كتاب تحريم القتل وَمَن يَجِبُ عَليهِ القِصَاصُ ومن لا قصاصَ عليه
كتاب تحريم القتل وَمَن يَجِبُ عَليهِ القِصَاصُ ومن لا قصاصَ عليه
3118 -
لا يجبُ القصاص إلا على مكلَّفٍ ملتزمٍ للأحكام، فلا يجبُ بجناية الحربيِّ وإن دخل بعد الجناية في الذمَّة أو الإسلام، وفي السكران خلافٌ.
ويُقتل الذَّكرُ بالأنثى، والأنثى بالذَّكَر، والذمِّيُّ بالذمِّيِّ، وإن اختلفت الملَّتان والدِّينان، فيُقتل النصرانيُّ بالمجوسيِّ.
ويُقتلُ الرقيقُ بالرقيق، وإن كان القاتلُ مكاتَبًا، أو مدبَّرًا، أو أمَّ ولد، ولا يسقطُ القصاص عن أمِّ الولد بعتقِها.
ولا يُقتل الحرُّ برقيقٍ، ولا بمَن فيه جزءٌ من الرقِّ، ويُقتل العبدُ بالحرِّ، والذمّيُّ بالمسلم، والولدُ بالوالد.
ولا يُقتل والدٌ بولدٍ، ولا مسلمٌ بكافرٍ.
ولا يُجْبَرُ بعض هذه الصفات ببعضٍ، فلا يُقتل حرٌّ كافرٌ بعبدٍ مسلمٍ، ولا عبدٌ مسلمٌ بحرٍّ كافرٍ.
فإن قتل الذمّيُّ ذمّيًّا، أو العبدُ عبدًا، ثمَّ أسلم القاتلُ، أو عَتَقَ، لم يسقط القصاصُ، وإن جرح ذمّيٌّ ذمّيًّا، أو عبدٌ عبدًا، فأسلم الجارحُ، أو عتق، ثم مات المجروحُ بالسِّراية، لم يُقتل به على الأصحِّ.
ولو قَتَل عبدٌ [مسلمٌ] (1) لمسلمٍ، أو لكافرٍ، عبدًا مسلمًا لكافرٍ، ففي قتله به وجهان؛ فإنَّ القود مستحَقٌّ للسيّد، ولذلك يسقطُ بعفوه، ولا يسقطُ بعفو العبد، ولو قتل حرٌّ ذمِّيٌّ عبدًا، ثم نقض العهدَ وأُرِقَّ لم يُقتل به.
ولو قتل ذمِّيٌّ ذمِّيًّا، ثمَّ أسلم القاتلُ، فمات وليُّ القتيل عن ورثةٍ كفَّارٍ، ورثوا القصاصَ على الأصحِّ.
وإن تبعَّض الرقُّ والحريةُ في القتيل والقاتل؛ فإن كان ما في القاتل من الحرية أكثر ممَّا في القتيل منها لم يُقتل به، وإن كان مساويًا، أو أقلَّ، قُتل به عند العراقيّين، وقالت المَراوزةُ: لا يُقتل به؛ فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى أن يُقتصَّ من جزء حرٍّ بجزء رقيقٍ، ولهذا لو آل الأمرُ إلى المال تعلَّق كلُّ واحد من نصيب الحرية والرقِّ بالذمَّة والرقبة.
3119 -
فرع:
يُقتل الذمّيُّ بالمعاهَدِ اتِّفاقًا، وفيه احتمالٌ من الخلاف في قطع المعاهَدِ بالسرقة، وإن قَتل ذمّيٌّ مرتدًّا فقولان؛ فإنَّه مُهْدَرٌ، وخرَّج الإصطخريُّ قولًا: أنَّه يُقتل إنْ تعمَّد، ولا دية عليه إن أخطأ؛ للإهدار، فإن قلنا: يُقتل به، فالقصاصُ للإمام، وعلى قول غريب: يثبت لمَن يرثُه لو مات مسلمًا.
وإن قتل مرتدٌّ ذمِّيًّا؛ فإن قلنا: لا يُقتل الذمِّيُّ بالمرتدِّ، قُتل المرتدُّ به، وإن قلنا: يُقتل بالمرتدِّ، ففي قَتْلِ المرتدِّ به قولان؛ لعُلْقةِ الإسلام.
ويُقتل المرتدُّ بالمرتدِّ، وأَبعدَ مَن مَنَعَ لأَجْلِ الإهدار.1
وإن قتل الذمِّيُّ مسلمًا زانيًا محصَنًا، قُتل به اتِّفاقًا، ولا يُقتلُ به المسلمُ على أقيسِ الوجهين، وبه قطع المراوزةُ.
3120 -
فرع:
إذا قُوبلت جملةٌ بجملةٍ قُوبلت أجزاؤها بأجزائها، فكلُّ شخصين يُقتل أحدُهما بالآخَرِ، فطَرَفُ أحدهما مقطوعٌ بطرفِ الآخَرِ، فتُقطعُ يدُ الرجل بيد المرأة؛ لأنَّ يد كلِّ واحدٍ منهما إذا نُسبت إليه كانت نصفَ جملته، ولا تُقطعُ يدُ المرأة السليمةِ بيد الرجل الشلَّاء وإن ساوت حكومتُها نصفَ ديةِ المرأة.
3121 -
فصل في قتل الوالد ولدَه
لا يُقتل الأبوان بالولد اتِّفاقًا، ولا الأجدادُ والجدَّاتُ إلا على قولٍ غريبٍ، ومَن قَتلَ مَن يرثُه ابنه، أو يرثُ بعضَ ماله، فلا قصاصَ عليه.
ومَن وجب عليه أو على أبيه قصاصٌ، فورث ذلك القصاص، أو ورث بعضَه، سقط جميعُ القصاص، فلو قَتَلَ عتيقَ ابنه، فمات وارثُ العتيق، فورثه الابنُ، سقط القصاص.
3122 - فرع: إذا قتل أحدُ الأخوين أباهما، والآخَرُ أمَّهما؛ فإن كانا على الزوجية سقط القصاص عن السابق، وثبت على اللَّاحق، وإن لم يكن بينهما زوجيّةٌ فلكلِّ واحدٍ منهما أن يقتصَّ من الآخر، وهل يُبدأ بالاقتصاص من السابق، أو يُقْرَعُ بينهما؟ فيه وجهان، فإن بدأنا بالسابق فهل يرثه المقتصُّ؟ فيه
خلافٌ، فإن قلنا: يرثه، سقط القصاصُ عن الآخر (1)، وإن قلنا: لا يرثه، اقتَصَّ منه ورثةُ السابق.
وإذا استَحَقَّ أحدُهما التقديمَ بالقرعة، أو السبق، فبدر الآخَرُ بالقتل وقع قصاصًا، وفي الإرث الخلافُ.
وإن قتلا أبويهما معًا، فعلى كلِّ واحدٍ منهما القصاصُ للآخَرِ، سواءٌ كانت الزوجيَّةُ باقيةً، أو لم تكن، فيُقْرَعُ بينهما، وإن بادر أحدُهما بالقتل وقع قصاصًا، ولا يُمكَّن كلُّ واحدٍ منهما من قتل الآخر، ولا يقال: مَن ابتدر منكما وقع قتلُه قصاصًا؛ خوفَا من ابتدارِ كلِّ واحدٍ منهما.
3123 -
فرع:
إذا تنازع اثنان ولدًا يمكن لحاقُه بكلِّ واحدٍ منهما، فقتلَه أحدُهما، لم يُقتل به؛ لاحتمالِ أُبوَّته، فإنْ ألحقته القافةُ بالآخَرِ قُتل قاتِلُه، وإن ألحقَتْه بالقاتل لم يُقتل به، وإن اشتركا في قتله لم يُقتل به واحدٌ منهما، فإن ألحقتْه القافةُ بأحدهما قُتل به الآخَرُ.
3124 -
فصل في قتل الجماعة بالواحد
إذا قتل جماعةٌ واحدًا بحيث لو انفرد كلُّ واحد منهم بقتله لقُتل به، وجب القصاصُ على الجميع، وإن تفاوتوا في عدد الجراحات، فإذا قُتِلوا به، وقع قتلُ كلِّ واحدٍ منهم قصاصًا باتِّفاق الأصحاب.1
وقال الحَلِيميُّ (1): إذا كانوا عشرةً مثلًا كان عُشْرُ كلِّ واحد منهم قصاصًا، والباقي وسيلةً إلى استيفائه، كما تُقلع أبوابُ الغاصِبِ لتخليص المغصوب (2). وهذا باطلٌ؛ فإنَّا لا نوجبُ القصاص في الساعد؛ خوفًا من الزيادة على المستحَقِّ، فكيف نُريق تسعةَ أعشارِ الدم بغير القصاص، ولا يصحُّ الاستدلالُ باتِّحاد الدية؛ فإنَّا نقتلُ الرجل بالمرأة مع نقصِ دِيَتها.
3125 -
فرع:
تُقْطَعُ 3 الأطراف بالطَّرَف إذا تحاملوا على آلة القطع؛ بحيث لا ينفردُ بعضهم بالجناية على بعض الطَّرف، فإنْ قَطَعَ أحدُهما بعض الطَّرَف، وقطع الآخَرُ ما بقي، لم يجب القصاصُ على واحدٍ منهما، وخرَّج صاحب "التقريب" قولًا من وجوب القصاص في المتلاحمة: بأنْ يُقطع من كلِّ واحد منهما مثلُ ما قطع، وهذا لا يصحُّ؛ لتناسُبِ لحم المتلاحمة، وتفاوُتِ الأطراف في وضع العروق والأعصاب.12
ولو جرَّ كلُّ واحدٍ منهما الحديدةَ كجرِّ المنشار؛ فإن انفرد كلُّ واحد منهما بِجَذْبة، فلا قصاصَ عليهما، وإن اشتركا في كلِّ جَذْبةٍ، قُطعت يدُ كلِّ واحدٍ منهما؛ لاشتراكهما.
3126 -
باب كيفيَّة قتل العمد وجراح العمد التي فيها القصاصُ وغيرُ ذلك
الجرحُ والقتلُ ثلاثةُ أضربٍ: عمدٌ، وخطأٌ، وشِبْهُ عمدٍ.
والقتل منقسمٌ إلى: مذَفِّف كالذبح، وإلى سببٍ يتعلَّق بالظاهر تارةً كالضرب، وبالباطنِ تارةً كالجَرْحِ.
فأمَّا المتعلِّق بالظاهر من العمد: فهو كلُّ ما يُقصَدُ به القتلُ غالبًا إذا تجرَّد القصدُ إليه، ويختلفُ باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان، وما لا يُقصد به القتلُ غالبًا فهو شِبْهُ العمد، وأمَّا الجَرْحُ فلا يُشترط فيه أن يُقصد به القتل غالبًا، وضبطهُ الإمام بكلِّ جرحٍ يتحقَّق حصولُ الموت به إذا تجرَّد القصدُ إليه، فعلى هذا: كلُّ ما عُلم حصولُ الموت به من الأسباب الظاهرة أو الباطنة، فهو عمدٌ إذا تجرَّد القصدُ إليه، ولا يَقْدَحُ فيما ذكره إلا نصُّ الشافعيِّ على أنَّ الكفَّ إذا تآكلت بالجرح فلا قصاصَ فيها، وإن عُلم حصولُ التآكُلِ بالجرح كما عُلِمَ حصول الموت بأسبابه المتعمَّدة، وإن قُصد ما يمكن حصولُ الموت به، ولم يعلم حصولُه به، فهو شبهُ العمد.
وقال أبو محمد: العمدُ ما يكون القتلُ مقصودًا به، وشبهُ العمد ما يكون الفعلُ مقصودًا به، ثمَّ قد يُفضي إلى القتل.
3127 -
فصل في غرز الإبرة
قال الأصحاب: إذا غرز إبرةً في مَقْتَلِ إنسانٍ كَثُغْرَةِ النَّحر، والمثانة، والأخدع، والعِجَان (1)، فمات، وجب القَوَد، وإن غرزها في غير مقتلٍ؛ فإن كان في جلدٍ غليظٍ لم يتعلَّق به ضمان؛ فإنَّ الفعل المتعمَّد أقسام:
أحدها: ما يُعلم حصولُ الموت به، فيوجِبُ القود.
الثاني: ما يمكنُ حصولُ الموت به، ولا يُعلم، فيوجِبُ الضمان.
الثالث: ما لا يمكنُ حصولُ الموت به، كغرز الإبرة في جلدٍ غليظٍ، فلا قود ولا ضمان.
وإن غرزها في اللحم، وجاوزت الجلد، فطريقان:
إحداهما: في وجوب القود وجهان.
والثانية: إن تورَّم محلُّ الغرز وجب، وإن اشتدَّ الألمُ من غيرِ ورمٍ فوجهان.
3128 -
فصل في الإلقاء في الماء والنار
إذا ألقاه في ماءٍ غير مُغرِقٍ؛ فإنْ شدَّ أطرافَه، وألقاه بحيث يُلْجِمُه الماء، ولا يُمْكِنُه الخلاصُ، وجب القصاصُ، وإن لم يشدَّه، فاضطجع1
حتى هلك، لم يضمن، وإن ألقاه في ماءٍ مُغرِقٍ تظهرُ النجاةُ منه بالسباحة فغرق؛ فإنْ جَهِلَ السباحةَ وجب القودُ، وإنْ عرفها ففي الضمان وجهان، فإن أوجبناه لم يجب القودُ على الأصحِّ.
وإن ألقاه في نارٍ يمكنُ التخلُّصُ منها، فتخاذَلَ، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالوجوب، فإنْ لم نُوجب الضمانَ، فكان للَّفح الأوّل أثرٌ، أُفرد بالضمان، وإنْ منعه اللَّفحُ الأوّلُ من الخروج، فليس هذا محلَّ الخلاف.
3129 -
فصل في دفع الأسباب
إذا وقع سببٌ يقدر المجنيُّ عليه على دفع الهلاك معه، فلم يفعل، فله أحوال:
الأولى: أن يكون السببُ مُهْلِكًا، والدفعُ عسيرًا، والبرءُ مظنونًا، كترك مداواة الجرح، فلا يسقطُ الضمان.
الثاني: ألا يكون السبب مُهْلِكًا، والدفعُ يسيرٌ مقطوع به، كترك الخروج من الضحضاح، وكتركِ المحبوسِ الأكلَ من الطعام الحاضِرِ، فلا ضمانَ، وكذلك تركُ ربط الفصد عند الإمام.
الثالث: أن يكون السبب جنايةً، والخلاصُ ممكنًا، وقد يقع دَهَشٌ يَمنع منه، كتركِ السباحة والخروجِ من النار، ففيه الخلافُ، وكذا لو ترك تعصيبَ الجرح حتى نزف دمُه عند الإمام.
3130 -
فصل فيمن ألقى إنسانًا في مهلكة فهلك بسببٍ آخَرَ
إذا ألقاه على سببٍ مُهْلكٍ، فهلك بسببٍ ثانٍ، فللسَّبب الثاني أحوالٌ:
أحدها: ألا يكون له فعلٌ ولا اختيارٌ، كما لو ألقاه من شاهقٍ مُهْلكٍ، أو في بئرٍ مُهْلكةٍ، فصادف سكاكينَ منصوبةً، ورماحًا مُشْرَعةً، أو جَرَحَه بسكِّين، ثم ظهر أنَّه مات بسمٍّ فيها يجهلُه الجارِحُ، فيجبُ القودُ.
الثاني: أن يكون فعلَ إنسانٍ مختارٍ، مثل أن يلقيَه من شاهقٍ، فيقتله إنسانٌ قبل الوصول إلى الأرض، فلا قود على المُلْقي ولا ضمانَ وإنْ لم يكن القاتلُ ضامنًا كالحربي.
الثالث: أن يكون فِعْلَ حيوانٍ يفعلُ بطبعه، كما لو ألقاه في لُجَّةٍ فالتقمه حوتٌ عند الوصول إلى الماء، أو ألقاه من شاهقٍ، فقتلته حيَّةٌ عادِيَة أو سَبْعٌ ضارٍ قبل الوصول إلى الأرض، فيجبُ القود، خلافًا للربيع، فإنَّه أسقط القود، وأوجب الضمان، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الحيوان الضاريَ بطبعه كالسيف المصادِف لمضربه، بخلافِ فعلِ المختار، ولذلك قال الشافعيّ: لو أدخله بيتًا فيه سباعٌ ضاريةٌ، أو هَدَّفه لوثبةِ أسدٍ ضارٍ، وجب القودُ، ولو أمسكه ليقتلَه إنسانٌ مختارٌ، لم يجب القودُ بالإمساك، وإن كان القاتلُ غيرَ ضامنٍ كالحربيِّ.
3131 -
فرع:
إذا ألقاه من شاهقٍ، فقتله مجنونٌ؛ فإن كان ضاريًا بالطبع فهو كالسَّبُعِ، وإن لم يكن كذلك فهو كالعاقل.
ولو التقمه الحوتُ قبل الوصول إلى اللجَّة، فقد نقل القاضي عن الأصحاب وجوبَ الضمان، ونقل عنهم نفيَه، واختار الوجوبَ، والوجهُ:
القطعُ بوجوبه إلا على قول الربيع، ولا يصحُّ هذا النقلُ عن الأصحاب؛ إذ لا فرق بين الهواء وصدمةِ الماء، فإنَّ التلف لا يحصل بمصادمة الماء؛ لرقَّته ولطافته، وإنَّما يحصل بالغرق بعد المصادمة.
3132 -
فرع:
إذا ألقاه على سببٍ غيرِ مهلكٍ، فهلك بغيره؛ فإنْ لم يشعر به الجاني مثل إن ألقاه في ضحضاحٍ، فالتقمه حوتٌ لم يشعر به، أو دفعه دفعًا خفيفًا، فوقع على سكينٍ لم يشعر بها وجب الضمانُ دون القود، وإن علم بذلك وجب القودُ.
3133 -
فصل في التجويع وسقي السم
إذا حبس إنسانًا، فمات بالجوع والعطش، أو بأحدهما؛ فإنْ تمكَّن المحبوسُ من تحصيلهما بوجهٍ من الوجوه فلا ضمانَ على الحابس، وإن مَنَعَه منهما، أو من أحدهما؛ فإن كان حين حبسه شبعانَ ريَّانَ وجب القودُ، وإن كان جوعان؛ فإنْ جَهِلَ جوعَه ففي القود قولان، وإنْ عَلِمَه فطريقان، فإن قلنا: يجبُ القود، وجبت الدية، وإن قلنا: لا يجب، فهل يجب كمالُ الدية، أو تُوزَّع على الجوعين؟ فيه خلاف.
ولو جهل مرضَ إنسان، فضربه ضربًا يَقتل مثلُه مريضًا، ولا يقتلُه صحيحًا، وجب القودُ، بخلاف مبادئ الجوع، فإنَّه يُعدُّ من الرياضات وإصلاح الأجساد.
ولو وضع عِدْلًا في سفينةٍ مشحونةٍ، فغرقتْ، فهل يلزمُه كمالُ الضمان،
أو نصفُه، أو يتوزَّع الضمانُ على الأثقال؟ فيه ثلاثةُ أوجه، ولا ينبغي أن يُخْرجَ ثقلُ السفينة عن الاعتبار.
وإن سقاه سمًّا؛ فإن لم يغلب على الظنِّ أنَّه قاتِلٌ فهو عند الأصحاب كغرز الإبرة في غير مقتل، وإن كان مذَفِّفًا؛ فإن أوجره به وجب القودُ، وإن أكرهه على شربه؛ فإنْ جَهِلَ الشاربُ كونَه سمًّا وجب القودُ، وإن عَلِمَ لم يجب؛ فإنَّ المكرَه مَن يخلِّص نفسَه بفعلِ ما أُكره عليه.
ولو دعاه إلى أكلِ طعامٍ مسمومٍ بقولٍ أو قرينةِ حالٍ، ففي القود قولان أقيسُهما: أنَّه لا يجب، فإن أوجبناه وجبت الدية، وكذا إنْ لم نُوجبه على ما قطع به الأصحاب، وحكى أبو محمد قولين.
وإن دسَّ السمَّ في طعامٍ، فأكله صاحبُ الطعام فقد قيل: لا يجبُ القود، وقيل: فيه القولان.
3134 -
فصل في إغراء السباع وإنهاش العقارب والحيَّات
إذا أَنهشه حيّةً أو عقربًا لا يقتلُ جنسَها في الغالب، فهو كغرز الإبرة عند الأصحاب، وإن كانت من جنسٍ قتَّال، كحيَّات مصر، وعقاربِ نَصيبين، وجب القود.
وإن أغرى به كلبًا ضاريًا؛ أو سَبُعًا ضاريًا، فإن كان في مضيقٍ لا يُمْكِنُه الخلاصُ منه وجب القودُ، وإن كان في صحراء لم يجب القودُ؛ لإمكان الهرب.
وقال القاضي والإمام: إنْ عَلِمَ أنَّ الهرب لا ينجيه وجب القودُ، وإنْ
أَمْكَنه الهربُ فتخاذل، فهو كترك السباحة عند الإمام.
ولو أغرى في الصحراء سَبُعًا غيرَ ضارٍ، فقد قال الإمام: إن كان السبع مطلَقًا فلا قودَ ولا ضمان؛ لأنَّ افتراسه وقع اتِّفاقًا، وإن كان مربوطًا فحلَّه وأغراه؛ فإن نظرنا إلى عدم الضراوة فالوجهُ نفيُ الضمان، وإن نظرنا إلى إمكان الهرب فهو كترك السباحة.
وإنْ جَمَعَه مع سَبُعٍ، أو حيَّاتٍ في بيتٍ، فافترسه السَّبُعُ، أو نهشته الحيّاتُ، وجب القودُ بالافتراس دون النهش؛ لأنَّ الحية تنفر بطبعها، والأسد يَثِبُ في المَضِيق بطبعه، وذكر صاحب "التقريب" قولًا في الافتراس، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الأحكام تتبع الصور، فإن كان من الحيات ما يَقْصِدُ، ومن السباع ما يَنْفِرُ، فالأحكامُ مبنيَّةٌ على ذلك، فإنْ تحقَّقت العَمْديَّةُ وجبَ القودُ، وإنْ شَكَكْنا فيها لم يجب.
3135 -
فصل في اجتماع الجارح والمذَفِّف
إذا قطع حلقومَه ومَريئَه، أو أخرج حشوته، فجرحَه آخَرُ، أو قطع يده وهو يتحرَّكُ، قُتل الأوّل، وعُزِّر الثاني، ولا ضمانَ عليه؛ لأنَّه جنى على ميتٍ.
ولو جرحه جرحًا يُهْلِكه لا محالة، ولكنْ بقيت فيه حياةٌ مستقرَّةٌ، فذفَّفَه آخَرُ، وجب على الأول ما يجبُ على الجارح، وعلى الثاني ما يجب على القاتل.
مثاله: أنْ يَقطع أحدُهما معاه، فيذبحُه الآخَرُ، أو يُخْرِجُ حشوته، أو يقدُّه بنصفين مع بقاء الحياة المستقرَّة، ولو قطع مريئه فالحياةُ مستقرَّةٌ ما لم
يصل إلى حركة المذبوح، فإذا وصل إليها حُكم بموته، بخلافِ ما لو انتهى إنسانٌ بالمرض إلى مثل تلك الحال، فمهما قُتل وهو يتنفَّسُ وجب القصاصُ بقتله.
ولو قدَّه بنصفين، وترك حشوتَه في النصف الأعلى، فما دام يتكلَّم أو ينظر فهو حيٌّ عند الأئمَّة، وقال الإمام: لا يجبُ القصاصُ بقتله؛ فإنه معدودٌ من الموتى، وكلامُه غيرُ منتظِمٍ.
3136 -
فصل فيمن قطع يد إنسان ثم قتله قبل الاندمال أو بعده
إذا سرت الجراحات إلى النفس اندرجت دِياتُها في ديةِ النفس، ولا يندرج قصاصُها في قصاص النفس؛ فإنْ قَطَعَ يدي إنسانٍ ورجليه، فاندملتا، فعَفَا عن القود، وجب ديتان، وإن مات بالسراية وجبت ديةٌ واحدة، وإن قتله أجنبيٌّ، قبل الاندمال فلا إدراج اتِّفاقًا، وإن قتله القاطِعُ بعد الاندمال وجب ثلاثُ دياتٍ، وإن قتله قبل الاندمال؛ فإن اتَّفقت صفةُ القطع والقتل بأن كانا عمدًا، أو خطأً فالنصُّ وجوبُ ديةٍ واحدةٍ؛ للإدراج، وخرَّج ابن سُريج قولًا منقاسًا: أنَّه يجب ثلاثُ دياتٍ؛ لأنَّ تعذُّر الإدراج بالقتل كتعذُّره بالاندمال.
وإن اختلفت صفةُ الجناية، فكان القطعُ عمدًا، والقتلُ خطأً، أو بالعكس، ففي الإدراج قولان منصوصان مرتَّبان عند الإمام، وأولى بنفي الإدراج، فلو قطع يده ثم قتله؛ فإن منعنا الإدراج، فاختلفت صفة الجنايتين 1
كانت ديةُ الخطأ منهما مخفَّفةً على العاقلة، وديةُ العمد مغلَّظةً على الجاني، وإن قلنا بالإدراج، فقد جعل الشافعيُّ نصفَ الدية مخفَّفًا على العاقلة، ونصفَها مغلَّظًا على الجاني.
وقال الإمام: إن كان القتلُ عمدًا فجميعُ الدية مغلَّظةً على الجاني، وإن كان خطأً فجميعُها مخفَّفٌ على العاقلة؛ لأنَّ معنى الإدراج سقوطُ دية الأطراف اكتفاءً بدية النفس.
وعلى قول الشافعيِّ: لو قطع يديه عمدًا، ثم قتله خطأً، أو بالعكس، أو قطع يديه ورجليه عمدًا، ثم قتله خطأً، أو بالعكس، أو قطع إصبعه عمدًا، وقتلَه خطأ، فالوجهُ: إيجابُ نصف الدية على العاقلة، ونصفِها على الجاني؛ إذ لا نظر إلى أعداد الجراحات إذا صارت نفسًا.
3137 -
فرع:
إذا قلنا بالإدراج، فقطع يديه عمدًا، ثم قتله عمدًا، فقطع الوليُّ يديه، ثم عفا عن نفسه، فلا ديةَ له على أظهر الوجهين، ولو قطع إحداهما، ثم قتله، فقطع الوليُّ إحدى يديه، ثمّ عفا، وجب نصفُ الدية على الأظهر، وعلى الآخر يجب الديةُ.
3138 -
فصل في مشاركة العامد لمن لا يلزمه القصاص
إذا شارك العامدُ مخطئًا، فلا قصاصَ على واحدٍ منهما، وإن شارك عامدًا لا يلزمه القصاصُ، فللشريك أحوال: الأولى: أن يَلْزمَه الديةُ، كما لو شارك الأجنبيُّ الأبَ في قتل الولد،
أو الحرُّ عبدًا في قتلِ عبدٍ، أو الذمّيُّ مسلمًا في قتل ذمِّيٍّ، فيجب القود على الأجنبيِّ والعبد والذمِّيِّ.
الثانية: ألا يلزمَه ديةٌ ولا كفَّارةٌ، كما لو جرح حربيًّا أو مرتدًّا، فجرحه آخَرُ بعد الإسلام، أو قُطعت يدُه في حدٍّ، أو قصاصٍ، وجرحه آخَرُ، أو جرح ذميٌّ حربيًّا فالتزم الذمَّةَ، فجرحه ذمِّيٌّ آخَرُ، ففي وجوب القصاص على الضامن منهما قولان.
الثالثة: أنْ تلزمَه الكفَّارةُ لا غير، كالسيِّد يشارِكُ في قتل عبدِه، فهل يُلْحَقُ شريكُ السيِّد بمن يلزمه الديةُ، أو بمن لا يلزمه شيء؟ فيه وجهان، وإن شارك في قتل نفسه؛ فإن لم نوجب عليه الكفّارة ففي القود على شريكه القولان، وإن أوجبناها، فإن جعلناها كالدية وجب القود اتّفاقًا، وإن لم نجعلها كالدية ففيه القولان.
ولو جُرح، فداوى جرحَه بسمٍّ غيرِ مذفِّفٍ، أو خاطه في لحمِ حيٍّ، وأَمْكَنَ إحالةُ الموت على الجرح والخياطةِ والسمِّ فطريقان:
إحداهما: أنَّه كالمشارك في قتل نفسه.
والثانية: لا يجب القودُ قولًا واحدًا؛ لأنَّه قصد بذلك الإصلاحَ، فصار شريكُه كشريك المخطئ، وعلى هذا: لو قُطعت يدُه حدًا أو قصاصًا، فجرحَه آخَرُ، فينبغي ألا يجبَ القصاص، لأنَّه شريكٌ محقٌّ، ولا أثر للخياطة في اللَّحم الميت.
ولو داوى الجرحَ بسمٍّ مذفِّفٍ، فليس على الجارح سوى أَرْشِ الجرح، أو قَوَده، وإن شارك سَبُعًا في القتل فطريقان:
إحداهما: لا يجب القود؛ لانتفاء العمد.
والثانية: فيه القولان؛ لأنَّه عامدٌ غيرُ ضامنٍ.
3139 -
فرع:
إذا اتَّحد الجاني، واختلف حكمُ جراحاته، فكان بعضُها عمدًا وبعضُها خطأً، أو غيرَ مضمون، فلا قودَ عليه في النفس اتِّفاقًا؛ فإنْ جَرَحَ عمدًا وخطأً كان الخطأُ على العاقلة، والعمدُ في ماله.
وإن جرح عبدَه، ثم جرحه بعد العتق، أو جرح حربيًّا، أو مرتدًّا، ثم جرحه بعد الإسلام، أو قطع يد إنسانٍ قصاصًا، وجرحَه ظلمًا، أو جرح المسلم ذمِّيًّا، ثم جرحه بعد الإسلام، فلا قَوَد في النفس اتِّفاقًا.
3140 - فرع: إذا ضرب إنسانًا بسياطٍ يقتلُ مجموعُها غالبًا، لزمه القودُ اتِّفاقًا وإن كانت كلُّ ضربةٍ ليستْ بعمد محضٍ، ولو وقع ذلك من جماعةٍ، فضَرَبَه كلُّ واحدٍ ضربةً فأوجهٌ؛ ثالثها: إن تواطؤوا على ذلك وجب القَوَد، وإلا فلا، والأقيس: أنَّه لا يجب بحالٍ؛ فإنَّ كلَّ واحد كشريكٍ مخطئ، ولا يقال: إن ذلك يصيرُ ذريعةً، فإنَّ الذريعةَ ما ينتشرُ وقوعها ويعمُّ، فإن لم نُوجب القودَ وجب ضمانُ العمد.
3141 - فرع: إذا جرح جُرحًا، وجرح آخَرُ جُرحين، أو أشْلَى 1 الآخَرُ حيَّةً فنهشته،
وسبعًا فعضَّه، فالديةُ عليهما نصفين؛ إذ لا يُنظر في الشركة إلى كثرة الجراحات وقلَّتها.
ولو جرحه، فنهشته حيّةٌ، وعضَّه سَبُع؛ فإن كان ذلك خطأً من الحيوان فلا قَوَد على الجارح، وإن كان عمدًا، فالجارحُ شريكُ عامدٍ عند الأكثرين، وشريكُ مخطيء عند المحقِّقين، فإنْ آل الأمر إلى المال، فهل يجب نصفُ الدِّيَة، أو ثلُثها؟ فيه وجهان.
3142 -
فصل في تغيُّر حال المجروح بين الجرح والموت
إذا جرح إنسانًا، فتغيَّر حالُه، ثم مات بالسِّراية، فله أحوالٌ:
أحدها: أن يتغيَّر من الإهدار إلى الضمان، كما لو جرح مرتدًّا فأسلم، أو حربيًّا فأسلم أو استأمَنَ، فلا ضمان اتِّفاقًا، وعند العراقيين وجهان.
ولو جرحه قصاصًا، ثم عفا، أو جرح الحربيُّ مسلمًا أو ذمِّيًّا، ثم أسلم الجارحُ أو استأمَنَ، أو جرح عبدَه ثم أعتقه، لم يضمن عند المراوزة؛ نظرًا إلى حال الإهدار، ونصَّ الشافعيُّ على ذلك في العتق، وقال: لو جنى أحدُ الشريكين على الجارية المشتركة الحامِلِ، ثم أعتقها، وسَرَى عِتْقُه، فأجهضت، فعليه غُرَّةٌ كاملةٌ، ففرَّق بعضُهم: بأنَّا لم نتحقَّق اتصالَ الجناية بالجنين قبل العتق، فصار كمن رَمَى عبدًا، فعتق، فأصابه السهمُ بعد العتق.
ومنهم مَن جعل المسألتين على قولين نقلًا وتخريجًا:
أحدهما: يجب الغرَّةُ والدِّيةُ.
وأقيسهما: وجوبُ نصفِ الغرَّة، وألا يجبَ شيءٌ من الدية، فإن أوجبنا ضمانَ العبد والمرتدِّ والحربيِّ، فهو ديةٌ مخفَّفةٌ على العاقلة.
الثانية: أن يتغيَّر من الضمان إلى الإهدار، مثلَ أن يجرحَ مسلمًا فيرتدَّ، أو ذمِّيًّا فيحارب، فيجبُ ضمانُ الجرح دون دية النفس.
الثالثة: أن يتغيَّر من نقص الضمان إلى كماله، مثل أن يجرح ذمِّيًّا فيسلمَ، أو عبدَ غيره فيَعْتِقَ، فيجب تكميلُ الدية اتِّفاقًا؛ لأنَّ اعتبار الجرح المضمون في الزيادة والنقصان بالمآل، ولهذا لو قطع يد إنسان، أو يديه ورجليه، فسرى القطعُ إلى نفسه، وجبت ديةٌ واحدةٌ.
3143 -
فصل في تغيُّر حال المرميِّ بين الرمي والاصابة
إذا رمى إلى إنسان، فتغيَّر حالُه، ثم أصابه السهمُ فمات؛ فإن تغيَّر من الضمان إلى الإهدار مثل أن يرميَ مسلمًا فيرتدَّ، أو ذمِّيًّا فينقضَ العهد فلا ضمان؛ نظرًا إلى حال الإصابة، سواءٌ ذفَّفه الجرح، أو مات بسرايته على الإهدار.
وإن تغيَّر من الإهدار إلى الضمان مثل أن رمى حربيًّا أو مرتدًّا، فأسلم، فأصابه السهمُ ففيه أوجهٌ ثالثُها: يضمن المرتدَّ دون الحربيِّ؛ فإنَّ قَتْل المرتدِّ مخصوصٌ بالأئمَّة، ولا يجوز قتلُه بالرمي.
ولو رمى إلى عبد نفسه، فأعتقه، ثم أصابه السهم، أو إلى قاتل أبيه،
ثمّ عفا، فأصابه السهمُ، فوجهان.
ورتَّب الإمام الجانيَ على المرتدِّ، وعبدَ الرامي على الجاني، وجَعَلَ الجانيَ والعبدَ أولى بالضمان، فإنَّ العبد مضمونٌ بالكفَّارة، والجانيَ لا يُهدر إهدار المرتدِّ.
وإن تغيَّر من نقص الضمان إلى كماله مثل أن رمى إلى عبدِ غيره، فعتق، فأصابه السهم، أو إلى ذمّيٍّ، فأسلم، فأصابه السهمُ وجب في الذمِّيِّ ديةُ مسلمٍ، وفي العبد ديةُ الحرِّ اتِّفاقًا؛ فإنَّ الاعتبار بحال الإصابة، فأشبهَ ما لو رمى إلى حيٍّ فمات، أو إلى عبدٍ فنقصَتْ قيمتُه، فإنَّ الاعتبار بحال الإصابة.
3144 -
فرع:
إذا وقع في حال الإهدار سببٌ غير مهلكٍ، فلا عبرةَ به اتِّفاقًا، مثل إن حفر بئرَ عدوانٍ في مكانٍ فيه حربيٌّ، أو مرتدٌّ، أو عبدٌ للحافر، فعَتَقَ العبدُ، وأسلم الحربيُّ والمرتدُّ، ثم هلكوا بالبئر، فيجب الضمانُ اتِّفاقًا؛ اعتبارًا بحال التردِّي.
3145 - فرع:
قال الأئمَّة: إذا اقترن مُسْقِطُ القصاص بالرمي، أو الإصابة، أو تخلَّلهما، لم يجب القصاصُ، ولا تجب الديةُ على العاقلة، فإنَّ تحمُّلها على خلاف القياس، فيُحتاط له احتياطَ القصاص، فان كان الرامي مسلمًا عند الرمي، كافرًا عند الإصابة، أو بالعكس، أو كان مسلمًا عند الرمي والإصابة، كافرًا بينهما، فلا قصاص، والديةُ في ماله دون عاقلته من المسلمين والكفَّار.
ولو رمى الكافر سهمًا، ثم أسلم، فأصابَ إنسانًا، أو رمى المسلمُ
سهمًا، ثم ارتدَّ، فأصاب إنسانًا، فالديةُ عليه دون عاقلته المسلمين والكفَّار.
وإن كان مسلمًا عند الرمي والإصابة، كافرًا بينهما، فقولان:
أصحُّهما: أنَّ الدية عليه.
والثاني: على عاقلته المسلمين؛ نظرًا إلى الطرفين، ويجب طرد القولين في القصاص.
3146 -
فرع:
إذا جرح الذمِّيُّ إنسانًا خطأً ثم أسلم، فمات المجروحُ، فأرشُ الجرح على عاقلته الكفَّار، وبقيّةُ الدِّية عليه دون عاقلته المسلمين؛ لاستناد السِّراية إلى الجرح الواقعِ في الكفر.
ولو قطع إصبعَه خطأً، فسرت إلى كفِّه، فأسلم، فسرت إلى نفسه، فنصفُ الدِّيَة عليه، ونصفُها على عاقلته الكفَّار.
ولو قطع إصبعًا في الكفر، وإصبعًا في الإسلام، فعلى عاقلته المسلمين نصفُ الدية، وعلى عاقلته الكفَّارِ أرشُ إصبعٍ، وعليه ما بينهما.
3147 -
فصل فيمن جرح مسلمًا فارتدَّ ومات
إذا جرح مسلمًا، فارتدَّ، فسرى إلى نفسه، فله حالان:
إحداهما: أن يسلم، ثم يموت، فلا قودَ في النفس على النصِّ.
ولو جرح ذِمِّيٌّ ذمِّيًّا، فحارب المجروحُ، ثم التزم الذمَّةَ، فسرى إلى نفسه، وجب القودُ في النفس.
وفي النصَّين ثلاثُ طرق:
إحداهنَّ: في المسلمين قولان نقلًا وتخريجًا؛ أقيسهما: أنَّه لا يجب؛ لاقتران المهدِرِ ببعض أجزاء السبب.
والثانية: تنزيلُ النصَّين على طول الزمان وقصره، فإنْ قَصُرَ بحيث لا يَظهَرُ للسراية وقع محسوسٌ وجب القودُ، وإن طال الزمانُ مع السريان لم يجب.
الثالثة، وهي طريقة المحصِّلين: إن طال الزمانُ لم يجب القودُ، وإن قَصُرَ فقولان، فإن أوجبنا القصاصَ وجبت الدِّية، وإنْ لم نُوجبه؛ فإن طال الزمانُ: فهل تجب الديةُ، أو نصفُها، أو ثُلثُها؟ فيه ثلاثةُ مذاهب، والمنصوصُ أوَّلها، وإن قصر فقد قيل: تجب الدِّيةُ اتِّفاقًا، وقيل: على المذاهب الثلاثة، فإنّ غَوْرَ السراية لا يَظْهَرُ للحسِّ.
الثانية: أن يموت كافرًا، فلا قصاصَ في النفس، وفي الطرف قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لعدم الوارث الخاصِّ.
والثاني: يجب للإمام؛ بناء على أنَّه يقتصُّ لمَن لا وارث له؛ فإنَّ الإرث مضافٌ إلى جهة الإسلام دون الأشخاص، ولذلك يجوزُ صرفُ بَدَلهِ إلى مَن يولدُ بعد القتل.
وقيل: يَثْبتُ لوليِّه الخاصِّ؛ لأنَّ غرضه التشفِّي.
فإنْ لم نوجب القصاصَ وجب الأرشُ على الأصحِّ، وأَبْعدَ مَن قال: لا يجب؛ لاندراجه في نفسٍ مهدَرة، وإذا وجب الأرشُ فهو لأهل الفيء.
فإن زاد على الدية بأنْ قطع يديه ورجليه، فمات، فالواجبُ ديةٌ واحدةٌ على الأصح، وقيل: ديتان؛ لتعذُّر الإدراج بالإهدار، فيُشْبِهُ ما لو انْدَملتِ، أو قتل لردَّته (1)، أو مات بعد الجرح.
3148 -
فرع:
إذا قطع يدي نصرانيٍّ تمجَّس، وسرى إلى نفسه، فإن قلنا: لا يُقرُّ على التمجُّس، كان كمن جَرَحَ مسلمًا فارتدَّ ومات بالجرح، وإن قلنا: يُقرُّ، ففيه ديةُ مجوسيٍّ نظرًا إلى المآل.
3149 -
فصل فيمن جرح عبدًا، فعتق ثم مات بالسراية
إذا جرح عبدًا قيمتُه أقلُّ من دية الحرِّ أو أكثر بأضعافٍ، فعتق، فسرى الجرحُ إلى نفسه، ففيه ديةُ حرٍّ اعتبارًا بالمآل، إذ لا خلافَ أنَّ مَن قطع أطرافًا فيها دياتٌ فسرتْ، وجبت ديةٌ واحدةٌ.
ثم للجاني على العبد إذا مات بالسراية بعد العتق أحوالٌ:
الأولى: أن يقطع يدَه، فيعتَق ويموت، ففيما يستحقُّه السيدُ من ديته قولان:
أحدهما: الأقلُّ من كلِّ الدية أو نصفِ القيمة، ويعبَّر عن هذا القولِ في جميع الصُّور بأنه: الأقلُّ مما لزم الجانيَ بالجناية على المِلْكِ بتقديرِ الاندمال، أو ممَّا لزمه بسبب الجناية على المِلْكِ.1
والثاني وهو مخرَّجٌ: أنه يستحقُّ الأقلَّ من كلِّ الدية أو كلِّ القيمة، ويعبَّر عنه بأنه: الأقلُّ مما لزمه بالجناية على المِلْكِ، أو مثل نسبته من القيمة.
الثانية: أن يَقْطَعَ يدَه، فيعتِقَ، ثم يقطَعَ آخرُ يَدَه الأخرى، ويقطعَ آخَرُ رجلَه، فعلى كلِّ واحدٍ ثلثُ الدية، وفيما يستحقُّه السيدُ منهما قولان منصوصان:
أحدهما: الأقلُّ من نصف الديةِ أو ثلثِ القيمة.
والثاني: الأقلُّ من ثلثِ الدية أو ثلثِ القيمة، فإنه مثلُ نسبته، وهذا القولُ مخرَّجٌ في بقية الصور.
الثالثة: أن يقطع يدَه، فيعتق، فيقطعَ يدَه الأخرى، ويقطعَ آخَرُ رجلَه، ويقطعَ آخَرُ رجله الأخرى، فعلى كلِّ واحدٍ ثلثُ الدية، وفيما يستحقُّه السيدُ قولان:
أحدهما: الأقلُّ من سُدُسِ الدية، أو نصفِ القيمة.
والثاني: الأقلُّ من سُدُسِ الدية أو سُدُسِ القيمة.
الرابعة: أن يُوْضِحَه، فيجرحَه آخَرُ بعد العتق، فعلى كلِّ واحدٍ نصفُ الدية، وفيما يستحقُّه السيدُ قولان:
أحدهما: الأقلُّ من نصف عشرِ القيمة أو نصفِ الدية.
والثماني: الأقلُّ من نصف القيمة أو نصفِ الدية.
الخامسة: أن يُوْضِحَه، فيعتق، فيجرحه، ثم يجرحه آخَرُ، فعلى كلِّ واحدٍ نصفُ الدية، وفيما يستحقه السيد قولان:
أحدهما: الأقلُّ من نصف عشر القيمة أو ربع الدية.
والثاني: الأقل من ربع القيمة أو ربع الدية.
3150 -
فرع:
إذا جرح عبدًا قيمتُه عشرون بعيرًا، ثم جرحه تسعةُ أنفسٍ بعد العتق، فعلى كلِّ واحدٍ عشرٌ من الإبل، وللسيد بعيرٌ على قولٍ؛ لأنه أقلُّ من عُشر الدية، وبعيران على آخَرَ؛ لأنهما عُشْرُ القيمة، وهما أقلُّ من عُشْرِ الدية.
3151 - فرع:
إذا كانت قيمتُه مئةً من الإبل، صُرفت إلى السيد اتِّفاقًا، وليس له طلبُ النقد الغالبِ اعتبارًا بالمآل في جنس الواجب كما تعيَّن في قَدْرِه، وهل له طلب الإبل؟ فيه وجهان منقدحان للإمام:
أحدهما: نعم؛ لأنَّ الفائت نصف حر.
والثاني: يتخيَّر الجاني بين الإبل والنقدِ الغالبِ، فأيَّهما دَفَعَ أُجبر السيد عليه.
3152 -
فصل في الإكراه وما يباح به وما لا يباح
ولا يباح الزنا والقتلُ بالإكراه، ويباح به التلُّفظُ بكلمة الكفر، ولا يجب على الأصحِّ، ويجب به شربُ الخمر، كما يجب إساغةُ اللقمة بها، وكما يجب على المضطرِّ أكلُ الميتة، وإن اضطرَّ إلى أكل مالِ الغير، وأُكره على إتلافه، وخاف على نفسه، لزمه أكلُه وإتلافُه.
ولا يجوز التداوي بالخمر على المذهب؛ إذ لا يُوثق بشفائها، بخلاف
إساغة اللقمة بها.
3153 -
فصل في الإكراه على القتل
إذا أَكره رجلًا على القتل وجب القودُ على المُكْرِه، وفي المُكْرَه قولان.
فإن أوجبناه فآل الأمر إلى المال، فهما شريكان على كلِّ واحدٍ منهما الكفارةُ ونصفُ الدية، وإن لم نُوجبه: فهل يَلْزَمُ المكرَه نصفُ الدية؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: يلزمه، وجبت الكفارةُ وحَرُمَ الإرثُ، وفي ضربه على العاقلة تردُّدٌ للإمام.
وإن قلنا: لا يلزمه، ففي الكفارة وجهان، فإن قلنا: تجب، حَرُمَ الإرثُ، وإن قلنا: لا تجب، ففي الحرمان وجهان.
3154 -
فرع:
إذا أَكره الأجنبيُّ الأبَ على قتل الولد، أو أَكره العبدُ حرًّا على قتل عبدٍ، أو أَكره الذميُّ مسلمًا على قتل ذميٍّ، فالقودُ على الأجنبيِّ والعبدِ والذميِّ دون الأبِ والحرِّ والمسلمِ.
وإن أَكره الأب أجنبيًّا على قتل الولد، أو المسلمُ ذميًّا على قتل ذميٍّ، فلا قودَ على الأب والمسلم، وفي الأجنبيِّ والذميِّ قولان.
3155 - فرع: إذا قال: اقتلني وإلا قتلتُك، فقد أَذِنَ له في قتل نفسه، ومَن أذن في قتلِ نفسه ففي وجوب ديته خلافٌ مبنيٌّ على أنَّ الدية تثبتُ له ثم تُورث عنه، أو تثبتُ ابتداءً للورثة، فإن قلنا: تثبت للورثة، فلا قصاص على الأصحِّ؛ للشبهة.
وفيه قولٌ مخرجٌ، إذ لا أثر للعفو عن حقِّ الغير.
3156 -
فرع:
إذا قال: اقتل نفسك وإلا قتلتُك، فقتل نفسَه، فهو مختارٌ، إذ المُكْرَهُ مَن يتخلَّص بما أُكْرِهَ به ممَّا أُكره عليه.
ولو أَكْرهَ رجلًا على أن يُكره آخَرَ على قتلِ ثالثٍ، وجب القودُ على الأول، وفي الثاني والثالث القولان.
وإن أكره على إتلافِ مالٍ، فقرارُ الضمان على المكرِه، وفي مطالبة المكرَه وجهان.
3157 -
فصل في إكراه الصبيان
إذا أكره البالغُ صبيًّا مميِّزًا على القتل، فإن أوجبنا القصاص على المكرَه، ففي وجوبه هاهنا على المكرِه قولان مأخوذان من القولين في عَمْدِ الصبيان، فإن جُعِلَ عمدًا وجب القصاصُ على المكرِه، وكانت الديةُ عليهما نصفين، وإن جُعل خطأً فلا قصاصَ على المكرِه.
وإن قلنا: لا يجب القصاصُ على المكرَه، فإن جُعل عمدُ الصبيِّ عمدًا وجب القصاصُ على المكرِه، وإن جُعل خطأً فوجهان مأخذُهما: أنَّ فعل المكرَه بصفته فعلٌ يُنقل إلى المكرِه، أو يُجْعَلُ المكرِهُ كالمباشِرِ ولا يُنظر إلى فعلِ المكرَه، فيه خلافٌ يخرَّج عليه ما لو أكره إنسانًا على الرمي إلى ما يظنه الرامي صيدًا والمكرِه يعلمُ أنه إنسانٌ، ففي وجوب القصاص على المكرِه الوجهان.
وإن أَكره الصبيُّ رجلًا على القتل وقلنا: يجب القصاص على المكرَه، فإن جُعل عمدُ الصبيِّ عمدًا وجب القصاصُ، وإلا فلا.
3158 -
فصل في أمر السلطان
إذا أمر السلطانُ بقتل رجلٍ ظلمًا، فللمأمورِ أحوال:
إحداهن: أن يجهل ظلمَه، فلا قصاصَ عليه اتِّفاقًا وإن كان متمكِّنًا من الامتناع.
الثانية: أن يعلم أنه ظالمٌ، ففي تنزيل أمره منزلةَ الإكراه وجهان خصَّهما الإمامُ بمن أُلِفَ من عادته السطوةُ عند المخالفة، فهل يتنزَّل ذلك منزلةَ التصريح بالإكراه؟ فيه الخلافُ، وقال: فإن لم يُعرف ذلك من عادته فليس بإكراه.
الثالثة: أن يعتقد المأمور أنه ظالمٌ، ففي تنزيل أمره منزلةَ الإكراه عند بعض الأصحاب الوجهان، فإنَّ ظنَّه قد يُخْلَفُ، والظاهرُ أن السلطان لا يأمر إلا بحق.
3159 -
فصل في أمر من لا يميز بالقتل
إذا كان طبعُ المجنون أو الصبيِّ والعبدِ اللَّذَيْنِ لا يميِّزان أنهم إذا أُمروا بشيءٍ فعلوه لا محالةَ، فاُمروا بقتلٍ، فعلى الآمِرِ القودُ والضمانُ، وهل يتعلق الضمانُ برقبة العبد ومالِ الصبيِّ والمجنونِ؟ فيه وجهان يجريان فيما لو أتلفوا شيئًا بغيرِ إغراءٍ، فإنهم بمثابة الحيوان المُغْرَى، ومَن أغرى حيوانًا
بالقتل لم يتعلَّق الضمانُ برقبة الحيوان، فإنْ علَّقنا الضمان برقبة العبد ففضَلَ شيءٌ فهو على السيد إنْ أَمَرَ بذلك، وإن أمر به أجنبيٌّ وجب عليه التخليصُ، فإنَّ المأمور هاهنا بمثابة الآلة للآمر.
وإن كان الصبيُّ أو العبد مميِّزينِ لا يستشليان استشلاءَ السباع، فأمرهما بقتلٍ، فلا ضمان على الآمر، فإنْ أكرههما وجبَ عليه القودُ وتعلَّق الضمانُ بالعبد.
وقال الإمام: إن جعلنا المكرَه شريكًا في الضمان تعلَّق هاهنا بالرقبة، وإن لم نجعله شريكًا، ففيه الوجهان، فإنه بسقوط الاختيار صار كمن لا يميِّز.
3160 -
قاعدة:
للمتسبِّب مع المباشِرِ أحوالٌ:
إحداهنَّ: أن يُلْجِئَه إلى المباشَرة كالمكرِه والشاهِدِ، فعلى المتسبِّب القودُ والضمانُ.
الثانية: أن لا يَحْمِلَه على المباشرة كالممسِكِ مع القاتل، فلا قود على المتسبِّب ولا ضمان.
الثالثة: أن يَحْمِلَه على المباشرة بالتغرير، كما لو ضيَّفه بطعامٍ مسمومٍ، أو غطَّى بئرًا في داره ودعا إليها مَن يغلبُ على الظنِّ أنه لا يجدُ محيصًا عنها، ففي القود قولان.
3161 -
فرع:
إذا أمسك عبدًا فقتله آخَرُ، أو أمسك المُحِرْمُ صيدًا فقتله مُحْرِمٌ آخَرُ، طولب كلُّ واحدٍ منهما، والقرارُ على القاتل، وأَبعد مَن جعل ممسكَ
الصيد شريكًا في الإتلاف.
3162 -
فرع:
لا قصاصَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ، وفي السكران خلافٌ تقدَّم في الطلاق.
3163 -
فصل في الجناية على الخنثى
إذا قطع رجلٌ ذَكَر خُنثى وأُنثييه وشُفْرَيْه، فللخُنثى أحوال:
أحدها: أن يُتوقَّفَ إلى أن يتَّضحَ حالُه بالحيضِ أو الإمناء، فإن بانت ذكورتُه اقْتَصَّ في الذَّكَر والأُنثيين، وأَخَذَ حكومةَ الشفرين، وإن بانت أنوثتُه، أَخَذَ ديةَ الشُّفرين وحكومةَ الذَّكَرِ والأنثيين.
الثانية: أن يعفوَ عن القصاص ويطلبَ المال، فيأخذ ديةَ الشُّفْرين بتقدير الأُنوثة وحكومةَ الذَّكَرِ والأُنثيين، وأَبعد مَن قال: يأخذُ حكومةَ الجميع، وهذا لا يصحُّ إلا أن يقطع رجلٌ ذَكَره وأُنثييه، ويقطعَ الآخَرُ شُفْريه، فيؤخَذُ من كلِّ واحدٍ منهما حكومةٌ لأنَّها متيقَّنة.
الثالثة: أن يقفَ عن القصاص ويطلبَ حقَّه من المال، فقد قيل: لا يُدفع إليه شيءٌ؛ لأنَّا لا ندري عمَّاذا يأخذُه، وهذا لا أصل له.
وقيل: يأخذُ الأقلَّ من ديةِ الشُّفرين بتقدير الذُّكورة، أو حكومة الذَّكر والأنثيين بتقدير الأُنوثة.
وهذا بعيدٌ أيضًا.
والأصح: أنه لا يأخذ شيئًا عمَّا يُمْكِنُ جريانُ القصاص فيه، فإن كان
الجاني امرأةً، أخذ حكومةَ الذَّكرِ والأنثيين دون ديةِ الشُّفرين؛ لإمكان القصاصِ فيهما، وإن كان الجاني رجلًا، أَخَذَ حكومةَ الشُّفرين بتقدير الذُّكورة وإن بلغت تسعين بعيرًا، ولا يأخذ حكومةَ الذَّكر والأنثيين؛ لتوقُّع القصاص فيهما.
قال الإمام: وتحقيقُ هذا: أنه يأخُذُ الأقلَّ من حكومة الشُّفرين بتقدير الذكورة، أو حكومةِ الذَّكر والأنثيين مع دية الشفرين؛ لأنَّه متيقَّنٌ، وعلى هذا: لو قطع رجلٌ ذَكَره وأُنثييه وقطعتِ امرأةٌ شُفْريه، لم يأخذ في الحال شيئًا؛ لتوقُّع القصاص في الجميع، وإن قطع رجلٌ شُفْريه وامرأةٌ ذَكَره وأُنثييه، فعلى كلِّ واحدٍ حكومةُ جنايته، وإن قطع خُنثى ذَكَرَه وأُنثييه وشُفريه، فلا شيء له في الحال؛ لتوقُّع القصاص في الأصليِّ بالأصليِّ والزائدِ بالزائدِ، ومَن أوجبَ أقلَّ الحكومتين فهو غالطٌ عند تَساوي الأعضاء.
3164 -
فرع:
إذا رُوجع الخُنثى عند عدم العلامات، فأَخبر أنه رجلٌ، ثم جنى عليه رجلٌ بعد ذلك، وجب القصاصُ في الذَّكر والأُنثيين، ولو تقدَّمت الجنايةُ ثم أَخبر، لم يُقبل على أصحِّ القولين، وقطع الإمام بردِّ خبره في كلِّ حقٍّ لولا الإخبارُ لما ثبت، سواءٌ كان الحقُّ مالًا أو غيرَه، بخلافِ الخبرِ قبل الجناية.
3165 -
باب الخيار في القصاص
لا خلاف أنَّ الوليَّ مخيَّرٌ بين الدِّية والقصاص، وأيَّهما اختار ثبتَ وإن كره الجاني، ومهما فاتَ محلُّ القصاصِ تعيَّن المالُ، وهل الواجبُ القودُ، أو أحدُ الأمرين من الدِّية والقودِ؟ فيه قولان.
فإن أوجبنا أحدَهما فعفَا، فله أحوال:
الأولى: أن يعفوَ عنهما فيسقطان.
الثانية: أن يعفو عن القصاص مطلقًا، فيسقطُ وتجبُ الدية.
الثالثة: أن يصير بمثابة قولنا: الواجبُ القودُ، فإن عفا على مالٍ ثبت وإن أطلق فقولان.
3166 -
فرع:
إذا قال: عفوتُ على أنْ لا مالَ، ففي سقوطِ القود والمال وجهان، وإن قال: اخترتُ الديةَ، تعيَّنتْ وسقطَ القودُ، وإن قال: اخترتُ القودَ، وقلنا: لا يَلْغا عفوُه عن المال، فهل له الرجوعُ إلى الدية؟ فيه وجهان، وإن قلنا: الواجب القودُ، فعفا عنه على مالٍ ثبت، وإن عفا مطلقًا [سقط] 1 القودُ، وفي المال قولان.
3167 -
فرع:
إذا قال: عفوتُ عنكَ، فإن قلنا: الواجبُ القودُ، سقط اتِّفاقًا، وفي المال قولان، وإن قلنا: الواجبُ أحدُهما، ففي سقوط القصاص وجهان، فإن قلنا: يسقط، فزعم أنه قصد العفوَ عن الدية، لم يُقبل، وإن قلنا: لا يسقط، رُجع إلى نيته، فإن قال: نويتُ العفو عن الدية، قُبل، ثم يخرَّج على الخلاف في العفو عن المال، فإن قال: لم تكن لي نيةٌ، ففي سقوط القصاص وجهان، وإن قلنا: لا يسقط وبه قطع أبو علي قيل له: انوِ الآن أيَّهما شئتَ، فإن نوى العفوَ عن الدية وقلنا بإلغائه، فلا أثرَ لذلك.
3168 -
فصل في عفو المحجور عليه
للمحجور عليه حالان:
إحداهما: أن يكون مسلوبَ العبارة، فلا حكم لعفوه.
الثانية: أن يكون صحيحَ العبارة، وله حالان:
إحداهما: أن يُحجر عليه لحقِّ الغير كالمفلس، فإن قلنا: الواجبُ أحدُ الأمرين، لم يصحَّ عفوُه عن المال، فيتخيَّر، وله الخيارُ بين العفو والقودِ، ولا يلزمُه تعجيلُ واحدٍ منهما، فإنْ عفا عن القصاص صُرف المالُ إلى الغرماء، وإن قلنا: الواجب القودُ، فعفا على مالٍ ثَبتَ، وإن عفا مطلقًا فقولان، فإنَّ ما لا يوجِبُ المالَ من المُطْلَق 1 لا يوجِبُه من المحجور عليه، وإنْ عفا على
أنْ لا مالَ، فإن لم نُوجبِ المالَ بالعفو المطلقِ لم يجب هاهنا، وإن أوجبناه ثَمَّ، فإن كان العافي مُطْلَقًا لم يَجِبْ، وإن كان محجورًا عليه فوجهان يعبَّر عنهما بأنه إسقاطٌ للمال ودفعٌ لوجوبه، ووجهُ الإيجاب: أنه لو أطلق لوجَبَ، فإذا نفاه كان مُسْقِطًا لِمَا له حكمُ الواجب، ووجه قولنا: لا يجب، أنَّا لو كلَّفناه إطلاقَ العفو لكان ذلك تكليفًا للكسب، ولا خلافَ أنه لا يُلْزَمُ قبولَ الهبات.
وحكمُ المريضِ فيما زاد على الثلث، والورثةِ إذا أحاط الدَّينُ بالتركة، كحكم المفلس في العفو.
الثاني: أن يُحجر عليه نظرًا له كالمبذِّر، ففيه طريقان:
إحداهما: أنه كالمفلس، وأصحُّهما: القطعُ ببطلان عفوِه عن المال بكلِّ حالٍ، فإنه لو وصِّي له بمال أو وُهِبَ منه شيءٌ فردَّه، بطل ردُّه اتِّفاقًا، ويقبلُه الوليُّ، وفي نفوذ الردِّ احتمالٌ للإمام.
3169 -
فصل في ميراث الدية والقصاص
القودُ والديةُ موروثان لكلِّ مَن يرثُ المالَ، فلا يجوزُ استيفاءُ القود إلا برضا الجميع، فإن كان فيهم مجنونٌ أو صبيٌّ أو غائبٌ لم يُستوفَ حتى يَحْضُرَ الغائبُ ويبلغَ الصبيُّ ويفيقَ المجنونُ، وليس لوليِّ الصبيِّ والمجنونِ عفوٌ ولا قصاصٌ، فيُحبس الجاني حتى يَحْضُرَ الغائبُ ويَبلُغَ الصبيُّ ويفيقَ المجنونُ، وإن طال حبسه إلى الممات.
3170 -
فرع:
إذا ثبت القصاصُ لصبيٍّ أو مجنونٍ، فاستوفياه بغيرِ إذنِ الجاني، ففي
وقوعه المَوْقِعَ وجهان، فإنهما ليسا من أهل القبض، فإن قلنا: لا يقع، فلهما الديةُ في ماله، وديةٌ عليهما إن جعلناهما عامِدَيْنِ، وإن جعلناهما مخطئين، فالديةُ على عاقلتيهما، وإنْ وقع ذلك برضا الجاني، مثلَ أن أخرج يده ومكَّنهما من قطعها، لم يَقع الموقعَ اتِّفاقًا، ولا ضمان عليهما، والديةُ عليه؛ لفواتِ محلِّ القصاص.
3171 -
باب القصاص بالسيف وغيره
ليس للوليِّ أن يقتصَّ ما لم يَرْفَعِ الأمرَ إلى الوالي، فإن اقتصَّ قبل الرَّفع عزِّر وحصل القصاصُ، فإن طلبه من الوالي، فإن كان امرأةً أو عاجزًا عنه لم يفوَّض إليه، وإن كان قادرًا، فإن كان في النفس فوَّضَه إليه، وإن كان في الطَّرف فوجهان.
وليس له تفويضُ حدِّ القذف إلى المقذوفِ عند الأئمة؛ لتفاوت الجلدات.
وإن فوَّض الأولياءُ القصاصَ إلى أحدهم جاز، وإن تشاجروا قُرع بينهم، وتُراجعُ المرأةُ والضعيفُ في ذلك، وفي إدخالهما في القرعة وجهان، فإن قلنا: يدخلان، فخرجتِ القرعةُ لهما، فوَّضاه إلى مَن يريانِهِ من الأجانب أو الأولياء، ومهما خرجت القرعةُ لأحدهم: فهل له القصاصُ بغير رضا الباقين؟ فيه وجهان.
وقال الإمام: إنْ مَنَعوه لم يَقتصَّ، وإن أظهروا قَصْدَ القصاص وتنازَعوا في المباشرة، فخرجت القرعةُ لأحدهم، ففيه الوجهان.
وينبغي أن يقتصَّ بأحدِّ سيفٍ وأسرع ضربةٍ؛ لقوله عليه السلام: "فإذا قتلتُم فأَحْسِنوا القِتْلةَ" 1 ويتفقَّدُ الوالي الآلة، فإن كانت مسمومةً، فإن كان
القصاصُ في الطرف مَنَعَ منها، وإن كان في النفس، فإن كان السمُّ يفتِّته قبل الدفن مَنَعَ منها، وفيما يفتِّتُ بعد الدفن وجهان.
3172 -
فرع:
إذا قصد الوليُّ ضرب العنق فأصابَ غيرَه، فإن ظهر تعمُّدُه بأن ضرب الفخِذَ أو الساقَ عزِّر، وفي عزله وجهان خصَّهما الإمامُ بمَن لم يتكرر ذلك منه، وقال: إنْ تكرَّر عُزِلَ اتِّفاقًا، ووجْهُ قولنا: لا يُعزل أنَّ ظُلْمَهُ لا يَصْلُحُ لإبطال حقه، ولو جَرَحَ [الجانيَ] قبل أن يصل إلى الوالي فيَبْعُد منعُه (1) من الاستيفاء.
وإن ظهر خطؤه بأنْ وقع السيفُ بالكتف أو القَمَحْدُوة (2) لم يعزَّرْ، ولا يُعْزَلُ إن قلنا: يُعزلُ العامدُ، وإن قلنا: لا يعزل العامدُ، عُزِلَ وخصَّ الإمامُ الخلاف بمَن لا يُعرف حذقُه ولا خَرَقُه، وقال بصرف من عرف خرقه دون من عرف حذقه.
3173 -
فصل فيمن وكل في القصاص ثم عفا
إذا وكَّل مَن يستوفي القصاصَ بحضوره جاز اتفاقًا، فإن تنحَّى به 312
قليلًا بحيث يكونُ بمرأًى من الموكِّل ومسمعٍ، فعفا، فلم يسمع الوكيلُ العفوَ وقَتَلَ الجانيَ، فإن وقع القتلُ قبل العفو لم يصحَّ العفو، وإن شككنا: هل وقع قبل العفو أو بعده؟ حصل القصاصُ اتِّفاقًا، وإن وقع القتلُ بعد العفو لم يقتصَّ من الوكيل.
فإن ادَّعى عليه العلمَ بالعفو، حلف على نفي العلم به، وفي وجوب الدية على الوكيل قولان بناهما بعضُهم على القولين في انعزال الوكيل قبل بلوغ الخبر بالعزل، وقال: إن قلنا: لا ينعزل، وقع القتلُ قصاصًا.
وبناهما آخرون على القولين فيمن تعمَّد قتل رجل في صفِّ الكفار فظهر أنه مسلمٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما معذورٌ عامدٌ، وهذه الطريقةُ أمثلُ، فإنَّ تصرُّفَ الموكِّل يتضمَّنُ عزل الوكيل؛ كما لو وكلَّه في بيع عبدٍ، ثم باعه الموكِّل أو أعتقه، فالعفوُ هاهنا بمثابة الإعتاق.
ويمكن أيضًا أن يفرَّق بين الوكيل والرامي إلى صف الكفار: بأنَّ الوكيل مقصِّرٌ بتنحِّيه عن الموكِّل بخلافِ الرامي إلى الكفار.
فإنْ أوجبنا الديةَ فهي مغلَّظةٌ كشِبْهِ العمد، وهي على الوكيل أو على عاقلته؟ فيه قولان يجريان في كلِّ عمدٍ في شخصٍ معيَّنٍ يظنُّ القاتل فيه الاستحقاقَ.
فإنْ جُعلت على الوكيل فهي حالَّةٌ أو مؤجَّلة؟ فيه وجهان، فإن أوجبناها عليه أو على العاقلة فغرمت، ففي الرجوع بها على الموكِّل طريقان:
إحداهما: التخريجُ على الخلاف في تقديم الطعام المغصوب.
والثانية: القطعُ بنفي الرجوع، فإنَّ الموكِّل مُحْسنٌ بالعفو غيرُ مغرِّر.
فإن قلنا بالرجوع بالدية فلا رجوعَ بالكفارة على الأصحِّ.
3174 -
فرع:
إن أوجبنا الديةَ وجبت الكفارةُ، وإن لم نوجب الديةَ ففي الكفارة وجهان:
ظاهرُ النصِّ: أنها لا تجبُ.
والوجهُ: القطعُ بالإيجاب، وهو مذهبُ المزنيِّ وطوائفَ من الأصحاب، إذ لا يتَّجه إسقاطُها إلا إذا جُعل القتلُ قصاصًا.
ويمكن التخريجُ على أصلٍ آخَرَ، وهو: أنَّ مَن عفا عن النفس بعد الجَرْحِ، فسرى جُرحُه، بطل عفوُه وكانت السرايةُ قصاصًا، ولو عفا بين الرمي والإصابة، ففي حصول القصاص وجهان يُمْكِنُ إجراؤهما هاهنا إذا فُرِضَ عفوُه والسيفُ هاوٍ إلى الجاني بحيث يَعْسُرُ استدراكه.
3175 - فرع:
إذا أوجبنا الديةَ على الوكيل فدمُ المجنيِّ عليه في تركة الجاني، وإن لم نوجب الدية على الوكيل سقطت ديةُ المجنيِّ عليه عند الأصحاب، إذ يَبْعُدُ إيجابُها على الجاني مع إهدار ديته.
وقال الإمام: إن جعلنا قتلَ الوكيل قصاصًا فلا ديةَ على الجاني، وإن لم نجعله قصاصًا، فالوجهُ القطعُ بوجوب الدية عليه، وتُهدر ديته 1 حتى كأنه