2339 -
فرع:
إذا جمع العقدُ الواحد مَن يجوزُ نكاحها ومَن لا يجوز، كالخليَّة والمعتدَّة، والحرّةِ والأمةِ، أو خمس نسوة، أو أربعًا فيهنَّ أُختان، بطل العقد فيمن لا يجوز نكاحها، ولم يبطل في الباقيات على أصحِّ القولين.
ولو جمع أمًّا وبنتها، أو أختين، أو خمسَ نسوة، بطل العقد في الجميع.
ولو وجد حرّةً تُسامِح بمهرها، وجوَّزنا له نكاح الأمة، فجمع بينهما، بطل نكاح الأمة، وفي الحرَّة طريقان:
إحداهما: القطع بالبطلان، كالأختين.
والثانية: فيه القولان؛ فإنَّ علَّة البطلان في هذه الصور اتِّحاد الكلمة، فإذا بطلت في بعض متعلَّقاتها بطلت فيما بقي.
ولو قال: زوَّجتك بنتي فلانةَ، وزوَّجتك أمتي هذه؛ فإن قال: قَبِلْتُ نكاح بنتك، وقَبِلْتُ نكاح أمتك، صحَّ في البنت اتِّفاقًا، وإن قال: قَبِلْتُهما، أو: قَبِلْتُ نكاحهما، صحَّ في البنت على الأصحِّ، وقيل: هو كما لو قال: زوَّجتكهما.
ولو قال: زوَّجتك ابنتي، وبعتُك هذه الخمرة بألفٍ، صحَّ النكاح عند المحقِّقين؛ لانفراده بالعبارة، وامتيازِه في الوضع عن البيع، وأبعدَ مَن طرد القولين.
2340 -
فصل في تفسير العنَت
وهو في اللغة: المشقَّة، وهاهنا: عبارةٌ عن الزنا.
فمَن تعذَّر زناه بجَبٍّ أو فتورِ شهوةٍ مع وازعٍ مِن دينٍ، أو مروءةٍ، أو حياء، لم ينكح الإماء، والمغتلِمُ المتشوِّفُ الشهوة إن رقَّ عصام تقواه نكح الإماء، وإن وثق بالتقوى، وأمن المرض، لم ينكح الإماء، وإن تأذِّى، وتوقَّع الأمراض والأعلال، ففيه تردُّدٌ واحتمال؛ فإنَّ العنت في اللغة هو المشقَّة، وهذه مشقَّة ظاهرة، ولا نعني بأمن العنت يقين العصمة، بل غلبةَ الظنِّ بالتقوى والعفَّة، كما يُوصف الطريق الذي يغلب فيه الأمنُ بأنَّه آمنٌ، ولا يُشرط في خوف الزنا غلبةُ الظنِّ بوقوعه، بل توقُّعُه لا على سبيل الندور، كما لو تعارض في الطريق السلامةُ ووقوعُ المحذور.
ولو وجد حرَّةً طلبت زيادةً على مهر مثلها مع يسارِه وثروته؛ فإن عُدَّت الزيادة في العرف تكرُّمًا وبذلًا في الأغراض الصحيحة، لم ينكح الأمة، وإن عظمت بحيث يُعدُّ بذلُ مثلها سَرَفًا، فالوجه: إجازةُ نكاح الأمة، ولو بِيع المسافرُ الماءَ بغبنٍ يسيرٍ لم يَلْزمه شراؤه، والفرقُ: أنَّ الغرض من النكاح المتعةُ والتواصلُ، فلا يُعدُّ ببذل الزيادة مغبونًا.
ولو زوَّج الرجل ابنته بدون مهر المثل، أو ابنه بأكثرَ من مهر المثل، وجب إكمالُ مهر المثل عند الأصحاب، ويُحتمل ألا يُنظر إلى الزيادة اليسيرة والنقص اليسير؛ لِمَا في النكاح من الأغراض الجابرة.
وأمَّا المشقةُ في السفر لتزوُّج الحرَّة، فينبغي أن تُعتبر بما ذكرناه في زيادة المهر، فإن خشي الزنا في المدَّة التي تُقطع فيها تلك المسافة نكح
الأمة، وإن أمن ذلك على ما فسَّرنا الأمن، ولكن ينالُه مشقَّةٌ في بدنه؛ فإن كانت المشقَّةُ بحيث لا يُحتمل مثلُها في طلب الحرَّة؛ لبُعْدِ الشُّقَّة 1، وعظم المشقَّة، نكح الأمة، وإن لم يُنسب بتحمُّلها إلى مجاوزة الحدِّ في طلب زوجة لم ينكح الأمة، وينبغي أن تزيد المشقِّة في هذا على مشقِّة ما تطلبه الحرَّة من زيادة المهر؛ فإنَّ تلك الزيادة مقابَلةٌ بأغراض النكاح، والغرضُ هاهنا معارَضٌ بإرقاق الأولاد.
2341 -
باب التعريض بالخطبة
إذا صرَّح غير الزوج بالخطبة في العدَّة حرم اتِّفاقًا، وإن عرَّض جاز في عدَّة الوفاة، وحرم في عدَّة الرجعيّة، وفي عدَّة البائنة قولان.
فالتصريحُ كقوله: أريد أن أنكحك، والتعريضُ كقوله: رُبَّ طالبٍ لك، أو: ربَّ راغبٍ فيك، أو: مَن يجد مثلك؟ ونظائره، فإن شاءت المرأة أجابته تعريضًا كقولها: لستَ بمرغوبٍ عنك، ونظائره.
2342 -
باب النهي عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه
من خطب امرأة، فأجابه مَن تُعتبر إجابته، حرم على غيره خِطبتُها، وإن صرَّح من تُعتبر إجابته بالردِّ، أو توقَّف، أو شككنا في ردِّه وإجابته، لم تحرم الخطبة على خطبته، وإن سكت فقولان، والجديد: جواز الخطبة عليه؛ خطب فاطمةَ بنتَ قيس معاويةُ وأبو جهم، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أمَّا معاويةُ فصعلوكٌ لا مال له، وأمَّا أبو جَهْمٍ فلا يضعُ عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة 1 "، ولم يكن ذِكْرُهما بما يكرهان غيبةً؛ فإنَّ ذكر الإنسان بما فيه لا يَحْرمُ إذا كان لغرضٍ صحيحٍ، كالجَرْحِ أو الترجيحِ في الرواية، أو الشهادة، أو تحذيرِ مسلمٍ، أو نصحِهِ، أو مفاضلةٍ بين اثنين، إنَّما الغيبةُ المحرَّمةُ أن يَقصد هتكَ إنسان، أو فضيحته، أو يتعلَّل بالتفكُّه بالأعراض، أو يتقرَّب إلى شخص بذكر عدوِّه بالسوء.
ثم الاعتبار في الردِّ والإجابة بالوليِّ إن كان مجبِرًا، وبالمرأة إن كان إذنها معتبَرًا.
ولو خطب امرأة وهو يشكُّ: هل خُطبت قبله أم لا؟ جاز، ولا يلزمه البحث عن ذلك.
2343 - فرع: إذا ساوم سلعة، وتقرَّر الثمن، فسام آخرُ على سومه، أو بذل له آخرُ سلعة بمثل ذلك الثمن أو أقلَّ، حرم ذلك، ولا بأس بالسوم على السوم إذا كانت السلعة في النداء والمزايدة، ولا يُتصوَّر مثل هذا في النكاح.
2344 -
فرع
للأصحاب: إذا اتَّفقا على الثمن في السوم، وافترقا عن غير مواعدة جاز السوم على ذلك السوم، وتحرم الخِطبة في نظير ذلك من النكاح إلا أن تطول إلى حدٍّ يُعدُّ بمثله مُعْرِضًا عن الخطبة؛ اعتبارًا بالعرف في الصورتين، والله أعلم.
2345 -
باب نكاح المشرك ومن يُسْلِمُ على أكثرَ من أربع
إذا أسلم الزوجان معًا فالنكاح بحاله.
وإن تقدَّم إسلام المرأة؛ فإن كان قبل الدخول انقطع النكاح، وإن كان بعد الدخول؛ فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العِدَّة فالنكاحُ بحاله، وإن أصرَّ حتى انقضت العِدَّة تبيَّن انقطاعُ النكاح من حين إسلامها، وحُسبت لها تلك العِدَّة.
وإن سبقها بالإسلام؛ فإن كانت ممَّن يجوز للمسلم نكاحُها كالكتابية فالنكاحُ باقٍ، وإن لم يَجُزْ للمسلم نكاحها؛ فإن كان قبل الدخول انقطع النكاح، وإن كان بعده وُقف النكاح على إسلامها قبل العِدَّة أو بعدها، كما لو سبقته بالإسلام.
وإن أسلم على نسوةٍ، فأسلمْنَ معه؛ فإن كنَّ أربعًا فما دون فنكاحهنَّ بحاله، وإن زِدن على الأربع، أو أسلم على أختين، لزمه اختيارُ الأربع، وإحدى الأختين، سواءٌ نكحهنَّ في عقدٍ أو عقود، وله اختيارُ المقدَّمات والمتأخِّرات؛ إذ لا نظر إلى صفة العقد المنقضي في الشرك، كما لا ننظر إلى المقبوض من الربا، ولا نظر إلى اختلاف الدار، فإذا تعلَّق أحد الزوجين بدار الحرب، والآخر بدار الإسلام، لم ينقطع النكاح.
2346 -
فصل في أنكحة الكفَّار في الصحَّة والفساد
لا خلاف في صحَّة بيوعهم وتصرُّفاتهم، وكذلك أنكحتُهم على المذهب، وقيل بوقْفِها، وقيل بإفسادها، ولا وجه لإفسادها مع التقرير عليها في الإسلام، وقطع الشافعيُّ بأنَّ وطء الذمِّيِّ يحصِّن الذميَّة، ويُحلُّها للمسلم إذا طلَّقها ثلاثًا.
فإن نكح الكافر أختين، أو زاد على أربعٍ، صحَّ نكاح الجميع على المذهب، فإن أسلموا اندفعت إحدى الأختين، وما جاوز الأربع على الإبهام، وله الخيارُ في التعيين، وعليه مهورُ المندفعات.
ولو حضرت الأختان قبل الإسلام، وطالبتاه بفرض النفقة، ورَضُوا بحكمنا، ففيه تردُّدٌ، وقطع الإمام بأنَّا لا نفرض لهم شيئًا؛ فإنَّا إذا صحَّحنا أنكحتهم نَكِلُ أمرها إليهم، ولا ننشئ حكمًا، ولو فرضنا لهما، لَلَزم الحاكمَ أن يزوِّج أختين من كافرٍ بحكم ولايته.
2347 -
فرع:
طلاق الكافر نافذٌ على قول الصحَّة، موقوفٌ على قول الوقف، لاغٍ على قول الإفساد.
فلو نكح أختين، وطلَّق كلِّ واحدة ثلاثًا، ثم أسلموا؛ فإن صحَّحنا أنكحتهم لم يتخيَّر، ولم يملك نكاح واحدةٍ منهما إلا بعد التحليل، وإن وقفناها تخيَّر، فإن اختار إحداهما نفذ طلاقها، واندفعت الأخرى، وله نكاحها من غير تحليل.
وأطلق ابن الحدَّاد القولَ بالتخيير، ولم يتعرَّض للتفريع على قول الصحة، ولا وجه لإطلاقه؛ فإنَّ الخيار لا يثبت إلا على قول الوقف، ثم قال: إن أسلموا قبل الدخول فللمندفعة نصفُ الصَّداق؛ لأنَّها بانت باختيار الزوج.
وهذا باطلٌ؛ فإنَّا على قول الوقف نتبيَّن ارتفاع نكاح المندفعة من أصله باختيار الأخرى للنكاح.
2348 -
فصل فيما يُقَرُّون عليه من النكاح
قال علماؤنا: لا يقرُّون إلا على ما يعتقدونه نكاحًا في دينهم، فمن اخْتَصَّ منهم بسفاحِ امرأة لم يُقرَّ على ذلك.
ومَن أَجبر ابنته حيث يمتنع الإجبارُ في الإسلام؛ فإن اعتقدوا ذلك فالنكاحُ لازمٌ في الإسلام، ولا خيار للزوجة.
ولو غصب امرأة للاستفراش دون الإرقاق، واعتقدوه نكاحًا، أُقرُّوا عليه باتِّفاق الأصحاب سوى القفَّال.
ونكاح المتعة إن اعتقدوه مؤبَّدًا أُقرُّوا عليه، وإن اعتقدوه مؤقَّتا لم يُقرُّوا عليه، سواءٌ أسلموا قبل انقضاء المدَّة أو بعدها.
وإن عقدوا عقدًا يرونه نكاحًا فاسدًا، ففي التقرير عليه تردُّدٌ لأبي محمد، وقطع الإمام بأنَّهم لا يُقرُّون عليه إن كان فاسدًا في الإسلام، وإن كان صحيحًا في الإسلام اتَّجه التقرير عليه، وفيه احتمال.
وإن نكحوا بغير صَداقٍ، واعتقدوا سقوطَه مع الوطء، فلا يجب وإن وقع الوطء في الإسلام، وإن اعتقدوه كمعتقدنا وجب الصداق بالوطء.
2349 -
فصل فيمن أسلم على امرأة وبنتها
إذا أسلم على امرأة وبنتها؛ فإن كان قد وطئهما فهما محرَّمان، وإن لم يطأ واحدةً منهما فهل تتعيَّن البنت، أو يتخيَّر؟ فيه قولان أصحُّهما: التعيُّن، واختلفوا في مأخذ القولين، فقيل: مأخذهما أنَّ الاختيار استدامةٌ، أو كالابتداء 1، فإن اختار البنت صحَّ، وإن اختار الأمَّ؛ فإن جُعل الاختيارُ استدامةً صحَّ، وإلا فلا.
وهذا بناءٌ فاسدٌ على أصلٍ باطلٍ.
وبناه الجمهور على الخلاف في تصحيح الأنكحة ووقفها، فإن صحَّحناها تعيَّنت البنتُ، وصارت الأمُّ مَحْرَمًا، وإن وقفناها تخيَّر، فإن اختار الأمَّ بان بطلان نكاح البنت، ولا تصير مَحْرَمًا، وإن اختار البنتَ بان بطلانُ نكاح الأمِّ، وصارت مَحْرَمًا، وللَّتي بان بطلانُ نكاحها نصفُ المهر عند ابن الحدَّاد، وغلَّطه القفَّال، وأسقط جميعَ المهر؛ إذ بان باختيار 2 الأخرى بطلان النكاح من أصله.
وإن قلنا: تتعيَّن البنت، وجب للأمِّ، نصفُ الصَّداق عند القفَّال؛
لأنَّها بانت باختياره من نكاحٍ صحيح.
وخالفه الإمام، وقال: لا ينقدحُ تصحيحُ نكاح المحارم وإن حكمنا بصحة أنكحتهم، بخلافِ ما لو نكح أختين، ثم اختار إحداهما قبل المسيس؛ فإنَّا نوجب للمندفعة نصفَ الصَّداق إن صحَّحنا أنكحتهم، وإن وقفناها فلا شيء لها؛ فإنَّ نكاح كل واحدةٍ منهما جائز، والجمعُ بينهما كمفسدٍ قارَنَ العقدَ والإسلامَ، وحكمُ ما زاد على الأربع كحكم المندفعة من الأختين، وكذلك اندفاعُ المحارم عند القفَّال.
ولو وطئ الأمَّ (1) وحدها اندفع نكاح البنت، وفي نكاح الأمِّ قولان.
ولو وطئ البنت خاصَّةً تعيَّنت، واندفع نكاح الأمِّ.
2350 -
فصل فيما يقترن بأنكحة الكفَّار من المفسدات
إذا اقترن بأنكحتهم مُفْسِدٌ، كالمَحْرميَّة والعِدَّة وشرطِ الخيار مدَّةً؛ فإن انقضى المفسِدُ قبل الإسلام استمرَّ النكاح، وإن دام المفسِدُ إلى إسلام أحدهما انقطع النكاح.
وقال الأئمَّة: إذا أسلمت المرأة على حالٍ يمتنع إنشاء نكاحها معها انقطع النكاح، وإن لم يمتنع إنشاء النكاح معها فقد نقرُّهما على ذلك النكاح، واستثنوا من الحال التي يمتنع إنشاءُ النكاح معها صورتين:
إحداهما: أن يُسْلِمُ أحدُهما، ثم يُحرِمَ، فيسلم الآخر.1
والثانية: أن تَلْزمَ الزوجةَ عِدَّةُ شبهةٍ بعد العقد، فيُسْلِم الزوج مع بقاء العدَّة.
فالنكاح بحاله في الصورتين؛ فإنَّ العدَّة والإحرام لا يقطعان نكاح المسلم، فلا يقطعان نكاح الكافر، وخالف القفَّال في المسألتين مستدلًّا بصورتين:
إحداهما: لو أسلم أحدهما، ثم ارتدَّ، فأسلم الآخَرُ مع قيام الرِّدَّة.
الثانية: لو نكح الحرُّ أمةً على شرط الشرع، أو بخلافه، ثم أسلما مع وجود الطَّول.
انقطع النكاح في الصورتين.
ويمكن أن يُفرَّق: بأنَّ الردَّة من قواطع النكاح، بخلاف العِدَّة والإحرام، وبأنَّ خوفَ العنت وفَقْدَ الطَّول يتأخَّر اشتراطُهما في نكاح الكافر إلى حين الإسلام؛ فإنَّه في الكفر مع أولاده عرضةٌ للإرقاق، فلا يُشترط في حقِّه حفظُ أولاده عن الاسترقاق إلا إذا دخل في الإسلام.
وقد قيل: إنَّ فرض عِدَّة الشبهة مع إسلام الزوج يلتبِسُ؛ لتقدُّم عدَّة النكاح على عدَّة الشبهة، وردَّه الإمام بما لو أسلما معًا، فإنَّها تجري في عِدَّة الشبهة، وكذلك لو أسلما على التعاقُبِ وقد حبلت من وطء الشبهة، فإنَّها تُقدَّم على عِدَّة النكاح، ولو لم يكن شيءٌ من ذلك لم نقطع بكونها في العدَّة حتى يصرَّ المتخلِّف منهما على الكفر إلى انقضاء العدَّة.
2351 -
فرع:
اقتران المفسد بإسلام أحدهما دافعٌ للنكاح، ولا يندفع نكاحُ الأمة
بيسار الزوج إلا أن يقترن بإسلام الزوجين، ولم يسوِّ بين الصورتين أحدٌ من المعتبَرين.
2352 -
فائدة:
الاختيار استدامةٌ للنكاح على الأصحِّ، وأبعدَ مَن جعله كالابتداء أخذًا من اشتراط فَقْدِ الطول وخوفِ العنت عند الاجتماع في الإسلام.
2353 -
فصل فيمن يُسلم على إماء
إذا أسلم الحرُّ على إماء؛ فإن كان - حالَ الاجتماع [معهنَّ] في الإسلام - على شرط نكاح الإماء فاقدًا للطَّول خائفًا من العنت 1 تعيَّنت إحداهنَّ للنكاح، وعليه الاختيارُ، والاعتبارُ بأوَّل حال الاجتماع في الإسلام.
وأبعدَ أبو يحيى البلخيُّ 2، فاعتبر إسلام السابق منهما دون حال الاجتماع، فقال: لو أسلم أحدهما مع فَقْدِ 3 الطَّول وخوفِ العنت، ثمَّ
أسلم الآخر وقد وُجِدَ 1 الطولُ وأُمِنَ العنت، أُقرَّا على النكاح.
ولو قال: لو أسلم موسرًا فإنَّ يساره يدفع نكاح الأمة وإن أسلمت بعده في حال إعساره، كما يندفع نكاحُها بسبق الحرَّة، لكان له بعضُ الاتِّجاه.
وإنَّما اعتبرنا وقت الاجتماع؛ لأنَّه وقتُ الاختيار؛ فإنَّها لو تخلَّفت لم يملك اختيارها؛ إذ لا يصحُّ من المسلم نكاح أمةٍ كتابيَّة، ولو تخلَّف 2 لم يملك أن يختار نكاحَ أمةٍ مسلمةٍ، ويُعتبر الاجتماع بمدَّة العدَّة، فإن انقضت وأحدهما كافر انقطع النكاح.
ولو تأخَّرت الشروط عن أوَّل حال الاجتماع في الإسلام اندفع النكاح، ولا يعود بوجود الشروط في بقيَّة العدَّة.
ولو أسلم على أمةٍ تعيَّنت من غيرِ اختيارٍ.
وإن أسلم على إماءٍ لزمه اختيارُ واحدةٍ، ولا يبطل الاختيارُ بتأخُّره عن العدَّة.
ولو أسلم على حرَّة وأمة، فأسلمتا معًا، أو تقدَّم إسلام الحرَّة، اندفعت الأمة، ولو تقدَّمت الحرَّةُ، وماتت، ثم أسلمت الأمة مع وجود الشرائط، لم يَعُدْ نكاحُها؛ فإنَّ النكاح لا يعود بعد الاندفاع.
ولو أسلم على أمةٍ وهو موسرٌ، فأسلمت بعد إعساره، ثبت نكاحها،
وإنَّما اندفع نكاح الأمة بتقدُّم إسلام الحرَّة دون تقدُّم اليسار؛ لأنَّ اشتراط فَقْدِ الحرَّة آكَدُ من اشتراط فَقْدِ الطَّوْل، ولذلك يمتنعُ نكاحُ الإماء بالزوجة الغائبة والرتقاء، ولا يمتنعُ بوجود طَوْلِ الغائبة والرتقاء.
ولو تقدَّم إسلام الحرَّة وموتُها على إسلام الزوج، ثم أسلمت الأمة في العدَّة، أو أسلمت من قبلُ، استقرَّ نكاح الأمة؛ فإنَّ نكاح الحرَّة لا يثبت مع كفر الزوج، فلا يندفع به نكاحُ الأمة.
ولو أسلمت الأمة، وتخلَّفت الحرَّة؛ فإن أسلمت في العدَّة اندفع نكاح الأمة، وإن ماتت في العدَّة، أو أصرَّت على الكفر حتى انقضت العدَّة، استقرَّ نكاح الأمة.
2354 -
فصل فيمن يتعيَّن النكاح فيهنَّ ومَن لا يتعيَّن
إذا أسلم الحرُّ على أربعٍ فما دونهنَّ استقرَّ نكاحهنَّ من غير اختيار، ولو أسلم على عشرٍ، فأسلمن، لزمه المبادرةُ إلى اختيار أربع.
ولو أسلم أربعٌ من عشرِ لم يتعيَّن النكاح فيهنَّ، ولم يَلزمه مبادرةُ الاختيار؛ لأنَّه يتوقَّع إسلام المتخلِّفات، وأن يختار منهنَّ، فإن مات المتخلِّفات في العِدَّة، أو أصررن حتى انقضت، تعيَّن نكاحُ الأربع بغير اختيار.
ولو فسخ نكاح الأربع ليختار أربعًا من المتخلِّفات إذا أسلمن؛ فإن أصررن حتى انقضت عِدَّتهنَّ لم ينفذ الفسخ، وإن أسلمن في العدَّة، فوجهان مأخوذان من الوجهين في وقف الفسوخ؛ فإنَّ وقف الفسوخ كوقف العقود،
فإن نفَّذناه لزمه اختيار أربعٍ من الباقيات.
ولو أسلم خمسٌ من عشرٍ فله تعيينُ واحدةٍ من المسلمات بالفسخ.
ولو أسلم أربعٌ من عشرٍ، ومِتْنَ؛ فإن أصرَّ الباقياتُ ورث المسلماتِ من غير اختيارٍ، وإن أسلمن في العدَّة فله اختيارُ الميتات؛ فإن اختارهنَّ ورثهنَّ؛ لأنَّ الاختيار بيانٌ، وليس بإنشاءٍ.
2355 -
فرع:
الاختيار في الإماء والتعيُّنُ على ما ذكرناه في الحرائر، إلّا أنَّ الأمة الواحدة بمثابة الأربع.
2356 -
فصل في الحرِّ يسلم على إماء ويعتقن
إذا أسلم الحرُّ على إماءٍ، فأسلمن وعَتَقْن، فالاعتبارُ بالاجتماع 1 في الإسلام، فإن كنَّ رقيقاتٍ عند الاجتماع فيه فهنَّ كالإماء في كلِّ حكم، وإن كنَّ عند الاجتماع فيه حرائرَ، فهنَّ كالحرائر الأصليَّات في جميع الأحكام.
مثال ذلك: إذا عَتَقْنَ بعد الاجتماع؛ فإن كان أهلًا لنكاح الإماء حالَ الاجتماع اختار إحداهنَّ، هان لم يكن أهلًا عند الاجتماع اندفع نكاحهنَّ.
ولو أسلم فعتقن ثم أسلمن، أو أسلمن ثم عتقن فأسلم، أو عتقن فأسلم وأسلمن معًا، تعيَّن نكاحُ أربعٍ منهنَّ.
ولو أسلم، فأسلمت معه إحداهنَّ ثم عتقت، فأسلم المتخلِّفات، اختار واحدةً منهنَّ.
ولو أسلم، فعتقت إحداهنَّ، ثمَّ أسلمت، لم يندفع نكاح المتخلِّفات في الحال، بل إن أسلمْنَ (1) على الرقِّ اندفع نكاحهنَّ، وتعيَّنت الأولى، وإن عَتَقَنْ، ثم أسلمن، اختار أربعًا منهنِّ.
ولو عتقت إحداهنَّ، وأسلمت، ثمَّ أسلم وأسلم المتخلِّفات على الرقِّ، اندفع نكاحهنَّ، وتعيَّنت السابقة.
2357 -
فصل فيمن أسلم على حرّة وإماء فأسلمن وعتقن
إذا أسلم على حرَّةٍ وإماء، فأسلمت الحرَّة ثمّ الإماء، تعيَّنت الحرَّة، ودفعتهنَّ، فإن عتقن، ثمَّ أسلمن، فله اختيارُ أربعٍ منهنَّ، وتندفع الحرَّة، وله اختيارُ ثلاثٍ منهنَّ مع الحرّة.
ولو أسلم الإماء معه، وتخلَّفت الحرّة، لم يملك اختيارَ إحداهنَّ في عدَّة الحرَّة، وابتداءُ عدَّتها من حين أَسْلَمَ، فإن أسلمت قبل انقضاء عدَّتها تعيَّنت، ودفعتهنَّ، وإن أصرَّت حتى انقضت عدَّتها، أو ماتت في أثنائها، اختار إحداهنَّ.
ولو اختار إحداهنَّ في عدَّة الحرَّة، فماتت، أو أصرَّت، صحَّ اختيار إحداهنَّ على ما نقله المزنيُّ، واختلفوا فيما نَقَلَ، فمنهم من غلَّطه، وزعم1
أنَّه بناه على أصله في وقف العقود، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ مَن عقد نكاحًا أو بيعًا على تقديرٍ مخالفٍ للظاهر، ثم بان الأمرُ كما قدَّر - كمن باع مال مورِّثه، أو زوَّج إماءه، ثم بان أنَّه ورثه عند التصرُّف - ففي نفوذ تصرُّفه قولان مشهوران، فلْيجريان في وقف الاختيار.
وكذلك لو تخلَّفت الزوجةُ في الكفر، فنكح أختها في عدَّتها، فأصرَّت، ففي صحَّة النكاح القولان، ولا يصحُّ بيع الفضوليِّ إلا على قولٍ بعيدٍ ذكره المراوزة.
وقال بعض الأصحاب: إن جعلنا الاختيارَ إمساكًا، صحَّ على الوقف؛ لانحطاطِهِ عن مراتب العقود، وإن جُعل كالابتداء بَعُدَ تصحيحُه على قياس القول الجديد، واحتُمل أن يُجعل كالنكاح في عدَّة الأخت المتخلِّفة.
2358 -
فصل في إسلام العبد على إماء وحرائر
إذا أسلم العبد على إماء وحرائر وثنيَّات وكتابيَّات، فأسلم الإماء والوثنيَّات دون الكتابيَّات، فله اختيارُ أمتين أو حرَّتين، كتابيَّتين أو مسلمتين، أو حرّة وأمة.
ولو أسلم على حرائر فأسلمن، أو على كتابيَّاتٍ فأصررن، فليس لهنَّ فسخُ النكاح، وأَبعدَ مَن أثبت لهنَّ الفسخَ كما ثبت بالعتق، وعلَّل بأنَّ عيوب الرقِّ إنما تظهر بالإسلام.
ولو كان تحته أمةُ، فسبقته بالإسلام، وعتقت في تخلُّفه، ثبت لها
خيار الفسخ بالعتق، فإن أجازت لم يصحَّ، وإن فسخت ارتفع النكاح في الحال، فإن أسلم في العدَّةِ - وابتداؤها من حين أسلمت - نفذ الفسخ، وتَستكملُ عدَّةَ حرةٍ من حين الفسخ.
وإن لم يُسْلِمْ فقد بان انقطاعُ النكاح باختلاف الدِّين، وبطل الفسخُ اتِّفاقًا، وهل تبني على عدَّة أمة أو حرَّة؟ فيه طريقان سنذكرهما.
ولو أخَّرت الفسخ والإجازة انتظارًا لِمَا يصدر من الزوج، لم يبطل خيارها وإن جُعل على الفور، فإن أسلم في العدَّة فلها أن تفسخ وتخيَّر؛ فإن فسخت استقبلت عدَّة حرّة, وإن أصرَّ حتى انقضت العدَّة بانت باختلاف الدين، وهل تُلْحَقُ بمن عَتَقَتْ في عدَّة البينونة، أو بالرجعيَّة؟ فيه طريقان:
إحداهما: تُلحق بالرجعيَّة، فتكمل عدَّة حرَّة على الجديد، وفي القديم قولان؛ فإنَّ الزوج قادرٌ على إثبات نكاحها بالإسلام، كما يقدر على إثباته بالارتجاع.
والثانية: تُلحق بالبائن، فتكمل عدَّة الإماء على القديم، وفي الجديد قولان؛ فإنَّ البينونة تحصل باختلاف الدين، ولا تحصل في الرجعيَّة إلا بانقضاء العدَّة.
ولو سبقها بالإسلام، فعتقت في تخلُّفها، فلها تأخيرُ الفسخ، والإجازةُ، فإن عجَّلت الفسخَ أو الإجازةَ بطلا إن أصرَّت حتى انقضت العدَّة، والظاهر: أنَّها تعتدُّ اعتداد المعتَقةِ في عدَّة البينونة؛ لعجز الزوج عن إثبات النكاح.
وإن أسلمت في العدَّة فلها أن تفسخ، وتُخيَّر؛ فإن فسخت لزمها عدَّة حرَّةٍ ابتداؤها من حين الفسخ.
وإن فسخت أو أجازت، ثم أسلمت، فهل ينفذ الفسخ والإجازة، أو لا ينفذان، أو ينفذ الفسخ دون الإجازة؟ فيه أوجهٌ أبعدها: أوَّلها، وأصحُّها: آخرها.
2359 -
فصل في إسلام العبد على حرائر وإماء
إذا أسلم على محض الإماء، فأسلمن معه، أو قبله، أو بعده، اختار اثنتين مع أَمنِ العنت [و] 1 وجود الطول.
وإن أسلم اثنتان، فأسلم في عدَّتهما، وابتداؤها من حين أسلمتا، ثم أسلمت الأُخريان في عدَّتهما، وابتداؤها من حين أسلم، فله اختيار الأُوْليين أو الأُخريين، أو واحدةٍ من الأوليين وواحدةٍ من الأخريين؛ فإنَّ الإماء في حقِّه كالحرائر في حقِّ الأحرار.
ولو أسلم وأسلمن، ثم عتق وعتقن، اختار اثنتين؛ اعتبارًا بحال الاجتماع في الإسلام.
ولو عتق وعتقن، ثم أسلموا، اختار أربعًا؛ فإنَّ الاعتبار بحال الاجتماع في الإسلام في الرقِّ والحرية.
ولو أسلمن وتخلَّف، فعتق في تخلُّفه وعتقن في الإسلام، ثم أسلم، أو أسلم وعتق، فعتقن في تخلُّفهنَّ ثمّ أسلمن، اختار أربعًا؛ فإنَّ الاعتبار بحصول الحرة فيه وفيهنَّ بحال الاجتماع في الإسلام.
ولو عتق، فأسلمن على الرقِّ، أو أسلمن في تخلُّفه، فأسلم، فلا يختار إلا واحدة بشرط خوف العنت والإعسار.
ولو أسلم، وأسلمت إحداهنَّ، وعتق، ثم أسلم الباقيات، اختار إحداهنَّ كالحرِّ الأصلي، وقال القاضي: تتعيَّن الأولى، ولا يختار سواها، وهذه هفوةٌ، وقد وافق على أنَّه لو عتق ثمَّ أسلم، لم تتعيَّن الأولى، فأيُّ فرقٍ بين عتقه قبل الإسلام أو بعده؟ !
ولو أسلم على محض الحرائر اختار اثنتين؛ لأنَّهنَّ في حقِّه بمثابة الإماء.
ولو أسلم، فأسلم اثنتان، فعتق، ثم أسلم الباقيات، لم يزد على اثنتين اتِّفاقًا؛ لأنَّه استوفى عدد العبيد في الرقِّ، بخلافِ ما لو أسلم فأسلمت واحدةٌ، فعتق، ثمّ أسلم الباقيات؛ فإنَّه يختار أربعًا؛ إذ لم يستوفِ عدد العبيد في الرقِّ، فأشبه ما لو عتق العبدُ بعد أن طلَّق طلقتين، أو الأمة بعد الاعتداد بقرءين، أو بعد انقضاء ليلةٍ من القَسْم، فلا مزيد على ما جرى.
ولو عتق بعد طلقة، أو عتقت في أثناء القرءين، أو في أثناء ليلتها، ملك العبدُ ثلاث طلقات، وأتمَّت عدَّة الحرائر وقَسْمَهنَّ.
ولو طلَّق الحربيُّ امرأته طلقتين، ثم نقض العهد، فأرقَّه الإمام، فإنَّه يملك الثالثة.
ولو طلَّق في الحرية طلقةً، ثم استُرقَّ، لم يملك الثالثة، فكلُّ حكم تغيَّر الحال بعده بطارئ؛ فإن بقي أصلٌ في حقِّ ذلك الطارئ فإنَّه يؤثِّر بالزيادة أو النقصان؛ فإنَّ الطارئ قد وجد ما يستند إليه، ويعمل فيه، وإن
لم يكن الأصلُ باقيًا فلا أثر للطارئ.
2360 -
فصل في حكم الاختيار
إذا أسلم الحرُّ على أكثر من أربع، اندفع نكاح الزائدات مع إسلامه من غير تأخُّرٍ، وبقي النكاح في أربعٍ على الإبهام، ولا يمكن فراقُ الأربع بغير الطلاق.
ولو أسلم أربعٍ، ففسخ نكاحهنَّ؛ فإن أصرَّ الباقيات حتى انقضت العدَّة، أو مِتن في أثنائها، لم ينفسخ نكاح الأربع، وكذلك إن أسلمن في العدَّة عند الجمهور، وقيل: ينفذ؛ بناءً على الوقف، فعلى هذا: لو كنَّ ثمانيًا تعيَّن نكاح المتخلِّفات.
ولو أسلم أربعٌ من ثمان، فاختار المسلمات؛ فإن أصرَّ المتخلِّفات اندفع نكاحهنَّ من حين أسلم الزوج، أو أسلمن في العدَّة اندفع نكاحهنَّ من حين اختار السابقات.
ولو تقدَّم أربعٌ بالإسلام، فطلَّقهنَّ، نفذ الطلاق متضمِّنًا للاختيار، وإن ظاهَرَ منهنَّ، أو آلى، لم يكن اختيارًا، وفي الوطء وجهان.
وإن فسخ نكاحهنَّ، وزعم أنَّه أراد بلفظ الفسخ الطلاقَ، قُبِلَ، وإن أراد الفسخ فعلى الخلاف في الوقف.
ولو تقدَّم إسلامه، وتخلَّفن، فقال: مَن أسلم منكنِّ فقد اخترتُها للنكاح، لم يصحَّ؛ فإنَّ الاختيار لا يَقبل التعليق كالرجعة.
وإن قال: مَن أسلم منكنَّ فقد فسختُ نكاحها، ولم ينوِ الطلاق، لم ينفذ الفسخ فيمَن يُسلم منهنَّ، وإن زعم أنَّه أراد الطلاق قُبِلَ؛ فإنَّ الفسخ قَبْلَ الإسلام لا يَقبل التعليق، فلم يجد لفظُ الفسخ نفاذًا في موضوعه، وأَبعدَ مَن قال: لا يُقبل.
ولو قال: من أسلم منكنَّ فهي طالق، نفذ الطلاق فيمَن تُسْلِم، وتبعه الاختيار، كما لو قال للمكاتَب: إن دخلتَ الدار فأنت حرٌّ، فإنَّه يعتق بالدخول، ويبرأ تبعًا للعتق وإن كان الإبراءُ لا يقبل التعليق.
ولو أسلم أربعٌ في دفعة، ففسخ نكاحهنَّ، ثم أسلم الأربعُ الأُخَرُ في دفعةٍ، ففسخ نكاحهنَّ؛ فإنْ منعنا الوقفَ نفذ الفسخ في الأواخر، وتعيَّن الأوائلُ للنكاح، وإن أجزنا الوقف نفذ في الأوائل، وتعيَّن الأواخر.
ولو أسلم الثمان واحدةً بعد واحدةٍ، فخاطب كلَّ واحدة بالفسخ عند إسلامها؛ فإنْ منعنا الوقفَ تَعيَّن نكاح الأوائل، وانفسخ نكاح الأواخر، وإن أجزنا الوقف بانت الأولى بإسلام الخامسةِ، والثانيةُ بإسلام السادسةِ، والثالثةُ بإسلام السابعةِ، والرابعةُ بإسلام الثامنةِ.
2361 -
فرع:
إذا أسلم خمسٌ منهنَّ أو ستٌّ، فحَصَرَ الاختيارَ فيهنَّ، صحَّ اتِّفاقًا، وإن أسلم الباقياتُ اختار أربعًا ممَّن حَصَرَ الاختيار فيهنَّ، كما لو أبهم طلقةً بين أربعٍ، ثم قال: التي قصدتُها بالطلاق في هاتين المرأتين، فتتعيَّن الأخريان للنكاح، ويعيِّن واحدةً من الاثنتين للطلاق.
2362 -
فرع:
لو أسلم على واحدةٍ، وطلَّقها؛ فإن أصرَّت حتى انقضت العدَّة لم يقع الطلاق، وإن أسلمت في أثنائها فوجهان؛ إذ الطلاق قابلٌ للتعليق.
2363 - فرع: إذا أجزنا وقف الاختيار، فاختار أربعًا من الوثنيَّات قبل إسلامهنَّ، لم يصحَّ؛ فإنَّهنَّ لا يقبلن الاختيار، كما لا يُوْقَفُ بيعُ الخمر على التخلُّل، ويُحتمل أن يوقف الاختيار؛ فإنَّهنَّ لو أسلمن في العدَّة لتبيَّن بقاء نكاحهنَّ مع كفرهنَّ، بخلاف الخمر؛ فإنَّا لا نتبيَّن أنَّها مملوكةٌ عند التصرُّف.
2364 - فرع: نصّ الشافعيَّ على أنَّ ابتداء العدَّة من حين إسلام أحد الزوجين، ولو نكح نكاحًا فاسدًا، ووطئ، فابتداءُ العِدَّة من آخر وطأة، أو من حين التفريق؟ فيه قولان؛ لأنَّهما يتخالطان مخالطةَ الأزواج، بخلافِ العدَّة في اختلاف الدين، وخرَّج بعض الأصحاب عدَّة اختلاف الدِّين على القولين، فإن قلنا: لا يُعتبر بإسلام السابق منهما، فالاعتبارُ بحال التعيُّن للفراق، والأوّل قولُ الجمهور.
2365 - فرع:
من أبهم طلقة بين نسوةٍ، أو أسلم على أكثرَ من أربعٍ، تحتَّم عليه بيانُ المطلَّقة، وتعيينُ أربعٍ للنكاح، قال الشافعيُّ: فإن امتنع حُبس، فإن امتنع مع الحبس عُزِّر؛ ليختار؛ إذ لا يجوز تركهنَّ غيرَ متعيِّناتٍ للفراق أو النكاح.
وقال الأصحاب: للحاكم أن يجمع بين الحبس والتعزير إن رأى ذلك
في حقِّ كلِّ مَن توجَّه عليه حقٌّ، فامتنع من أدائه بغير عذرٍ.
وقال الإمام: لا يجمع بين الحبس والتعزير إلا إذا اعترف بالحقِّ، وبالقدرة عليه، فإن ثبت بالبيِّنة، وادَّعى الإعسار، لم يُعزَّر، وإن أقرَّ باليسار فلا يُعزَّر على الظاهر عنده، وظاهرُ كلام الأصحاب: وجوبُ التعزير إذا رآه، وإذا رأينا التعزير لم يتحتَّم، بل هو إلى رأي الوالي على ما سنذكره إن شاء الله.
ويجوز تكرارُ التعزير إذا تخلَّل بين كلِّ تعزيرين مدَّةٌ يبرأُ فيها من ألم التعزير السابق، فإن أصرَّ على الامتناع لم يَقُمِ الحاكمُ مقامه في الاختيار، وعليه نفقتهنَّ في مدَّة الامتناع اتِّفاقًا؛ لقدرته على تخليصهنَّ بالاختيار.
وإذا حُبس لم يُعزر حتى تمضي مدَّةُ الاستنابة، فلعله يفكِّر فيمن يختار.
2366 -
فصل في موت الزوج قبل الاختيار
إذا مات الزوجُ قبل البيان فعدَّتهنَّ بالحمل إن كنَّ حواملَ، أو بأربعةِ أشهر وعشرٍ إن كنَّ من ذوات الأشهر، وإن كنَّ من ذوات الأقراء فعليهنَّ ثلاثةُ أقراء، وأربعةُ أشهر وعشرٌ 1، وابتداءُ الأشهر من موت الزوج، وابتداء الأقراء من حين اختلف الدِّينُ على الأصحِّ، ومن الموت على الوجه الآخر.
فإن أسلمن مع الزوج: فعدَّتهنّ من حين الإسلام، أو الموت؟ فيه الخلاف.
وأمَّا الميراث فقد قال ابن سُريجٍ: يُقسمُ بينهنَّ الربعُ أو الثمنُ في الحال إذا اعترفن بالإشكال؛ لأنَّ الإبهام قد تحقَّق في الظاهر والباطن، بخلاف الخناثى، فإنا نتوقع فيهم البيانَ، وبخلاف ما لو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فزينبُ طالقٌ، وإن لم يكن غرابًا فعمرةُ طالقٌ؛ فإنَّ الإبهام غير متحقِّق في الباطن، واختاره الإمام.
وقال الجمهور: إن اصطلحن على قسمة ذلك جاز، وإن أَبينَ وُقف بينهنَّ؛ فإن كنَّ ثمانيًا، فطلب أربعٌ فما دونهنَّ شيئًا لم نُجِبْهن، وإن طلب خمسٌ دُفع إليهنَّ ربعُ الموقوف إن أسقطن حقوقهنَّ ممَّا بقي، وكذلك إن لم يُسْقِطْنَها على الأصحَّ، وسواءٌ طلبنه ليقتسِمْنَه، أو ليُوقفَ بينهنَّ.
فإن كان فيهنَّ طفلةٌ فقد منع الشافعيَّ وليَّها أن يصالح على أقلَّ من ثُمن الموقوف؛ إذ يدُ كلِّ واحدةٍ ثابتةٌ على الثُّمن، فلا يرضَى بما دونه.
وإن كنَّ تسعًا لم يُدفع إلى الخَمْسِ شيءٌ.
وإن كنَّ ستًّا، فطلب أربعٌ أو ثلاثٌ، دُفع إلى الأربع النصفُ، وإلى الثلاث الربع.
ولو مات قبل البيان عن أربعٍ مسلماتٍ وأربعٍ كتابيَّاتٍ، أو نكح مسلمةً وكتابيَّةً، وطلَّق إحداهما مبهمًا، وقلنا: لا يقوم الوارثُ مقامه، فلا نقف شيئًا من الميراث، وأَبْعدَ مَن خالف في صورة الطلاق.
2367 -
فصل فيمن أسلم على امرأة ونكح أختها في عدَّتها
إذا أسلم على وثنيَّةٍ، ونكح أختها في العدَّة؛ فإن أسلمت قبل انقضاء العدَّة بطل نكاحُ الجديدة، وكذلك إن لم تُسْلِمْ عند الجمهور، وصحَّحه المزنيُّ؛ بناء على الوقف، وخرَّجه بعضهم على مَن زوَّج جارية مورِّثه، ثم بان أنَّه ورثها عند التزويج.
ولو طلَّق الوثنيَّة في عدَّتها، لم ينفذ الطلاق إن أصرَّت، وإن أسلمت في العدَّة نفذ عند الأكثرين، وبه قطع الإمام، وخرَّجه بعضهم على القولين في تزويج جارية الموروث.
ولو أَعْتقَ (1) عبدَ الموروث، ثم بان أنَّه ورثه عند العتق، نفذ عند المحقِّقين، وقيل: فيه القولان.
2368 -
فرع:
لو سبقته الوثنيَّة بالإسلام، فنكح أختها في عدَّتها، ثم أسلما، تخيَّر بينهما؛ فإن اختار الجديدة انقطع نكاح القديمة من حين أسلمت، وإن اختار القديمة انقطع نكاح الجديدة من حين أسلما إن أسلما معًا، أو من حين إسلام السابق منهما.
2369 -
فصل في نفقة مدَّة التخلُّف
إذا سبقت بالإسلام؛ فإن أسلم الزوجُ في العدَّة فعليه النفقةُ من حين1
أسلمت إلا على وجه بعيد.
وإن لم يُسلم حتى انقضت العدَّة، لزمته النفقةُ على الأصحِّ عند الأصحاب.
وبنى القاضي الخلافَ على أنَّ عدَّة اختلاف الدِّين: كعدَّة الرجعيَّة أو البائن؟ وفيه وجهان؛ من جهةِ أنَّ الزوج قادرٌ على إثبات النكاح بالإسلام، كما يقدر على إثباته بالرجعة.
وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّه لو سبق بالإسلام لم يملك إثبات النكاح، ولو أصرَّ لبانت باختلاف الدين، ولذلك لا يقع طلاقه عند الإصرار، بخلاف الرجعيَّة؛ فإنَّها لا تَبينُ إلا بانقضاء العِدَّة.
ولو سبقها بالإسلام فلا نفقة لها إن أصرَّت حتى انقضت العدَّة، وكذلك إن أسلمت في أثنائها على الجديد؛ لأنَّها ناشزةٌ بترك الإسلام، وأوجبها في القديم؛ لأنَّ المنع حصل من الزوج، ولذلك يلزمُه نصفُ المهر قبل الدخول، وعلى الجديد: لو قال: أسلمْتِ بعد إسلامي بشهر، فقالت: بل بعشرٍ، فالقولُ قوله، كما لو اتَّفقا على النشوز، واختلفا في مدَّته.
وإن اختلفا أيُّهما السابقُ بالإسلام، فالقولُ قولُها على الأصحِّ، كما لو اختلفا في أصل النشوز، وأَبعدَ مَن جَعَلَ القولَ قولَه تعليلًا بأنَّ الأصل بقاء كفرها.
2370 -
فصل في حكم المهر
إذا أسلم أحدهما بعد الدخول وجب المسمَّى إن كان صحيحًا، ومهرُ
المثل إن كان فاسدًا.
وإن أسلم قبل الدخول لزمه نصفُ المهر، وإن أسلمت قبل الدخول سقط الجميع.
ولو أسلما قبل الدخول، فادَّعى أنَّها سبقته؛ فإن قالت: لا أعلم، لم يُحكم لها بشيء في الحال، وإن قالت: بل أنت سبقتَ، فالقولُ قولُها، وإن قالت: أسلمنا على التعاقب فارتفع النكاح، وقال: بل أسلمنا معًا، فقولان مبنيَّان على القولين في حدِّ المدَّعي:
أحدهما: القولُ قولُها إذا جعلنا المدَّعي مَن يذكُر أمرًا خفيًّا، والمدَّعَى عليه مَن يذكر أمرًا جليًّا؛ لأنَّ اقتران الإسلام بعيدٌ في العادة.
والثاني: القولُ قولُه إذا جُعل المدَّعَى عليه مَن إذا سكت لم يُترك وسكوتَه.
وإن ادَّعى أنَّها سبقت بالإسلام، فقالت: بل أسلمنا معًا، ارتفع النكاح، وفي تشطُّر المهر القولان.
وإسلامهما معًا: هو أن يقترن آخِرُ حرفٍ من كلمة إسلامه بآخرِ حرفٍ من كلمة إسلامها، سواءٌ وقع أوّلُ حرف من الكلمتين معًا، أو على التعاقب.
وإن اختلفا بعد الدخول فلا أثر له في المهر، إلا أنَّهما إذا اتَّفقا على تاريخ انقضاء العدَّة، واختلفا في تاريخ الإسلام، أو اتفقا على تاريخ الإسلام، واختلفا في تاريخ انقضائها، أو لم يتعرَّضا للتاريخين، ففيه من التفصيل والخلاف ما في نظائره من دعوى الرجعة.
2371 -
باب ارتداد الزوجين أو أحدهما
المرتدَّة لا ينكحها كافر ولا مرتدٌّ ولا مسلمٌ، والمرتدُّ لا ينكح كافرةً ولا مسلمةً ولا مرتدَّةً.
وإذا ارتدَّ الزوجان أو أحدُهما معًا، أو متعاقبَينِ؛ فإن كان قبل الدخول انقطع النكاح، ولا يعودُ بالإسلام، وإن كان بعد الدخول؛ فإن ارتفعت الردَّة في العدَّة فالنكاحُ بحاله، وإن لم ترتفع حتَّى انقضت العدَّة تبيَّن انقطاعُ النكاح من حين الردَّة، واحتُسب لها بتلك العدَّة.
وإن ارتدَّت وحدها، فوطئها في العدَّة؛ فإن أسلمت في العدَّة فلا مهر لها، وإن أصرَّت حتى انقضت لزمه مهرُ المثل على النصِّ.
ويسقط جميعُ المهر بردَّتها قبل الدخول، وشطرهُ بردَّته قبل الدخول.
وإن ارتدَّا معًا ارتفع النكاح، وفي التشطير وجهان.
وارتفاع النكاح بالردَّة فسخٌ، وليس بطلاقٍ، ولا يلزمُها قيمةُ البُضع إذا انفردت بالردَّة، ولا يسقط المسمَّى بالارتداد بعد الدخول عند الجمهور، وقيل: الفسخ بالردَّة بعد الدخول كالفسخ بالعيب الطارئ.
2372 -
باب عقد نكاح أهل الذمَّة
إذا تزوَّجها على صداقٍ فاسدٍ - كالخمر والخنزير - ثم أسلم، فأقوال:
أحدها، وهو المذهب: إن أسلما قبل القبض لزم مهر المثل، وإن أسلما بعد القبض فلا شيء لها.
والثاني: يجب مهر المثل إن لم تقبض في الكفر، وإن قَبضت فقولان.
والثالث: لا يجب إن قبضته، وإن لم تقبضه فقولان.
2373 -
فرع:
إذا قبضت بعض الخمر، ثم أسلما، فلها من مهر المثل بحسابِ ما بقي.
ولو كاتب عبده 1 على خمرٍ؛ فإنْ قبضه في الشرك عَتَقَ، ولا شيء له بعد الإسلام، وإن قبض بعضَه في الكفر وبقيَّته في الإسلام، عتق، ورجع السيِّدُ بجميع القيمة عند الشافعيِّ وأصحابه؛ لأنَّ العتق بالكتابة كالمعلَّق بالصفة، فلم يحصل شيءٌ منه، والبراءةُ ممَّا قبض من الصداق حاصلةٌ في الشرك.
وإن أصدق أجناسًا فاسدةً؛ كالكلاب والخنازير وزقاق الخمر: فهل يُعتبر بالأجناس، أو الأعداد، أو القيمة عند مَن يرى لها قيمة؟ فيه ثلاثة أوجه؛ فإن أصدق ستَّةَ أكلُبٍ، وثلاثة خنازير، وزقَّ خمر، فقَبضتِ الأكلُبَ، ثم أسلما، فقد قَبضتْ ثلثَ المهر إن اعتبرنا الأجناس، وثلاثةَ أخماسه إن اعتبرنا الأعداد، وما يقتضيه التقويمُ إن اعتبرنا القيمة.
وإن أصدقها أكلبًا، فالعددُ على وجه، والقيمةُ على آخر، وقيل: يُعتبر بمنفعة الأكلب، وهو راجعٌ إلى التقويم؛ فإنَّه يختلف باختلاف المنافع.
وإن أصدق خنزيرين، وأقبض أحدهما؛ فإن اعتبرنا التقويم قوَّمناهما، وأخطأ من قدَّرهما شاتين، وأوجب قيمة الشاتين.
وإن أصدق زقَّي خمر، فقَبضت أحدَهما؛ فإن اعتبرنا القيمةَ رُجع إليها، ويختلف باختلاف أنواع الخمر، وإن اعتبرنا العدد جعلناها قابضة للنصف، ويتَّجه أن يُعتبر بالكيل أو الوزن عند الإمكان.
2374 -
فرع:
إذا ترابَوا، وتبايعوا الخمر أو الخنزير، ثم أسلموا، أو ترافعوا إلينا ورضُوا بحكمنا؛ فإن تقابضوا لم يُنقض ذلك، وإن لم يتقابضوا لم نحكم بشيء، ولا تجري الأقوالُ المذكورة في الصداق الفاسد، وقد قال عمر في الخمر: ولُّوهم بيعَها، وخذوا العشر من أثمانها.
ولو أتلف أحدهما على الآخر خمرًا؛ فإن أسلما قبل الغرم فلا شيء لربِّ الخمر، وكذلك لو أسلم المتلِفُ قبل الغرم، أو غرم القيمةَ دراهم، فلا رجوع بعد الإسلام، وإن أدَّى القيمة بإلزام حاكمهم، ورضُوا بحكمنا،
فلا نوجب ردَّها على أصحِّ القولين؛ لأنَّهم يعتقدون نفوذَ الحكم، كما يعتقدون استحقاق القيمة إذا بُذلت طوعًا.
وإن أسلم المتلِف والمتلَفُ عليه فلا ردَّ عند المحقِّقين، وخرَّجه أبو محمد على القولين.
2375 -
فصل في المتولِّد ممَّن يحلُّ نكاحه وممَّن لا يحلُّ
المتولِّد ممَّن تحلُّ ذبيحتُه ومناكحتُه وممَّن لا تحلُّ: إن كان أبوه ممَّن لا يحِلان منه - كالوثنيِّ والمجوسيِّ - فنكاحُه وذبيحتُه حرام قولًا واحدًا، وفي عكسه قولان.
ومَن تولَّد من يهوديٍّ ومجوسيَّةٍ فديتُه معتبرةٌ بأعلى الدِّينين على وجه، وعلى قولي المناكحةِ على آخر، فإن تمجَّس بعد البلوغ لم يُمنع عند القفال، ولا يمتنع أن يُخرَّج على تبديل الدِّين؛ فإنَّ ما يتعلَّق بالنسب من الأحكام معتبرٌ بجانب الأب.
والمتولِّد ممَّن تُقبل جزيتُه وممَّن لا تُقبل، يُقرُّ بالجزية عند المحقِّقين.
2376 -
فصل في تحاكم أهل الذمّة
إذا حاكم الذمِّيُّ مسلمًا وجب الحكم اتِّفاقًا، مدَّعيًا كان أو مدَّعًى عليه، وإن كان خصمُه ذمِّيًّا من أهل ملَّته لزم الحكم على أصحِّ القولين، وإن كان من ملَّة أخرى فقد خرَّجه بعضهم على القولين، وقطع الجمهور بوجوب الحكم؛
فإنَّهما لا يجتمعان على حاكمٍ واحدٍ، فيستمرُّ خصامهما في دار الإسلام.
ولو اتَّحدت الملَّة، ولم يكن لهم حاكمٌ ببلد الخصام، أو كان وامتنع أحدهما من التحاكم إليه، فينبغي أن يُلحق باختلاف الملَّة.
وأمَّا أهل العهد؛ فإن اتَّحدت ملَّتهم لم يجب الحكمُ اتّفاقًا؛ لأنَّا التزمنا الكفَّ عنهم دون الذبِّ والسياسة، وإن اختلفت ملَّتهم فقد قيل: يُلحق باختلاف ملَّة الذمِّيّين، ورتَّب آخرون الخلاف، وقالوا: إن أوجبنا الحكم عند اختلاف ملَّة الذمِّيّين قولًا واحدًا ففي المعاهَدين قولان، وقطع الأمام بأنَّه لا يجب.
وإن كان خصم المعاهَدِ مسلمًا وجب الحكم اتّفاقًا، وإن كان ذمِّيًّا فقد رتبه الأصحاب على تحاكم الذمِّيّين، فإن لم نوجبه بين الذمِّيّين فالذمِّيُّ مع المعاهد أولى، ولا وجه للترتيب عند الإمام؛ فإنَّا إذا أوجبنا الحكم على الذمِّيّ لم ننظر إلى خصمه كالمسلم، وإن لم نوجبه فلا فرق بين المعاهد والذمِّيّ.
وإن ترافعوا إلينا في عقود المعاملات حكمنا فيما لهم وعليهم بأحكام الإسلام، ولا نتعرَّض لِمَا انفصل في الشرك، كالتقابض، ولا يُستثنى من ذلك إلا النكاح؛ فإن اقترن بالعقد مفسدٌ؛ فإن انقضى المفسدُ قبل الإسلام نفَّذنا العقد، وإن اقترن بالإسلام أفسدناه.
وإن طلبت المجوسيَّةُ النفقة من زوجها اليهوديِّ؛ فإن قلنا: لا تحلُّ لأحد، وهو الأصحُّ، فلا نفقة لها، وإن أحللناها للكتابيِّ فُرضت نفقتها.
وإن نكح المجوسيَّ مَحْرمةً، فترافعوا إلينا، ورُضوا بحكمنا في التفريق،
فُرِّق بينهم اتِّفاقًا، وإن طلبت النفقةَ لم نفرضها، وفي التفريق بينهما تردُّدٌ؛ لأنَّهم لمَّا أظهروا ذلك كان كإظهار الخمر.
2377 -
فرع للأصحاب:
إذا التمست الحرَّة الكتابيّة التزويج، ولم يكن لها وليٌّ، وكانوا لا يرون أن تستقلَّ بالنكاح، ففي وجوب تزويجها القولان في الحكم، وقال الإمام: لا يتَّجه إجراء القولين إلا إذا عضلها الوليُّ.
2378 -
باب إتيان الحائض
من وطئ الحائض عمدًا أثم، ولم يَغْرم، وقال في القديم: يغرم، وهل يغرم عتق رقبة؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يغرم الرقبة، فعليه ديناران إن وطئ والدمُ عبيطٌ، ونصف دينار إن وطئ في آخر الدم، وأبعدَ أبو إسحاق، فأوجب الدينار في أيام الدم، ونصفَه بعد الانقطاع، وقبل الغُسل.
قال الإمام: لم يُحَرَّمْ وطءُ الحائض لأجل دمها، ولذلك يحرم بعد الانقطاع وقبل الغُسل، ولو تضمَّخ بالدم بعد انفصاله لم يَحْرُمْ.
2379 -
فرع:
لا يجوز أن يجمع بين حرائر في الوطء إلا برضاهنَّ، فإن رضين جاز وطؤهنَّ بغُسلٍ واحد، والأفضلُ أن يغتسل بين كلِّ وطأتين، فإنْ لم يفعل غسَل فرجه وتوضَّأ، فإن لم يفعل غسل فرجه.
2380 -
باب إتيان النساء في أدبارهنَّ
وطء الزوجة والمملوكة في الدُّبر حرامٌ، وحُكي أنَّ الشافعيَّ توقَّف فيه في القديم، وحَكَى عنه محمد بن [عبد] الحكم أنَّه قال: في تحريمه حديثٌ غيرُ صحيح، والقياسُ عندي جوازُه، فحُكي ذلك للربيع فأَكْذَبه، وقال: نصَّ الشافعيُّ على تحريمه في ستَّةِ مواضعَ من كتبه.
وإن تلذَّذ بما بين الأَليتين من غير إيلاجٍ جاز.
ولا يتعلَّق بالوطء في الدبر تحليلٌ ولا إحصانٌ، ويتعلَّق به أحكامُ التغليظ؛ من تحريم المصاهرة، وإفسادِ العبادة، وإيجابِ العِدَّة والكفَّارة، وكذلك الحدُّ إلّا أن يقترن بزوجيَّةٍ، أو مِلْكٍ، أو شبهةٍ، واتَّفقوا على إيجابه المهرَ في النكاح الفاسد والشبهة، وإن وقع في نكاح صحيح قُرِّر المسمَّى عند المراوزة، وعند العراقيين وجهان.
وظاهر المذهب: أنَّه لا يثبت للبكر أحكام الثيِّب، خلافًا لطائفة من الأصحاب.
وقال الإمام: إنْ أثبتنا الإحصان بالوطء في النكاح الفاسد، فلا يبعد إثباتُه بالوطء في الدبر، وودِدْتُ ألَّا يجب به المهرُ، كما لا يجبُ بإتيان الذكور؛ فإنَّ جنسه محرَّم لا يُستباح، لكنَّهم اتَّفقوا على الإيجاب؛ لوقوعه في محلِّ
الاستمتاع، فأَشْبهَ وطءَ الحائض، ولذلك لا يجبُ الحدُّ، ولو أتى المملوكَ لوجب الحدُّ، ولذلك قطعوا بنفي الحدِّ في المملوكة والزوجةِ وإن أوجبناه في المملوكة المحرَّمة بالرضاع.
2381 -
باب مختصر الشِّغار
نكاح الشِّغار باطلٌ، وهو أن يَذكر في التزويج تزويجًا مشروطًا، ولا يُسمِّيَ مهرًا، ويَجْعلَ البُضعَ صَدَاقًا، مثل أن يقول: زوَّجتُكَ وليَّتي فلانةَ على أن تزوّجني وليَّتك فلانة، وبُضْع كلِّ واحدة منهما صداقُ الأخرى، سواءٌ اتَّحدت جهةُ ولايتهما أو اختلفت فيهما.
[إذا] 1 اجتمع مقابلةُ النكاح بالنكاح، والإخلاء عن المهر، وجَعْلُ البضع صداقًا، بطل العقد اتِّفافًا، وإن اختلَّ شيءٌ من ذلك فقد قال القفَّال: لا يبطل بترك المهر، ولا بجعل البُضع صَداقًا، وإنَّما يبطل بالتعليق؛ فإنَّه إذا قال: زوَّجتك ابنتي على أن تزوِّجني ابنتك، فقد تعلَّق انعقادُ النكاح الأوَّل على انعقاد الثاني، وهذه طريقةٌ حسنة.
وقال الجمهور: إن سمَّى المهر، ولم يجعل البُضْع صداقًا، صحَّ، وإن شرط في النكاح نكاحًا، ولم يذكر مهرًا، أو ذكر مهرًا، وجَعَلَ البُضْعَ صداقًا، فوجهان، مثل أن يقول: زوَّجتك أختي على أن تزوِّجني ابنتك، أو: زوَّجتُكها بألفٍ على أن تزوِّجني ابنتك، وبُضع كلِّ واحدة صداقُ الأخرى؛ فإنَّه قد شرك في البضع بجعله صداقًا، فصار كتزويج العبد على أن تكون
رقبتُه صداقًا.
ومنع الإمام التعليل بالإشراك في البضع؛ فإنَّه إنَّما يفسد إذا شرك فيه على حكم الزوجيَّة، وإنَّما أضاف البضع هاهنا على جهة التمليك والعِوَضيَّة.
2382 -
فصل في نكاح المتعة والمحلّل
النكاح المؤقَّت فاسدٌ؛ فإن وطئ فيه لم يُحدَّ على المذهب، ولا تحلُّ المطلَّقة ثلاثًا حتى تتزوَّج غيرَ المطلِّق، ويطأها، ويبينَها (1)، وتنقضيَ عدّتُها.
فإن استدخلتْ ذَكَر الزوج أحلَّها إن كان منتشرًا، وإن كان غير منتشر حلَّت عند أبي محمَّد، وقال العراقيُّون: إن كان ممكنَ الانتشار حلَّت، وإن لم يُتوقَّع انتشاره لم تحلَّ.
ولا بدَّ من تغييب الحشفة، أو قَدْرَها إن كانت مقطوعة، وقيل: إن قُطعت فلا بدَّ من إيعاب الجميع، فإن اكتفينا بقدرها فالاعتبارُ بحشفة ذلك العضو، وإن شُرط الإيعابُ؛ فإن بقي قدرُ الحشفة حلَّت، وإلا فلا.
ولا يُحلُّها وطء الشبهة وإن ظنَّها الواطئ زوجتَه، وكذلك وطءُ النكاح الفاسد على أصحِّ القولين، ولا تَحِلُّ بوطء المالك إجماعًا.
2383 -
فرع:
اتَّفقوا على أنَّ تحليل الصبيِّ كتحليل البالغ، كما أنَّ وطء الصبيَّة يُحلُّها1