الغاية في اختصار النهايةصفحات 46-49

1623 -

فصل في إِثبات الإعسار

إِذا أقام بيِّنة على الإِعسار سُمعت في الحال، ولا يجوز حبسه بعد ذلك، وقال أبو حنيفة: لا تُسمع البيِّنة حتى يمضي شهران، أو أربعون يومًا، أو خمسون، أو أربعة أشهر، على رواياتٍ اختلفت عنه.
ولا تثبت العسرة إِلّا بِعَدلين خبيرين بباطن الحال، كما في التزكية وحصرِ الورثة والأملاك المطلقة، وأبعدَ مَن شرط ثلاثة، ولعلَّه أراد الاستظهار بثالث.
فإِنْ عرف الحاكم خِبرَةَ الشاهد، أو ذكر الشاهد أنَّه من أهل الخبرة كفى ذلك.
قال الشافعيُّ: ويُحلَّف المشهود له بعد ذلك.
وفي وقوف هذا التحليف على طلب الخصم وجهان، فإِن قلنا: لا يقف، تحتِّم على الحاكم إِلا أنَّ يسقطه الخصم.
قال الأصحاب: إِذا أطلق الشهادة بالإِعسار فعلى الحاكم التوقُّف، دياِن أطلق الشهادة بالملك قُبِلت من غير بحث عن أسباب التحمُّل؛ لأنَّ أسباب الملك ظاهرة، فلا يُظنُّ بالشاهد إِلا التثبُّت فيها، بخلاف العسرة والعدالة وحصر الورثة، فإِنَّها نفيٌ محقَّق.
ولا يجوز للشاهد أن يشهد بالإِعسار بناءً على ظاهر الحال، بل يبحث عن بواطن الأحوال، والبحث في كلِّ باب على ما يليق به.
وكل شهادة كان مدركها يقينًا، فإِذا علمه الحاكم ففي حكمه بذلك خلاف، ولو انتهى فيما لا يعلمه إِلى حدٍّ يُجوِّز له الشهادة كالأصول

المذكورة، لم يحلَّ له القضاء وإِن جازت الشهادة.

1624 -

فصل في دعوى الإعسار

إِذا ادَّعى العسرة ولا بيِّنة؛ فإِن عُرف له يسار سابق لم يُطلَق حتى يقيم البيِّنة بالاِعسار، وإِن لم يُعرف له يسار ففي قبول قوله ثلاثة أوجه: في الثالث: إِن وجب الدين باختياره -كالصَّدَاق والضمان- لم يُقبَل قوله، وإِن وجب بغير اختياره قُبِل.
وفيه وجه رابع: أنَّ القول قوله ما لم يكن الدين عوضًا عن مال، وهذا لا يصحُّ؛ لاتِّفاقهم على أنَّه لو ثبت له مال لم يُقبَل قوله في الإِعسار، ولو حُمِل هذا الوجه على من لم يقرَّ بقبض العوض لاتَّجه، ولكنَّه بعيد؛ إِذ الغالبُ قَبْض الأعواض.
فإن قبلنا قوله فالظاهر أنَّه يحلف على الفور، ويُطلق، وقال الإِمام: يؤخَّر تحليفه حتى يُبحث عن بواطن أحواله على حسب الإِمكان، كما ذكره أبو حنيفة في سماع البيِّنة.

1625 -

فرع للإمام:

إِذا كان المَدِين غريبًا لا يتمكَّن من إِثبات الإِعسار فليوكَّل به من يبالغ في البحث عن مولده ومنشئه ومُنْقَلَبه، ثم يجوز للباحث أن يشهد بعسرته.

1626 - فرع: إِذا ثبتت العسرة بالبيِّنة، فأقام الخصم بيِّنةً أنَّه كان في يده مال، فأقرَّ المعسر أنَّه عنده وديعةٌ لزيد، فإن كان زيد حاضرًا قُبِل قول المفلس بغير

يمين، وإِن كان غائبًا حلف، ومتى ثبت الإِعسار وجب الإِطلاق؛ إِذ لا حَبْسَ على معسر، ولا يجوز التعرُّضُ له إِلى اليسار.

1627 -

فصل فيما يرفع حَجْر الفَلَس

إِذا فُضَّ المال على الغرماء، فهل يرتفع الحجر بذلك، أو يتوقَّف على الحكم؟ فيه وجهان.
ولو قال الغرماء: رفعنا الحجر، ففي ارتفاعه من غير حكم وجهان، فإِن لم يكن إِلا غريم واحد، فباعه المال بالدين، ففي ارتفاع الحجر وصحَّة البيع الوجهان، وإِن باعه من أجنبيٍّ بإِذن الغريم، أو باعه من الغريم بغير الدين، لم يصحَّ البيع على ما ذكره أبو عليٍّ، ولا يُساعَد عليه؛ لما فيه من الاحتمال الظاهر.

1628 -

فصل في سفر المَدِين

إِذا همَّ الموسر بالسفر، فإِن كان الدين حالًّا فلخصمه تعويقُه عن السفر بالرفع إِلى الحاكم والتشبُّث به إِلى وفاء الدين، وليس له منعه من عين السفر، كما يمنع الزوجُ الزوجةَ، وإِن كان مؤجَّلًا لم يكن له تعويقُه؛ إِذ لا حقَّ له في التشبُّث به، وأبعدَ مَنْ منعه من سفر الغزو، فإِن ساوقه في السفر ليطالبه عند الحلول، لم يُمنع من ذلك إِذا كان لا يؤذيه إيذاءَ المُراقب، وإِن قال: لا تسافر إِلا برهنٍ أو كفيلٍ أو إِشهادٍ، لم يلزمه ذلك، وقيل: يلزمه الإِشهاد.

1629 -

فصل في الدعوى بالدين المؤجَّل وعلى المعسِر والرقيق

في سماع الدعوى بالدَّين المؤجِّل وجهان، ولو اعترف بإِعسار غريمه، ففي سماع الدعوى عليه بالدَّين الحالِّ وجهان مرتَّبان، وأولى بمنع السماع؛ إِذ لا نهاية للإِعسار، وفي الدعوى على الرقيق بما يتعلَّق بذمته وجهان مرتَّبان على المعسر، وأولى بمنع السماع.
فإِن قلنا: لا تُسمع الدعوى بالمؤجَّل، شُرط في الدعوى بالحالِّ أنَّ يقيِّده بالحلول أو بوجوب التسليم، فإِن قُيِّد بذلك، وكان الدَّين مؤجَّلًا في الباطن، فللخصم أنَّ يقول: لا يلزمني تسليم ما ادَّعيت، وقال الإِمام: يبتني 1 ذلك على أنَّ من أقرَّ بدين مؤجَّل فهل يلزمه حالًّا؟ فيه قولان، فإِن ألزمناه بالحالِّ كفاه أنَّ يقول: لا يلزمني التسليم؛ ويحلف عليه، وإِن أوجبنا المؤجَّل ففي الاكتفاء بقوله: لا يلزمني التسليم؛ وجهان: أحدهما: نعم؛ لمضادَّتِه لمقصود الدعوى.
والثاني: يلزمه التصريح، فإِن لم يكن عليه دين فليصرِّح بإِنكاره، وإِن كان عليه دين مؤجَّل فليقرَّ به مؤجَّلًا.

جارٍ التحميل