يتوزَّع في المرأة الواحدة على عدد الطلاق.
ولو قال: أنتما طالقان على ألفٍ، فقبِلَتْ إحداهما دون الأخرى، لم تَطْلُقْ عند الأصحاب، كما لو قال: بعتكما هذا بألفٍ، فقَبِلَ أحدهما النصفَ بخمس مئة؛ فإنَّ البيع لا يصحُّ وإن جوَّزنا لأحدهما الانفراد بالردِّ؛ لِمَا في ذلك من مخالفة القبول للإيجاب، وأَبعدَ مَن قال: ينعقدُ في النصف بخمس مئة، ولم أر هذا لمعتمَدٍ (1) في المذهب، ولعلّه من ارتكاب أئمَّة الخلاف، ويجب طردُ ذلك فيما إذا قَبِلَتْ إحداهما الخلع.
وإن قال: بعتكما بألفٍ، فقالا: اشترينا، صحَّ، وإنْ قَبِلَ أحدهما بعد الآخر على الاتِّصال.
ولو قال كلُّ واحد منهما: قبلتُ نصفَه بخمس مئة، فالظاهر الانعقادُ، وفيه احتمال؛ لأنَّ إيجابه اقتضى جوابهما، فأجابه كلُّ واحدٍ منهما بما يصلح للانفراد.
ولو قال البائعان لرجل: بعناك عبدنا هذا وهو بيننا نصفين بألف، فقال لأحدهما: اشتريتُ سهمك بخمس مئة لم يصحَّ عند الأصحاب، ويطَّرد فيه الوجه البعيد.
2573 -
فرع:
إذا قَبِلَتا وإحداهما سفيهةٌ، طَلَقَتَا اتِّفاقًا، فتَبِيْنُ الرشيدة، وله ارتجاعُ السفيهة.1
ولو قالت: خالِعني وضرَّتي بألفٍ، فأجاب، صحَّ اتِّفاقًا؛ إذ لا أثر لتعدُّد المعقود عليه.
ولو قالتا: خالِعْنا بألفٍ، فقال: خالعتُكما، أو: طلَّقتكما، بانتا، وفي وجوب المسمَّى القولان.
ولو قالتا: خالعنا - أو: طلِّقنا - بألف، فقال لإحداهما: طلَّقتُك، بانت، كنظيره من الجعالة.
ولو قالا: بعنا هذا، فباع النصفَ من أحدهما، لم يصحَّ؛ لأنَّه معاوضةٌ محضةٌ، فشُرط فيه التوافُقُ الحقيقيّ بين القبول والإيجاب، ومن هذا استنبطوا قولًا فيما لو باع منهما، فقَبِلَ أحدهما، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ الأصحاب نصُّوا على اختلاف حكم المسألتين.
2574 -
فرع:
إذا قال: إن أعطيتماني ألفًا فأنتما طالقان، فأعطته إحداهما، لم تَطْلُقْ.
ولو قالتا: طلِّقنا بألف، فقال: طلَّقتُ هذه، أو: طلَّقتك يا هذه، بانت، وهل يجب مهرُ المثل، أو نصف المسمَّى؟ فيه قولان، ولا يجيء قولُ التوزيع على المهرين.
2575 -
فصل في الردَّة بين الإيجاب والقبول
إذا قالت: طلِّقني بألفٍ، ثم ارتدَّت، فأجاب؛ فإن كان قبل الدخول لم تطلق؛ لانفساخ النكاح، وإن كان بعد الدخول؛ فإن أسلمتْ قبل انقضاء
العدَّة صحَّ الخلع، وإلّا فلا.
وإن قال: خالعْتُكما، فارتدَّتا ثم قَبِلَتا، أو سألتاه الطلاق، ثم ارتدَّتا، فأجاب؛ فإن أسلمتا في العِدَّة صحَّ الخلع، وإن أسلمت إحداهما، وأصرَّت الأخرى؛ فإن كان الاستدعاءُ منهما، فهو كما لو استَدْعَتا ولا ردَّة فأجاب إحداهما، وإن ابتدأ الزوج بذلك؛ فإن قلنا: يبطل الخلع بالكلام اليسير، اتَّجه أن يبطل بتخلُّل الردَّة، وإن قلنا: لا يبطل بالكلام اليسير، فهو كما لو خالعهما فقبلت إحداهما؛ فإنَّ قبول المصِرَّة قد بطل، بخلافِ قبولِ السفيهةِ.
2576 -
فصل في خلع الأجنبيِّ
إذا قال الأجنبيُّ: طلَّق زوجتك ولك عليَّ ألفٌ، أو: بألفٍ، أو: على ألفٍ، فأجابه، صحَّ اتِّفاقًا، ولزمه المال، وإن لم تعلم الزوجة ولم تأذن، ولا يُخرَّج على الخلاف في كون الخلع فسخًا؛ فإنَّ الطلاق بالمال صحيح بالإجماع.
ولو قال: أَعْتِقْ مستولَدَتك ولك عليَّ ألفٌ، فأجاب، استحقَّ الألفَ.
ولو قال: أعتِقها عنِّي بألفٍ، فأجاب، عَتَقَتْ، ولا شيء له.
ولو قال: طلِّق زوجتك عنِّي بألفٍ، فأجابَ، فالوجهُ: القطعُ بوجوب الألف، ويُحتملُ إيجاب مهر المثل.
ولو قال: طلِّقها ولك ألفٌ، ففي وجوب الألف بهذا اللفظِ تردُّدٌ مرتَّبٌ على استدعائها بهذا اللفظ، والأجنبيُّ أولى بالمنع؛ لبعده عن غرض الخلع.
2577 -
فرع:
إذا خلعها بغيرِ إذنها لم يرجع بالبدل، وإنْ أذنت، رجع إن شرط الرجوع، وإن لم يشرطه فوجهان.
وقال أبو محمد: هل يُلحق بالضمان، أو بمطالبة الوكيل بالعهدة؟ فيه خلاف؛ لأنَّ الفائدة راجعةٌ إلى المرأة، كما ترجع إلى الموكِّل.
2578 -
فصل في خلع السفيهة والعبد والأمة
طلاق العبد والسفيهة وخُلعُهما نافذٌ بغيرِ إذنٍ، فيدخل العوضُ تحت الحجر، كما يدخل ما يحصِّلانه بالاحتشاش أو الاتِّهاب.
ولاختلاع الأمة حالان:
إحداهما: أن يقع بإذن السيَّد، فإن كان بعَيْنٍ من ماله صحَّ، ومَلَكها الزوج، وإن كان على الذمَّة تعلَّق العوض بكسبها، كما يتعلَّق المهر به في إصداق العبد بالإذن، وهل يضمنه السيِّد؟ فيه قولان.
الثانية: أن تختلع بغير إذنٍ، فتَبِين، ولا تُطالَب إلا بعد العتق، وفي صحَّة الاختلاع وجهان، فإن قلنا: يصحُّ، لزمها المسمَّى، وإن قلنا: لا يصحُّ، وجب مهر المثل، وإن خالعت بعينٍ من ماله؛ فإن قلنا: يصحُّ خُلعُها بالدَّين، فهو كاختلاع الحرَّة بالمغصوب، وهل يلزمُها مهرُ المثل، أو القيمةُ؟ فيه قولان، وإن قلنا: لا يصحُّ، وجب مهر المثل قولًا واحدًا.
واختلاع المكاتبة بغير إذنٍ كاختلاع الأمة بغير إذنٍ، وإن اختلعت
بالإذن فعلى قولَي التبرُّع بالإذن، وإن اختلعت بعين تملكها؛ فإن كان بغيرِ إذنٍ فهو كاختلاع الأمة بالعين بغير إذدب، وإن كان بإذنٍ فعلى قولَي التبرُّع، وقال في "التلخيص": لا يصحُّ الخلع وإن جوَّزنا التبرُّع بالإذن، وهو مزيَّف.
2579 -
فصل في الاختلاف والتنازع
إذا اختلفا في جنسِ بَدَلِ الخُلْعِ، أو قَدْرِه، أو وَصْفِه، أو في عدد المسؤول من الطلاق مثلَ أن قالت: طلَّقتني ثلاثًا سألتُها بألف، فقال: بل واحدةً سألتِها بألفٍ، تحالفا، ووجب مهرُ المثل، والقولُ قول الزوج فيما ينفيه من الطلاق.
وقد نُقل عن الشافعيِّ أنَّها لو قالت: سألتكَ ثلاثًا بألفٍ، فطلَّقتني واحدة، فقال: بل طلَّقتكِ ثلاثًا؛ فإن قصُر الفصل طَلَقَتْ ثلاثًا، وإن طال بحيث يُبطل خيارَ القبول طَلَقَتْ ثلاثًا، وتحالفا، ووجب مهرُ المثل، ومقتضى ذلك وجوبُ المسمَّى إنْ قصر الفصل؛ لقدرته على الإنشاء.
وهذا مشكِلٌ؛ فإنَّه لو قدَّم طلقةً، فقَبِلَتْ، بانت، وعجز عن الإنشاء، فبنى ذلك بعضُهم على الوجهين فيما إذا قال لغير الممسوسة: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ وطالقٌ، ففي وقوع طلقتين وجهان؛ فإن قلنا: تقعان، فاستدعت ثلاثًا بألفٍ، فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ؛ طلقت ثلاثًا؛ لأنَّ الاستدعاء جامعٌ للطلقات كالدخول، فيَقْدِرُ على إنشاء الطلقتين بعد وقوع الأولى.
وهذا باطلٌ، ويجب القطع بأنَّه لا يقع سوى الأولى؛ فإنَّها بانت بها، كما لو قال لغير الممسوسة: أنت طالقٌ وطالقٌ؛ لأنَّ ألفاظ الإنشاء مترتِّبةٌ، فيستحيل أن يتقدَّم حكمُ الطلقة الثانية والثالثة عليهما، بخلافِ دخولِ الدار؛ فإنَّه أول وقتِ الوقوع، فوقعت فيه الطلقتان معًا.
ثم لا وجه للتحالف؛ فإنَّه لا يجري إلا في صفة العقد، أو صفةِ عِوَضِه، فينبغي أن يجب ثلثُ الألف؛ لاتِّفاقهما عليه، ثم يحلِّفها على نفي العلم.
ومن الإشكال أنَّه لم ينشئ الطلاق، بل أقرَّ به، فيُحتمل أن يُخرَّج على أنَّ مَن مَلَكَ الإنشاء فقد يُجعل إقرارُه كإنشائه مع ما فيه من الاشكال.
فيُمْكِنُ أن يُحمل هذا النصُّ على زللٍ في النقل، أو خطأ في بعض النُّسخ، وهو منقولٌ عن "الأمّ"، وكلُّ ما يضاف إليها، فهو من الأقوال القديمة 1.
والحقُّ في ذلك أن يقال: إن قال الزوج: لم أطلِّقك، ولكنَّي أطلِّق الآن، فطلَّق ثلاثًا مع اتِّصال الزمان، فالوجه: القطعُ بوجوب المسمَّى، ووقوعِ الثلاث، ولها تحليفُه أنَّه لم يطلِّقها سوى واحدةٍ في جواب السؤال؛
فإنْ نكل لم يجب المسمَّى، وإن قال: طلَّقتك من قبلُ ثلاثًا، فلا أثر لقُرْبِ الزمان، فتقع الثلاثُ، ويجب ثلثُ الألف، والقولُ قولُها في نفي الثلثين.
2580 -
فرع:
إذا قال: طلَّقتكِ بالفٍ، أو قال لعبده: أعتقتُكَ بألف، أو قال لإنسان: بعتكَ عبدي بألفٍ فأعتقتَه، فأنكر المدَّعى عليه التزامَ المال والشراء، نفذ الطلاقُ والعتقُ، والقولُ قولُ المنكِر في نفي المال، وإن قال: بعتك بألفٍ باقٍ عليك، فأنكر، لم يلزم المُقِرَّ تسليمُ المبيع.
2581 - فرع:
إذا قالت: طلِّقني على نيَّتي (1)، أو على مال، فقال: أنت طالقٌ على ألف درهم، بانت، ووجب مهرُ المثل.
قال الإمام: هذا إنْ قَصَدتِ الاستدعاءَ المُغْنِي عن القبول، فإن قالت: قصدتُ أن يُوجب الطلاق بشيء أقبله، ففي قبول قولها احتمال.
وإن قالت: طلِّقني بشيء، فقال: طلَّقتك بشيء، فالظاهر: أنَّه استدعاء، وفيه احتمال.
2582 -
فصل في الوكالة في الخلع
للزوجين التوكيلُ في الخلع، فمَن مَلَكَ مباشرةَ الخلع لنفسه - كالحرّ والعبد والسفيه - جاز أن يكون وكيلًا للزوج، وكذلك الذِّمَّيُّ في مخالعة1
المسلمة؛ فإنَّه لو خالع زوجته المسلمة، ثم أسلم قبل انقضاء العدَّة، صحَّ الخلعُ، وإن قال لامرأته: طلِّقي نفسك، صحَّ.
وإن وكَّل امرأةً في الطلاق أو الخلع؛ فإن جعلنا التفويضَ إلى الزوجة توكيلًا جاز، وإلا فلا؛ فإن قلنا: لا يجوز، فطلَّقت، لم يقع.
واستبعد الإمام وجهَ المنع، وقال: إذا جُعل التفويضُ تمليكًا، فجوازُ التوكيل على هذا القول أولى؛ فإنَّ الإنسان قد يتوكَّل فيما لا يملكه، كالعبد والكافر والفاسق إذا توكَّلوا في إيجاب النكاح على الأصحِّ.
وللمرأة توكيلُ المرأة في الخلع، وكذلك كلُّ مَن هو من أهل العبارة في الطلاق.
2583 -
فصل في مخالفة وكيل الزوج
إذا قال: طلَّق امرأتي بمئة درهم، فطلَّق بمئةٍ أو أكثر، أو قال: طلِّقها على مالٍ، أو: اخْلَعْها، ولم يذكرِ العوض، فخَلَعَ بمهر المثل أو أكثر، صحَّ الخلعُ بذلك، وإن نقص عن المسمَّى، أو عن مهر المثل، فالنصُّ: أنَّها لا تَطْلُقُ إذا نقص المسمَّى، وتَطْلُقُ إذا نقص مهرُ المثل، وخُرِّج في المسألتين قولٌ على خلاف النصِّ فيهما، وهو متَّجهٌ إذا نقص عن مهر المثل، بعيدٌ إذا نقص عن المسمَّى.
فإن قلنا: تطلق إذا نقص عن مهر المثل، فطريقان:
أصحُّهما: أنَّ البينونة لا تردُّ، وهل يجب مهرُ المثل، أو يتخيَّر؟ فيه
قولان، فإن خيَّرناه فله الرضا بالمسمَّى، أو فسخُه والرجوعُ بمهر المثل.
الطريقة الثانية انفرد بها أبو عليٍّ: أنَّه يتخيَّر، وفيما يتخيَّر فيه قولان:
أحدهما: يتخيَّر بين أن يُجيز، وبين أن يردَّ العِوَض والطلاق.
والثاني: يتخيَّر بين الإجازة، وبين ردِّ العوض والبينونة، دون الطلاق، فإن اختار ردَّ العوض والبينونة نفذ الطلاق رجعيًّا.
فيجوز أن يكون هذا الخلافُ مبنيًّا على وقف العقود، ويجوز أن يختصَّ الطلاق بوقفٍ لا يجري نظيرُه في العقود، وهذا غير مرضيٍّ؛ إذ يجب طردُه في تطليق الأجنبيِّ.
ولا يتَّجه شيء من هذه التفاريع إذا نقص عن المئة المسماة.
2584 -
فرع:
قال الإمام: إذا قال: خالِعْ زوجتي، فهل يُشْعِرُ ذلك بطلب المال كما لو قال: بع ثوبي، أو يُخرَّج على تخالُعِ الزوجين إذا لم يُذكر المال؟ فيه احتمال.
2585 -
فصل في مخالفة وكيل الزوجة
للزوجة في التوكيل حالان: إحداهما: أن تسمِّي، فتقولَ: اخلعني بمئة درهم، فيَخْلَعُ الوكيلُ بها أو بأقل، فيصحُّ، وإن زاد فله أحوال: الأولى: أن يضيف إليها، فيقول: اختلعتُها بمئتي درهم عليها، فتَطْلُقُ
على النصِّ الجديد والقديم، خلافًا للمزنيِّ، وقولُه متَّجه، ولم يُلْحِقوه بالمذهب، خلافًا للإمام.
فإن قلنا: تَطْلُقُ، فلا شيء على الوكيل؛ لإضافته الخلع إليها، وفيما يجب عليها قولان:
أحدهما: مهرُ المثل، وهو المذهبُ.
والثاني: الأكثرُ من مهر المثل أو المئةِ المسمِّاة، فيلزمُها المئةُ إن كان مهرُ المثل تسعين، أو مهرُ المثل إن كان مئةً وخمسين، وإن كان ثلاثَ مئة لزمها مئتان على الأصحِّ؛ لرضا الزوج بهما.
الحال الثانية: أن يُطْلِقَ الخُلْعَ بالمئتين، فتَبِين، ولا يخرج عن الغرم اتِّفاقًا، بل يجب عليهما، وفيما يلزمها قولان:
أقيسهما: المئةُ التي سمَّتها، والباقي على الوكيل.
والثاني: الأكثرُ من مهر المثل أو المئة، فإن كان مهر المثل تسعين لزمها مئةٌ، والباقي على الوكيل، وإن كان مهر المثل مئةً وخمسين لزمها مئة وخمسون، والباقي على الوكيل، وإن كان مهر المثل مئتين لزمها المئتان، فإن زاد مهرُ المثل على المئتين لم تجب الزيادةُ؛ لصحَّة التسمية، ولذلك نصَّ الشافعيُّ على أنَّها لو قالت: اخلعني بمئة، فقال: لا يرضى الزوجُ بذلك، وأنا أخلعُكِ بما يَطْلبُ والزيادةُ عليَّ، جاز؛ فإنَّه إذا ملك أن يفديها بجميع العوض ملكَ الفداءَ ببعضه، ثم الوكيل مطالب بما يلزمه.
وإن علَّقنا العهدة بالوكلاء طُولب بما يلزمها، وإلّا فلا، وعلى قياس
المزنيِّ: إن أضاف الخلع إليها لم يصحَّ، وإن أضافه إلى نفسه لزمه كمالُ العوض.
الحال الثالثة: أن ينويَ اختلاعها عن نفسه، أو يُطْلِقَ ولا ينويَها، فيقع الخلع عنه.
2586 -
فرع:
إذا أضاف الخلع إليها وضَمِنَ، بأن قال: اختلعتُها بمئتين من مالها على أنَّي ضامنٌ، فهو كإضافة الخُلع إليها من غير ضمانٍ، وغلط الصيدلانيُّ، فألحق ذلك بصورة الإطلاق.
الحال الثانية: أن توكِّل في الخلع، ولا تذكُرَ العِوَضَ، فيَخْلَعُ بمهر المثل أو أقلّ، فيصحُّ، فإن زاد على مهر المثل فهو كما لو زاد على ما سمَّته، فإن أضافه إليها فهو كالإضافة إذا سمَّت، وإن أطلق فهو كما لو أطلق فيما يجب على كلِّ واحدٍ منهما، إلّا أنَّ المرأة لا يلزمُها هاهنا أكثرُ من مهر المثل؛ فإنَّها لم تسمَّ شيئًا.
2587 - فرع:
قال القاضي: إذا عَدَلَ عن المئة، فخالَعَ بمئة دينار، وقع الخُلْعُ عنه؛ لأنَّ المخالفة في الجنس خروجٌ عن الإذن بالكلَّيّة، بخلافِ المخالفة في المقدار، ولم أر التفرقة بين المخالفة في الجنس أو القَدْرِ إلا لَهُ.
ولو أذنتِ المرأة في النكاح بمئةٍ، فزوّجت بخمسين، ففي صحَّة النكاح خلافٌ، فإن صحَّحناه وجب مهرُ المثل.
ولو وكَّل الرجل مَن يقبل له النكاحَ بالف، فقبِلَه بألفين، لم ينعقد، وأَبعدَ مَن قال: ينعقد، ويجب مهر المثل.
2588 -
فرع:
إذا توكَّل للزوجين في الخلع ففي الصحَّة وجهان؛ فإنَّ الخلع يقبلُ ما لا تقبلُه سائرُ المعاوضات، فإن صحَّحناه، ففي الاكتفاء بأحد الشقَّين وجهان.
وإن توكَّل في استيفاء حقٍّ وإيفائه، فتلف في يده، فهل يكون من ضمان الدافع، أو المستحِقِّ؟ فيه تردُّدٌ للقفَّال.
وقال الإمام: إن نوى القبضَ عن المستحِقِّ فهو من ضمانه، وإن نواه عن الدافع ففيه احتمال، وإن لم ينو شيئا ففيه تردُّدٌ يَقْرُبُ من تقابل الأصلين.
2589 -
باب الخلع في المرض
إذا تزوَّج المريضُ بمهر المثل أو أقلَّ، صحَّ، ولم يُحسب من الثلث، كما لو استوعَبَ مالَه في ملاذِّ الطعام، ومهورِ الأبكار، وقضاءِ الأوطار، وإن زاد على مهر المثل فالزيادةُ تبرُّعٌ مردودٌ إن كانت الزوجة وارثةً، ومحسوبٌ من الثلث إن لم تكن وارثةً.
وإن اختلع بأقلِّ ما يُتموَّل صحَّ؛ إذ ينفذُ طلاقُه مجَّانًا.
وإن تزوَّجت المريضةُ بمهر المثل أو أكثر، صحَّ، وإن نقصت عن مهر المثل صحَّ النكاح، فإن كان الزوج حرًّا ورث ولزمه مهرُ المثل، وإن كان عبدًا فالمذهبُ: أنه يُحسب من الثلث، وقيل: ليس بوصيَّةٍ؛ فإنَّ التبرُّع ما يبقى للورثة، ومنافعُ البُضْعِ لا تبقى لهم.
وإن اختلعت بمهر المثل أو أقل، لم يُحسب من الثلث، وإن زادت على مهر المثل حُسبت الزيادةُ من الثلث، فإن لم تملك سوى عبدٍ قيمتُه مئةٌ، فاختلعت به، ومهرُ مثلها خمسون، بانت، ولزمها مهرُ المثل، ومَلَكَ نصفَ العبد بالخُلع، وسُدسَه بالوصيّة، وله الخيار، في نصفه بين الفسخ والإجازة؛ فإنْ فسخ فله مهرُ المثل على قولٍ، والقيمةُ على آخر.
2590 -
فروع:
الأول: حكمُ خلع الكفَّار كحكم أنكحتهم، والعوضُ فيه كالصَّداق فيما يُقبض قبل الإسلام أو بعده.
الثاني: إذا خلع بعد الدخول أو قَبْلَه، على دَينِ أو عينٍ، لم يبرأ من الصَّداق.
الثالث: إذا تخالَعَا على خمرٍ، أو خنزيرٍ، أو على دَينٍ مؤجَّلٍ بالدِّياس والحصاد، أو على ما في كفِّها، وهو مجهولٌ، وقلنا: لا يصحُّ نظيره من البيع، بانت، ولزم مهرُ المثل.
الرابع: إذا قالت: أبرأتك من الصداق بشرط أن تطلِّقني، فطلَّق، طَلُقَتْ مجَّانًا، ولم يصحَّ الإبراء.
وإن قال: إن أبرأتِني فأنتِ طالق، فقالت: أبرأتُك، بانت، كما لو قال: إن ضمنتِ لي ألفًا، فضمِنَتْه.
وإن قال: طلَّقتك فأبرئيني، طَلَقَتْ، ولم يَلْزَمْها الإبراءُ، والله تعالى أعلم.