّ العقد كالحرَّة، أو على النصفِ من ذلك؟ فيه وجهان.

2523 -

باب نشوز المرأة على زوجها

إذا نشزت المرأة فللرجل وعظُها وهجرُها وضربُها؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]، وهل يرتِّبُ ذلك أو يجمعُه؟ فيه للشافعيِّ تأويلات: أحدها: يجمعه عند ظهور النشوز.
والثاني: يَعِظُها إذا ظهرت أماراتُ النشوز، ويهجرُها إذا تحقَّق، ويضربها إذا أصرَّت.
وقال العراقيّون: إذا تكرَّر النشوزُ ضربها، وإن وقع مرَّةً واحدةً فوجهان.
فإن قلنا: لا يضربها بالمرَّة الواحدة، وَعَظَها في المرَّة الأولى، وهجرها في الثانية، وضربها في الثالثة.
ويُحتمل أن يُعتبر بالصائل في سلوك الأسهل فالأسهل، والأصحُّ: أنَّا لا نعتبر ذلك؛ فإنَّ المقصود دفعُ الصائل في الحال، والمقصودُ هاهنا إصلاحُ المرأة في الاستقبال؛ فإنَّها لو انقادت في كلِّ مرة بمجرَّد القول فقد يَفْسُدُ حالُها عليه في الاستقبال، وكذلك يؤدَّبُ الطفل؛ لإصلاحه في المستقبل، فعلى هذا إذا ظهر سوءُ الخلق بنشوزٍ واحدٍ جاز الضربُ إلا أن يقدِّره نادرة، فلا يجوزُ الضرب، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص

والأحوال؛ فإن غلب على ظنِّه أنَّها تَصْلُحُ بالهجر والوعظ اقتصر عليهما، ولا يحلُّ الضرب إلا أن يرجوَ به الإصلاح.
فإن لم تنزجر إلا بضربٍ مبرِّحٍ لم يبرِّح بها، وإن أدَّى الضربُ المشروعُ إلى تلفٍ، أو فسادِ عضوٍ، أو إيجابِ حكومةٍ، لزمه ضمانُ ذلك، فإن زال الشينُ ففي حكومته في الجنايات خلافٌ، ويجب القطعُ بسقوطها هاهنا.
وإن آذته بالكلام وسوءِ الخلق مع التمكينِ من الاستمتاع فليست ناشزةً، وهل يتولَّى ضربَها على ذلك، أو يرفعُها إلى الحاكم؟ فيه وجهان.
ولو منعتْه ضروبَ الاستمتاع، ومكَّنت من الجماع، ألزمها بذلك، وفي سقوط نفقتها وجهان.
وحيث جوَّزنا له الضربَ فالأَوْلَى به تركُه، بخلافِ ضربِ الصبيِّ.
والنشوز: مفارقةُ المنزل، أو منعُ التمكين فيه.
ولا يُشترط في النشوز أن يعجز عن ردِّها إلى الطاعة، ويُرجع في الطاعة إلى العرف، ويختلف ذلك باختلاف المناصب، والثيوبةِ والبكارة، ولا يُشترطُ أن تبادر مبادرةً تخرج عن حدِّ الحياء.
ولا بأس بالممانعة المحمولة على الدلال والمجاذبة.
وكلُّ ممانعةٍ تُحْوِجُ إلى مقاساةِ الكلفة والمشقَّة، أو إلى الضرب والتأديب، أو إلى تضرُّر الزوج بتأخير قضاء وطره، فهي نشوزٌ.

2524 -

باب الحكم في الشقاق بين الزوجين

إذا ثبت عند الحاكم عدوانُ الزوج مَنَعَه، وأخذ منه ما مَنَعَه من حقوقها، فإن خاف أن يضربها ضربًا مبرِّحًا لم يطلِّقها عليه، ويُحالُ بينهما إلى أن يَظْهَرَ لِينُ عريكته، فتُسلَّم إليه، ولا يظهرُ ذلك إلا بقوله بعد أن يوكَّل به 1 في السرِّ مَن يبحث عن إضماره، كما يُبحثُ عن الإعسار وما يتعلَّق بالنفي، وكما يَسْتَبرِئُ الفاسقَ إذا تاب، فإذا غلب على الظنِّ أنَّه مأمون رُدَّت إليه.
وإن لم يثبت عدوانُه، بل ظننَّاه، لم نَحُلْ بينهما إلا أن يبدرَ منه بادرة، فيُحال بينهما إلى ظهور الأمن.
ومتى ثبت النشوزُ فاليدُ للزوج دون السلطان، إلا أن يعجز، فيستعينُ بالسلطان.
وإن نشب الخصامُ بينهما، وأشكلَ الظالمُ منهما، ولم يتَّفقا على شيءٍ، بعث الحاكم حَكَمًا من أهله وحَكَمًا من أهلها؛ ليخلوَ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبه، ويكشفَ ما عنده، ثم يَجْرِيان على ما فيه الصلاح.
قال الأصحاب: ولا يُبعث الحكمان بمبادي الشرِّ والشقاق حتى يظهر

التواثُبُ والتشاتُمُ، وما يُستنكَرُ من الأمور مع الإلباس.
والحكمان وكيلان للزوجين على أقيس القولين، وحاكمان على القول الآخر، فإنْ جُعلا وكيلين فليس لهما سوى التفقُّدِ وكشفِ الحال، فإن وكَّلهما الزوجان فلهما أحكامُ الوكلاء من التصرُّف في الغيبة والحضور، والعزلِ والانعزالِ.
وقد أَشْعَرَ القرآنُ بالعَدد، فيُحتمل أن يُحمل ذلك على الاستحباب؛ إذ لا يُشترط التعدُّدُ في الوكيل، وقد قُرن بالعدد ما هو محبوبٌ اتّفاقًا، وهو كونُهما من أهل الزوجين، فإن لم يُشرط العددُ جاز وكيلٌ واحد إذا جوَّزنا الوكيل في الخُلع من الجانبين، وإن منعناه، فباشرت الخُلع بنفسها، جاز وكيل واحد من قِبَلِ الزوج.
وإن جعلناهما حكمين فلا بدَّ من العدالة، ومعرفةِ حُكم الواقعة دون الاجتهاد المطلق، ولابدَّ من العقل والدراية، والاستقلالِ بفهم خفايا الأحوال.
وفي اشتراط العدد احتمالٌ.
وإن رأيا الصلاح في الفراق 1، فلابدَّ من طلبها، فإن طلبت الفراق فلهما الخَلْعُ على كرهٍ من الزوجين.
وإن اصطلح الزوجان، فقال الحكمان: لا يدوم هذا الصلح؛ لِمَا ألفناه من حالهما، فلا مبالاةَ بقول الحكمين.
ولو غاب الزوجان مع قيام الشكاية، أو رُوجعا فسكتا، ففي نفوذ

تصرُّف الحكمين وجهان.

2525 -

فرع:

إذا تخالعا، فادَّعت أنه أكرهها على الخُلْعِ، فسكت، أو ادَّعت ذلك على وكيله، فاعترف بالطواعية، فأقامت البيِّنة على ذلك، وقع الطلاقُ رجعيًّا.
وإن ثبت أنَّه آذاها بالضرب والشتم وسوء العشرة على وجهٍ يكون مثلُه إكراهًا، فقالت: إنَّما اختلعتُ لأتخلَّص من ذلك الأذى، فليس هذا بإكراه.

جارٍ التحميل