كتاب الصيام
كتاب الصيام
856 -
ولا يصحُّ الصومُ إِلا بنيَّةٍ لكلِّ يوم؛ فلو نوى أيَّام الشهر، ففي اليوم الأوَّل تردُّد لأبي محمَّد.
ومحلُّها القلبُ، فلا نطقَ فيها في الصوم، ويُشترط فيها التعيينُ والأداء، وفي الفرضيَّة وجهان، ولو أطلقها, لم يصح، ولزمه الإِمساكُ.
857 -
فصل في وقت النيّة
ووقتها في الفرائض جميعُ الليل، وفيما اقترن بأوَّل النهار وجهان، وأبعد من عيَّن لها النصفَ الآخِر، ومن أفسدها بالمفطرات بعدها.
ولو نام بعد النيَّة حتَّى أصبح أجزأته، وإِن تنبَّه قبل الصباح، لم يلزمه إِعادتُها، وأبعد مَن ألزم ذلك؛ تقريبًا لها من أوَّل العبادة، وفي إلحاق الغفلة بالنوم تردُّد.
ويصحُّ التطوُّع بنيَّةٍ قبل الزوال، وفيما بعده قولان؛ لزوال معظم النهار 1؛ لأنَّهم حسبوه من طلوع الشمس، ولو حسب من الفجر، لذهب
معظمُه قبل الزوال، وقد تردَّد في ذلك أبو محمد، ولا خلاف في تعلُّق كراهية السِّواك بالزوال، وهل يُحسب صومُه من حينِ نيَّتِه أو من أوَّل النهار؟ فيه وجهان، والقياسُ اعتبار وقت النيَّة، وعلى هذا لو نوى بعد الأكل، لم يصح على المذهب، وفيما بعد الحيض والكفر وجهان.
858 -
فرع:
لا يبطل الصومُ بنيَّة الخروج على أحد الوجهين؛ فإِن نوى قلبَ القضاء نذرًا، لم ينقلب، والقضاءُ باقٍ إن لم نبطل الصومَ بنيَّة الخروج، وإن أبطلناه بطلت الفريضة، وفي بقائه نفلًا وجهان.
859 -
فصل فيما يثبت به الهلال
ويثبت هلالُ رمضان بعَدْلين إِن كانت السماء مُصحيةً، أو كان بمحلِّ الهلال علَّة من ضَبَاب أو سَحَاب، وفي الواحد قولان؛ فإِن أثبتناه بالواحد فهو شاهدٌ أو راوٍ؟ فيه وجهان.
فإن جُعل 1 شاهدًا، شُرطت الحرِّيَّة والذكورة والأداء عند الحاكم بلفظ الشهادة.
وإِن جُعل راويًا وجب الصومُ يقول الأَمة وإِن لم يكن عند الحاكم ولا بلفظ الشهادة.
وفي الصبيِّ المميِّز الموثوق به الوجهان في رواية الصبيان.
ولا يثبت شوَّال إِلا بشاهدين خلافًا لأبي ثور.
860 -
فصل في إثبات الهلال بالشهادة على الشهادة
ويثبت بالشهادة على الشهادة، وأبعد من خرَّجه على الخلاف في الحدود؛ إِذ مبناها على الإِحباط، ومبناه على الاحتياط.
فإن أثبتناه بالواحد وجعلناه راويًا، فلا يُشترط العددُ في الفرع، وأبعد مَنْ شرط ذلك، وذكر في اعتبار صفات الشهود في الفروع وجهين، وإِن لم يُشرط عدد الفرع.
فقد قال أبو عليٍّ: لا بدَّ للفرع من صيغة الشهادة، وزعم أن من قال: حدثني فلان أنَّ فلانًا قال: رأيتُ الهلالَ، لم يُقبل بالإِجماع، والقياس خلافُ ما قال.
861 -
فرع:
إِن صمنا ثلاثين، فلم نر الهلالَ ليلة الحادي والثلاثين؛ فإِن ثبت بعدلين، أفطرنا خلافًا لابن الحدَّاد وإِن ثبت بعَدْل، فوجهان.
862 -
فصل في تعديل شهود الهلال
ويُشترط فيهم العدالةُ الظاهرة، فلا يقبل من فاسق ولا مُريب، وكذلك يُشترط العدالةُ الباطنة إِن جعلناه شهادةً، وإِن جُعل روايةً، فعلى الوجهين في رواية المستور، ولا وجهَ لقول مَن اكتفى بالعدالة الظاهرة على
الإِطلاق، نعم ينبغي للقاضي أن يأمرَ بالصوم؛ بناءً على ظاهر العدالة، ثُمَّ يُبحث عن العدالة الباطنة إِن رآه، فإِن لم يُبحث ولم يُرَ الهلال ليلةَ الحادي والثلاثين، لزم البحثُ حينئذٍ عن العدالة الباطنة.
863 -
فصل في حكم الهلال إذا رُئي ببلدة وجب الصوم
على كلِّ مَنْ هو دون مسافة القصر من محلِّ الرؤية، وفي مسافة القصر فما فوقها وجهان، ولا قائلَ باعتبار مسافة يظهرُ في مثلها تفاوتٌ بالمناظر، وإِن كان متَّجهًا، فلو رأى الهلالَ ليلة الجمعة، وسافر إِلى بلدة رُئي بها ليلة السبت، فأكمَلوا العدد، فهل يلزمه موافقتُهم؟ فيه الوجهان، فإن لم نوجب الموافقةَ لزمهم موافقتُه إِن ثبت عندهم الرؤيةُ ليلة الجمعة، ولو أصبح معيِّدًا، فَجَرت سفينتُه إلى موضع بعيد لم يُر به الهلال، وقلنا: لا يعمُّ الحكم، لزمه الإِمساكُ عند أبي محمَّد، وفيه نظر؛ إِذ هو تبعيضٌ لليوم الواحد (1).
864 -
فرع:
إِذا رأى الهلالَ قبل الزوال أو بعده، فهو لليلة المستقبَلة.
865 - فرع:
لو انفرد بالرؤية، فردَّت شهادتُه، لزمه الصومُ، وإن جامع لزمته الكفَّارةُ، وإِن كان في هلال شوَّال أفطر سرًّا؛ حذَرًا من سوء الظنِّ.
1
866 -
فصل في صوم الجُنُب
من أصبح وعليه غُسل جنابة أو حيض، أو احتلم نهارًا، لم يفسد صومُه؛ إِذ لا تُشترط الطهارةُ في الصوم.
867 -
فصل فيمن أفطر غالطًا في الليل أو النهار
يجوز الإِفطار بالاجتهاد خلافًا لأبي إسحاق، فإِن أفطر بالاجتهاد، فلا قضاء إِلا على قول أبي إِسحاق، وإِن أكل أو جامع وهو يظنُّ بقاءَ الليل أو تصرُّمَ النهار، ثمَّ بان غلطهُ، لزمه القضاءُ، وقيل: لا يلزمه إِذا ظنَّ بقاءَ الليل، فإن أوجبنا القضاء، ففي تكفيره عن الجماع خلافٌ.
وإِن أكل أو جامع شاكًّا في ذهاب الليل أو النهار، ودام شكُّه، فلا قضاء عليه إِلا في شكِّه في ذهاب النهار.
ولو شكَّ الناسُ في ذهاب وقت الجمعة، فلا يصلُّونها إِلا أن يشكُّوا في ذلك في أثنائها، فتصحُّ الجمعة على النصِّ، وقال الإِمام: إِن جعلناها ظهرًا مقصورةَ، فالوجه ألَّا تصحَّ؛ رجوعًا إلى الأصل.
868 -
فصل فيمن طلع عليه الفجرُ وهو آكِل أو مجامع
إِذا طلع الفجرُ على الآكِل أو المجامِع، فكفَّ عن الأكل، ونزع مع طلوع الفجر، صحَّ صومُه خلافًا للمُزنيِّ في الجماع، ولو استدام بطل صومُه، ولزمت الكفارةُ؛ اعتبارًا للمنع بالقطع، وأبعد من قال: ينعقد، ثمَّ يفسد.
ولو أحرم المجامعُ مع النزع، ففي انعقاد نُسُكه صحيحًا وجهان، ولتصوير هذه المسألة مسلكان:
أحدُهما: أنها على التقدير؛ إِذ لا يظهر الفجرُ إِلا بعد طلوعه.
والثاني: تعليق التعبُّد بالظهور المحقَّق دون الطلوع المقدَّر؛ إِذ لا معنى للفجر إِلا ظهورُ الضوء للناظر المعتدِل الحال.
869 -
فصل فيما يعفى عنه مما يصل إِلى الباطن
ولا يبطل الصومُ بما يصل إِلى الباطن من غُبار الطريق، وغربلة الدقيق، والذباب الواصل بالطيران إلى الجوف، وإِن أمكن التحرزُ منه بإِطباق الفم، وترك الاستطراق، والبعد من محل الغربلة؛ إذ لا يجب الامتناعُ عما تغلب الحاجةُ إِليه من الأفعال مع نُدْرة الوصول بسببها إِلى الباطن، وإِن سبقه ماءُ المضمضة، فإِن لم يبالغ، فقولان؛ وإن بالغ، فطريقان؛ أصحُّهما البطلان.
وإِنَّ جرى ريقُه بما بين أسنانه من الطعام؛ فإِن قصر في التخليل بحيث يغلب من مثله الوصولُ، فهو كالمبالغة، وإِن تخلل على العادة، فهو كالغبار، ولا يكلف مجاوزةَ العادة في التخلل، كما لا يلزم إِطباقُ الفم؛ خوفًا من الذباب والغبار.
870 -
فصل في أكل الناسي والمُكْرَه
إِذا أكل ناسيًا، لم يبطل صومُه اتفاقًا وإِن أكثر أكلهُ أو تعدَّد، وإِن لم
يصدر منه فعلٌ؛ بأن أوجر (1) الطعام، أو ضبطت (2) المرأة وجومعت، فلا إِفطارَ، وإِن أكره حتى أكل بنفسه، فقولان، ولو أُوجِر المغمى عليه في الصوم، أو طُيِّب في الإِحرام؛ فإِن لم يكن للمعالجة، فلا فطرَ ولا فديةَ، وإِنَّ كان للمعالجة فقولان.
871 -
فصل في القيء والاستقاء
لا يفطر بغلبة القيء، فإِن تعمده؛ فإِن ابتلع شيئًا منه، أفطر، وإن لم يبتلع، فوجهان، فإِن قلنا: يفطر، ففي اقتلاع النُّخامة وإِلقائها وجهان، وإِن قلنا: لا يفطر، فرجع شيءٌ بغير اختياره، ففيه كالمبالغة طريقان.
872 -
فصل في تصوير يوم الشكِّ
إِذا أطبق الغيمُ ليلة الثلاثين من شعبان، أو لم يكن في محلِّ الهلال علَّة وتراآه الناسُ، فلم يُرَ، فالغدُ من شعبان، وليس بيوم الشكِّ.
وإِن أمكنت الرؤيةُ وتحدَّث بها مَنْ لا تثبُّت بقوله، أو شهد بها عدلٌ واحد، وقلنا: لا يُسمع، أو لهج بذلك صِبْية أو فَسَقة يغلب على الظنِّ12
صدقُهم، فهذا يوم الشكِّ.
وإِن كان بمحلِّه قطعةُ سحاب، وأمكن ظهوره وخفاؤه، ولم يُتحَدَّث برؤيته، فليس بيوم شكٍّ، خلافًا لأبي محمَّد، وقال الإِمام: إِن كان ببلد يطلب به الهلال فلا شكَّ، وإِن كان في سفر ولا يبعدُ أن يراه أهلُ القرى، ففيه احتمال.
873 -
فصل في جَزْم النيَّة وترديدها
إِذا نوى ليلة الثلاثين من رمضان أن يصومَ الغدَ إِن كان من رمضان، وإِن لم يكن، عَيَّد، فوافق رمضانَ، صح صومُه عن رمضان.
ولو نوى ليلةَ الثلاثين من شعبان أن يصومَ الغدَ إِن كان من رمضان، فوافق رمضان، لم يصحَّ صومُه، وإِن تُصُوِّر أن يجزم النيَّة، فوجهان، وإِن اعتمد على علامة مغلَّبة على الظنِّ؛ كقول صبيةٍ ذوي رشد، أو عدل واحد، فوجهان، والنصَّ أنَّه لا يصحُّ إِلَّا أن يجزمَ النيَّة، فيجزئه عند أبي محمَّد، وخرَّجه الإِمامُ على الوجهين.
وإِن قال: أصومُ غدًا عن رمضان أو تطوُّع، فسدت نيَّته.
وإِن قال: أصوم غدًا إِن كان من رمضان، وإِن لم يكن، فتطوُّع، صحَّ صومُه إِن وافق شعبان.
874 -
فصل في إِفساد الصوم بالجماع
كلُّ جماع موجِبٍ للغسل فهو مفسدٌ لصوم العامد دون الناسي، وأبعد
مَنْ خرَّج الناسيَ على القولين في جماع الناسي للإِحرام.
875 -
فصل في كفَّارة الجماع
ولا تجب الكفَّارةُ بمفطِر إِلا الجماع، والمذهب وجوبُها بكلِّ جماع يفسد الصومَ إِلَّا جماعَ الناسي والغالط إِذا أفسدنا صومَهما، ففي وجوب الكفَّارة عليهما وجهان، وأبعد مَنْ قال: لا تجب الكفَّارة إِلا بوطء يجب الحدُّ بجنسه، وخرَّج الكفَّارة في إِتيان البهيمة على الخلاف في وجوب الحدِّ.
وإِن طاوعت المرأةُ على الجماع فسد صومُهما، وفي لزوم الكفارة قولانِ، ظاهرُ المذهب أنَّها لا تلزمها, لكن هل يقدر أنها لزمتها ثُمَّ تحمَّلها الزوجُ، ودخلت في كفَّارته، أو لم يلزمها شيء أصلًا؟ فيه قولان، وظاهر المذهب أنه يتحمَّلها وتدخل في كفَّارته إلا أن يكونَ مجنونًا أو زانيًا، أو تكون المرأةُ من أهل الصوم، فيلزمها الكفَّارة؛ لتعذُّر التحمُّل، وإِن كان من أهل الإعتاق، وهي من أهل الإِطعام، فعند بعضهم وجهان:
أحدهما: لا تحمُّل ولا تداخل؛ للاختلاف.
والثاني: يدخل الإِطعامُ في الإعتاق؛ لاتِّفاقهما في الماليَّة.
والأمةُ كالزوجة إِلَّا أنَّ كفَّارتها الصيام، فيتعذر التحمُّل لأجل ذلك.
والكفَّارة: عتقُ رقبة مؤمنة؛ فإِن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإِن لم يستطع أطعم ستِّين مسكينًا.
ولو عَدَل عن الصيام إِلى الإِطعام؛ لإِفراط الغُلْمة، أو قلَّ مالُه وكثر
عيالُه، ففرَّق الكفَّارة عليهم، ففي جواز ذلك خلاف، وهل يلزمه القضاءُ مع الكفارة؟ فيه ثلاثة أوجه: [أصحُّها الوجوبُ] (1)، والثالث: يلزمه إِلَّا أن يكفِّر بالصيام، ولا خلاف في وجوب القضاء على المرأة، إِن لم نوجب الكفَّارة؛ إِذ لا سبيلَ إِلى تحمُّل الصوم مع كونه من عبادات الأبدان.
876 -
فصل في الإعسار بحقوق الله من الكفَّارات وغيرها
إِذا كان حقُّ الله ماليًّا، فأعسر وقتَ وجوبه، فله حالان:
أحدهما: ألَّا يكونَ له سببٌ؛ كالفطرة، فلا يلزمه وإن أيسر بعد ذلك.
الثاني: أن يكون له سببٌ، وهو قسمان:
أحدُهما: أن يكون بمنزلة البدل؛ كجزاء الصيد، فيستقرَّ في الذمَّة.
الثاني: ألَّا يشبهَ البدل؛ كالكفارات وأبدالها إِذا أيسر بعد أسبابها، ففي وجوبها وجهان، واستثنى صاحب "التلخيص" كفَّارة الظِّهار، وأجراها أبو عليٍّ على الخلاف.
877 -
فصل فيمن يلزمه الفديةُ والقضاءُ
من أفطر عاصيًا بغير الجماع لزمه القضاءُ، ولا يلزمه الفديةُ على الأصح، ومن أفطر بعُذْر يختصُّ به؛ كالمريض والمسافر، فلا يلزمه سوى القضاء،1
وإِن خافت الحاملُ على جنينها، أو المرضعُ على ولدها، أفطرتا وعليهما القضاء، وفي الفدية على الحامل قولان، وعلى المرضع طريقان أصحُّهما القطعُ بالإيجاب.
ولو تعيَّن عليه إِنقاذُ غريق، فلم يمكنه إلا بالإفطار أفطر وعليه القضاء، وفي الفدية وجهان، واستبعده الإمامُ؛ لأنَّ مأخذَ الفدية قولُ ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله عز وجل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] أنَّه منسوخ إِلَّا في حقِّ الحامل والمرضع.
878 -
فصل في المباشرة والتقبيل والاستمناء
لا تُكره القبلة إِلَّا أن يخافَ منها أن تُحرِّك الشهوةَ تحريكًا يُخرج عن الضبط؛ فإِن أنزل المنيَّ بتقبيل أو استمناء أو ملاقاة بين البشرتين، أفطر، وإِن أنزله بالفكر أو النظر، لم يفطر، وإن ضمَّ المرأةَ إِليه مع الحائل، فوجهان.
879 -
فصل في النوم والجنون والإغماء والحيض
لا يبطل الصومُ بنوم ولا غفلة، ويبطل بالجنون، وفي الإِغماء طريقان:
أحدُهما: خمسة أقوال:
أحدُها: يبطلُ كالحيض.
والثاني: لا يبطل إِن خلا منه أوَّلَ النهار.
والثالث: لا يبطل إِلا أن يستغرقَ النهار.
[والرابع: يبطل إِلَّا أن يخلو منه طرفا النهار.
والخامسُ: لا يبطل وإِن استغرق النهار] (1).
والقولان الأخيران مخرَّجان.
والطريقة الثانيةُ: القطعُ بالصحَّة إن أفاق في شيء من النهار، واطِّراح المخرَّجين، وتأويل النصَّين الآخرين، وأبعد من ألحق طارئَ الجُنون بالإغماء، ومن اعتبر استغراق النوم باستغراق الإغماء.
وطارئُ الحيض مفسِدٌ، ويجب قضاءُ ما فات بسبب الحيض، ولو أمسكت بنيَّة الصوم، عَصَت.
880 -
فصل في تعجيل الفطر وتأخير السَّحور
يُستحبُّ تعجيلُ الفطر، وتأخير السَّحور مع تعيُّن وقوعهما في الليل، وكان بين سَحور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلاة الصبح قدرُ خمسين آية (2).
881 -
فصل في الإفطار بالأسفار
الفطر مختصٌّ بالسفر الطويل، فيتخيَّر المسافر بين الصوم والإِفطار، والصومُ أفضل؛ فإِن تضرَّر ضررًا لا يفضي إِلى المرض، فالثوابُ على قدر12
النصب، وإِن خاف المرضَ، فهو محثوثٌ على الإِفطار؛ لأنَّه لو صام كان كمتحمِّل عبادة تفضي إِلى ترك أمثالها.
882 -
فصل في اجتماع السفر والإقامة في يوم واحد
يجوز الإِفطارُ بطارئ المرض، ولو سافر مقيمٌ أو أقام مسافرٌ، لم يفطرا في يومهما؛ تغليبًا لحكم الإِقامة، ولو أصبح المسافرُ صائمًا، فله أن يُفطرَ ما دام مسافرًا على ما ذكره أبو محمَّد، ودلَّت عليه الطرقُ، ويُحتمل ألَّا يجوزَ له الإِفطارُ؛ لشروعه في العزيمة، كما لو شرع في الصلاة بنيَّة الإِتمام.
883 -
فصل فيمن يلزمه الإمساك ومن لا يلزمه
مَنْ عصى بإِفطاره لزمه الإِمساكُ عن المفطرات في بقيَّة نهاره، ويختصُّ ذلك برمضان، فلا يلزم من عصى بالفطر في نذر أو قضاء، وليس الإِمساكُ بعبادة، وإِنَّما هو تشبُّه بالعبادة، بخلاف المُضيِّ في فاسد الإِحرام 1، فإِنَّه عبادة، ولذلك يجب فيه الكفَّارات بارتكاب المحظورات، ولو أصبح غيرَ ناوٍ لزمه الإِمساكُ، فإن تطوَّع بالصوم، لم يصحَّ، خلافًا لأبي إِسحاق، وليس للمسافر أن يتطوَّع بالصوم إِلا على قياس أبي إِسحاق.
وإِن أصبح يوم الشكِّ مفطرًا، ثمَّ ثبت أنَّه من رمضان، ففي وجوب
الإِمساك قولان، وظاهرُ المذهب وجوبُه، ولا إِمساكَ على من أفطر بمرض أو سفر، ثمَّ زال عُذره، وكذلك لو أصبح المريضُ أو المسافر ممسكًا من غير نيَّة، وأبعد مَنْ أوجب الإِمساكَ في صورتي الإِمساك؛ إِذ لا فرقَ بين الأكل وترك النيَّة.
ولو طَهَرت الحائضُ بعد أكلٍ أو إِمساك، فلا إِمساكَ عليها اتِّفاقًا؛ لأنَّ منافاةَ الحيض للصوم كمنافاة الأكل.
ولو صام المسافرُ أو المريض، ثُمَّ زال عذرُهما، لزمهما الإِتمامُ، ولو بلغ الصبيُّ أو أفاق المجنون، أو أسلم الكافرُ، ففي الاِمساك أربعةُ أوجه:
أحدُها: لا يجب.
والثاني: يجب.
والثالث: يجب على الكافر والصبيِّ دون المجنون.
والرابع: لا يجب إِلا على الكافر.
والأوَّل أصحُّ؛ فإن أوجبنا الإِمساكَ وجب القضاءُ عند الأصحاب، وعكسه الصيدلانيُّ، والأصحُّ عند الإِمام سقوطُ الإِمساك والقضاء إِذا لم يدركوا وقتَ الإِمكان.
884 -
فصل في سقوط الكفارة بطرآن الأعذار في نوم الجماع
إِذا جامع، ثمّ جُنَّ في يومه، أو مرض مرضًا مُبيحًا للفطر، أو حاضت المرأةُ، ففي سقوط الكفارة ثلاثةُ أقوال؛ في الثالث تسقط بالجنون والحيض
دون المرض؛ لأنَّهما ينافيان الصومَ، ولا تسقط الكفَّارة بطارئ السفر؛ إِذ لا يُرخَّص في الإِفطار، وأبعد مَنْ ألحقه بالمرض؛ لشبهة خلاف أحمد في جواز الإِفطار، ومقتضى هذا أنَّ الصائمَ لو سافر، ثمَّ جامع في نهاره، ففي تكفيره الخلافُ؛ لشبهة الخلاف.
885 -
فصل فيمن يلزمه القضاء من أهل الأعذار ومن لا يلزمه
إِذا مضت أيَّام من رمضان في الكفر أو الصِّبَى أو الجنون أو الحيض أو الإِغماء، فلا قضاءَ إِلا على الحائض والمغمى عليه، وخالف أبو حنيفة في الجنون، وعن ابن سُريج مثله، ولا يصحُّ نقله.
886 -
فصل فيمن يلزمه الفدية
تجب الفديةُ عن الصوم تارة، وعن تأخيره أُخرى، ولا يجوز للمتمكِّن من القضاء أن يؤخِّرَه إِلى رمضان آخَرَ، فإن خالف لزمته الفديةُ مع القضاء، وتتكرَّر الفديةُ بتكرُّر السنين على الأصحِّ، وقيل: لا تجب إِلَّا فدية واحدة.
وكلُّ عذر أجاز تاخيرَ الأداء؛ كالسفر والمرض فهو مُجوِّز لتاخير القضاء ولا افتداء 1.
وقالوا: لو دام المرضُ المبيح إِلى الموت، فلا فديةَ، ولا نعرف فيه
خلافًا, ولو أفطر بالهَرَمِ (1) مع قدرته على الفدية، فقولان، وظاهرُ المذهب الوجوبُ.
887 -
فصل فيمن مات وعليه صيام
إِذا أخر الصوم بغير عذر، ومات فهل يُخرج عنه الفديةَ، أو يصوم عنه وليُّه؟ فيه قولان، الجديدُ إِخراج الفدية.
فلو أخَّر القضاءَ فلزمته فديةٌ للتأخير، ومات قبل القضاء، لزمه لكلِّ يوم فديتان، وقال ابن سُريج: يتداخلان، ولا وجهَ له، وإِن قلنا بالقديم، فلا يلزم الوليَّ الصومُ، وإِن صام أجزأه، ويحتمل أن يُراد بالوليِّ العَصَبة أو القريب أو الوارث، ولا نقلَ في ذلك عند الإِمام.
والفدية: مدٌّ لكلِّ يوم من الطعام المجزئ في الفطرة، وكلُّ مدٍّ كفارةٌ تامَّة، فيجوز أن يُدْفعَ أمدادٌ كثيرة إِلى مسكينٍ واحد.
888 -
فصل في بيان مفسدات الصوم
الرِّدَّة مُفْسِدةٌ لكلِّ عبادة، ويفسد الصومُ بالجماع، والاستمناء، والقيء، والحيض.1
وفي الإِغماء والجنون والنوم ما قدمناه، وكذلك يفسدُ بكلِّ واصلٍ يصِل إِلى باطن عضو يُعَدُّ مجوَّفًا، فيفطر بما يجاوز الحلقومَ أو الخيشوم، وبما يصل إِلى المثانة أو البطن، وإِن لم يخرق الأمعاء، وكذلك باطن الإحليل على المذهب، وفي باطن الأذن وجهان يقربان من باطن الإحليل.
ولو ابتلع خيطًا طرفُه ظاهر، أو وَجَأَ نفسَه بسكِّين 1 طرفُها ظاهر، أو داوى شَجَّةً برأسه أو جرحًا بجوفه، فجاوز الدواءُ قحفَ رأسِه، أو داخلَ بطنِه، أفطر بذلك وإِن لم يصل إِلى الأمعاء، ولا إلى ما وراء خريطة الدماغ.
ولا يفطر بوصول السكِّين إِلى باطن لحم الساق والفخذ ومكان المُخِّ، ولا بمجاوزة الدواء البشرةَ إِذا لم يصل إِلى فضاء البطن، وغلط من أفسد الصوم بمجاوزة الدواءِ البشرةَ؛ لأنَّ مثله في السكين لا يفطر، وكذلك لا يفطر بما يصل بالمسامِّ؛ كالاطِّلاء بالأدهان، وصبِّها على الرؤوس، وإِدراك الذوق مع مجِّ المذوق، ولا بالاكتحال والاحتجام والاقتصاد، ولا بابتلاع الرِّيق إِلا أن يجعله على كله أو طرف شَفَته ثم يبتلعُه، وإِن جمعه ولم يتركه يجري على خِلقته، ثمَّ ابتلعه، لم يفطر على الأصح، ولو أخرجه على لسانه وجاوز به شفتيه، ثم ابتلعه فلا فطر، وإِن بلَّ به خيطًا، ثمَّ ردَّه بالريق ولم يمُجَّه أفطر، خلافًا لأبي محمَّد؛ فإِنَّه ألحق ذلك بأثر المضمضة.
وداخلُ الفم إِلى منتهى الغَلْصَمة في حكم الظاهر، وكذلك الأنف إِلى
منتهى الخيشوم؛ فلو ابتلع سِنًّا من أسنانه أو دمَا من عُمُورِهِ (1) أفطر، بخلاف الريق.
قال أبو محمَّد: ولا يفطر بالنخامة النازلة إِلى الحلقوم إِلَّا أن يصرفَها إِلى فضاء الفم، ثم يزدردها، وقال الإِمام: إِن لم يشعر بها، أو شعر بها ولم يقدر على مجِّها، فلا بأس، وإن قَدَر على مجِّها، ففي وجوبه وجهان.
889 -
فصل في الاجتهاد في رمضان
إِذا اشتبهت الشهورُ على الأسير المحبوس، فليجتهد في رمضان؛ فإن صام ما بين الهلالين باجتهاد، فوافق رمضانَ، أو ما بعده من أيَّام تقبل الصيام، أجزأه، وهل الواقعُ بعدَ رمضان قضاءٌ أو أداء؟ فيه وجهان؛ فإن نقَصَ شهرُه وكمل رمضان، فلا يلزمه قضاءُ اليوم الناقصِ إِن قلنا بالأداء، وإِن وافق ما قبل رمضان، لزمه صومُ رمضان إِن عرف ذلك قبل دخوله.
وإِن عرفه بعد انقضائه، فقولان بناهما القفَّال على الخلاف في القضاء والأداء.
وإِن عرف ذلك في أثناء رمضان لزمه صومُ ما بقي، وفيما مضى طريقان؛ منهم من ألزمه ذلك، ومنهم من خرَّجه على القولين، وهو الوجه.
1
890 -
فصل في الرَّفَث والفسوق في الصيام
قال عليه السلام: "الصوم جُنَّة وحِصْن حَصِين؛ فإِذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفَثْ ولا يفسقْ، فإنْ شاتمه امرؤٌ فَلْيقل: إِنِّي صائم" (1)؛ أي: يحدِّث نفسَه بذلك؛ لينزجرَ عن المشاتمة.
891 -
فصل في استياك الصائم
يُستحبُّ له السواك إِلى الزوال بشرط التحفُّظ عن ابتلاع خِلابة 2 منه أو شظيَّة 3، ولا نرى له ذلك بعد الزوال، ولا فرق بين الفرض والنفل.
1
892 -
باب صيام التطوُّع
إِذا تطوَّع بصوم أو صلاة، ثُمَّ قطعهما، جاز، ولا قضاءَ عليه؛ فإِن كان معذورًا في القطع، فلا كراهة، وإِن لم يكن عذر، ففي الكراهة تردُّد، ومن العُذر أن يَعِزَّ على المُضيف امتناعُ الضيف من الطعام 1.
893 -
باب النهي عن الوصال
الوِصال قربةٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حرامٌ على أمَّته، ويزول بقطرة يتعاطاها كلَّ ليلة 1.
894 -
باب صيام يوم عرفة وعاشوراء
يُستحبُّ صوم عاشوراءَ وعرفةَ إلَّا للحاجِّ بعرفةَ، وقيل: إِنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صام تاسوعاءَ 1، فيحتمل أنَّه احتاط لعاشوراءَ، ويحتمل أنَّه أراد ألَّا يُفردَ اليوم بالصوم.
895 -
باب الأيَّام التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامها
لا يصحُّ صومُ العيدين وأيّامِ التشريق، ولو نذر صومَها, لم يصحَّ نذرُه، وجوَّز في القديم للمتمتِّع أن يصومَ ثلاثةَ الأيَّام في أيَّام التشريق، وهل تقبل غيرها من الصيام؟ فيه على القديم وجهان أحدهما: لا تقبله.
والثاني: أنَّها كيوم الشك، وصوم يوم الشكِّ منهيٌّ عنه بغير سبب؛ فإِن صامه أو نذر صيامَه، ففي صحَّة صومه ونذره وجهان، ولو صامه قضاءً أو نذرًا أو وردًا أو إِكمالًا لشعبان، صحَّ ولا كراهة.
وكلامُ القاضي حسين مُوهِمٌ بأنَّ يومَ العيد كيوم الشكِّ، وليس بشيء 1.
896 -
باب الجُود والإفضال في شهر رمضان
رمضانُ شهر البركات والمسارعة إِلى الخيرات، وكان - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناس، فإِذا دخل رمضانُ، كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة في عمومها أو سرعتها 1. = انظر: "مقاصد الصوم" للعز بن عبد السلام، بتحقيقنا (ص: 43 - 45)، وتفصيل ذلك ثمَّة.
الغاية في اختصار النهاية
تأليف سلطان العلماء العز بن عبد السلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (المتوفى سنة 660 هجرية)
تحقيق إياد خالد الطباع
[المجلد الثالث]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْغَايَة فِي اخْتِصَار النِّهَايَة (3)
طبعة خَاصَّة الْكتاب طبع على نَفَقَة وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية وَهُوَ يوزع مجَّانا وَلَا يجوز بَيْعه turathuna@islam.gov.qa إدارة الشؤون الإسلامية ص. ب: 422
الطبعة الأولى 1437 هـ - 2016 م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار النَّوَادِر
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لبنان - بيروت ص. ب: 14/ 4462 هَاتِف: 009611652528 فاكس: 009611652529 E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com