كتاب الضمان
كتاب الضمان
1692 -
يُشترط في الضمان: رضى الكفيل، ولا يُشترط رضى الأصيل، وفي المضمون له وجهان، والأكثرون على أنَّه لا يُشترط، فإِن شُرط ففي القبول وجهان، فإِن شُرط فلا بدَّ أن يتَّصل بالضمان كاتِّصال القبول بالإِيجاب في سائر العقود، وإِن شرط الرضى دون القبول جاز أن يتقدَّم على الضمان بطويل الزمان (1)، فإِن تأخَّر عنه فهو كالإِجازة إِن جوَّزنا وقف العقود، وإِن لم يُشرط رضاه ولا قبوله فهل يُشترط أن يعرف الضامنُ المضمونَ له، والمضمونَ عنه؟ فيه أوجه:
أحدهما: يُشترط معرفتهما.
والثاني: لا يُشترط.
والثالث: يُشترط معرفة المضمون له وحدَه، واختاره في "التقريب".
والرابع: يُشترط معرفة المضمون عنه وحدَه.
1693 -
فصل في رجوع من أدَّى دين إِنسان بغير ضمان
إِذا أدَّى دَين إِنسان بغير إِذنه برئ، ولا يرجع عليه اتِّفاقًا، وإِن أدَّاه1
بإِذنه؛ فإِن شرط الرجوع رجع اتِّفاقًا، وإِن لم يشرطه رجع على الأصحِّ.
وفي اقتضاء الهبة المطلقة للثواب أقوال، ثالثُها: التفرقةُ بين أن يكون الواهب ممَّن يستثيب مثلُه من المتَّهب أو لا يكون، فرتَّب أبو محمَّد الرجوع بالدين على وجوب الثواب، وجعل الدين أولى بالرجوع، وقال: لا يمتنع تخريج وجه ثالث يُفرَّق فيه بين أن يكون المؤدِّي ممَّن يَسترفِدُ من الآمر أو لا يكون، ولو أوجر إِنسانًا طعامًا في غير المخمصة لم يرجع.
1694 -
فصل في إِجبار المضمون له على قبول الدين من الضامن
إِذا لم يُشرط رضا المضمون له، فأدَّى الضامن الدين؛ فإِن ضمن بغير إِذن الأصيل لم يُجبر المضمون له على قبول الدين، بل هو بالخيار، إِن شاء طلب، وإِن شاء ترك، كما لو أدَّى دينَ غيره بغير إِذنه، فإِنَّ ربَّ الدين لا يُجبر على القبول، وإِن ضمن بإِذن الأصيل؛ فإِن أثبتنا الرجوع أُجبر المضمون له على القبول، وإِن لم يثبت الرجوع ففي الإِجبار على القبول وجهان، كالوجهين فيمن أُمر بقضاء الدين من غير ضمان، وقلنا: لا رجوع، والأشهر الإِجبار؛ لوقوع الأداء بإِذن المدين، ولو قال: أدِّ ديني بشرط الرجوع، فلا خلاف في الإِجبار على القبول.
1695 -
فصل في رجوع الكفيل على الأصيل
للضمان والأداء أحوال:
الأول: أن يقعا بغير إِذن الأصيل، فلا رجوع اتِّفاقًا.
الثانية: أن يقعا بإِذنه، فيرجع عليه اتِّفاقًا، سواءٌ شرط الرجوع أو لم يشرط، ويُحتمل إِذا لم يشرط الرجوع أن يُخرَّج على الوجهين فيما إِذا قال للأجنبي: أدِّ ديني، ولم يَشرط الرجوع، وقد رمز إِليه في "التقريب"، ولم يصرِّح به أحد من الأصحاب.
الثالثة: أن يضمن بالإِذن، ويؤدِّي بغير إِذنٍ، فثلاثة أوجه؛ الثالث: إِن أُجبر على الأداء ولم يقدر على مؤامرة الأصيل رجع، وإلا فلا، وهو الذي ذكره العراقيُّون، ومال إِليه في "التقريب"، واختار الإِمام أنَّه يرجع في الحالين.
الرابعة: أن يضمن بغير إِذن، ويؤدِّي بالإِذن، فوجهان رتَّبهما الإِمام على ما إِذا أمر الأجنبيَّ بأداء الدين، ولم يشرط الرجوع، والضامن أولى بألا يرجع.
1696 -
فصل في إِشهاد الضامن على الأداء وتقصيره فيه
إِذا أشهد الضامنُ على الأداء عدلَيْن، أو عدلًا وامرأتين، رجع، وفي المستورينِ وجهان، وفي العدل الواحد ليحلف معه وجهان، ولا وجه للمنع؛ إِذ لم يَشرط أحد من الأصحاب إِشهاد من يتَّفق العلماء على قبول شهادته، فإِن أدَّى ولم يُشْهِد 1؛ فإِن كذبه الأصيل وربُّ الدين فلا رجوع،
وإِن صدَّقه الأصيل وكذَّبه ربُّ الدين وحلف، فوجهان، وإن كذَّبه الأصيل وصدَّقه المَدِين سقط الدَّين، وفي الرجوع وجهان.
فإِن منعنا الرجوع إِذا ترك الإِشهاد، فادَّعى أنَّه أشهد عدلَيْن وماتا، فإِن صدَّقه الأصيل رجع على الأصحِّ، وإِن كذَّبه فوجهان، وإِن قال: أشهدتُ زيدًا وعَمرًا، فكذَّباه، فهو كترك الإِشهاد على ما دلَّ عليه كلام الأصحاب، وإِن قالا: لا يَبعد أنَّا شهدنا ونسينا؛ ففيه تردُّد، وهو أولى بالمنع ممَّا إِذا ادَّعى موت الشهود.
1697 -
فرع:
إِذا منعنا الرجوع عند ترك الإِشهاد، فأدَّى الدينَ مرَّةً أخرى، وعلم الأصيل بذلك، فالأصحُّ أنَّه يرجع، وهل يرجع بما غرمه أولًا أو بما غرمه ثانيًا؟ فيه وجهان يظهر أثرهما عند اختلاف صفتهما.
1698 -
فصل فيما يرجع به الضامن
إِذا أدَّى مثلَ دين الأصيل رجع به، وإِن أدَّى عنه عوضًا -كالثوب والعرْض- بريء الأصيل، ورجع بقيمة العرض إِن ساوت قيمة الدين، وإن زادت لم يرجع بالزيادة اتِّفاقًا، وإِن نقصت برئ الأصيل من جميع الدين، وهل يرجع الكفيل بجميع الدين أو بقيمة العرض؟ فيه وجهان يتفرَّع عليهما ما إِذا ضمن ذمِّيٌّ عن مسلم دينًا لذمِّيٍّ، فصالحه عنه بخمرٍ، ففي صحَّة الصلح -لتعلُّقه بالمسلِم- وجهان؛ فإِن قلنا: يصحُّ، فللمضمون له أن يطالب الضامن، وإلا فلا.
فإِن قلنا بالمطالبة، فهل للضامن الرجوع؟ فيه وجهان:
إِن قلنا: يرجع بقيمة العرْض، فلا رجوع هاهنا؛ إِذ لا قيمة للخمر.
وإِن قلنا: يرجع بالدين، رجع هاهنا؛ لتحصيله براءة الأصيل.
1699 -
فرع:
إِذا أمر أجنبيًا بقضاء دينه، فأدَّى عَرْضًا، برئ المدين، وفي الرجوع أوجهٌ:
أصحُّها: الرجوع كالضامن.
والثالث: إِن قال: أدِّ ديني، رجع، وإن قال: أدِّ الدنانير التي عليَّ، لم يرجع.
1700 - فرع: إِذا ادَّعى على حاضر وغائب أنَّهما اشتريا عبده وقبضاه، ثمَّ ضمن كلُّ واحد منهما ما على الآخر، وأقام بيِّنة بذلك، حُكم عليهما بالثمن، فإِن أدَّاه الحاضر، وأراد الرجوع على الغائب، نُظر: فإِن لم ينكر، بل وكَّل عند الدعوى، أو سكت عن الجواب، فله أن يرجع، وإن صرَّح بالإِنكار، فإن أصرَّ عليه فلا رجوع، وإن اعترف بعد ذلك فلا رجوع على أقيس الوجهين، وإن سكت بعد قيام البيِّنة فلم يقرَّ ولم ينكر، ففيه تردُّدٌ لأبي محمَّد.
1701 - فرع: إِذا ضمن الصداق، ودفعه إِلى الزوجة، فارتدَّت قبل الدخول، رجع ما قبضتْه إِلى مِلك الزوج، ولم يكن لها إِبدالُه، فإن رجع الضامن على
الزوج فله إِبدال ما رجع إِليه؛ لأنَّ ثبوت ملك الزوجة فيه يتضمَّن ملك الزوج له بطريق القرض.
1702 -
فرع:
إِذا أثبتنا الرجوع قبل الأداء، فضمن عن زيدٍ بشرط أن يضمن له عمرو ما يرجع به، ففي صحَّة الضمان وجهان، فإِن قلنا: لا يصحُّ، فلا شيء على الضامن، وإن قلنا: يصحُّ، ثبت الشرط، فإِن لم يفِ به تخيَّر الضامن في فسخ الضمان، كالبيع إِذا شرط فيه الضمان، وهذا بعيد؛ إِذ الضمان لا يقبل الخيار، ولا نعرف خلافًا أنَّ الضمان بشرط الخيار باطل.
1703 - فرع: إِذا ضمن العبد دين سيِّده بإِذنه، ثمَّ أدَّاه بعد العتق، ففي رجوعه به وجهان، كالوجهين في رجوعه بالأجرة إِذا أعتقه وهو مأجور.
1704 -
فصل في رجوع الضامن قبل الأداء ومطالبته بالتخليص
إِذا أراد الضامن الرجوع قبل الأداء، أو عاوض الأصيل عمَّا يرجع به، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وإن أبرأ 1 فوجهان.
وقال الإِمام: إِن أثبتنا الرجوع قبل الأداء صحَّ الإِبراء، وإِلا فقولان؛ إِذ وُجد سبب الوجوب، ولم يجب.
وإِن أدَّى الصحاح عن المكسَّر لم يرجع بالصحاح اتّفاقًا، وإِن أدَّى المكسَّر عن الصحاح لم يرجع إِلا بالمكسَّر، بخلاف الرجوع بعوض القرض الناقص؛ لأنَّ هذا استيفاءٌ وليس بمعاوضة.
ولو طولب الضامن بالدين فله أن يطالِبَ الأصيل بتخليصه، وأبعدَ مَن منع ذلك، وقال الإِمام: إِن أثبتنا الرجوع قبل الأداء فله طلب التخليص، وإِن لم يثبت الرجوع قبل الأداء فالمذهبُ أنَّه يطالِبُ بالتخليص إِن طُولب، وليس له ذلك قبل الطلب.
ولو حبس الضامن، وأثبتنا له الرجوع قبل الأداء، فله أن يطلب حبس الأصيل، وأبعدَ من منع ذلك.
1705 -
فصل في ضمان المجهول وما لم يجب
إِذا ضمن مجهولًا لم يجب، ولم يوجد سبب وجوبه؛ فإِن لم يمكن الوصول إِلى معرفته لم يصحَّ، مثل أن يقول: ضمنت لك شيئًا، وكذا لو قال للمدين: ضمنت عنك شيئًا، وإن أمكن التوصُّل إِلى معرفته فقولان: القديم: أنَّه يصحُّ، ولا يطالب إِلَّا بعد الوجوب، وليس له الفسخ بعد الوجوب، وفيما قبله وجهان، فإِذا قال: ضمنت لك ثمن ما تبيعه من فلان، صحَّ، وإن لم يعيّن المبيع، ويصير بذلك ضامنًا لجميع الأثمان، وإِن قال: إِذا بعتَ من فلان فأنا ضامن للثمن، فإِنَّه يختصُّ بثمن العقد الأوَّل، وأمَّا معرفة المضمون له؛ فإِن شرطناها في الدين الثابت فهاهنا أولى، وإِن لم
نشرطها، ثَمَّ ففيه هاهنا -لكثرة الغرر- وجهان، ثمَّ تجري الأوجهُ الأربعة، واشتراط المعرفة هاهنا أولى؛ لما فيه من غرر الجهل وعدم الوجوب.
ولو علَّق ضمان الدين الواجب بوقت معلوم، أو بقدوم إِنسان، جاز على هذا القول.
وأمَّا القول الجديد، وبه الفتوى: فيُشترط في معرفة الدين ما يُشترط في معرفة الأثمان، ويصحُّ إِن عرفه الضامن وجهله المضمون عنه، وإن جهله المضمون له، فوجهان مأخوذان من اشتراط قبوله ورضاه، ولو عرفه الأصيل والمضمون له، وجهله الضمين، لم يصحَّ الضمان.
ولو ضمن ما لم يجب بطل إِن لم يوجد سبب وجوبه، وإِن وجد فقولان مشهوران، وذلك مثلُ أن يضمن نفقة الزوجة لمدَّة معلومة ممَّا يُستقبل من الزمان.
ولو ضمن الثمن في مدَّة الخيار صحَّ وجهًا واحدًا، وفيه احتمال لا سيَّما إِن بقينا الملك للبائع، وإِن قال: ضمنتُ من درهم إِلى عشرة، وجُوِّز كونُ الدين درهمًا وكونُه عشرة، ففي ضمان العشرة وجهان.
وفي ضمان الجُعل قبل العمل طريقان:
إِحداهما: المنع.
والثانية: على القولين فيما وُجد سبب وجوبه ولم يجب.
ولا يصحُّ ضمان نجوم الكتابة؛ إِذ لا يلزم بحالٍ، وأبعد من خرَّجها على القولين فيما لم يجب، ووُجد سبب وجوبه، وفي ضمانها على القديم وجهان.
1706 -
فرع:
إِذا جوَّزنا للضامن تغريم المضمون عنه قبل أداء الدين، فضمن عن زيد بإذنه على أن يضمن عن زيد بهذا الضمان عمرٌو، ففي صحَّة الضمان بشرط الضمان وجهان، فإِن قلنا: لا يصحُّ فسد الضمان، ولا شيء على الضامن، وإِن قلنا: يصحُّ؛ فإِن وفَّى المضمون عنه وأعطى الضامن فذاك، وإن لم يفِ تخيَّر الضامن بين فسخ الضمان والبقاء عليه، كنظيره في الضمان المشروط في البيع، وهذا بعيد عن وضع الضمان؛ فإِنَّ البيع يقبل الخيار، والضمان لا يقبله، ولا خلاف أنّ شرط الخيار مُفسِد للضمان.
1707 -
فصل في ضمان الدرَك ويسمَّى ضمان العهدة
ومقصوده: التزام الثمن إِن ظهر استحقاق المبيع، ويصحُّ على القديم، وفي الجديد أقوال، ثالثها: لا يصحُّ إِلا بعد قبض الثمن، والمذهب: الصحَّة على الإِطلاق، والقولان الآخران مخرَّجان.
وإن ضمن سلامة الثمن عن الزيف ففيه الأقوال، وكذلك ضمان نقصان صنجة الثمن عند ابن سُريج على الأقوال، وإن جوَّزنا ضمان عهدة الاستحقاق، فصرَّح بالضمان إِن فسد البيع بشرط مُفسد، أو بفوات شرط معتبر، أو إِن ردَّ المبيع بالعيب، فوجهان، والفرق: إِمكان التحرُّز من المفسدات، وتعذُّرُه عن الاستحقاق، فإِن جوَّزنا ذلك ففي اندراجه في مطلق ضمان العهدة وجهان، ولو خصَّ الضمان بالاستحقاق اختصَّ به اتِّفاقًا، وكذلك إِن خصَّه بغيره من المفسدات إِن جوَّزنا ذلك، ولا يُعلَّق ضمان
العهدة بالإِقالة إِن جُعلت بيعًا، وكذلك إِن جُعلت فسخا على الجديد؛ إِذ لا استناد لها إِلى العقد، بخلاف الردّ بالعيب.
1708 -
فرع:
إِذا استُحِقَّ بعضُ المبيع أُخذ الضامنُ بما يقابل المستحَقَّ، وفي فساد البيع في الباقي قولان، فإِن أفسدناه ففي تعلُّق الضمان به الوجهان في عهدة المفسدات، وإِن لم نبطله، فاختار الفسخ، ففيما يُقابِل المفسوخَ وجهان، كالردِّ بالعيب.
1709 - فرع:
إِذا ضمِن نقصَ الصنجة، فادَّعى البائع نقص الثمن، فالقولُ قوله، وليس له مطالبة الضامن إِلا ببيِّنة أو اعتراف.
هذا قياس الأصول.
ولو كان الثمن عشرة، فادَّعى المشتري إِقباضها، وقال البائع: إِنَّما قبضتُ تسعة، فالقول قول البائع، وله مطالبةُ المشتري، وليس له أن يطالب الضامن على أقيس الوجهين.
1710 -
فصل في ضمان الحالِّ مؤجَّلًا والمؤجَّل حالًّا
إِذا ضمن المؤجلَ بما يساويه في الأجل صحَّ، وأيُّهما مات حلَّ ما عليه دون ما على صاحبه، فإِن مات الأصيل، فأراد الكفيل إِلزام ربِّ الدين بقبضه من التركة، أو أن يُبْرِئه من الضمان، فله ذلك على أظهر الوجهين، وإِذا حلَّ المؤجَّل، أو كان أصل الدين حالًا، فضمنه مؤجَّلًا، لم يثبت الأجل اتِّفافًا،
ويفسد الضمان على أظهر الوجهين، ولو ضمن المؤجَّل حالًّا ففي صحَّة الضمان وجهان.
فإِن قلنا: يصحُّ، ففي ثبوت الأجل (1) وجهان مأخذُهما: أنَّ الشرط الفاسد هل يُفسد الضمان، فإِن أثبتنا الأجل فهل يثبت تبعًا أو مقصودًا؟ فيه وجهان يظهران عند موت الأصيل، فإِن جعلنا الأجل تابعًا حلَّ الدين على الضامن، وإِلا فلا.
1711 -
فرع:
إذا ضمن الصَّداق ضمانًا موجبًا للرجوع، ودفعه إلى الزوجة، فارتدت قبل الدخول؛ فإن كانت العين باقية رجعت إلى الزوج، وليس لها إبدالها، فإذا رجع الضامنُ على الزوج، لم يلزمه أن يردَّ عليه تلك العين.
ولو ضمن العبد عن سيِّده دينًا بإذنه، فأدَّاه بعد العتق، ففي رجوعه به على السيد وجهان، كالوجهين في رجوع العبد المأجور بأجرة مثله إذا عتَق في أثناء المدَّة.
1712 - فرع:
إِذا جوَّزنا ضمان المؤجَّل حالًّا، فأطلق الضمان، ودينُ الأصيل مؤجَّل، فهل يثبت الضمان حالًّا أو مؤجَّلًا؟ فيه وجهان أظهرهما: ثبوت الأجل، وعلى هذا: هل يُشترط أن يعرف تأجُّل الأصل ومقدار الأجل؟ فيه على الجديد وجهان.
1
1713 -
فصل في تعليق الأبواء والضمان
إِذا علَّق الضمان بمجيء زمن معلوم، أو قدوم إِنسان، بطل على الجديد، ويجري الإِبراء مجرى الضمان في صور الخلاف والوفاق، فالاِبراءُ عمَّا لم يجب باطل إِن لم يوجد سببُه، وإِن وُجد فقولان، ولا يصحُّ الإِبراء من المجهول، وإِن أبرأ من درهم إِلى عشرة ففيه الوجهان، ولا يجوز تعليقه على الجديد كالضمان.
وقال الإِمام: إِن لم يُشرط فيه القبول ففيه احتمال، وإِن علَّقه فقد أجازه الامام على القديم.
1714 -
فرع:
إِذا جوَّزنا تعليق الضمان وجهالة المضمون، فقال: بع عبدك من فلان بعشرة وأنا ضامن لها، أو قال: إِذا بعته منه بعشرة فأنا ضامن لها، فباعه بعشرين، لم يلزمه العشرةُ الزائدة، وفي لزوم العشرة الأخرى خلاف يجري فيما إِذا باعه بخمسة، ومذهب ابن سريج: أنَّها لا تلزمه؛ لمخالفة البائع لشرطه، ولو قال: أقرضه عشرة على أنِّي ضامن، فأقرضه خمسةَ عشر، لزمه ضمان العشرة اتِّفاقًا؛ لأنَّ أجزاء القرض لا يجمعها عقد رابط، بخلاف البيع، فإِنَّه إِذا باعه بخمسة عشر فقد باع ثلثيه بعشرة، فلم يوجد الشرط، ولو أقرضه خمسة فقد قطع ابن سريج بلزومها، وهو خلاف قياسه.
1715 - فرع: يجوز ضمان إِبل الدية والإبراءُ عنها في الجديد والقديم، سواءٌ ثبت للضامن الرجوعُ أم لم يثبت، وهل يرجع الضامن بالإِبل أو بقيمتها؟ يحتمل
وجهين، كما في بدل القرض.
1716 -
فصل في الاختلاف في قبض الأصالة أو الكفالة
إِذا باع عبده من اثنين على أن يضمن كلُّ واحد منهما ما على صاحبه من الثمن، بطل البيع، ولو كان له على اثنين خمسةً خمسةً، فضمن كلُّ واحد منهما ما على الآخر، فله أن يطلب العشرة ممَّن شاء منهما؛ فإِن أخذها من أحدهما رجع على الآخر بخمسة إِن كان الضمان موجبًا للرجوع، وإِن أخذ من كلِّ واحد منهما خمسة الأصالة برئا جميعًا، وإن أخذ من كلِّ واحد خمسة الكفالة ففي تراجعهما أقوالُ التقاصِّ.
فإن قال الدافع: إِنَّما أقبضتك الخمسة الأصليَّة، وقال القابض: بل خمسة الكفالة، فقد برئ من الخمسة الأصليَّة، وهل للقابض أن يطالبه بخمسة الكفالة؟ فيه خلاف من جهةِ أنَّه اعترف بقبضها، وقطع القفَّال بجواز المطالبة؛ لأنَّه بنى قوله الأوَّل على ظنٍّ وتخمين.
قال الإمام: إِذا أَمكن استناد الأقارير إِلى اليقين، فرجع المقرُّ، وقال: أخطأت، لم يُقبَل، وإن لم يُمْكِن الاستناد إِلى اليقين، فإِن ابتدأ بالإِقرار من غير خصومة، ثم رجع، لم يُقبل رجوعه، وإن أقرَّ في أثناء الخصومة، أو تقدَّم الأِقرار، ثمَّ وقعت الخصومة، ففيه الخلافُ المتقدِّم، ولو ادَّعى استحقاق المبيع، فقال المشتري: كان ملكًا للبائع إِلى أن اشتريته منه، ثم ثبت الاستحقاق، فإنَّه يرجع بالثمن على البائع، وأبعدَ مَن مَنعَ الرجوع.
1717 -
فصل فيمن يصحُّ ضمانه ومن لا يصحُّ
ويصحُّ الضمان من كلِّ مكلَّف مطلَق، ولا يصحُّ من المبذِّر وإِن أذن الوليُّ، ويصحُّ من المرأة وإن لم يأذن الزوج، وضمان المكاتَب كتبرُّعه.
والعبد إِن لم يكن مأذونًا؛ فإِن ضمن بإِذن السيِّد صحَّ وتعلَّق بكسبه على الأصحِّ، وقيل: يتعلق بذمَّته، وإِن ضمن بغير إِذنٍ ففي الصحَّة وجهان، فإِن صحَّحناه طُولب بعد العتق.
وإن كان مأذونًا، فإِن لم يأذن السيِّد في الضمان فهو كغير المأذون، وإِن أذن فيه؛ فإِن لم يكن عليه دين، فإن قُيِّد الإِذن بالأداء ممَّا في يده تعلَّق به اتِّفاقًا، وإن أُطلق فالأصحُّ أنَّه يتعلَّق بكسبه وبما في يده، فإن علَّقناه بما في يده، أو أذن له في الأداء ممَّا في يده، فإن كان محجورًا عليه بالفَلَس بالتماس الغرماء فلا يتعلَّق الضمان بما في يده؛ لتعيُّنه لديون المعاملة، وإِن لم يكن عليه حجر، وكان بيده عشرون، وعليه من المعاملة عشرة، والضمان عشرون، ففي تعلُّق الضمان بما في يده أقوال:
أحدها: لا يتعلَّق؛ لأنَّه كالمرهون بدين المعاملة، فليس له التصرُّف فيه إِلا بالمعاملة.
والثاني: يتعلَّق تعلُّق دين المعاملة، فيوزَّع على قدر الدَّينين.
والثالثُ: أنَّا نُقدِّم في دين المعاملة، ونصرفُ الفاضل إِلى الضمان، فلو كان بيده عشرون، وعليه من المعاملة والضمان عشرون عشرون، صُرفت العشرون إِلى المعاملة، ولو أُبرئ عن دين المعاملة ففي صرف العشرين إِلى الضمان قولان، هما الأوَّل والأخير في الصورة السابقة.
1718 -
فرع:
إِذا لزمته ديون معاملة، ولا حجر، فحكمُ تبرُّع السيِّد بما في يده حكم الضمان المأذون فيه، فإِنْ منعناه فالإِعتاق لما في يده من الرقيق كإِعتاق الراهن، على ما ذكره أبو محمَّد.
1719 - فرع: إِذا لم نعلِّق العهدةَ بالسيِّد، ونفَّذنا تبرُّعه، فتبرُّعه كالاسترداد، ولو استردَّ ما في يده بعد ثبوت دين المعاملة لانقلبت عهدة الدين إِليه.
1720 -
فصل في ضمان السيِّد عن عبده
إِذا ضمن الدِّين المعلَّق بذمَّة عبده صحَّ، مأذونًا كان أو غيرَ مأذون، ولا يرجع إِن ضمن بغير إِذنه، وإِن ضمن بإِذنه بحيث يستحقُّ الرجوع لو كان الأصيل حرًّا، فلا يرجع إِلا بعد العتق، وإِن ضمن دين المعاملة؛ فإِن أدَّاه في الرقّ فلا رجوع؛ لأنّه استخلص بأدائه ما في يد العبد من ماله، وأَبعدَ مَن أثبت الرجوع، وبناه الإِمام على الوجهين في المأذون إِذا أذَى دين المعاملة بعد العتق.
فإِن قلنا: يرجع على السيِّد، فلا رجوع للسيِّد هاهنا، وإِن قلنا: يرجع ثَمَّ، ففي رجوع السيّد هاهنا وجهان.
وأمَّا المكاتب فيصحُّ ضمان ما عليه لغير السيِّد، ولا يصحُّ ضمان نجومه على المذهب، وإِن كان للسيِّد عليه دينُ معاملة، فضمنه له أجنبيٌّ، فإِن قلنا:
لا يسقط إِذا رقَّ، صحَّ الضمان، وإِن قلنا: يسقط، فهو كالنجوم.
1721 -
فصل في كفالة الأبدان
المقصود من كفالة البدن: التزامُ إِحضار المكفول به إِن كان ممّن يلزمه الحضور، وفي صحَّتها طريقان:
إِحداهما: قولان.
والثانية، وهي المذهب: القطع بالصحَّة، فيصحُّ التكفُّل بإِحضار من ثبت عليه الدين، ومن لم يثبت عليه إِن لم يقرَّ ولم ينكر، وإِن أنكر بعد الدعوى فالأصحُّ جواز الكفالة؛ لأنَّه يلزمه الحضور إِلى انقضاء الخصومة.
ولا يصحُّ التكفُّل إِلا بمن يلزمه الحضور عند الاستعداء؛ إِذ يستحيل أن يَلزمَ الكفيلَ ما لا يَلزمُ الأصيلَ، فلو تكفَّل رجل بالبصرة بإحضار رجل هو ببغداد لم يصحَّ، وإن قال: إِذا قدم من بغداد فقد كفلت ببدنه، وجوَّزنا التعليق فابتداء لزوم الإِحضار عند القدوم.
1722 -
فرع:
إِذا ادَّعى زوجيَّة امرأة صحَّ التكفُّل بإِحضارها؛ إِذ يلزمها الحضور إِذا دُعيت.
1723 - فرع: إِذا ضمن ردَّ الآبق لزمه السعي في ردِّه، فإِن مات لم يلزمه شيء على المذهب، وأَبعَدَ مَن أوجَبَ قيمته.
1724 -
فرع:
إِذا تكفَّل بردِّ المغصوب من يد الغاصب، صحَّ إِذا جوَّزنا كفالة البدن، وهو أولى؛ لأنَّ الردَّ مقصود ماليٌّ، بخلاف إِحضارِ مَن يلزمه الحضور، فإِن فاتت العين ففي وجوب قيمتها على الكفيل وجهان، فإِن قلنا: تجب، فهل تجب قيمةُ يومِ التلف، أو أقصى القيم الواجبة على الغاصب؟ فيه وجهان.
ويجوز ضمان الأعيان المضمونة، كالمستعار والمأخوذ على وجه السوم.
ولا يصحُّ ضمان الودائع في أيدي الأُمناء؛ إِذ لا يلزمهم ردُّها، وإنَّما يلزمهم التخليةُ بينها وبين مستحقِّها، والمعنيُّ بضمان الأعيان المضمونة: القيام بمؤنة ردِّها، ومقاساةُ ما فيه من مشقَّة وكلفة.
وإِذا لزم البائعَ تسليمُ المبيع جاز ضمانه بمعنى وجوبِ القيام بتسليمه، فإِن تلف في يد البائع، ففي تغريم الكفيل وجهان، فإن قلنا: يغرم، غرِمَ الثمن على المذهب، وأَبعدَ مَن قال: يضمن الأقلَّ من القيمة أو الثمن.
1725 -
فصل فيما يلزم الكفيل
يلزم الكفيلَ إِحضارُ الأصيل إِذا أمكن، وعليه مؤونةُ الإِحضار، فإِن امتنع حُبِسَ حَبْسَ الممتنع من أداء الحقِّ، فإِن تعذر الإِحضار بغيبة الأصيل إِلى مكان لا تَعدِّيَ عليه فيه، أو مات وعَسُر إِحضاره؛ فإن لم يثبت عليه شيء فلا طَلِبَةَ على الكفيل اتِّفاقًا، وإن ثبت الحقُّ: فهل يطالَبُ الكفيل بالدين، أو بالأقلِّ من الدين ودية الأصيل، أو لا يُطالب بشيء؟ فيه أوجهٌ؛ أقيسُها
وأصحُّها: آخرها، ولا غرم عليه مهما تمكَّن من الإِحضار.
ولا تصحُّ كفالة البدن إِلا برضى الأصيل، وأَبعدَ مَن لم يشرطه، ولا يُشترط رضى المكفول له - على الأصحِّ - كضمان المال.
ولو كفل برضى المكفول له دون رضى الأصيل، فهل يملك إِحضار الأصيل؟ فيه وجهان من جهةِ أنَّ الإِذن في الكفالة كالتوكيل في الإِحضار.
ولو قال: كفلت ببدن فلان، حُمل على الكفالة الشرعيَّة، وكذلك الإِقرار المطلَق بسائر العقود؛ فإِن طلب المكفول له الإِحضار، فقال الكفيل: لم يأذن الأصيل في الكفالة، فهل يملك إِحضاره؟ فيه وجهان؛ إِذ المطالبة بالإِحضار كالتوكيل.
1726 -
فصل في بيان الموضع الذي يُحْضَر فيه الأصيل
إِذا لم يُبيَّن موضع الإِحضار، صحَّ التكفُّل قولًا واحدًا، ولزم الإِحضارُ في محلّ الضمان، وإِن قُيِّد الإِحضار بمكانٍ معيَّن لزم الإِحضار فيه، ومهما أحضره الكفيل برئ من الضمان إِن تمكَّن منه المكفول له، وإِن لم يتمكَّن منه لتعزُّزه وتمنُّعِه فالضمان بحاله، وإن أحضره بالقرب من محلِّ الإِحضار المطلَق أو المقيَّد؛ فإِن كان في إِحضاره إِلى موضع الإِحضار كلفةٌ ومؤونة لم يبرأ، وإن لم يكن ففي البراءة وجهان، والاعتبار في ذلك بالكلفة والمؤونة دون المسافة، ولو أحضره فقال المكفول له: لا أقبله الآن ولا أتسلَّمه، برئ اتِّفاقًا.
1727 -
فصل في تعليق الكفالة
إِذا قال: إِذا جاء رأس الشهر فقد كفلت ببدن فلان، ففي صحَّة الكفالة وجهان، وإِن علَّق بما يتقدَّم ويتأخَّر -كالحصاد- فوجهان مرتَّبان، وأولى بالبطلان، وإن علَّقها بمجهول قد يكون وقد لا يكون - كقدوم إِنسان - فوجهان مرتَّبان.
ولو نجَّز الكفالة وعلَّق الإِحضار على شهرٍ صحَّ على المذهب، ولم يلزم الإِحضارُ إِلَّا بعد الشهر، فإِن أحضره قبل الشهر برئ عند المزنيِّ، وقال ابن سريج: لا يبرأ إِن كانت بيِّنة المكفول له غائبة، أو كان دينه مؤجَّلًا بالشهر، وإن لم يكن شيء من ذلك، ففي إِجباره على القبول وجهان، كما في الإِجبار على قبض الدَّين المؤجَّل.
ولو نجَّز الكفالة، وعلَّق الإِحضار بالحصاد، أو بقدوم زيد، ففيه خلاف مرتَّب على صور التعليق وصور التنجيز، وأولى بالصحَّة من صور التعليق، وهذه الصور بأعيانها جارية في تعليق التوكيل.
1728 -
فصل في دعوى الكفيل براءة الأصيل
إِذا ادَّعى الكفيل أنَّ المكفول له قد أبرأ الأصيل، فالقول قول المكفول له، فإِن نكل عن اليمين فحلف الكفيل برئ من الضمان، ولا يسقط دين الأصيل؛ إِذ لا نيابة في اليمين، وإن حلف المكفول له طالب الكفيلُ بإحضار الأصيل، فإِن قال الأصيل: ليس لك إِحضاري؛ لإِقرارك ببراءتي، فعلى
الخلاف المذكور في المؤاخذة بالإِقرار الواقع في أثناء الخصام إِذا قامت البيِّنة بخلافه، والوجهُ القطع بإِيجاب الإِحضار؛ إِذ لو لم يثبت لاتَّخذ الكفلاء ذلك ذريعةً إِلى إِسقاط الضمان، وإنَّما ينقدح الخلاف في الرجوع بعد الغُرم إِن كانت الكفالة بمال.
ولو قال الكفيل: تحقَّقتُ أنَّ كفالتي وقعت بعد الإِبراء، ففي سماع دعواه للتحليف وجهان يجريان في كلِّ عقد يُدَّعَى بعده ما يتضمَّن إِبطاله.
1729 -
فصل في الكفالة بأهل الحدود وبإِحضار الموتى
إِذا تكفَّل بإِحضار من لزمه حدٌّ فثلاثة أوجه؛ ثالثها: تخصيص الصحَّة بحقوق الآدميِّ، كحدِّ القذف والقصاص.
ولو مات المكفول به ففي انقطاع الكفالة بموته وجهان؛ إِذ جميع العقود والتصرُّفات مقيَّدة بحال الحياة.
وتصحُّ الكفالة ببدن الميت حيث يجب إِحضاره مجلسَ الحكم لإِقامة الشهادة على عينه وصورته، وكذلك تصحُّ بإِحضار الصبيان؛ لإِقامة بيِّنة أو غير ذلك، ويُعتبر فيه إِذن القوَّام.
1730 -
فرع:
إِذا كفل ببدن إِنسان، فمات المكفول له، ففي انقطاع الكفالة أوجه:
أقيسها: أنَّها لا تنقطع بموته، بل تبقى لورثته، كما في ضمان الديون.
وثالثها - وهو ضعيف -: إِن كان في التركة وصيٌّ، أو كان على الميت
دين، استمرَّت الكفالة، وإلا فلا.
1731 -
فصل فيمن كفل به جماعة وأحضره أحدهم
إِذا كفل ثلاثة بإِحضار زيد، فأحضره أحدهم، فقد برئ، وفي براءة صاحبيه قولان مخرَّجان، بخلاف أداء الذين في الضمان؛ فإِنَّه المقصود الأقصى، وكفالة الأبدان وسيلة لم يحصل مقصودُها بمجرَّد الاِحضار.
ولو كفل به ثلاثة، وكفل كلُّ واحد بإِحضار صاحبيه، صحَّ، فإِن أحضره أحدهم برئ، ويرئ الآخران عن ضمان المحضِر، وفي براءتهما عن أصل الضمان القولان، فإِن قلنا: لا يبرآن، وهو القياس، فعلى المُحضِر إِحضارُ صاحبيه، والكفالة باقية عليهما، فلو حضر زيد بنفسه، ثم غاب، فينبغي ألا يبرأ الكفلاء بذلك، بخلاف تأدية الدَّين؛ إِذ لا مقصود وراءه.
1732 -
فصل في ألفاظ الكفالة وما تضاف إليه
إِذا قال: كفلت ببدن فلان، أو: عليَّ إِحضارُه، أو: التزمتُ إِحضاره، أو: أنا بإِحضاره كفيل أو قبيل، أو قال: ضمنت، صحَّ، وإِن قال: أُحضِرُه، لم يصحَّ؛ لأنَّه وعد، وإِن قال: كفلتُ ببدنه أو وجهه، صحَّ، ولعل الرأس في معنى الوجه، وإن أضاف الكفالة إِلى عضو آخر -كاليد والرجل- فأوجه: أحدها: يصحُّ في كلِّ عضو يُضاف إِليه الطلاق.
والثاني: يختصُّ بالوجه.
والثالث: يبطل إِلا أن يضاف إِلى ما لا يقوم البدن إِلا به، كالرئة والظهر والكبد والقلب، وهذا بخلاف الطلاق؛ فإِنَّه قويٌّ سارٍ؛ ولذلك لو حصره في شهرٍ سرى إِلى ما بعده، ولو حصر الكفالة في شهر اختصَّت به اتِّفاقًا.
1733 -
فصل في الشهادة على الضمان
إِذا ادَّعى عشرةً، ولم يذكر سببها، فشهد بها شاهد، وشهد الآخر بخمسة، ثبتت الخمسة اتِّفاقًا، ولو ادَّعى عشرة من ضمان أو غيره، فشهد بها شاهدان، وقال أحدهما: قد قضى منها خمسة، فهل تثبت العشرة أو خمسة؟ فيه وجهان، فإِن أثبتنا العشرة، فللمدين أن يحلف مع شاهد القضاء بشرط إِعادة الشهادة بعد ادِّعاء القضاء، وأبعدَ مَن أجاز الحلف من غير إِعادة الشهادة، فإِن حلف سقطت الخمسة.
ولو ادَّعى ضمان عشرة، فشهد أحدهما بذلك، وشهد الآخر بضمان خمسة؛ فإِن حلف استحقَّ العشرة، وإِن لم يحلف لم يستحقَّها، وهل يستحقُّ خمسة؟ فيه وجهان.
ولو ادَّعى عشرة عن ضمان، فشهد أحدهما أنَّه ضمنها عن زيد بن خالد بن بكر، وقال الآخر: ضمنها عن رجل أعرف عينَه دون نسبه، ثبتت العشرة، وأبعد من قال: لا تثبت.
ولو ادعى أنه ضمن له عن زيد بن خالد، فشهد اثنان أنَّه أقرَّ بضمان
العشرة، ولم يتعرَّضا لاسم الأصيل، فالمذهب ثبوتُ العشرة، وأبعدَ مَن طرد فيها الوجه المذكور في الصورة السابقة.