كِتابُ الحَجِّ
922 -
باب بيان فرض الحج
يجب الحجُّ على كلِّ مكلَّف مسلمٍ حرٍّ مستطيع للحجِّ بنفسه أو نائبه، ويُشترط لصحَّة الحجِّ بالمباشَرة الإِسلامُ والتمييز، وبغير المباشَرة الإِسلامُ المَحْضُ.
والاستطاعة: هي القدرة على المباشَرة من القادر، وعلى الاستنابة من العاجز.
فأمَّا استطاعةُ المباشَرة: فزادٌ وراحلة يَفْضُلان عن مسكنه وعبده المستغرق بخدمته، وقضاء ديونه الحالَّة، وما يصرفه في النكاح إِن خشي العَنَت خشية تُبيح نكاحَ الأَمَة، وأمَّا رأسُ مال التجارة: فيُصرف في الدَّين والحجِّ والكفَّارة المرتَّبة.
وقال ابن سُريج: إِن لم يُحسِن الكسبَ إِلا بالتجارة، تُرِك له ما يُتوصَّل به إِلى تحصيل قوتهِ في المستقبل، كما يُترك له دَسْتٌ 1 ثوب يليق بمنصبه،
وهو مزيَّف في الديون، مُحتمِلٌ في الحجِّ، متَّجِه في الكفَّارات لأجل أبدالها.
فأمَّا الزاد: فنفقةُ الذهاب والإِياب إِن كان له أهلٌ أو مسكن، وإِن لم يكن، ففي نفقة الإِياب وجهان، وفي المسكن احتمال، والأهل: زوجته وولده وأقاربه، ولم يتعرَّضوا للأصدقاء؛ لإمكان الاستبدال.
وأمّا الراحلة: فإِن استمسك عليها، اعتُبِرت مَؤونتها، وإِن لم يستمسك، أو تضرَّر بالاستمساك، فلا يلزمه إِلَّا أن يجدَ شِقَّ مَحْمِل، فيلزمه إِن وجد عَدِيلًا، وإِن لم يجد العديلَ، أو وجده وقَدَر على أجرة جميع المَحمِل لنفسه ولعديله، فلا يلزمه ذلك، واختلفوا في التضرُّر بالاستمساك، فاعتبره أبو محمَّد ما بين الركوب والمشي من الضرر، واعتبره غيره بما يُخشى منه المرض.
923 -
فرع:
إِذا كان من مكَّة على مسافة لا تقصر فيها الصلاةُ، لزمه المشيُ إِن قَدَر عليه؛ فإِن تضرَّر به، فهو كالتضرُّر بركوب الراحلة، وإِن قدر على الزحف دونَ المشي، فلا وجوبَ.
924 - فرع: إِذا وجد نفقةَ أهله دون نفقة نفسه، وتيسَّر له الكسبُ في الطريق؛ فإِن كان مسافةَ القصر، لم يلزمه ذلك، وإِن نَقَصت المسافةُ، لزمه ذلك إِن كفاه كسبُ يوم لأيَّام، وإن لم يكْفِه إِلَّا ليومه، فلا وجوب.
925 -
فصل في استطاعة الاستنابة
يُشرط لوجوب الاستنابة وصحَّتِها العَجْزُ عن المباشرة بزَمانةٍ أو عَضْب لا يرجى زواله في غالب الظنِّ، فإِذا قَدَر على الاستنابة بأجرة أو طاعة، وجبت الاستنابةُ.
ويُعتبر في الأجرة أن تفضُل عمَّا يخلف له من دين وغيره، وعن نفقته ونفقة أهله في يومه، كما يُترك لهم نفقتهم في الفطرة [والدَّين] (1) والكفَّارة، وأمَّا الزيادةُ على نفقة اليوم: فلابدَّ من تخليف بلاغ إِن قلنا: يترك له رأس المال، وإِن قلنا: لا يترك، ففي ترك النفقة الزائدة على نفقة اليوم احتمالان:
أحدهما: لا يُترك؛ كما في الفطرة والدَّين والكفارة.
والثاني: يُترك إِلى فراغ الأجير من الحجّ دون إِيابه، بخلاف الفطرة والكفَّارة؛ فإِنَّ مقصودَهما يحصل ببذلهما بخلاف الحجّ؛ فإِنَّه متوقَّع لا يحصل ببذل الأجرة، ولا مبالاة بما يُتوقَّع من مَسْكنة المباشر بعد الإِياب، والمعضوب بعد الفراغ من الحجِّ؛ إِذ الأرزاق بيد الخلَّاق.
926 -
فصل في بذل الطاعة
إِذا بذل الابنُ الطاعةَ، وجبت الاستنابةُ إِن ملك زادم وراحلة، وإِن كان ماشيًا له زاد، فوجهان، وإِن لم يكن زادٌ وعوَّل على الكسب، فوجهان مرتَّبان، فإِن لم يكن وعوَّل على السؤال، فوجهان مرتَّبان، فإِن كانت مفازةٌ لا ينفع فيها1
كسبٌ ولا سؤال، حَرُم على الابن التغريرُ بسلوكها، ولا استنابةَ على الأب.
وإن بذل الأجنبيُّ المال، فلا تجب الاستنابةُ اتِّفاقًا، وإِن بذل الطاعةَ، أو بذل الابنُ الأجرة في الحجِّ، وثمنَ الماء في التيمُّم، فوجهان، وقال أبو محمَّد: الأبُ في الطاعة كالأجنبي، وفي المال كالابن أو الأجنبي؟ فيه تردُّد، ولعلَّ الأظهر إِلحاقُه بالابن.
927 -
فرع:
لو رجع الابنُ عن الطاعة، جاز على الأصحِّ، وقيل: لا يجوز؛ لأنَّه كالضامن.
928 -
فصل في زوال العَضْب (1) بعد الحجِّ
لا يصحُّ الحجُّ عن القادر، ولا عن ذي عَضْب مرجوِّ الزوال، فإِنْ حُج عنه في عَضْب مأيوس، فبرئ على نُدور، أو في عَضْب مرجُوٍّ، فاتَّصل بالموت، ففي وقوع الحجِّ عن المستأجر قولان، يُنظر في أحدهما إِلى الحال، وفي الآخَر إِلى المآل، والأصح أنَّه لا يقع عنه، فإِن أوقعناه عنه، لزمته الأجرةُ، وأبعد مَنْ أوقعه عن نفله.
وإن قلنا: لا يقع عنه، فلا تلزمه الأجرةُ على أصحِّ الوجهين، فإِن1
ألزمناه الأجرة، فهي أجرة المِثل أو المسمَّى؟ فيه وجهان يبتنيان على بقاء الإجارة وانفساخها.
وقال أبو محمَّد: إِن قلنا: تقع عن نفل المستأجر، فلا يمتنع تخريجُ الخلاف في المسمَّى، وأجرة المثل.
ولو أحرم بالحجِّ عن المستأجِر في إِجارة صحيحة، ثم نوى صرفَه إلى نفسه ظانًّا لجوازه، ففي استحقاقه الأجرةَ وجهان.
929 -
فصل في حجِّ المملوك والصبيِّ والردَّة بعد الحجِّ
ويصحُّ حجُّهما، ولا يقع عن فرض الإِسلام؛ إِذ لا وجوبَ.
ولو حجَّ الفقيرُ أجزأه عن فرض الإِسلام، ولا يجب الحجُّ إِلَّا مرَّةَ، وكذلك العمرةُ إن أوجبناها، فإِن ارتدَّ بعد أداء الفرض، ثمَّ رجع إِلى الإِسلام، لم يلزمه الإِعادةُ.
930 -
فصل في تقديم فريضة الحجِّ على غيرها
الحجُّ منقسمٌ إِلى فرض الإِسلام، والنذور، والتطوُّع، والقضاءُ عن حجٍّ لو تمَّ لم يقع عن فرض الإِسلام؛ كحجٍّ أفسده العبدُ، ثم عَتَق قبل قضائه، فإِذا أطلق نيَّة الحجِّ، أو نوى شيئًا من هذه الأقسام، انصرف إِلى فرض الإِسلام.
والنذر مع التطوُّع كفرض الإِسلام مع التطوُّع، وقال أبو محمَّد: يُقدَّم
القضاءُ على النذر، وفيه احتمال؛ إِذ القضاءُ فرع لحجٍّ غيرِ واجب، كما أنَّ النذر غير واجب، ولا يصحُّ استئجار الصَّرورة على الحجِّ، فإِن استُؤجِر فأحرم عن المستأجر، انصرف إِلى فرض الأجير، ولو استأجر الصرورةَ؛ ليحجَّ في السنة القابلة، لم يصحَّ إِلَّا أن يلزم ذلك ذمَّتَه، فتصحَّ الإِجارة، ويحج في السنة الأولى عن نفسه، وفي الثانية عن المستأجر، فإِن حجَّ عن نفسه، ثمَّ أحرم بالتطوُّع عن نفسه في السنة الثانية، صحَّ إِحرامُه، وقال أبو محمَّد: ينصرفُ إِلى المستأجر؛ لوجوب الحجِّ عن المستأجر.
931 -
باب إِمكان الحجِّ وأنَّه من رأس المال
إِذا اتَّصف بالاستطاعة مدَّةً تتَّسعُ للسفر وإِقامة الحجِّ فقد استقرَّ في ذمّته، ولا أثر لموته بعد ذلك، وإِن ضاقت المدةُ عن السفر والحجِّ، فلا وجوبَ، وكذلك لو تلف مالُه بعد الفراغ من الحجّ وقبل الإِياب حيث يُشترط نفقة الإِياب.
قلت: إِذا لم يتَّسع الوقت إِلَّا للحجِّ، فينبغي أن يلزمَه الحجُّ والعمرة؛ لأنَّه تمكَّن من إيقاعهما بالقران، ولو ضاق الوقتُ عن الحجِّ دون العمرة، وجب أن يلزمَه العمرةُ، ولو حجَّ غيرُ المستطيع، وأفسد حجَّه استقرَّ قضاؤه في ذمَّته؛ لأنه لو تمَّ، لوقع عن فرض الإِسلام، بخلاف ما لو أفسد حجَّ التطوُّع، فإِنَّ حكمَه في القضاء كحُكْمه في الأداء، ولو أوصى بحجِّ تطوُّع، ففي الصحَّة قولان، وإن أوصى غيرُ المستطيع بالحجِّ، فطريقان، أحدُهما: القطعُ بالصحَّة؛ لأنه لو وقع في الحياة، لأجزأ عن فرض الإِسلام، فإِن أجزنا الوصيَّة بذلك، اعتبرت من الثلث؛ لانتفاء الدَّينيَّة.
932 -
فصل في حجِّ المبذِّر والمجنون
الجنون منافٍ لوجوب الحجِّ، بخلاف الزكاة؛ إِذ مقصودُها الأظهر
سَدُّ الخَلَّة ودفع الحاجة، فإِن كانت له إِفاقةٌ تتَّسع للحجِّ استقرَّ في ذمَّته، وإن لم تتَّسع لم يجز للوليِّ أن يحجَّ به من ماله، فإِن خالف ضَمِن ما زاد بسبب السفر إِلَّا أن يتَّفق له إِفاقةٌ يؤدِّي فيها الحجَّ، فلا ضمانَ على الوليِّ، ويجب الحجُّ على المبذِّر، ويخرج معه الوليُّ أو نائبه؛ ليراقبَه وينفقَ عليه.
933 -
فصل في غلاء الأسعار وما يُؤخذ على المراصد
1 لا يسقط وجوبُ الحجِّ بغلاء مُؤَنه؛ كالعلف والكراء والزاد والماء إِذا قدر على الثمن؛ لأنَّه مأخوذ بحقٍّ، بخلاف ما يؤخذ على المراصد بالباطل، فإِنَّه إِذا لم يقدر على دفعه، ولم يجد طريقًا لا راصدَ به، فلا يلزمه الحجُّ وإِن قلَّ قدر المأخوذ، وفي وجوب أجرة المُبَذْرِق 2 الذي يأمن بسببه وجهان، واختار الإِمامُ الوجوبَ، ولا يُشترط أن يأمنَ في السفر كالأمن الغالب في الحضر، بل يُعتبر في كل مكان ما يليق به.
934 -
فصل في ركوب البحر لأجل الحجِّ
إِذا اغتلم 1 البحر، أو كان مُغرِقًا لا يركبه إِلا هجَّام مُغَرِّر، فلا يجب ركوبُه لأجل الحجِّ، وإن كان ممَّا يعتاد ركوبه، ولا يُنسَب راكبه إِلى اقتحام العَطَب، فقد اختلف النصُّ في ركوبه، ولهم فيه خمسُ طرق:
الأولى: في وجوب ركوبه قولان.
الثانية: تجب على الجريء، وفي المستشعر 2 قولان.
الثالثة: لا تجب على المستشعر، وفي الجريء قولان.
الرابعة: تجب على الجريء دون المستشعر؛ حملًا للنصَّين على هاتين الحالين 3.
الخامسة: لا تجب بحال، والنساء أولى بألَّا يلزمَهُنَّ الركوبُ، فحيث جعلنا في الرجال قولين، ففيهنَّ قولان مرتَّبان.
فإِن قلنا: لا يجب؛ فتوسَّط البحر، واستوى في ظنِّه ما بين يديه وما خلفَه، فإِن لم يكن لرجوعه طريق إِلا البحر، فلا يلزمه إِتيانُ مكَّة، وإِن كان له طريق آخر، ففي وجوب إِتيانها وجهان كالوجهين في المُحصَر إِذا أحاط به العدوُّ، وإن كان إِلى مكَّة أقربَ من غيرها من الجوانب، لزمه إِتيانُها، وإِن كانت أبعدَ، جاز له الرجوعُ، وإِن لم نوجب الركوبَ، فهو محبوبٌ إِن لم
يكن البحر مغرقًا، وإن كان مغرقًا؛ فإن غلب على الظنِّ الهلاك حرم ركوبُه اتِّفاقًا، وإِن استوى الأمران فقد حرَّمه أبو محمَّد، وأشار غيرُه إِلى الكراهة ونفي التحريم، وهل يحرم ركوبُ المُغْرِق لأجل الجهاد؟ فيه وجهان.
935 -
فصل في اعتبار المَحْرَم في استطاعة الحجِّ في حقِّ النساء
وجوب الحجِّ على المرأة كوجوبه على الرجل إِلَّا أنَّها تفتقرُ إِلى المَحْرم، فإِن وجدت أسبابَ الاستطاعة إِلَّا المَحْرمَ أو الزوجَ، فلا يلزمها الحجُّ، ولا يؤدَّى من تركتها، وإِن ساعدها زوجُها أو مَحرمُها؛ كالأخ من الرضاع، فذاك، وإِن أبى إِلَّا بأجرة لزمتها الأجرةُ على الأصحِّ، وإِن لم يساعدها زوجٌ ولا ذو محرم، واجتمع نسوةٌ ثقات يصطحبن في رفقة مأمونة، ففي وجوب الخروج وجهان: أحدُهما: لا يجب إِلَّا أن يكون مع إحداهن مَحْرم، ولم يشترط أحدٌ أن يكونَ مع كل واحدة مَحْرم، واختيار القفَّال اشتراط المحرم، ويشهد لذلك تحريمُ الخلوة؛ إِذ لا يجوزُ للرجل الواحد أن يخلوَ بنسوة إِلَّا أن يكونَ فيهن مَحْرم له، ولو خلا رجالٌ بامرأة وأحدُهم مَحْرم لها، أو خلا عشرون رجلًا بعشرين امرأة، وأحدُهم مَحْرم لواحدة منهنَّ، أو زوجٌ، جاز ذلك، وقد قال الشافعيُّ: لا يجوزُ للرجل أن يَؤُمَّ النساءَ المنفردات إِلَّا أن يكون مَحْرمًا لواحدة منهن.
936 -
فصل في إِخراج الحجِّ من التركة
إِذا مات بعد استقرار الحجِّ أو غيره من حقوق الله، ففيه قولان:
أصحُّهما وهو المذهب: أنَّها تُخرج من رأس ماله مقدَّمةً على الوصايا والميراث كغيرها من الديون.
والثاني: أنَّها لا تخرج إِلَّا أن يُوصِيَ بها، فتخرج حينئذ من ثلثه، فعلى هذا يخرج حجَّةً ميقاتيَّةً من ثلثه، وهذا بعيدٌ لا تفريعَ عليه.
ثمَّ المحكوم بكونه دَينًا مخرَجًا من رأس المال أجرةُ حجه من ميقات بلده، أو من مثل مسافته؛ إِذ لا خلافَ أنَّا لا نعتبرُ عينَ الميقات، وتدفع الأجرة إِلى بعض السيَّارة إِمَّا بتبرُّع منه أو إِجارة؛ ليستأجرَ بها مَن يحجُّ من الميقات؛ فإِن أوصى بإِخراج الحجَّة الميقاتيَّة من ثلثه، ففائدة وصيَّته مزاحمةُ الوصايا، فإِن لم تَفِ المزاحمةُ بحجَّة ميقاتيَّة، كملت من رأس المال، فيَنْقص بذلك الثلث، ويفتقر فيه إِلى الحساب الدوريِّ، كما يفعل في كلِّ صورة يجتمع فيها حسابُ رأس المال والثلث إِذا كان الأخذُ من رأس المال مُنْقِصًا للثلث.
ولو أوصى بما يجب إِخراجُه من رأس المال؛ كالدَّين وحجَّة الإِسلام من الميقات، فالأصحُّ أنَّه من رأس المال؛ حملًا للوصية على التذكرة بإِبرائه منه، وقيل: يخرج من الثلث؛ حملًا على إِرادة المزاحمة؛ فإِن قلنا بإخراجها من رأس المال، فقال: أَحِجُّوا عنِّي من بلدي، أُخذ من رأس المال حجةٌ ميقاتيَّة، وتقعُ المزاحمةُ ما بين بلده وميقاته، فإِن لم تف الحصَّة بحجَّة من بلده، أضفناها إِلى رأس المال، وأحججنا عنه من حيث بلغت.
ولو نذر حجًّا أو صدقة، أو أقدم على ما يوجب الكفَّارة؛ فإِن كان ذلك في مرض موته، اعتُبر من ثلثه اتِّفاقًا، وإِن كان في صحَّته، فهل يُحسب من ثلثه أو رأس ماله 1؛ فيه وجهان؛ فإِن حسبناه من ثلثه، أُخرج عنه وإِن لم يُوصِ به؛ لأنَّ التزامَه بمثابة الوصيَّة به، وإِن أوصى بحجٍّ أو عتق، ففي تقديمهما على سائر الوصايا قولان، أصحُّهما أنَّهما لا يُقدَّمان، فإِن قدَّمناهما، فضاق الثلثُ عنهما فأيُّهما يُقدَّم؟ فيه قولان، ويتَّجه الحكمُ بأنَّهما سِيَّان 2، فإِن لم نقدِّمهما، فلم تفِ حصَّةُ الحجِّ بالحجِّ، بطَلت الوصيَّةُ به؛ لأنَّه لا يتبعَّض، بخلاف العتق، [فإِنَّه يقبل التبعيضَ] 3.
937 -
باب تأخير الحجِّ
الحجُّ على التراخي إِلَّا أن يستشعر العَضْب 1، ففي وجوب البدار وجهان، فإِن أخَّره ومات بعد الإِمكان، فالمذهبُ أنَّه يلقى الله عاصيًا.
وهل يُنسب عصيانه إِلى آخر سِنِيِّ الإِمكان، أو إلى جميعها؟ فيه وجهان، وقطع الإِمامُ بالتعصية من غير نسبة إِلى زمان، ولقد أبعد من لم يقضِ بالعصيان، ولو أخر إِلى العَضْب عصى، ووجب البدارُ، وأشعر كلامُ بعضهم بأنَّه لا يجب، فإِن أوجبنا البدارَ، فامتنع منه، أجبره السلطان على أصحِّ الوجهين، واستبعد الإِمام الإِجبار، وقال: لا تعلُّقَ لهذا بالولاة، ويجوز أن نجعلَ الممتنع عمَّا يتضيَّق كالممتنع من الصلاة يُجبَر عليها، فإِن أبى 2 ضُربت عنقُه، ويجوز أن يُفرَّقَ بين الحجِّ والصلاة؛ لأنَّ الصلاة يتعلَّق بها الحدُّ، بخلاف الحجِّ، ولا وجهَ لما قاله الإِمام؛ لأنَّ من شأن الأئمَّة أن يُجبروا الناسَ على الطاعات، ويمنعوهم من المخالفات.
938 -
باب وقت الحجِّ والعمرة
أشهرُ الحجِّ: شوالٌ وذو القَعدة وتسعة أيَّام من ذي الحِجَّة، وكذلك ليلة العيد على الأصحِّ.
ووقتُ العمرة: جميعُ السنة إِلا للحاجِّ العاكف على الرمي والمبيت بمنى، فإِنَّه لو أحرم بها، لم ينعقد إِحرامُه اتِّفاقًا وإِن كان بعد التحلُّلين، ولا يكره في شيء من الأوقات.
939 -
فرع:
إِذا أحرم بالحجِّ في غير أشهره، انعقد إحرامُه، ولا يقع عن الحجِّ، وفي وقوعه عن العمرة طريقان:
إحداهما: قولان.
والثانية وهي السديدة: القطعُ بأنَّه لا يقع عن العمرة، فإِن أوقعناه عن العمرة، أجزأته عن عمرةُ الإِسلام، وإن لم نوقعه عن العمرة، فلابدَّ من التحلُّل بعمل عمرة، وقيل: إِنْ صَرَف إِحرامَه إِلى العمرة، أجزأته العمرةُ، وإن لم يصرفه، تحلَّل بعمل عمرة.
940 -
باب وجوب العمرة
العمرةُ سنَّة على القديم واجبة في 1 الجديد، فإِن أبدلها بحجَّة، لم تجزه، بخلاف الوضوء مع الغسل.
941 -
باب ما يجزئ من العمرة إِذا جمعت إِلى غيرها
للحج والعمرة ثلاثُ جهات: إفراد، وتمتُّع، وقِران؛ فالإفرادُ: أن يعتمر بعد الفراغ من الحجِّ، أو قبل أشهر الحجِّ، وله صور أخرى يأتي ذكرُها إن شاء الله في (فصل التمتُّع).
وأمَّا التمتُّع: فله شرائطُ:
الأول: أن يعتمرَ في أشهر الحجّ؛ فإِن اعتمر في رمضان، فهو مُفرِد اتِّفاقًا، ولا يلزمه دمُ الإِساءة؛ إِذ لا عصيانَ، بخلاف المسيء المجاوز للميقات، وقال أبو محمَّد: يلزمُه؛ لإِهماله الميقاتَ.
ولو أحرم بالعمرة في رمضان، وأتى بأركانها في شوَّال، فهو متمتِّع أو مفرد؟ فيه وجهان.
وقال ابن سُريج: إِن أقام بالميقات [في رمضان] 1 حتَّى دخل شوَّال وهو محرم، أو رجع إِلى الميقات مُحْرِمًا في شوَّال، فهو متمتِّع، وإِلَّا فلا، وإِن أتى ببعض أركانها في رمضان، وجعلناه متمتِّعًا بالإِحرام فيه، فهاهنا وجهان:
أحدهما: أنَّه متمتِّع، ولو حلق في الأشهر على قولنا: الحلقُ نسك.
والثاني: ليس بمتمتع وإِن أتى ببعض شَوْط من الطواف.
الثاني (1): أن يقع النُّسكان في عام واحد؛ فلو اعتمر من الميقات، ولم يحجَّ من سَنَته، وأنشأ الحجَّ من مكَّة في السنة القابلة، أو أقام بها سنين يحجُّ منها في كلِّ سنة، فهو مفرِد غيرُ مسيء اتِّفاقًا، وأبعد ابن خيران، فشَرَط وقوعَ النسكين في شهر واحد، ولا أصل لما قال (2).
الثالث: ألَّا يكون من حاضري المسجد الحرام، وهم: أهل مكَّة ومن كان منها على مسافة لا تُقصر فيها الصلاة، ومن كان بمسافة القصر فما زاد فهو متمتِّع يلزمه الدمُ بالتمتُّع.
ولا دم على المكِّيِّ، ولا على من قربت مسافتُه وإِن لم يرجع لإِحرام الحجِّ إِلى الميقات، وكذلك لا يلزمهما دمٌ آخر اتِّفاقًا؛ إِذ لا إِساءةَ.
ولو مرَّ الغريبُ بميقاته غيرَ مريدٍ نسكًا، فلما صار في حدِّ الحاضرين بدا له أن يتمتَّع فالأظهر أنَّه يلزمه دمُ التمتُّع؛ لأنه لا يُعدُّ من الحاضرين وإن كان إِحرامُه من محلِّهم.
942 -
فرع:
إِذا كان أحدُ مسكني الرجل بمسافة القصر، والآخر دونها؛ فإن كان سكناه بأحدهما أكثرَ، فله حكمُه، فإِن استويا اعتُبر بأهله، فإِن كان له بكلِّ واحد منهما أهل، اعتُبر بمحلِّ إِحرامه قرُب أو بعُد.12
الرابع (1): أن يُحرم بالحجِّ من مكَة؛ فإِن رجع لإِحرام الحجِّ إِلى ميقات بلده، أو إِلى مثل مسافته، فلا يلزمهُ دمُ التمتُّع، ولا دمُ الإِساءة.
ولو كان ميقاتُه الجُحْفةَ، فعاد إِلى ذات عِرْق، أو إِلى مثل مسافتها، ففي سقوط دم التمتُّع وجهان، والجُحْفةُ على خمسين فرسخًا من مكَّة، وذات عِرْق على مرحلتين.
943 -
فرع:
لو دخل مكَّة متمتِّعًا بالعمرة، ثمَّ أحرم بالحجِّ بعدما نوى استيطانَ مكَّة، فإِن أحرم به في سنته، لم يسقط دمُ التمتع اتِّفاقًا، وإِن أحرم به في السنة الثانية، فلا تمتُعَ ولا إِساءةَ.
الخامس والسادس 2: نيَّة التمتُّع، ووقوع النسكين عن شخص واحد، والأصحُّ أنَّهما لا يُشترطان؛ فإِذا اعتمر من الميقات عن مستأجِره، وحجَّ من مكَّة عن نفسه؛ فإِن لم نشرط 3 الاتِّحاد فهو متمتِّع لا يلزمه العَوْدُ إِلى الميقات، وإن شرطنا الاتِّحاد فهو مفرد، وهل هو مسيءٌ يلزمه دمُ الإِساءة، والعودُ إِلى الميقات؟ فيه خلاف، ويظهر هاهنا إِيجابُ الدم؛ لأنَّه اعتمر في وقت إِمكان الحجِّ، بخلاف ما لو اعتمر في رمضان، وحجَّ من مكَّة في شوَّال، وإن شرطنا النيَّة، فتركها، فقد قيل: إِنَّه مسيء أيضًا، وفي وقت النيَّة أوجه:1
أحدها: جميعُ العمرة.
والثاني: الإِحرام بها.
والثالث: يمتدُّ من إِحرامها إِلى إِحرام الحجِّ.
944 -
فصل في إِحرام المتمتِّع بالحجِّ
ويُحرم به من مكة، وهل الأَولى أن يحرمَ من منزله أو قريبًا من الكعبة؟ فيه وجهان، فإِن لم يحرم به حتَّى جاوز الحرمَ، لزمه دمٌ للتمتُّع ودمٌ للإِساءة (1)، كما لو جاوز ميقاتَ بلده في العمرة، وأحرم بالحجِّ من مكَّة، فإِنَّه يلزمه الدمان.
945 -
فصل في بيان القران
القران: أن يُحرِمَ بالنُّسكين أو بالعمرة، ثم يُدخل عليها الحجِّ.
ولو أدخل العمرةَ على الحجِّ، فقولان، أصحُّهما الجوازُ، ولا تُشترط النيَّة اتِّفاقًا، ويشترط لإِدخال الحجِّ على العمرة ألَّا يَشْرَع في شيء من أركانها.
وإن أجزنا إِدخالَ العمرة على الحجِّ، ففي وقته أربعةُ أوجه:
أحدُها: ما لم يمضِ وقتُ الوقوف.
والثاني: ما لم يمض ركنٌ من الحجِّ.1
والثالث: ما لم يشرع في أسباب التحلُّل ولو رميَ حصاة من جمرة العقبة.
والرابع: ما لم يأت بعمل من أعمال الحجِّ ولو بطواف القدوم، ولا أثر للتلبية.
والفرق بين العمرة والحجِّ: أنَّ جميعَ أركان العمرة أسبابٌ للتحلُّل، بخلاف الحجِّ.
946 -
فصل في دم القِرَان
على القارن دمٌ مساوٍ لدم التمتُّع في صفته وبدله إِلَّا أن يكون مكِّيًّا، فلا دمَ عليه اتِّفاقًا.
ولو أحرم المتمتِّع بمكَّة، أو أحرم المسيءُ في أثناء طريقه، ورجعا إِلى الميقات، ففي سقوط دم التمتُّع والإِساءة وجهان.
ولو أحرم القارنُ من مكَّة، ورجع إِلى الميقات، فإِن لم نسقط دمَ التمتُّع، فدمُ القران أوْلى، وإِن أسقطناه، ففي دم القِران وجهان من جهة أنَّ نسكَه واحد، فلا وَقْعَ لعَوْده، والقياسُ السقوط.
947 -
فصل في اعتمار المفرد بعد الحجِّ
إِذا اعتمر بعد الحجِّ، فليُحْرِم من أيّ أطراف الحِلِّ شاء، ولا فرقَ بين قريبها وبعيدها إِلَّا في الفضيلة.
وأفضلُها: الجِعْرانة، ثم التنعيم، ثم الحُدَيْبِيَة؛ فإِن أحرم بها بمكَّة، انعقد إِحرامُه اتِّفاقًا، فإِنْ أكملها ولم يخرج إِلى الحِلِّ، ففي إِجزائها قولان:
أحدُهما: يجزئه، وعليه دمٌ للإِساءة.
والثاني: لا يجزئه إِلَّا أن يخرجَ إِلى الحلِّ، ثم يطوف ويسعى بعد ذلك، وفي دم الإِساءة طريقان:
إحداهما: لا يجبُ وجهًا واحدًا؛ لأنَّه كالمحرم قبل الميقات.
والثانية: تخريجُه على الخلاف في الرجوع إِلى الميقات بعد الإِحرام.
948 -
باب الاختيار في إفراد الحج
المشهورُ أن الإفرادَ والتمتُّع أفضلُ من القِران، وأيُّهما أفضل؟ فيه قولان، وقيل: الإفرادُ أفضلُ منهما، وأيُّهما أفضل؛ فيه قولان، وقيل: الأفضلُ أن يُبهمَ الإحرام، ثمَّ يصرفه إِلى الأَوفق الأرفق؛ لأنَّه عليه السلام أبهم إِحرامه؛ انتظارًا للوحي 1، وهذه هَفْوةٌ؛ لأنَّ إِبهامَه كان انتظارًا للوحي، فلا وجهَ لموافقته في ذلك.
949 -
باب صوم المتمتِّع بالعمرة إِلى الحجِّ
دم التمتُّع والقران مقدَّران مرتَّبان، وكلاهما دمُ جُبْران لا يجوز له الأكلُ منه، ويجب دم التمتُّع بالإِحرام بالحجِّ، ولا وقتَ لإخراجه بعد ذلك، وإِن قدَّمه على الحجِّ، ففي إجزائه قولان، فإِن قلنا: يجزئه، ففي إجزائه في أثناء العمرة وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ كما لو وكلَّ من يعتق عن الكفَّارة مع شروعه في اليمين، فإِنَّه لا يجزئه اتِّفاقًا.
والثاني: يجزئه؛ إِذ لا حكمَ لبعض لفظ اليمين، بخلاف الإحرام بالعمرة.
950 -
فصل فيما يجب على المعسِر بالهَدْي
إِذا عجز عن الهَدْي لزمه صيامُ ثلاثة أيَّام في الحجِّ وسبعةٍ إِذا رجَع، ولا يجب المتابعة في الثلاثة، ولا في السبعة، وتجب الثلاثةُ بالإحرام بالحجِّ، ولا يجوز تقديمُها عليه، والأولى أن يقدِّمَها على يوم عرفة، ولا يلزم صومُها في الحجِّ؛ لأنَّه مسافر، ولا يجوز صومُها في يوم العيد، وكذا في أيَّام التشريق على الجديد، فإِن لم يصمها حتى مضت أيَّام التشريق فقد فات أداؤها، وإن بقي عليه طوافُ الزيارة، وإِن صامها في أيَّام التشريق وقلنا:
يصحُّ، فهي أداء وإن وقعت بعد التحللين.
951 -
فصل في صوم السبعة
قال الله جلَّ اسمه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، وفي الرجوع أقوال:
أحدها؛ أنَّه الفراغ من الحجِّ، فلا يصحُّ صومُها في الحجِّ، ومنعها أبو محمَّد في أيَّام التشريق، وإِن قلنا: إِنَّها قابلة لجميع الصوم؛ لأنَّه مشتغل بمناسك مِنى، ولذلك لا تنعقد عمرتُه.
والئاني: أنَّ الرجوعَ هو الوصولُ إلى الوطن، فلو صامها في أثناء الطريق، فوجهان.
والثالث: أنَّه الرجوعُ إِلى مكَّة، وهو بعيدٌ.
952 -
فصل في قضاء الثلاثة عند الفوات
العُمُر وقتٌ لأداء السبعة، فلا يُتصوَّر قضاؤها، وأمَّا الثلاث: فتفوت بانقضاء الحجِّ، والمذهب وجوبُ قضائها، وللشافعيِّ قول: أنَّه لا يجب، ويثبت الدمُ في الذمَّة على العسر واليسر، ويسقط صيام السبعة؛ لئلَّا يجتمعَ الأصلُ وبعضُ البدل، ولا يُعدُّ هذا من المذهب، فإِن قلنا بالمذهب، فمات في أثناء الحجِّ بعد التمكُّن من الصوم، أو كان موسِرًا بالهدْي، فلا يسقطان على الأصحِّ، وعلى قول بعيد يسقطان لا إِلى بدل؛ لأنَّه لم ينتفع بتمتُّعه، فإِذا عاد إِلى وطنه قبل صيام العشرة، لزمه قضاؤُها، ولا يلزمه التفرقةُ بين
الثلاثة والسبعة على الأصحِّ، وقيل: يجب، وهل يكتفى بيوم، أو يلحق تفريق القضاء بتفريق الأداء؟ فيه وجهان، فإِن اكتفينا باليوم، فوالى بين العشرة، لم يجزه الرابعُ، ولزمه الإِتيانُ بسابعٍ، وأبعد مَنْ أبطل السبعةَ؛ إِذ لو صام الرابعَ عن قضاء أو تطوُّع، حصل التفريق اتِّفاقًا، وإِن قدَّرنا تفريقَ القضاء بتفريق الأداء، ففيما يحصل به التفريقُ خلافٌ مبنيٌّ على الخلاف في الرجوع، فإن جعلناه الفراغَ من الحجِّ بني على الخلاف في صوم أيَّام التشريق، فإِن قلنا: لا يصحُّ فيها الصيام، كفاه أربعةُ أيّام بقدر العيد وأيَّام التشريق، وإِن قلنا: يصحُّ صومُها، فلا تفريقَ على الأظهر؛ لأنَّ الأداءَ كان يقع متواصلًا، وإِن قلنا: الرجوعُ هو الوصولُ إِلى الوطن، وقلنا: يصحُّ صوم أيّام التشريق، كفاه التفريقُ بمسافة السفر على الاقتصاد، وإن قلنا: لا يصحُّ فلابدَّ من مسافة السفر وأربعة أيَّام.
953 -
فصل في موت المتمتِّع قبل الصيام
إِذا ترك الصومَ في السفر، ومات في الحضر، فإِن لم يتمكَّن من الصوم في الحضر، فلا شيءَ عليه؛ اعتبارًا بمن أخَّر صيامَ رمضان لمرض أو سفر اتَّصلا بموته 1، وإِن أمكنه الصومُ في الحضر، فهل يصوم عنه وليُّه أو يفدي كلَّ يوم بمدٍّ 2، أو يرجع إِلى الدم، أو لا يجب شيء؟ فيه أربعة
أقوال، ولا وجهَ لآخِرها.
فإِن أوجبنا الدمَ، فهو واجبٌ في ثلاثة أيَّام فما فوقها، كما سنذكره في الشعرات والأظفار والجمرات، وفيما نقص عن الثلاثة قولان يجريان فيما نقص عن ثلاث شعرات:
أحدُهما: في اليوم ثلثُ دم، وفي اليومين ثلثان.
والثاني: في اليوم مدٌّ، وفي اليومين مُدَّان.
954 -
باب مواقيت الحجِّ
وقَّت رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لأهل المدينة ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشام الجُحْفةَ، ولأهل نَجْدِ الحجازِ، ونجد اليمن قَرْن، ولأهل اليمن يَلَمْلَم 1، ووقَّتَ عمرُ -رضي الله عنه- لأهل العراق ذاتَ عِرْق 2، والأَولى أن يُحْرِموا من العقيق؛ لحديثٍ مرسل وَرَدَ في توقيته 3.
ومسافة ذي الحُليفة من المدينة: فرسخان، والجُحْفة من مكَّة: خمسون فرسخًا، والمواقيت الثلاثةُ: مرحلتان مرحلتان.
وهذه المواقيت لأهلها ولكلِّ مَن أتى عليها من غير أهلها، فلو مرَّ عراقيٌّ
بذي الحليفة، ومدنيٌّ بذات عِرق، أو رجع مكِّيٌّ إِلى مكَّة على بعض المواقيت، فالاعتبارُ بميقات مروره دون ميقات بلده، ومن كان مسكنُه دون المواقيت، فميقاته موضعُه وإِن كان من مكَّة على أقلَّ من مرحلة.
ومن جاوز الميقات غيرَ قاصِد (1) للنسك، ثم بدا له أن يُنسِك، فميقاته حيث بدا له، ولا يلزمه العودُ إِلى الميقات، ومن كان على طريقه ميقاتان أحدُهما أقربُ إِلى مكَّة؛ كالجُحْفة وذي الحُلَيفة، فميقاتُه الأبعدُ اتِّفاقًا، ومن سلك طريقًا لا ميقاتَ بها، فميقاتُه على مرحلتين (2) من مكَّة، وإِن حاذى بها ميقاتًا عن يمينه أو يساره أو عنهما إِن تُصُوِّر فميقاتُه موضعُ محاذاته، وإِن حاذى بها ميقاتين أحدُهما أبعدُ من الآخر، فميقاته الأبعدُ.
955 -
فصل فيمن جاوز الميقاتَ غيرَ ناسك
ولا يجوز لقاصد النسك أن يجاوزَ شيئًا من [هذه] 3 المواقيت بغير إِحرام، فإِن تجاوزه، لزمه دمٌ؛ لإِساءته، فإِن رجع إليه، فله أحوال: الأولى: أن يرجع من مكَّة، فلا يسقط عنه الدمُ، وفي إِلحاق الحرم بمكَّة قولان.12
الثانية: أن يرجعَ من الطريق، ويحرم من ميقاته الذي أوجبنا عليه الإحرام منه، فإِن رجع من دون مسافة القصر، سقط الدمُ، وفي مسافة القصر وجهان.
الثالثة: أن يرجعَ من الطريق مُحرِمًا، فإِن قربت المسافةُ، فوجهان أو قولان، وإِن بَعُدت، فقولان مرتَّبان.
ولو تُصوِّر أن يحاذيَ ميقاتين أحدُهما أقربُ إِلى مكَّة من الآخر، نسبناه إِلى أقربهما منه، فإِن استويا في القرب منه، ففي وجوب نسبته إلى أبعدهما من مكَّة وجهان، فإن جاوز محلَّ هذه المحاذاة كفاه الرجوعُ إِليه، أو إلى مثل مسافته عند الإِمام، فإِن جاوزه جاهلًا، وعَسُرَ عليه العودُ إِليه مع جهله بمسافته، لزمه الرجوعُ إِلى الأبعد إِن نسبناه إِليه؛ لأنَّ الرجوعَ إِلى الميقات واجبٌ إِذا قلنا: إِنَّه مسقِط للإِساءة.
ومن أقام بمكَّة سنةً، أو كان متمتِّعًا أو مكِّيًّا، فميقاته مكَّة، فإِن جاوز الحرم فهو مسيء، وإِن جاوز مكَّة فقولان.
956 -
باب الإِحرام والتلبية
السنَّة لمن أراد الإحرامَ أن يغتسلَ حتَّى الحائضُ والنفساء، ولا أثر للنية في غسلهما 1 عند الإِمام، وفيه احتمال، والسنَّة أن يطيِّبَ بدنَه لإِحرامه؛ تقليلًا للشَّعَث، كما يُستحبُّ السواكُ قبل أوان الخُلوف.
فإِن انتقل جِرْمُ الطيبِ بعرق، ففي مؤاخذته بذلك وجهان، فإِن واخذناه، لزمه المبادرةُ إِلى إِزالته؛ كما لو أصابه من محلٍّ آخرَ بغير اختياره.
وإِن أحرم في ثياب مطيَّبة، فأوجُهٌ أصحُّها: الجوازُ، وثالثُها: التفرقةُ بين ما تبقى عينه 2، وما ليس كذلك؛ إِلحاقًا لما تبقى عينُه 3 بما لو شدَّ مِسْكًا على طرف إِزاره واستدامه، فإِنَّه ممنوع اتِّفاقًا، فإِن جوَّزنا ذلك، فنزع الثيابَ بعد الإِحرام، ثمَّ لبسها، ففي جوازه وجهان.
ولو تعطَّر ثوبُه بطِيب بدنه، فلا بأسَ به اتِّفاقًا، وإن عطَّر الثيابَ للإحرام، وأحرم قبل لُبسها، حرم عليه لبسُها.
957 -
فصل في وقت الإحرام
إِذا اتَّزر وارتدى، وحسر رأسه، وصلَّى ركعتين، فليحرم حينئذٍ، وفي الأولى قولان: أحدُهما: أن يحرم عَقيبَ السلام وهو جالسٌ في مصلَّاه، روى ذلك ابن عباس (1). والثاني وهو الجديد: أنَّه يحرم إِذا خرج من موضعه، وأخذ في السير إِلى مكَّة راكبًا كان أو ماشيًا؛ إِذ رُوي أنَّه عليه السلام كان لا يُهِلُّ حتَّى تنبعث به راحلته (2) (3)، واختار بعضُهم الإحرامَ بعد الصلاة، وحمل اختلافَ الرواية على إِعادة التلبية.
958 -
فصل في النيَّة في الإحرام
ينعقد الإحرامُ بمجرَّد النيَّة من غير تلبية، وقال في القديم: لا ينعقدُ إِلا بالتلبية، واختاره ابن أبي هريرة وابن خَيْران، ولا يقوم التقليدُ والإشعارُ123
مقامَ التلبية على الأظهر، وفيه تردُّد لأبي محمَّد، ولا يُشترط أن يذكرَ ما أحرم به في تلبيته بلا خلاف، وفي كراهته قولان.
959 -
فرع:
لو اقتصر على التلبية دون النيَّة، لم ينعقد إحرامُه على رواية المزنيِّ، ونقل الربيع أنَّه ينعقد مُبْهَمًا، واختلفوا على طريقين، فقيل: قولان، ولا وجهَ لما نقله الربيعُ، ومحلُّ الاختلاف أن يقصدَ النطق بالتلبية، ولا يخطر له الشروعُ في الإحرام، فأمَّا إِذا جرت التلبيةُ على لسانه، أو حكاها، أو علمها، أو قصد غرضًا (1) سوى الإحرامِ، فلا أثر لذلك.
960 - فرع: لو نوى نسكًا ولبَّى بغيره، أو أبهم نيةَ الإحرام، وعيَّن في التلبية، فالاعتبار بنيَّته دون تلبيته؛ لما ذكرناه من انعقاده بمجرَّد النيَّة.
961 -
فصل في إِبهام الإحرام
ينعقد الإحرامُ مع الإبهام، فإِن أبهمه في أشهر الحجِّ، فله أن يصرِفَه إلى حجِّ أو عمرة أو قران، وإن أبهمه في رمضان، وصرفه إِلى الحجِّ في شوال، لم ينصرف إِليه على الأصحِّ، وإِن صرفه إِلى العمرة انصرف إِليها، وإن صرفه إِلى الحجِّ في رمضان، فهو كما لو أحرم بالحجِّ قبل أشهره، فإِن قلنا: ينعقد بالعمرة، فلا يُتصوَّر الإِبهامُ قبل الأشهر، وإن أحرم بالعمرة في1
رمضان، وأدخل عليها الحجَّ في شوَّال، صحَّ القرانُ على أقيس الوجهين.
962 -
فصل فيمن علَّق إِحرامَه بإحرام غيره
إِذا نوى إِحرامًا كإِحرام زيدٍ صحَّ، ولزمه ما فيه 1 زيدٌ من حج أو عمرة، أو قِران أو إِبهام، وله صرفُ المبهَم إِلى ما شاء، ولا يلزمه متابعةُ زيد فيما يصرف إِحرامَه إِليه اتِّفاقًا.
فإِن لم يكن زيد محرمًا، انعقد إحرامُه مبهمًا، وإِن كان ميتًا، وهو عالم بموته، فهل ينعقد إحرامُه مبهمًا، أو لا ينعقد؛ لأنَّه غيرُ جازم بالنيَّة؟ فيه وجهان، وإِن تعذَّر عليه معرفةُ ما أحرم به زيد، فحكمه عند المحقِّقين حكمُ مَنْ نسي ما أحرم به، فيأخذ باليقين على المذهب، وعلى قولٍ يجتهد، ويعمل بغالب الظنِّ، وقال العراقيُّون: إِن جوَّزنا للناسي البناءَ على الظنِّ، فهاهنا وجهان من جهة أنه لا يطَّلع على 2 نيَّة غيره.
[وإِن كان زيدٌ قارنًا قد أدخل الحجَّ على العمرة، فإِن خطر للمعلِّق ابتداءً إِحرامُ زيد، لم يلزمه سوى العمرةِ اتِّفاقًا، وإِن خطر له إِحرامُه حالَ التعليق، لزمه القرانُ اتِّفاقًا، وإِن لم يخطر له شيءٌ من ذلك فهل يلزمه العمرةُ أو القِران؟ فيه وجهان] 3.
963 -
فصل فيمن نسي ما أحرم به
إِذا نسي ما أحرم به، فله حالان:
أحدُهما: أن يقع نسيانُه قبل 1 الشروع في شيء من المناسك، فإِن قلنا بالجديد، فهو مخيَّر بين أن يحرمَ بالنسكين، أو بالحجِّ وحدَه، فإِن أتى بأعمال الحجِّ من غير إِحرام فقد تحلَّل، ولا يبرأ من واحد من النسكين في الحكم، وإِن أحرم بالحجِّ، برئ منه، وإِن أحرم بهما، برئ من الحجِّ، وفي العمرة قولان مأخوذان من جواز إِدخالها على الحجِّ، وأبعد أبو إسحاق فقال: يبرأ من العمرة قولًا واحدًا؛ إِذ يصحُّ في حال الإشكال ما لا يصحُّ في غيرها؛ كمن صلَّى الظهرَ خمس ركعات، فإِن فرَّعنا على القديم فلم يغلب على ظنِّه شيء رجع إِلى موجب القول الجديد، وإِن غلب على ظنه أنَّه حاجٌّ أو معتمِر أو قارن، أخذ بذلك، ويلزمه دمُ القران إِذا ظنَّه، وأبعدَ من قال: فائدة العمل بالظنِّ التحلُّل دون براءته من النسكين وإِيجاب الدم.
[الحال] 2 الثانية: أن يقعَ نسيانُه بعد الطواف، فإِن فرَّعنا على الجديد، لزمه أن يأتيَ بأعمال الحجِّ؛ ليتحلَّل بيقين، ولا يبرأ عن واحد من النسكين في ظاهر الحكم، وإن أحرم بهما؛ لجواز أن يكونَ طوافُه عن العمرة، فيمتنع إردافُها بالحجِّ، فلو بادر وأتى بالسعي والحلق، ثمَّ أحرم بالحجِّ وأكمله، فقد برئ منه، وهل يجوز له أن يحلق لتحصل البراءة؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدُها: يجوز؛ للحاجة.
والثاني: يُستحبُّ؛ لما فيه من براءته.
والثالث: لا يجوز، وهو المذهب، وعليه الكفارة؛ ولو فعله لبرئت ذمَّتُه، وشبَّهوا ذلك بما لو ابتلعت دجاجةُ زيد دُرَّةً لعمرو، فإِنَّا لا نأذن له في ذبحها بغير إِذن ربِّها، ولو ذبحها لأخذَ الدرةَ، ولزمه ما نقص بالذبح.
964 -
فرع في] (1) وجوب الدم على الناسي
إِذا سعى الناسي، وحلق ثمَّ أتى بالحجِّ؛ فإِن كان ممّن لا يلزمه دمُ التمتُّع؛ كالمكِّيِّ، فلا دمَ عليه؛ لجواز أن يكون معتمِرًا، وقد تحلَّل من عمرته، وإِن كان ممَّن يلزمه دمُ التمتُّع، لزمه دم؛ لأنَّه متمتِّع أو حالق في الحجِّ، فإِن قدَر على الدم أراقَه، ولا يضرُّه الجهلُ بسببه، وإن عجَز، فصام عشرة أيَّام بالشرط المذكور في التمتَّع أجزأه؛ لأنَّ صومَ التمتع عشرة، وصوم الحلق ثلاثةُ أيَّام، أو إِطعام ثلاثة آصُع، فإن صام الثلاثةَ، أو أطعم، لم يبرأ عند الشيخ؛ لأنَّ الكفَّارة وجبت بيقين، فلا تسقط إِلَّا بيقين، ويحتمل أن يجزئه صومُ الثلاث، أو الإطعامُ؛ لأنَّ ما عداهما مشكوكٌ فيهِ هذا تفريعُ الجديد، ولا يخفى تفريعُ القديم.
965 -
فصل فيما إِذا ذكر المتمتِّع أنَّه طاف محدِثًا
إِذا فرغ المتمتِّع من النسكين، ثمَّ ذكر أنَّه طاف محدِثًا؛ فإِن علم أنَّه1
طواف العمرة، فقد صار قارنًا وعليه دمٌ للحلق، ودم للقران، وإِن علم أنَّه طواف الحجِّ توضَّأ، وطاف وسعى، وإِن أشكل؛ فتوضَّأ، وطاف وسعى، حصل له النسكان، ولا يلزمه دمُ الحلق، وعليه دمٌ للتمتُّع أو القران؛ لأنَّه لا ينفكُّ من أحدهما.
966 -
فرع:
إِذا جامع المفرِد، وشكَّ هل جامع قبل التحلُّل الأوَّل أو بعده؟ وقلنا: الجماع بعد التحلُّل الأوَّل لا يفسد، ففي فساد حجِّه وجهان.
967 -
فصل فيما إِذا جامع المتمتِّع [بين نسكيه] (1)، ثمَّ ذكر حَدَثًا في أحد طوافيه
إِذا جامع المتمتِّعُ بين النسكين، ثمَّ ذكر أنَّه كان محدِثًا في أحد الطوافين لا بعينه، فهذا مبنيٌّ على ثلاثة أصول:
أحدها: إِبطال النسك بجماع الناسي، وفيه قولان.
الثاني: إِذا فسد القِران، ففي سقوط دمه وجهان.
الثالث: من أدخل حجًّا على عمرة فاسدة بالجماع، ففي انعقاد إحرامه بالحجِّ وجهان؛ فإِن قلنا: ينعقد، [فهل ينعقد صحيحًا أو فاسدًا؟ فيه وجهان، والمذهب أنه ينعقد] 2 فاسدًا، فيكون قارنًا، وفي وجوب دم القران وجهان،1
ويلزمه بدنةٌ لإِفساد العمرة، وهل يلزمه شيء بسبب إفساد الحجِّ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه كالمجامع في القِران الصحيح؛ إِذ الجماع واحد، فإن قلنا: يلزمه، فهل يلزمه الشاة أو البدنة؟ فيه وجهان، أصحُّهما وجوبُ البدنة؛ لأنَّه أفسد الحجَّ بإِدخاله على عمرة فاسدة بالجماع؛ فإِذا تقررت هذه الأصول؛ فإِذا جامع بين النسكين ظنًّا أنَّه قد فرغ من العمرة، ففي فساد عمرته الخلافُ فيمن جامع غالطًا في آخر ليل الصيام؛ فإِن أفسدنا النسكَ بجماع الغالط، فلا يبرأ عن واحد من النسكين على ظاهر المذهب؛ لجواز أن يكون حدثُه في طواف العمرة، فيفسد الحجُّ بفسادها، ويلزمه دمُ التمتُّع، ولا يلزمه دمُ الإِفساد؛ لأنه مشكوك فيه، وعليه أن يتوضَّأ ويطوف ويسعى؛ ليتحلَّل بيقين.
968 -
فصل في التلبية
أفضل التلبية تلبيتُه عليه السلام، وتكريرُها أولى ممَّا عداها من التلبية والأذكار، وهي: لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمةَ لك والمُلك، لا شريك لك.
ويُستحبُّ استدامتُها في جميع الإحرام إِلَّا في 1 طواف القدوم والسعي بعده، ففيهما قولان 2 كالقولين في إجابة المصلِّي الأذانَ، وتتأكَّد عندَ تغيُّر
الأحوال؛ كالصعود والهبوط، وازدحام الرفاق.
ويُستحبُّ أن يرفعَ بها صوتَه إِلى حدٍّ لا يبهره ولا يقطعه عن استدامتها، وفي استحباب الجهر بها (1) في المساجد قولان؛ فإِن قلنا: لا يُستحبُّ، ففي المسجد الحرام، ومسجد الخَيْف وجهان، والمرأةُ كالرجل في التلبية إِلَّا أنَّها تُمنع من رفع الصوت، كما مُنعت من الأذان، وإِذا لبَّى، فالمُستحبُّ أن يصلِّيَ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويستغفر، ويتعوَّذ من النار سرًّا، ولا يجهر به على حدِّ التلبية، ولما سُرَّ عليه السلام بجمع المسلمين بعرفةَ قال: "لبَّيك إِنَّ العيشَ عيشُ الآخرة" (2).
969 -
فصل فيما يجب كشفُه في الإحرام
يجب على المحرِم كشفُ عضو الإحرام، وهو الرأسُ من الرجل، والوجهُ من المرأة؛ فإِن ستره أو بعضَه بما يُعدُّ سترًا؛ فإِن كان معذورًا، جاز، وعليه الفدية، وتكمل في بعضه كما تكمل في كلِّه، وإِن لم يكن معذورًا أثِمَ، ولزمت الفدية.
وحَدُّ الوجه: ما يجب غسلُه في الوضوء، وإِن سدلت المرأةُ عليه شيئًا12
متجافيًا، فلا بأس، وعليها أن تراعيَ في كشفه ما على الرجل في كشفه رأسَه، وسواءٌ كان الساتر شفَّافًا تُرى منه البشرة أم لا.
ولو شدَّ الرجلُ على رأسه خيطًا، أو توسَّد عِمامةً، أو استظلَّ بمَحْمِل أو خيمة أو بناء أو ظُلَّةٍ، أو انغمس في الماء، جاز ولا فديةَ؛ إِذ لا يُعدُّ شيء من ذلك سترًا.
ولو طلى رأسَه بالطين، فقد مال الإِمامُ إِلى المنع وإِيجاب الفدية، وإن حمل على رأسه زنبيلًا أو حملًا، فلا فديةَ في أصحِّ القولين؛ إِذ يُعتبر في ذلك ما يُعدُّ سترًا للرأس أو بعضه، كالعصابة العريضة، أو الخرقة الملصَقة بجانب من رأسه، ويمكن ضبطُه بما يُقصد سترُه في جهة من الجهات وإِن لم يكن معتادًا.
970 -
فصل في اختضاب المرأة للإحرام وغيره
يُستحبُّ للمرأة تعميمُ يديها بالخضاب في جميع الأحوال؛ سترًا لبشرتها، ويتأكَّد ذلك للإحرام، وفي وجوب الفدية بخضاب اللحية اختلاف نصٍّ، والمنعُ معلَّل بإِلحاق الحِنَّاء بالترجيل أو بالتطيُّب، أو لأنَّ المُخْتضبَ يفتقر إِلى تغليف 1 لحيته بخريطة؟ فيه ثلاثةُ مذاهب، ولا وجهَ لشيء من ذلك إِلَّا الإلحاق بالترجيل.
ولو اختضبت المرأةُ بعد الإحرام؛ فإِن جعلناه طيبًا، حَرُم، وإِن جعلناه