الغاية في اختصار النهايةصفحات 373-413

كتاب الطلاق

2591 -

الطلاق منقسمٌ إلى سُنِّيًّ وبِدْعِيّ، ومكروهٍ ومباح.

فالمباح: هو الطلاقُ لغرضٍ يُطلِّق لمثله العقلاء؛ من استشعارِ نشوزٍ، أو ظهورِ ريبةٍ، أو عدمِ محبَّةٍ مع شحٍّ بالنفقة.
والمكروه: الطلاق لغير غرضٍ ولا حاجة.
والسنِّيُّ: أن يطلِّق في طهر لم يجامع فيه.
والبِدْعيُّ محرَّم إجماعًا، وهو أن يطلِّقها في طهرٍ جامعها فيه من غير عوضٍ، ولا تبيُّنِ حملٍ ولا حيالٍ، أو يطلِّق في الحيض من غير عوضٍ، ولا رضاها، وهي من أهل الأقراء.

2592 -

فرع:

إذا خالَعَ الحائض جاز، وإن طلَّقها برضاها فوجهان، وإن خَلَعها أجنبيٌّ بغير رضاها حَرُمَ على الظاهر، وفيه احتمال.
وإن خلعها في طهر وطئها فيه فالظاهرُ الجوازُ، وفيه وجة.
واستدخالُ مائه كجِماعٍ عند أبي عليٍّ، وتردَّد فيما لو وطئ في الدُّبر وعَلِمَ أنَّ الماء لم يَسْبِقْ إلى الرحم، ومال إلى أنه لا أثر له.
وبنى الإمامُ ذلك على الخلاف في وجوبِ العِدَّة.
وإن وطئها في الحيض لم تَزُلِ البدعةُ حتى تحيضَ حيضةً

أخرى، وفيه احتمال، فإنَّ بقية الحيض تدل على الحيال.
وإذا طولِبَ المُوْلي بالطلاق فطلَّق، أو طلَّق الحاكم، فلا يحرم اتِّفاقًا (1). ومَن لا سنَّة في طلاقها ولا بدعةَ خمسٌ: المختلعةُ، والتي بانَ حملُها، وغيرُ الممسوسة، والصغيرةُ، والآيسةُ.

2593 -

فرع:

يجوز جمع الطلقتين والثلاث، وفي استحباب التفريق على الأقراء خلافٌ، والظاهر الاستحباب.

2594 -

فصل في الرجعة من طلاق البدعة

طلاقُ البدعة نافذٌ، ويُستحبُّ الرجعةُ منه ولا يجب، ولا يُكره تركُها 2 اتِّفاقًا، فإن أراد الطلاق بعد الرجعة فالأصحُّ أنَّا نستحبُّ إيقاعَه في الطهر الثاني؛ لئلا تكون الرجعةُ لأجل الطلاق.
وفي استحباب الوطء في الطهر الأوّل وجهان، فإن قلنا: يُستحبُّ، فراجَعَ في الحيض ووطئ فيه، فلا أثر لوطئه، وقيل: يحصل الغرض إذا طلَّق في الطهر الأوَّل، وإن طلَّقها في طهر جامَعَها فيه؛ فإن راجَعَ فيه فالطلاقُ في1

بقيَّته حرام، فإذا حاضت ثمَّ طهرت، فليطلِّقْها الآن، ولا يُشترط في الاستحباب أكثر من ذلك، وإن لم يراجع حتى حاضت، فراجع في الحيض، فعلى الأصحِّ لا تَطْلُق في الطهر الأوَّل؛ لئلا تكون الرجعةُ لأجل الطلاق، وإن طلَّق طلاقًا غيرَ بِدْعيٍّ، ثم ارتجع في الحيض، فله طلاقُها كما طهرت؛ إذ لا تُستحبُّ الرجعة والإمساك إلا في الطلاق البدعيِّ.
وحكى القاضي عن الأصحاب: أنَّه لا تُستحب الرجعة كما طهرت؛ لئلا تكون الرجعةُ لأجل الطلاق.
والمذهبُ الأوّلُ، ولم نر هذه الحكاية لغيره.

2595 -

فرع:

إذا قال لذات السُّنة والبدعة: أنت طالقٌ مع آخر جزءٍ من حيضك، فليس ببدعيٍّ على أقيس الوجهين؛ إذ ليس فيه تطويلُ عدَّة، ولا خوفُ ندامةٍ بظهور الحَبَل.
وإن قال: أنت طالق في آخر جزءٍ من طهرك، فإن جُعِلَ الانتقالُ من الطهر إلى الحيض قروءًا، فهو سنِّيٌّ، وإن لم نجعله قروءًا، فبِدعيٌّ على أقيس الوجهين؛ لِمَا فيه من تطويل العدَّة.

2596 -

فصل في تعليق الطلاق على السنَّة والبدعة

الطلاق قابلٌ للتنجيز والتعليق، والتعليقُ تأقيتٌ واشتراطٌ: فالشرط: ما لا يُعلم وقوعه؛ كقدوم إنسانٍ، ودخولِ الدار 1.

والتأقيتُ: ما يُعلم حصوله؛ كذهاب الليل، ومجيء النهار.
واللام في اللغة للتأقيت والتعليل، فإن قُرنت بما يُتخيَّل تعليلُ الطلاق به فهي ظاهرةٌ في التعليل، فيتنجَّز الطلاق وإن لم توجد علَّتُه، فإنْ زعم أنَّه قصد التأقيت دُيِّن، وفي قبوله ظاهرًا وجهان.
مثاله: أن يقول: أنتِ طالقٌ لرضا فلان، فتَطْلُق وإن سَخِطَ؛ فإنْ زعم أنَّه نوى التأقيتَ دُيِّن، وفي القبول ظاهرًا الوجهان.
وإن قُرنت اللام بوقتٍ يتكرَّر أو لا يتكرَّر، فهي للتأقيت اتِّفاقًا.
وإن قال: أنتِ طالقٌ لقدوم زيدٍ، فهو تأقيتٌ، وإن قال: لدخول الدار، فالظاهرُ أنَّه تعليل.
وإذا قال لذات السُّنة والبدعة: أنت طالقٌ للسنَّة، فإن كانت في حالِ سنَّةٍ تنجَّز الطلاق، وإن كانت في حال بدعةٍ لم تَطْلُقْ حتى تصيرَ إلى حال السنَّة، وإن قال: أنت طالقٌ للبدعة، فإن كانت في حال بدعةٍ تنجَّز الطلاق، وإن كانت في حالِ سنَّةٍ لم تطلق حتى تصير إلى حال البدعة، وإن لم تكن ذات سنَّة ولا بدعة، فقال: أنتِ طالقٌ للسنَّة، طَلَقَتْ في الحال، إِلّا أن يقول: إذا صِرْتِ من أهل السنَّة، فلا تطلقُ حتى تصير من أهل السنَّة، وإن قال: أنت طالق للبدعة، فالأصحُّ تنجيزُ الطلاق، وقيل: لا تطلق حتى تصير إلى حالِ البدعة، فإنَّ طلاق السنَّة يمكنُ حملُه على ما يجوزُ، بخلافِ طلاق البدعة.

2597 -

فرع:

قال الأئمة: إذا قال لغير الممسوسة: أنت طالق للسنَّة، وزعم أنَّه قصد التعليق على حال السنَّة، دُيِّن، ولم يُقبل في الحكم، وإن قال: أنت طالق

لوقت السنَّة، احتُمل أن يُلحق بقوله: أنت طالق للسنَّة، وأن يُقبل تفسيره بالتعليق على السنَّة، وأن يُقبل تفسير السنَّة بالطُّهر، والبدعةِ بالحيض.

2598 -

فرع:

إذا قال في حال البدعة: أنت طالقٌ للسنَّة في هذا الوقت، تنجَّز الطلاق؛ تغليبًا للإشارة.

2599 - فرع: إذا قال للحائض: أنت طالقٌ للسنَّة، طلقت مع أول أجزاء الطهر وإن لم تغتسل، وسواءٌ انقطع الدم على الأقلِّ، أو الأكثر، أو الغالب.
وإن قال في حال السنَّة: أنتِ طالقٌ للبدعة، فإنْ تركها حتى حاضت، طَلَقَتْ مع أول أجزاء الحيض، وإن وطئها قبل الحيض طلقت كما 1 غيَّب الحشفة، فإن نزع كما 2 وقع الطلاق، فلا حدَّ عليه ولا صداق، وإن أخرج ثم أولج؛ فإن كان الطلاقُ رجعيًّا لم يُحدَّ، ولزمه صداقُ المثل إن لم يُراجِعْ، وإن راجَعَ فوجهان، وإن كان بائنًا؛ فإنْ عَلِمَ بوقوع الطلاق حُدَّ، ولم يَلْزمه صداق، وإن أتمَّ الجماعَ من غيرِ نزعٍ؛ فإن كان الطلاقُ رجعيًّا فلا حدَّ، ولم يتعرَّض الشافعيُّ للصداق.
ولو أصبح الصائم في رمضان مُجامعًا، فأتمَّ الجماع، لزمته الكفَّارة، فقيل: في المسألتين قولان، ووجهُ السقوط: أنَّه لم يتعلَّق بأوَّل الوطء مهرٌ ولا كفَّارةٌ، فلا يختلف حكمُه مع اتِّحاده، ومنهم مَن فرَّق: بأنَّ المهر

المسمَّى في العقد يتعلّق بجميع الوَطْءات، بخلافِ الكفَّارة، فإن أوجبنا المهر فلا يجب إلا حيث أوجبناه إذا نزع ثم عاد، وإن كان الطلاقُ بائنًا لم يُحدَّ على المذهب، وفي المهر الخلافُ؛ لأن الوطء متَّحدٌ، فلا يختلف حكمُه، وقيل: يُحَدُّ، ولا يلزمه صداق.

2600 -

فصل في تعليق الطلاق بالأقراء

المذهبُ أنَّ القرء طهرٌ مُحتوَشٌ بدمين، وفيه قولٌ: أنَّه الانتقال من الطهر إلى الحيض، أو من الحيض إلى الطهر، فإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا في كلِّ قرء طلقةٌ، فلها أحوال: الأولى: أن تكون ذاتَ أقراءٍ غيرَ ممسوسةٍ؛ فإن كانت طاهرًا عند التعليق بانت بطلقة، وإن كانت حائضًا لم تَطْلُقْ حتى تطهر، فإن مضت الأقراء وهي بائنٌ لم تَطْلُقْ، وإن نكحها قبل مضيِّ الأقراء فعلى قولي عودِ الحِنْثِ.
الثانية: أن تكون ممسوسةً حائلًا ذاتَ أقراء؛ فإن كانت طاهرًا وقعت طلقة رجعيّة، وتقع الطلقتان في قرأين من أقراء العدَّة.
الثالثة: أن تكون حاملًا لا ترى دمًا، فتقع طلقة في الحال، وتَبينُ بالولادة، فإن تزوَّجها في النفاس، ثم طهرت، فعلى قولي عود الحنث، وإن ارتجعها قبل الوضع وقعت الطلقةُ الثانية إذا طهرت من النفاس، واستأنفت العدَّة اتِّفاقًا.
الرابعة: أن تكون حاملًا ترى الدم؛ فإن جعلناه دمَ فساد، فهي كالتي لم تر الدم، وإن جعلناه حيضًا، فإن كانت حائضًا عند التعليق لم تَطْلُقْ، وإن

كانت طاهرًا وقعت طلقةٌ في الحال، فإن طهرت قبل الوضع طهرين وقعت الطلقتان على أقيس الوجهين.
الخامسة: أن تكون من اللائي لم يَحِضْنَ، فلا تطلق في الحال عند الأصحاب، فإذا حاضت فهل نتبيَّن وقوع الطلاق باللفظ السابق؟ فيه وجهان مبنيَّان على الخلاف في حقيقة القرء، وإن جُعل القرء طهرًا محتوَشًا بدمين لم تطلق، وإن جُعل الانتقالَ وقعت طلقةٌ، وحُسب ما مضى قرءًا من العدَّة، وأَبعدَ مَن قال: لو لم تَحِضْ طَلَقَتْ في كلِّ شهرٍ طلقةً، فإنَّ الشرع جعل أشهرُها كالأقراء، وهذا لا يصحُّ، فإنَّ الأشهُر لا تُسمَّى أقراءً.
السادسة: أن تكون آيسةً، فإن عاودها الدمُ طَلَقَتْ اتِّفاقًا، وإن لم يعاود فقد ذكر القاضي أنَّه على الخلاف في حقيقة الأقراء.

2601 -

فصل فيما يُديَّن فيه وما لا يُدَيَّن

إذا أتى بالصريح فقال: أنت طالقٌ، ونوى الطلاق، أو أَطْلَقَ ولم يَهْذِ بلفظه ولم يَحْكِه، طلقت ظاهرًا وباطنًا، وإن نوى خلافَ الصريح، فله أحوال: الأولى: أن يكون الصريحُ مُشْعِرًا بما نواه، كما لو نوى الإطلاقَ من أسْرٍ، أو حَجْرٍ، أو وَثاقٍ، فيُديَّن، ولا يُقبل في الحكم.
الثانية: ألا يُشْعِرَ الصريحُ بما أضمر، ولو صرَّح بما أضمره لعُدَّ معه متهافتًا، وخرج به الكلام عن الانتظام، كما لو نوى: أنت طالق طلاقًا لا يقع، فتطلق ولا يُديَّن.

الثالثة: ألا يُشْعِرَ الصريحُ بما نواه، لكنْ لو صرَّح به لانتظم معه الكلام، كما لو نوى التعليقَ بمشيئة الله، أو بدخول الدار، أو بمضيِّ شهر، أو ما أشبه ذلك، فتطلُقُ ظاهرًا، وفي الباطن وجهان؛ أظهرهما عند الأصحاب: أنَّها لا تطلق، وأقيسهما: وقوعُ الطلاق، فإن اللفظ لا يُشْعِرُ بما أضمر، فتبقى النيَّةُ مجرَّدةً عن اللفظ، والنيَّةُ المجرَّدة لا أئر لها، ولذلك لو جزم بإجراء الطلاق على قلبه، فإنَّه لا يقع في الظاهر ولا في الباطن.
ولو قال: أنت طالقٌ ثلاثًا، ونوى التفريقَ على الأقراء، طلقت في الظاهر، وهل يُديَّن في الباطن؟ فيه الوجهان.
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا للسنَّة، ونوى التفريقَ على الأقراء، فالظاهرُ تخريجه على الوجهين.

2602 -

فرع:

قال الشافعيُّ: إذا قال: إنْ كلَّمتِ زيدًا فأنتِ طالقٌ، ونوى بذلك التكليمَ إلى شهرٍ دون ما زاد عليه، فلا تَطْلُقُ بكلامه بعد الشهر، فإنَّه استعمل اللفظ في بعض مقتضياته؛ لأنَّه عامٌّ في الأزمان، بخلافِ التعليق بالسنَّة، فإن اللفظ لا يُشْعِرُ به.

2603 -

فصل فيمن علَّق بعض الطلاق بالسُّنة وبعضه بالبدعة

إذا قال لذات السنَّة والبدعة: أنتِ طالق ثلاثا بعضُهنَّ للسنَّة وبعضُهنَّ للبدعة، وزعم أنَّه نوى بالبعض نصفَ الثلاث، طَلَقَتْ في الحال طلقتين، وإن قال: أردتُ تنجيز بعضٍ من كلِّ طلقةٍ، طلقت ثلاثًا في الحال، ولو قال:

نويتُ تعجيلَ اثنتين وتأخيرَ واحدةٍ، قُبِلَ ظاهرًا وباطنًا، وكذلك لو قال: نويتُ تعجيلَ واحدةٍ وتأخيرَ اثنتين، خلافًا لابن أبي هريرة.
وإن لم ينوِ شيئًا، تثجَّزت طلقتان على النص، خلافًا للمزنيِّ، واستدلَّ الأصحابُ للنصِّ بما لو قال: هذه الدارُ بعضُها لزيدٍ، وبعضُها لعمرو.
وقال الإمام: يجب القطعُ بالرجوع إلى تفسير القرء، فإنْ تعذَّر التفسيرُ حُمل على الأقلِّ، ويُحتمل أن يُحمل قولُه على التشطير، وهذا لا يصحُّ، فإنَّ الاحتمال لا يزولُ بعسر التفسير، والمزنيُّ يرجع في مسألة الإقرار إلى التفسير، فإن تعذَّر حُمل على الأقلِّ.

2604 -

فصل في وصف الطلاق بالحُسن والقُبح

إذا قال لذات السنَّة والبدعة: أنت طالقٌ أحسنَ الطلاق، أو: أعدَلَه، أو: أَكمَلَه، أو: أفضلَه، أو: أجملَه، أو وصف الطلقةَ بشيءٍ من ذلك فقال: أنت طالقٌ طلقةً حسنةً؛ فإن نوى بذلك طلاقَ السنَّة، أو أطلق، فهو كقوله: أنتِ طالقٌ للسنَّة، اتِّفاقًا، فيتعجَّل الطلاقُ إن كانت في حال سنَّة، ويتأخَّر إن كانت في حالِ بدعةٍ، إلّا أن ينويَ التعجيلَ فيقعُ في الحال.
ولو كانت عند التعليق في حالِ سنَّةٍ، فزعم أنَّه نوى التأخيرَ، لم يُقبل في الحكم.
وإن قال: أنت طالقٌ أقبحَ الطلاق، أو: أسمجَه، أو: أوحشَه، أو: أفظعَه، أو: أفضحه، ونوى طلاقَ البدعة، أو أطلق، فهو كقوله: أنت طالقٌ للبدعة، اتِّفاقًا، فيتعجَّلُ إن كانت في حال بدعةٍ، ويتأخَّر إن كانت في حالِ

سنَّةٍ إلّا أن يقصد تعجيلَه فيقع في الحال، فإن كانت عند التعليق في حال بدعةٍ، فقال: أردتُ بالأقبح التأخيرَ، لم يُقبل في الحكم.

2605 -

فرع:

إذا قال: أنت طالقٌ طلقةً حسنةً قبيحةً، أو: طلقةً لا سنيَّةً ولا بِدْعيةً، أو قال لغير ذات السنَّة والبدعة: أنت طالقٌ للسنَّة أو للبدعة، طَلُقتْ في الحال.

2606 -

فصل في تعليق طلاق السنَّة والبدعة على قدوم إنسان

إذا قال: إذا قدم زيد فأنت طالق للسنَّة، أو: للبدعة، فالاعتبارُ بحالها عند القدوم، فيُجعل كأنَّه قال لها ذلك عند القدوم، سواءٌ كانت عند التعليق ذاتَ سنَّةٍ وبدعةٍ، فاستمرَّت على ذلك، أو خرجت عنه باليأس، أو لم تكن عند التعليق ذاتَ سنَّةٍ وبدعةٍ، فصارت عند القدوم من أهلهما.
وإن قال: إن قدم زيد فأنت طالق للسنَّة، جاز التعليقُ، وإن قال: فأنتِ طالقٌ للبدعة، حَرُمَ التعليق.
وإن أَطْلَقَ ولم ينوِ شيئًا جاز التعليقُ، وحرَّمه القفَّال؛ تعليلًا بأنَّ التردُّد بين المعصية والمباح حرام، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه خلافُ ما درج عليه السلفُ، فإن قَدِمَ في حال السنَّة نفذ الطلاق سنَّيًّا، وإن قَدِمَ في حال البدعة نفذ بدعيًّا.

2607 -

فصل في تعليق الطلاق بالحمل

إذا قال: إن كنت حاملًا فأنتِ طالقٌ، فهذا تعليقٌ بحملها في الحال،

فلا تَطْلُقُ بالشكِّ، فإن وضعت ولدًا لدون ستَّة أشهر من حين التعليق، تبيَّن وقوعُ الطلاق عند التعليق، وانقضت العِدَّة بالوضع، وإن وضعته لأكثر من أربعِ سنين لم تَطْلُقْ، وإن وضعته لدون الأربع وفوق الستَّة؛ فإن وطئها بعد التعليق وطأً يُمْكِنُ إحالةُ العلوق عليه لم تَطْلُقْ، وإن لم يُمْكِنْ إحالةُ العلوق عليه، أو اجتنبها بعد التعليق، طلقت على المذهب؛ لِلُحوق النسب، وفيه قولٌ: أنَّها لا تطلق؛ لأنَّ النسب يلحقُ بالإمكان، بخلافِ الطلاق.
وهل يحرم وطؤها قبل تبيُّن حالها، أو يكره؟ فيه قولان، وقيل: لا يحرم قولًا واحدًا، فإن حرَّمناه جاز وطؤها بعد استبرائها، وهل يستبرئها وهي حرَّةٌ بقرء، أو بثلاثة أقراء؟ فيه وجهان، فإنْ شَرَطْنا الثلاثةَ فهي أطهارٌ، وإن أجزنا الواحد، فهو حيضٌ على الأصحِّ، ولو تقدَّم الاستبراءُ على التعليق، ففي إلحاقه بما بعد التعليق وجهان.

2608 -

فرع:

إذا وطئ بعد الاستبراء، فولدت ولدًا يُعلم وجودُه حال التعليق، فقد صادف وطؤه مطلَّقةً، فيتعلَّق به أحكامُ وطء المطلَّقات.

2609 - فرع: إذا أمرناه بالاستبراء، فمضى شهرٌ أو شهران، ولم تر الدَّمَ، فليجتنبها، فإنَّ انقطاع الدم دليلٌ على الحمل.

2610 - فرع: إذا كانت عند التعليق في سنِّ الحيض والحمل، ولم تر الدم قبل ذلك، فالأشهُرُ في حقِّها بمثابة الأقراء، فيجوزُ وطؤها بعد الأشهر، إلا أن تَظْهَرَ

أمارةُ الحمل، فيمنع.
وإن كانت آيسةً عند التعليق؛ فإن جعلنا الاستبراء المتقدِّم على التعليق كالمستأخِرِ عنه، فالظاهِرُ جوازُ الوطء، وإن قلنا: لا أثر للاستبراء المتقدِّم، ففي استبرائها بالأشهُرِ احتمال.

2611 -

فصل في التعليق بالحيال

إذا قال: إن كنت حائلًا فأنت طالق، فولدت بعد أربع سنين، طَلَقَتْ، وإن ولدت قبل ستَّة أشهر لم تطلق، وإن ولدت لدونِ الأربع وفوقَ الستَّة، فإن لم يطأ بعد التعليق لم تطلق اتَّفافًا، وإن وطء بعده، فولدت لدون الستَّة من حين الوطء، وأكثر من الستَّة من حين التعليق، لم تطلق، وإن ولدت لأكثر من الستَّة من حين التعليق ومن حين الوطء، لم تطلق على أظهر الوجهين؛ لاحتمالِ أنْ تكونَ حاملًا قبل التعليق، فلا تطلق بالشكِّ، وفي وطئها قبل الاستبراء قولان، وقيل: يحرم قولًا واحدًا، فإن مضت ثلاثة أقراء، ولم يظهر حملها، طلقت عند التعليق، وحُسبت تلك الأقراء عدَّةً، وإن قلنا: تُستبرأ بقرء، ففي وقوع الطلاق بمضيِّه وجهان، فإن أوقعناه حُسِب ذلك القرء من العدَّة، وإن استبرأها بقرءٍ، أو قرءَيْنِ قبل التعليق، ففي وقوع الطلاق عند التعليق وجهان.
وإن قال: إن برئ رَحِمُك فأنت طالق، وجب أن تَطْلُقَ بمضيِّ ثلاثة أقراء، وفي القرء الواحد الوجهان.

وإن قال: إن استيقنتِ براءةَ رَحِمِكِ فأنت طالقٌ، لم تطلق إلا بمضيِّ أكثرِ مدَّةِ الحمل.

2612 -

فرع:

قال الأصحاب: إذا حُكم بالطلاق عند مضيِّ ثلاثة أقراء، فولدت لأقلَّ من ستَّة أشهرٍ، تَبيَّنَ أنَّها لم تطلق، وإنْ وضعته لأكثرَ من الستَّة؛ فإن لم يطأ تَبيَّن أنَّها لم تطلق، وإن وطئ وَطْءًا يُمْكن أن تَعْلَق منه، ففي نقض الطلاق خلاف.

2613 - فرع: إذا لم تر الدم ثلاثة أشهر؛ فإن كانت من ذوات الأقراء لم تطلق، وإن كانت في سنِّ الحيض، ولم تَحِضْ، فقياسُ قول الأصحاب: أنَّها تطلق؛ لانقضاء العدَّة بذلك، وفيه بعدٌ؛ لأنَّه إيقاع طلاقٍ مع الشكِّ.

2614 -

فصل فيمن طلَّق نساءه ونوى إخراج بعضهنَّ

إذا خاصمت المرأة زوجها على نكاحٍ بجديدة، فأنكر، فأصرَّت على الخصام، فقال: كلُّ امرأةٍ لي طالقٌ، وغرضُه تصديقَ نفسه، فإنْ لم يستثنِ المخاصِمةَ طَلَقت معهنَّ، وإن استثناها بلفظِهِ لم تَطْلُقْ، وإن استثناها بقلبه دُيِّن، وفي قبوله في الحكم وجهان؛ كما لو حلَّ القيدَ عن امرأته، وقال: أنت طالقٌ، ثمَّ زعم أنَّه أراد الطلاق من الوَثاق، فإن قرائن الأحوال قد تَصْرِفُ اللفظَ عن ظاهره كصريحِ المقال.

ولو قال ابتداءً: نسائي طوالقُ، وزعم أنَّه استثنى إحداهنَّ، لم يُقبل في الحكم، وغلط مَن قال بالقبول، فعلى هذا: لو استثنى ثلاثًا لم يُقبل؛ إذ لا يقع اسمُ النساء على واحدةٍ.
والضابطُ في تخصيص العموم: أنَّه إن لم تقترن به قرينةٌ لم يُقبل على الأصحِّ، وإن اقترنت فوجهان.

2615 -

باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع

ويقع الطلاق بالصريح من غير نيِّةٍ، وبالكناية مع النيَّة، والصريحُ: هو الطلاقُ والسراحُ والفراق، وكذلك الأسماءُ والأفعالُ المأخوذةُ من الطلاق، كقوله: طلَّقتكِ، أو: أنت مطلَّقةٌ، وكذا الفعلُ من السراح والفراق، وفي الاسم كقوله: أنت مسرَّحةٌ، أو: مفارقة، وجهان، وفي قوله: أنت الطلاق، وجهان، وقال في القديم: لا صريح سوى لفظِ الطلاق، ولم يتعرَّض الأصحاب لقوله: أطلقتُكِ، أو: أنت مُطْلَقةٌ، وفيه تردُّدٌ للإمام.
ومعنى الطلاقِ بسائر اللغات صريحٌ، خلافًا للإصطخري؛ إذ حُكي عنه: أنَّه لا صريح إلا بالعربيّة.
وقال أبو محمد: كلُّ صريحٍ بالعربيَّة، فمعناه الخاصُّ صريحٌ بالعجميّة، فترجمةُ: أنت طالق: "توهشته ي" 1، وطلَّقتكِ: "دست بازداشتم" 2، وفارَقتُكِ: "اريوجدا كشتم" 3، وسرَّحْتُكِ: "كسيل كردم" 4.

وقال القاضي: الصريحُ من هذه الألفاظ: "توهشتهـ[ــــا] ي".
وهذا غير سديد، فإن "دست بازداشتم" تفسيرٌ لقوله: طلَّقتك، كما أن "توهشتهـ[ــــاي] " تفسيرٌ لقوله: أنت طالق.
والظاهر: أنَّ معنى سرَّحتك وفارقتك ليس بصريح.
وهل ينحصِرُ الصريح في الطلاق والسراح والفراق؟ فيه وجهان، والذي يقتضيه الفقهُ أن يؤخذ الصريحُ الذي لا يتعلَّقُ به توقيفٌ وتعبُّدٌ من اجتماع الشيوع، مع حَصْرِ أهل العرف اللفظَ في المعنى الذي شاع فيه؛ لاتِّفاق الفقهاء على اعتبار ذلك في الأقارير والمعاملات، فإنَّ الألفاظ إنَّما تُقصد لمعانيها، فلا فرق بين الطلاق وغيره، وعلى هذا الخلافِ يُخرَّج قوله: أنت عليَّ حرامٌ، أو: حلالُ الله عليَّ حرام، إذا شاع ذلك لإرادة الطلاق في بعض النواحي والأعصار.
وقال القفَّال: إنْ نوى تحريم الطعام بقوله: حلالُ الله عليَّ حرام، أو لم ينو شيئًا مع علمه بافتقارِ الكناية إلى النيّة، لم يقع الطلاق، وإن لم يَعْرِفْ ذلك، ولم ينوِ شيئًا، قيل له: ما تَفْهَمُ من هذا اللفظ إذا أطلقه مثلُك؟ فإن قال: أفهمُ منه الطلاقَ وقع الطلاقُ، وإلا فلا.
وهذا تحكُّمٌ وتوسيطٌ بين الكناية والصريح، وعلى مذهبه: لو شاع هذا اللفظُ شيوعَ الطلاق الْتَحَقَ به.

2616 -

فصل في الكنايات

شرطُ ألفاظ الكناية: الإشعارُ بمعنى الطلاق، فمنها ما هو جليٌّ كالخليَّة

والبريَّة، ومنها ما هو خفيٌّ كقوله: اعتدِّي، و: استبرئي رحمك، و: الحقي بأهلك، و: حَبْلُكِ على غارِبِكِ، و: لا أَنْدَهُ سِرْبَكِ (1)، و: اغربي، و: اذهبي، و: تجرَّدي، و: تجرَّعي، و: ذوقي، و: تزوَّدي، وأشباه ذلك ممَّا يُستعمل على تقديرٍ، أو استعارةٍ.
فلو نوى الطلاقَ مع لفظٍ لا يُشْعِرُ بمعناه لم يقع، فإنَّ الطلاق لا يقع بمجرَّد النيَّة وإن كانت جازمةً، وذلك كقوله: بارك الله فيكِ، أو: أطعميني، أو: اسقيني، أو: زوِّديني، أو: اقعدي، أو: كلي، أو: تنعَّمي، وكذ لك: اشربي، على الظاهر، وأَبعدَ مَن أَلحق قولَه: كلي، بقوله: اشربي.
وفي قوله: أغناكِ الله، وجهان، ولا يجوزُ أن يُحمل عليه قولُه: بارك الله فيك، إذا قصد به: أغناك الله؛ لِمَا فيه من التعقيد والإلغاز.
وإن قال: ليست لي زوجةٌ فهو إقرارٌ بنفي النكاح، وهو كنايةٌ على ظاهر المذهب، وأَبعدَ مَن أخرجه من الكنايات.

2617 -

فرع:

إذا اقترن بالكناية قرائنُ تدلُّ على إرادة الطلاق، لم يقع إلا بالنيَّة؛ كما لو سألته الطلاق، فقال: أنتِ بائنٌ، وظهر منه قصدُ إجابتها، أو قال ذلك في حال الغضب والتبرُّمِ منها، وظهورِ قَصْدِ الفراق.1

2618 -

فرع:

إذا بسط النيَّة على أوَّل اللفظ وآخره أثَّرت، ولا تؤثِّر إن تقدَّمت على اللفظ أو تأخَّرت، وإن اقترنت بأوَّله دون آخره أثَّرت على المذهب، وإن اقترنت بآخره دون أوَّله فوجهان، وإن اقترنت بأوَّل اللفظ، فانقضى قبل تمامها، لم يؤثِّر، ولا يُتصوَّر بسطُ النيّة عند الإمام، وإنَّما يبسط ذكرها كما ذكره في نيَّة الصلاة.

2619 - فرع: إذا تنازعا في النيّة، فالقولُ قولُ الزوج، فإنْ نَكَلَ عن اليمين رُدَّت عليها، فإن حلفت طَلَقَتْ، وتَعْرِفُ ذلك بالمخايل، وقرائنِ الأحوال.

2620 - فرع: إذا قال لغير الممسوسة: أنت طالقٌ ثلاثًا، وقع الثلاثُ، خلافًا لبعض العلماء.

2621 -

فصل في وصل الصريح بما يرفع ظاهره

كلُّ لفظٍ لو ادُّعي فيه نيةٌ لدُيِّن، ولم يُقبل في الحكم، فإذا وصله بذلك لفظًا، قُبل في الحكم، وحُمل أوَّلُ الكلام عليه؛ كقوله: أنت طالق من وثاقٍ، أو: فارقتك إلى المسجد، أو: سرَّحتك إلى أهلك لتتنزَّهي وتعودي.
وقال الفقهاء: إذا أَتَى بصريحٍ يُديَّنُ فيه، ولا يُقبل في الحكم، فصدَّقته المرأة على ما يدَّعيه من النيَّة، لم يرتفع الطلاق بذلك؛ إذ لا أثر لتصادُقهما

على حقِّ الله، ولا يمينَ عليها في ذلك، ويُسمع فيه شهادةُ الحسبة.
والعتق كنايةٌ في الطلاق، والطلاقُ كنايةٌ في العتاق، وكلُّ كنايةٍ في الطلاق، فهي كنايةٌ في العتاق، وكذلك عكسُه.
ولا ينفذُ الطلاقُ بلفظ الظِّهار، ولا الظهارُ بلفظ الطلاق.
والضابط: أنَّ ما كان صريحًا في بابٍ، فلا يُعْمَلُ في غيره إذا وجد نفاذًا في محلِّه.

2622 -

فرع:

إذا قال لعبده: اعتدَّ، أو: استبرِ رَحِمَك، فليس بكناية، وإن قال ذلك للأَمَة فهو كنايةٌ على الأظهر، ولو قال للأمة: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي؛ فهو كنايةٌ على الأصحِّ، وإن قال للزوجة قبل الدخول: اعتدِّي، أو استبرئي رَحِمَك، فهو كنايةٌ على الأظهر.

2623 - فرع: يُسمع من الزوجة دعوى الطلاق، ودعوى نيَّة الطلاق، فإن نكل رُدَّت اليمين عليها، ولا يُسمع ذلك من الأجانب، فإن ادَّعت الرجعيَّةُ أنَّه طلَّقها طلقةً أخرى، سُمع إن كان ذلك بعد الرجعة، وكذلك إن كان قبلها على الأصحِّ، وقيل: لا يُسمع؛ إذ لا فائدةَ لها في الحال.

2624 - فرع: إذا شرط في الطلاق قَطْعُ الرجعة لم ينقطع؛ إذ لا ينقطع إلا بالخلع، أو انتفاء العدَّة، أو استيفاءِ عدد الطلاق.

2625 -

فصل في إشارة الأخرس بالطلاق وغيرِه من التصرُّفات

إذا كان للأخرس إشارةٌ مُفْهِمةٌ، فحُكْمُها في جميع تصرُّفاته القوليَّة كحكم عبارةِ الناطق، إلّا الشهادةَ، ففيها وجهان، فينفذ بإشارته الطلاقُ والعتاقُ، والبيعُ والشراءُ، وسائرُ العقود والحلول والردود.
فإن بالَغَ بالإشارة بالطلاق بحيث يَفْهَمُه كافَّةُ الناس، فهو كالتصريح الذي يُفْهَمُ منه الطلاقُ على شيوعٍ، فإن زعم أنَّه أراد بذلك غيرَ الطلاق، ففي قبوله تردُّدٌ للإمام.
وإن صلحت إشارتُه للطلاق وغيره، أو اختصَّ بفهم الطلاق منها ذوو الفِطَن، فهي كنايةٌ، فإن أشار في الصلاة بطلانٍ أو عقدٍ أو حلٍّ، نفذ، وفي بطلان الصلاة تردُّدٌ، والظاهر أنَّها لا تبطل.

2626 -

فرع:

كتابةُ الأخرس كإشارته، فإنْ أشار مع القدرة على الكتابة، نفذت إشارتُه.

2627 -

فصل في الطلاق بالكتابة

إذا كتب القادر على النطق بتصرُّفٍ، فهو ضربان: أحدهما: ما لا يفتقر إلى القبول كالطلاق، فإنْ كتب بصريحه، وقرأه ونوى، وقع، فإن زعم أنَّه قصد الحكاية بقراءته، فقد ألحقه الإمامُ بمن حلَّ القيد، وقال: أنت طالقٌ، وزعم أنَّه أراد الطلاق من الوِثاق.

وإن لم يقرأ، ولم ينوِ لم تَطْلُقْ إلا على وجهٍ بعيدٍ.
وإن لم يقرأ، ونوى كما كتب، فإن كان غائبًا، فقد قيل: تطلق قولًا واحدًا، وقيل: قولان، وإن كان حاضرًا، فقد قيل: لا تطلق قولًا واحدًا، وقيل: فيه قولان.
وإشارةُ الناطق بمثابة كتابته عند القفَّال، وأولى بألا تُعتبر، فإن أشار بما يكون مثلُه صريحًا من الأخرس، فالوجه القطعُ بأنَّه كنايةُ.
وكتابةُ الأخرس صريحٌ عند أبي محمد، وفيه نظر؛ إذ قد يكتب لتجربة قلمٍ، أو حكايةِ خطٍّ، أو نظمِ حروفٍ، فإن انضم إلى ذلك قصدُ الإفهام كان أبلغَ من الإشارة.

2628 -

فرع:

كلُّ ما لا يفتقرُ إلى القبول كالعفوِ عن الدم، والعتقِ، والإبراء فحكمُه حكمُ الطلاق في جميع ما ذكرناه.

2629 -

فصل في العقود بالكتابة

إذا كتب الغائبُ بما يفتقر إلى القبول، كالبيع والهبة والإجارة، ففيه خلافٌ مرتَّبٌ على ما لا يفتقر إلى القبول، وأولى بالمنع؛ لانفصال القبول عن الإيجاب، فإن أجزناه، فالوجه القطعُ باشتراط اتِّصال القبول بالوقوف على الكتاب.
وإنْ لَفَظَ الغائب بالبيع من غير كتابة، فبلغ الخبرُ إلى المشتري، ففيه

خلافٌ مرتَّبٌ على الكتابة، وأولى بالجواز؛ لوجود اللفظ.
وإن كتب بالنكاح من غير لفظٍ، ففيه خلافٌ مرتَّبٌ عند كثيرٍ من الأصحاب، وأولى بالمنع، والوجهُ: القطع بالبطلان؛ إذ لا مُطَّلَع للشهود على النيَّة، فإنْ زعم بعد الكتابة أنَّه نوى، كان ذلك إشهادًا على الإقرار بالنيَّة دون الإيجاب.
ولو لفظ بالنكاح، ولم يكتبه، ففيه خلافٌ مرتَّبٌ على ما لو لفظ بالبيع، وأولى بالمنع، فإن أجزناه، فشهد اثنان على الإيجاب، ثم على القبول، انعقد النكاح، وإن شهد غيرهما على القبول، لم ينعقد على الأصحِّ.
وفي كتابة الحاضر خلافٌ مرتَّبٌ على الغائب، وأولى بالمنع؛ لعدم الحاجة، فإنْ أجزناه، فأَمْكَنَ أن يتَّصل القبولُ بالكتابة لحضورهما، لم يبق إلا إقامةُ الكتابة من غير حاجةٍ مقام العبارة (1)، فإن انقطع الإيجابُ عن القبول مع شهودهما وحضورهما لم يَجُزْ.

2630 -

فرع:

الوكالة كالبيع إن قلنا: تفتقرُ إلى القبول، وإن قلنا: لا تفتقر إليه، فهي كالطلاق.

2631 - فرع: لا أثر للكتابة على الماء والهواء، ولا يَبعدُ أن تلحق بالإشارة المفهمة، ولا فرق بين الكتابة في الأوراق والألواح، والخطِّ على الأرض، والنقشِ1

على الأخشاب، والنقرِ في الأحجار، إذا وصلت بذلك الأخبار.

2632 -

فصل في امتحاء الكتاب وسقوط بعضه

إذا كتب: أمَّا بعد، فأنتِ طالقٌ، طَلَقَتْ مع الكتابة، وإن قال: إنْ بلغك كتابي فأنت طالق، لم تَطْلُقْ حتى يبلغ، فإنْ محاه، ثم بلغ، لم تطلق، وإن انمحى؛ فإنْ بقيت منه رسومٌ تدلُّ على الغرض طلقت، وإن لم يبق ما يدكُّ على المضمون فقد قطع الأصحابُ بأنَّها لا تطلق؛ لزوالِ اسم الكتاب، وأَبعدَ مَن أوقع الطلاق.
وإن سقط بعضُ الكتاب، أو انمحى؛ فإنْ سقطت أسطرُ الطلاق، أو انمحت، فأوجهٌ ثالثها: إن قال: إن بلغكِ كتابي هذا، لم تَطْلُقْ، وإن قال: إن بلغك كتابي، طَلَقَتْ.
وإن سقط غيرُ الطلاق من مضمون الكتاب، أو انمحى، كاعتذاره عن الطلاق، أو ذِكْرِ توبيخٍ معقِّبٍ بالطلاق، ففيه الأوجُهُ، وأولى بالوقوع.
وإن سقط محلُّ الحمد والتصديرِ، فعلى الأوجُه في الصورة الثانية، وأولى بالوقوع.
وإن سقط البياضُ، أو الحواشي، طلقت، وفيه احتمالٌ لبعض الأصحاب.
ولو فُرِّق في هذه الصور بين سقوط المُعْظَم وبقائه لاتَّجه.
وإن قال: إنْ بلغك طلاقي فأنت طالقٌ، طَلَقَتْ ببلوغ أسطُرِ الطلاق وحدها، وإن سقطت أسطرُ الطلاق لم تطلق اتِّفاقًا.

وإن قال: إن قرأتِ كتابي فأنت طالق، فقرأتْه، أو طالعتْه، ولم تلفظ بشيءٍ منه، طلقت اتِّفاقًا، وإن قُرئ عليها؛ فإن كانت قارئةً لم تطلق على الأصحَّ، وإن كانت أمِّيِّةً فقد قطعوا بوقوع الطلاق، وأَبعدَ مَن قال: لا تَطْلُقُ، كما لو علَّق الطلاق بصعود السماء.

2633 -

فصل في تفويض الطلاق إلى الزوجة

إذا قال: طلّقي نفسك، فالأصحُّ أنَّ ذلك تمليكٌ؛ فإن وصلتِ الطلاق بذلك على حدَّ اتِّصال القبول بالإيجاب، طلقت، وإلا فلا، وغلط مَن نفَّذ طلاقها في المجلس اعتبارًا بخيار المكان.
وإن وكَّلها في تطليق نفسها، ففي صحَّة التوكيل خلافٌ، وللشافعيِّ قولٌ: أنَّ التفويض توكيل، فيُخرَّج على الخلاف في اشتراط قبول الوكالة، فإن طلَّقت على الفور، أو التراخي، طَلَقَتْ.
وقال القاضي: يحتمل أن يُشترط الفور على هذا القول؛ لأنَّه تمليكُ لفظٍ، فأشبهَ تعليقَ الطلاق بمشيئتها.
وهذا ممَّا انفرد به.
وإن قال: طلِّقي نفسك متى شئتِ، أو: متى ما شئتِ، فلها التطليقُ على الفور والتراخي، بوفاقِ القاضي، كنظيرِه من التعليق بالمشيئة.

2634 -

فرع:

إذا فوَّض بلفظ كنايةٍ، كقوله: اختاري نفسَكِ، أو: أمرُكِ بيدك، أو:

فَوّضتُ إليك أمرك، فقالت: اخترتُ نفسي، أو: أَبَنْتُ نفسي؛ فإن نوى تفويضَ الطلاق، ونوتِ التطليق، وقعت طلقةٌ رجعيَّةٌ، وإن نوى أحدُهما لم تَطْلُقْ، وإن أنكر الزوجُ نيَّتَه، فالقولُ قولُه مع يمينه، وإن اعترف بأنَّه نوى، وأنكر نيَّتها، فالقولُ قولُها على الأصحِّ.
ولو فوَّض بصريحٍ، فطلَّقت بكنايةٍ ونوت، أو فوَّض بكنايةٍ ونوى، فطلَّقت بصريحٍ، طَلَقَتْ، وقال ابن خيران: لا تَطْلُقُ إلا أن يكون التطليقُ بلفظ التفويض، وطرد القاضي خلافَ ابنِ خيران في تطليق الوكيل.
ولو قال: أَبيني نفسَكِ، فقالت: خلَّيتُ نفسي، ونَوَيَا، طَلَقَتْ على المذهب، وفيه تردُّدٌ على قول ابن خيران، والأوجهُ أنَّها تَطْلُق.

2635 -

فرع:

إذا قال: طلِّقي نفسك ثلاثًا، فطلَّقت واحدةً، أو قال: طلِّقي واحدة، فطلَّقت ثلاثًا، لم يقع سوى الواحدة، وإن قال: طلِّقي نفسك، ونوى تفويض الثلاث، فقالت: طلَّقتُ نفسي؛ فإن نوتِ الثلاثَ طَلَقَتْ ثلاثًا، وإن لم تنوِ شيئًا طلقت واحدة على الأصحِّ.
وإن قال: أبيني نفسك، ونوى، فقالت: أبنتُ نفسي، ولم تنوِ، لم تطلق اتِّفاقًا.
وإن قال: طلِّقي نفسك ثلاثًا، فقالت: طلَّقتُ نفسي، أو قالت: طلَّقتُ، ولم تنوِ العددَ، طَلَقَتْ ثلاثًا عند القاضي؛ فإنَّ الخطاب كالمُعاد في الجواب، بخلافِ ما لو قال: طلِّقي نفسك، ونوى الثلاث، فإنَّ التخاطُب لا يقع بالنيَّات.

وقال الإمام: إن جعلنا التفويضَ توكيلًا، ولم نشرط فيه الفورَ، لم تقع الثلاث؛ لأن تصرُّفَ الوكيل مستأنَفٌ لا يُبنى على التوكيل، وإن جعلناه تمليكًا احتُمل أن يُبنى كلامُها على كلامه، فتقعَ الثلاث، واحتُمل ألّا يُبنى، فإنَّه ملَّكها تصرُّفًا تامًّا مستقلًّا، بخلافِ ابتناءِ القبول على الإيجاب، فإنَّه لا يستقلُّ، ولهذا لو فوَّض الثلاثَ، فطلَّقت واحدةً، أو بالعكس، وقعت الواحدةُ، ولو ابْتَنَى جوابُها على خطابه لم يقع شيءٌ، كمَن باع عبده بألفين، فقَبِلَه المشتري بألفٍ.

2636 -

فصل في إضافة الرجل الطلاق إلى نفسه

إذا قال: أنا منكَ طالقٌ، ونوى الطلاق؛ فإنْ نوى إيقاعَه عليها طَلَقَتْ، وإن لم ينوِ إيقاعَه عليها، ولا تطليقَ نفسه، لم تَطْلُق عند الجمهور، خلافًا لجماعةٍ من المحقِّقين، وإنْ نوى تطليقَ نفسه لم تطلق، ولا نحتفل بقولِ منَ أوقع الطلاق.
وإن قال: طلِّقي نفسك، فقالت: طلَّقُتكَ، لم تطلق عند ابن خَيْران، وعلى المذهبِ: إن قصدَتْ تطليق نفسِها وقع، وإن أطلقتْ فعلى الخلاف.
وإن قال لعبده: أنا منكَ حرٌّ، ففي كونه كنايةً وجهان، فإن جُعل كنايةً، فهو كقوله: أنا منكِ طالقٌ، في جميع ما ذكرناه.
وإن قال لامرأته: أعتدُّ منك وأستبرئ رحمي، فليس بكنايةٍ على الأصحِّ.

2637 -

فصل في نيَّة العدد

تقدَّم على ذلك أنَّ مَن قال: أنتِ طالقٌ إن شاء الله، ولم يقصِدِ التعليقَ بالمشيئة حتى انقضى لفظُ الطلاق، فلا أثر لاستبيانه لإجماعٍ حكاه الفارسيُّ 1، وفيه وجهٌ مزيَّف.
فإذا قال: أنتِ طالقٌ، أو: طلَّقتك، أو: أنتِ بائن، أو: أبنتك، ونوى طلقتَيْن، أو ثلاثًا، وقع ما نواه، وإن كان قبل الدخول.
وإن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً، بالنصب، ونوى الثلاثَ بجميع لفظه، ففي وقوعهنَّ وجهان، وإن نوى الثلاثَ مع قوله: أنت طالقٌ، ثمَّ خطر له أن يقول: واحدةً، فعلى ما حكاه الفارسيُّ: تقع الثلاثُ، وعلى الوجه المزيَّف في وقوع الثلاث: الوجهان السابقان، وإن نوى بذلك طلقةً واحدةً ملفَّقةً من الثلاث، وقع الثلاث، وفيه وجهٌ.
وإن قال: أنت واحدةٌ، بالرفع، ونوى الثلاثَ، فقد قطعوا بوقوعهنَّ، وفيه وجهٌ بعيد.
قال الإمام: إن نوى بالواحدة انفرادَها عنه فلا يجوزُ أن يُختلف في وقوع الثلاث، وإن لم يخطر له ذلك، ففيه الاحتمالُ.
ولو قال: أنت طالقٌ واحدةٌ، بالرفع، فهو كقوله: أنت طالقٌ أنتِ واحدةٌ.

وإن قال: أنت طالقٌ، فماتت قبل نطقه باللام والقاف لم تطلق.
وإن قال: أنت طالقٌ ثلاثًا، ووقع قولُه ثلاثًا بعد موتها، فهل تقع طلقةٌ، أو ثلاثٌ، أو لا يقع شيء؟ فيه خلافٌ.
وإن قال: أنت طالق، ناويًا الاقتصارَ على ذلك، فقال بعد موتها: ثلاثًا، طلقت واحدةً لا غير.
وإن قال: أنت طالقٌ، فماتت، فقال: إن شاء الله، فإنْ قَصَدَ الاستثناء قبل موتها، ففيه احتمالٌ، وإن لم يقصده، وجب أن يُحكم ببطلانه على قول الفارسيِّ وغيره.

2638 -

فصل في قوله أنت عليَّ حرام

إذا قال: أنت عليَّ حرام، أو: محرَّمةُ، أو: حرَّمُتكِ؛ فإن جعلنا ذلك كنايةً في الطلاق، فنوى الطلاق، أو الظِّهار، وقع ما نواه، فإن نوى تحريم ذاتها على نفسه لم تحرم، ويلزمُه كفَّارةُ يمينٍ بنفس اللفظ وإن لم يطأ، ولا تتعلَّق الكفَّارةُ بتحريم شيء من المباح، كالطعام والشراب وغيرِهما، إلّا بتحريم فرج الحرَّة والأمة.
وإن نوى بالتحريم اليمينَ على ترك الوطء، لم ينعقد على الأصحِّ، فإنَّ اليمين يختصُّ بذكر أسماء الله وصفاته الأزليَّة، ولذلك لو قال: لأدخلنَّ الدار، ونوى اليمينَ، لم تنعقد؛ فإنَّ أحكام الشرع لا تُؤخذ من تقديرات العربيَّة.

فإنْ جعلناه يمينًا في الزوجة والأمة، فنوى به اليمينَ في ترك شيءٍ من المباح، فهو يمينٌ على الأصحِّ، وإن لم ينو شيئًا، ففي الكفَّارة أوجهٌ؛ ثالثها: يجب في الأمة دون الحرّة.
وإن خاطب بذلك نسوةً، فقد قيل: تجب كفَّارةٌ واحدة، وقيل: في تعدُّدها بعددهن قولان، فإن قلنا: بالاتِّحاد، فخاطب بذلك نساءً وإماءً، وجبت كفَّارةٌ واحدةٌ، وأَبعدَ مَن أَوْجَبَ كفَّارةً عن الحرائر، وكفَّارةً عن الإماء.
هذا كلُّه إن جعلنا التحريم كنايةً في الطلاق، وإن جعلناه صريحًا فيه، وفي إيجاب الكفارة؛ بناءً على أنَّ مأخذ الصريح الشيوعُ والقرآنُ، فلا نحكم بالكفَّارة والطلاق؛ إذ لا يُمْكِنُ تحصيلُ معنيين بلفظٍ واحدٍ، ثمّ يُحتمل أن يقع الطلاق؛ لغلبته وتحريمه، ويُحتمل أن يرجع إلى بيِّنة، فإن نواهما لم يثبت موجَبُهما، وإن نوى الطلاق طَلَقَتْ، وإن نوى تحريمَ ذاتها وجبت الكفَّارة.

2639 -

فرع:

إذا قال لأمته المحرَّمةِ عليه بنسب أو رضاع: أنتِ عليَّ حرام، ونوى تحريمَ ذاتها، فلا كفَّارة عليه؛ لموافقته للشرع، وإن قال ذلك لزوجته المُحْرِّمة، أو أمته الوثنيَّة، أو المجوسيَّة، أو المرتدَّة، أو المعتدَّة، أو المزوَّجة، فوجهان؛ فإنَّها بغرض الاستحلال، وإن قاله للحائض والصائمة وجبت الكفَّارة، وإن قاله للرجعيَّة، فقد أطبق المحقِّقون على أنَّها لا تجبُ، وفيه احتمالٌ.

2640 - فرع: إذا قال لزوجته أو أمته: أنتِ عليَّ كالميتة، أو الدم، أو الخمر، أو

الخنزير، فهو كقوله: أنتِ عليَّ حرامٌ، ويُحتمل أن يقال: إذا جعلنا التحريمَ صريحًا في إيجاب الكفَّارة لورود القرآن، فلا تكونُ هذه الألفاظُ صرائحَ.

2641 -

باب الطلاق بالوقت وطلاق المكره

إذا علَّق الطلاقَ بصفةٍ مستقبَلةٍ لم يقع قبل تحقُّقِها، كمجيء الليل وذهاب النهار، وإن قال: أنتِ طالقٌ في شهر كذا، أو: في أوله، أو: في أول غُرَّته، طَلَقَتْ مع أوَّل جزءٍ منه.
وإن قال: في يوم كذا، طلقت مع أوَّل أجزاء الفجر.
وإن قال: في آخر شهر كذا، فهل تطلق مع آخر أجزائه، أو مع أوّل جزء من ليلة السادس عشر؟ فيه وجهان.
وإن قال: في أوّل آخرِه، فهو أوّلُ فجر اليوم الأخير، أو أوّلُ ليلة السادس عشر؟ فيه الوجهان.
وإن قال: في آخر أوَّله، فهو آخِرُ أجزاء اليوم الأوّل، أو آخِرُ أجزاء الليلة الأولى، أو آخِرُ أجزاء الخامس عشر؟ فيه أوجه.
وإن قال: إذا مضى اليومُ فأنتِ طالق، طلقت بغروب شمسه وإن لم يبق سوى لحظةٍ.
وإن قال: إذا مضى يومٌ فأنتِ طالق، لم تَطلُقْ إلى مثلِ ذلك الوقتِ من الغد، وإن قال ذلك في الليل، طَلَقَتْ مع أوّل أجزاء الليلة المستقبَلة.
وإن قال: أنتِ طالق سَلْخَ شهرِ كذا، فهل تطلق مع آخر أجزاء اليوم

الأخير، أو مع طلوع فجره؟ فيه وجهان، وأَبعدَ مَن أوقع بمضيِّ أوَّل جزء من الشهر، ويُحتمل أن تطلق في أوّل ثلاثة أيَّام من آخر الشهر، فإنَّ السَّلْخَ يُطلق على ثلاثةٍ من آخره، كما تُطلق الغُرَّة على ثلاثةٍ من أوَّله.
وإن قال: أنتِ طالق عند انسلاخ الشهر، فلا وجهَ إلا القطعُ بالوقوع مع آخر جزءٍ منه.

2642 -

فصل في التعليق برؤية الهلال ومضيِّ السنة

إذا قال: إن رأيتِ الهلالَ فأنت طالقٌ، طَلَقَتْ برؤية غيرها، فإنَّها تُطْلَقُ على العلم والعرفان، فإنْ زعم أنَّه أراد رؤيةَ العيان دُيِّن، وفي قبوله في الحكم وجهان، وإن ذكر ذلك بالفارسيّة، فقد حمله القفَّال على العيان، ولا فرق بين اللغتين عند الإمام.
وإن قال: إن رأيتِ فلانًا فأنت طالق، وكان غائبًا فقدم، فالظاهرُ حملُه على العيان.
وإن قال: إذا مضتِ السنة فأنت طالق، طلقت بمضيِّ السنة العربيَّة، وإن لم يبق منها سوى لحظةٍ، وإن قال: إذا مضت سنةٌ، فلابدَّ من مضيِّ اثني عشر شهرًا بالأهِلَّة، فإن انكسر الشهر الأوّل وجب إكمالُه من الثالث عشر ثلاثين يومًا، وقيل: يجب إكمال الجميع ثلاثين ثلاثين، وهو مطَّرِدٌ في العِدَد، والآجال الشرعيَّة، والأيمان.

2643 -

فصل في إضافة الطلاق إلى زمانٍ ماضٍ ووصفِهِ بمستحيل

إذا وصف الطلاق بمستحيلٍ لا يُوصَفُ بمثله في الجِدِّ، كقوله: أنتِ طالقٌ طلقةُ لا تقع، لغا الوصفُ، ووقع الطلاق.
وإن علَّقه بمستحيلٍ كإحياء الموتى، وصعودِ السماء والطيران، لم يقع على الأصحِّ، وقيل: يقع، وقيل: إن علَّق بالإحياء وقع، وإن علَّق بالصعود والطيران لم يقع.
وإن قال: أنتِ طالقٌ الشهرَ الماضي، ولم ينوِ شيئًا، أو نوى وقوعه في الحال، وانعكاسَه على الشهر الماضي، طلقت في الحال، وقال الربيع: لا يقع إذا نوى الانعكاس، وإن نوى الإيقاعَ في الشهر الماضي ولم ينوِه في الحال فوجهان، وإن قال: أردتُ أنَّه طلَّقها زوجٌ في الشهر الماضي، أو أنِّي طلَّقتها فيه، ثم تزوَّجتُها، فإن لم يُقم البيِّنةَ بذلك طَلَقتْ عند الأصحاب في الحال، وفيه احتمالٌ، وإن أقام البيِّنة قُبل، وإن اتُّهم حلف، وإن قال: طلَّقتها فيه، ثم ارتجعتها، قُبل عند المحقِّقين؛ لاعترافه بوقوع الطلاق في هذا النكاح.
وقال القاضي: إن صدَّقته قُبل، وإن أكذبته فالقولُ قولها، فتطلقُ واحدةً بالإنشاء، وأخرى بالإقرار.
وهذا بعيدٌ؛ إذ لا أثر للتصادُق على حقوق الله.

2644 -

فرع:

إذا تعذَّرت معرفةُ نيَّته بموتٍ أو جنونٍ، وقع الطلاق في الحال.

2645 -

فرع:

إذا قال: أنتِ طالق غد أمس، أو أمسَ غدٍ، وقع في الحال، وإن قال: غدًا أمس، من غيرِ إضافةٍ، طلقت في الغد، ولغا ذكرُ أمس، وقال الإمام: ينبغي أن يقع في الحال؛ لأنَّ أمس بمثابةِ الشهر الماضي.

2646 - فرع: إذا قال: إن ضربتكِ، أو: إن قدم فلان، أو: إن مات، فأنتِ طالقٌ قبلَه بشهر، فإن حصل شيءٌ من ذلك بعد شهر طَلَقَتْ قبلَه بشهرٍ، وإن حصل قبل الشهر انحلَّت اليمين، ولم يقع الطلاقُ، ويُحتملُ ألا تنحلَّ اليمين؛ تخريجًا على مذهب الإصطخريِّ.

2647 -

فصل في تعليق الطلاق على النفي أو الإثبات

إذا علَّق الطلاق بنفي فله حالان: إحداهما: أن يُعلِّق بـ (إنْ)، فيقول مثلًا: إنْ لم أضربكِ، أو: إنْ لم أطلَّقك، أو: إنْ لم تدخلي الدار، فأنتِ طالقٌ، فلا تطلق حتى يقع اليأسُ من الدخول والضربِ والطلاقِ، فإنْ فعل ما علَّق الطلاقَ بنفيه، انحلَّت اليمين المعلَّقة، ويتحقَّق اليأسُ بموتِ أحد الزوجين، وله الوطءُ قبل وقوع الطلاق إجماعًا، وإن قَدَرَ على التخلُّص من وقوعه بأنْ يفعل ما علَّق الطلاق على نفيه، فإذا وقع الطلاقُ لم يستند إلى وقت التعليق اتِّفاقًا.
فإذا قال: إنْ لم أطلِّقك فأنتِ طالق، ثم جُنَّ، فلا تطلق إلا أن يستمرَّ

الجنون إلى الموت، فيتبيَّنَ وقوعُ الطلاق قُبيل الجنون، وإن بانت بفَسْخٍ، فإن كان الطلاقُ المعلَّق بائنًا خرجت المسألة على الدَّور، وإن كان رجعيًّا؛ فإن ماتت في البينونة تبيَّن وقوعُ الطلاق قُبيل الفسخ، كما ذكرناه في الجنون، وإن جدَّد نكاحها، فالطلاق الذي علَّق الطلاق بنفيه متصوَّر في النكاح الثاني، فإن لم يطلِّق في النكاح الثاني حتى مات، فإن قلنا: يعودُ الحنث، فهو كما لو استمرَّ النكاح الأوَّل، وإنْ قلنا: لا يعودُ، لم تطلق؛ لأنَّ اليأس تحقَّق في وقتٍ لا يمكنُ وقوعُ الطلاق فيه، فأَشْبهَ ما لو علَّق الطلاقَ بعدم الضرب، ثم بانت فجدَّد نكاحها، ولم يضربها حتى مات، وقلنا: لا يعود الحِنْثْ

2648 -

فرع:

إذا قال: إن لم أضربك فأنت طالقٌ، فبانت بفسخٍ أو طلاقٍ؛ فإن ضربها وهي بائنٌ انحلَّت اليمين، وإن لم يضربها حتى ماتت لم تَطْلُق؛ لأنَّ اليأس تحقَّقَ وهي بائن، وإن جدَّد نكاحها؛ فإن ضربها انحلَّت اليمين، وإن لم يضربها؛ فإن قلنا: يعود الحنث، فهو كما لو استمرَّ النكاح، وإن قلنا: لا يعود، لم تطلق في البينونة ولا في النكاح الثاني؛ لأنَّ اليأس تحقَّق حين لا يمكنُ وقوع الطلاق.
أمّا ألفاظ التعليق: فـ (كلَّما): للتكرار وعموم الأزمان.
و(إن)، و (إذا)، و (متى)، و (ما)، و (مهما)، و (أيَّ وقتٍ)، و (أيَّ حين)، و (أيَّ زمان): للعموم دون التكرار.
فإذا علَّق الطلاق بشيءٍ من هذه الألفاظ على وجودِ شيءٍ، فَوُجد

على الفور أو التراخي طلقت، ولا يتكرَّر بتكرُّر الشرط إلا في (كلَّما)، فإذا قال: مهما عتقتُ عبدًا، فعبدٌ من عبيدي حرٌّ، فعتق واحدًا، عتق معه آخر، وانحلَّت اليمين.
وإن قال: كلَّما عتقتُ عبدًا، فعبذ من عبيدي حرٌّ، تكرَّر العتقُ بتكرُّر الإعتاق.
وإن قال: مهما ضربتُكِ فأنت طالق، انحلَّت اليمين بالضرب الأوّل.
وإن قال: كلَّما ضربتك فأنتِ طالق، فضربها ثلاثًا، طلقت ثلاثًا.
الحال الثانية: أن يعلِّق الطلاق بنفي، ولكن بغير (إن) من سائر ألفاظ التعليق، كقوله: إذا لم أطلِّقك، أو: متى لم تفعلي كذا، فأنت طالق، فمتى مضى زمانٌ يسعُ الطلاق، أو غيره من الصفات التي علَّق الطلاق بنفيها، وقع الطلاق.
وقال صاحب "التلخيص": (إن) و (إذا) يقتضيان التراخي، وأَبعد من خرَّج (إن) و (إذا) على قولين.
وعلى المذهب: إذا قال: إذا لم أطلِّقك فأنت طالق، ثمّ قال: أردتُ: إن فاتني طلاقُك، دُيِّن، وفي القبول ظاهرًا وجهان، وإن قال: إن أعطيتِني ألفًا فأنت طالق، ثمّ قال: أردت: متى أعطيتني، ففيه عند صاحب "التلخيص" احتمالٌ، وقال الإمام: إن صدَّقتْه ثبت العوض، وإن كذَّبتْه ففيه احتمال.

2649 -

فرع:

إذا قال: إن طلقتُك، أو: إذا طلقتك، فأنتِ طالق، أو: أنتِ طالق إذا طلقتك، ثمّ طلَّقها طلقةً؛ فإن كانت ممسوسةً طَلَقَتْ طلقتين، وإن لم تكن

ممسوسةً، أو كانت ممسوسةً فخَلَعها بطلقةٍ، أو طلَّقها على مالٍ، وقعت الطلقة المنجَّزة، ولا تقع المعلَّقة اتِّفاقًا، وهذا يُشعر بأنَّ المشروط يقع عَقِيبَ شرطه، وقد قال به جماعةٌ من الأصحاب؛ استدلالًا بهذا، وبأنَّ المريض لو علَّق عتق غانم على عتق سالم، وكلُّ واحدٍ منهما قدْرُ الثلث، ثم أعتق سالمًا، فإنَّه يَعْتِقُ وحدَه، ولا يُقْرعُ بينهما، بخلافِ ما لو أعتقهما معًا.
وقال المحقَّقون: يقع المشروطُ مع شرطه، فإنَّ المعلِّق قَصَدَ أن يجعله علَّةً له ويقرنه به، فإنَّ الطلاق حكميٌّ، فجاز اقترانُه بشرطه، بخلافِ تعليق الفعل على الفعل، كقوله: إن جئتني أكرمتك، فإنَّ الإكرام يترتب على المجيء.

2650 -

فرع:

التعليق مع الصفة تطليقٌ، فإذا قال: إن طلَّقتك فأنتِ طالقٌ، أو: إن أوقعتُ عليكِ طلاقي فأنتِ طالق، ثمّ قال: إن دخلتِ الدار فأنت طالق، لم تطلق قبل الدخول، فإن دخلت وقع طلقتان، خلافًا للعراقيين في قوله: إن أوقعتُ عليك طلاقي، ولا وجه لقولهم؛ إذ لا فرق بين اللفظين، فإن خالفوا فيهما فقد خرجوا عن اللغة، وما عليه الفقهاء، فإنَّ مَن علَّق الطلاق بقيام زوجته أو دخولها، فقامت أو دخلت، صحَّ أن يقال: طلَّق زوجته.

2651 - فرع: إذا قال للممسوسة: كلَّما وقع عليك طلاقي فأنتِ طالق، ثمَّ طلَّقها واحدةً، طلقت ثلاثًا.

2652 -

فصل في تعليق عتق العبيد على طلاق النساء

إذا قال: كلَّما طلَّقت امرأة فعبدٌ من عبيدي حرٌّ، وكلَّما طلَّقت اثنتين فعبدان منهم أحرار، وكلَّما طلَّقتُ ثلاثًا فثلاثةٌ منهم أحرار، وكلَّما طلَّقت أربعًا فأربعةٌ منهم أحرار، فطلَّق أربعًا معًا، أو على التعاقُبِ، عَتَقَ خمسةَ عَشَرَ عبدًا؛ إذ عَتَقَ بيمين الآحاد أربعةٌ، وبالاثنتين المكرَّرة أربعةٌ، وبالثلاث ثلاثةٌ، وبالأربع أربعةٌ.
وقيل: يَعْتِقُ عشرة.
وهو غلطٌ لا يُلحق بالمذهب.
وقيل: يعتق سبعةَ عشر؛ لاشتمال الثلاثة على اثنتين مرَّةً أخرى.
وهو غلطٌ، فإنَّ ما حُسِب في مرَّةٍ لم يُحسب في أخرى، ولذلك اتَّفقوا على أنَّه لا يحنث في يمين الثلاث مرَّتين وإن اشتملت عليها الأربعُ.
وإن أتى بالتعليق المذكور بلفظ: (إن)؛ لم يعتق سوى عشرة.

2653 -

فرع:

إذا قال: مهما طلَّقتُ عمرةَ فحفصةُ طالقٌ، ومهما طلَّقتُ حفصةَ فعمرةُ طالقٌ؛ فإن بدأ بطلاق حفصةَ طَلَقَتْ كلُّ واحدةٍ طلقةً، وإن بدأ بطلاق عمرةَ طلقت طلقتين، وطَلَقَتْ حفصةُ طلقةً.

2654 - فرع: إذا قال: أَنْ طلَّقتك، أو: أَن لم أطلقكِ، فأنتِ طالق، فإن جهل العربيَّة كان ذلك شرطًا منه، وإن عرف العربيَّة طلقت في الحال؛ فإنَّ الطلاق المعلَّل واقع وإن لم تُوجد علَّتُه، بخلافِ المعلَّقِ على الشرط.

2655 -

فصل في تحقُّق شرط الطلاق بنسيان أو إكراه

إذا حلف بالله لا يدخل الدار، فدخل محمولًا بإذنه، حنث، وإن أُدخل قهرًا لم يحنث، وإن أُكره أو نسي فقولان، وأيُّهما أولى بالحنث؟ فيه طريقان.
وإن علَّق الطلاق أو العتاق بفعلٍ فله أحوالٌ: الأولى: أن يعلِّقه بفعلِ نفسِهِ، كدخول الدار، فإن أُدخل قهرًا لم يحنث اتِّفاقًا، وإن أُكره أو نسي فقولان، وانفرد القفَّال بإيقاع الطلاق تغليبًا للصفة، بخلافِ الأيمان.
الثانية: أن يعلِّقه بفعل الزوجة؛ فإن لم تسمع، ولم يقصد إسماعها ليزجرها؛ فإن دخلت مختارةً طَلَقَت اتِّفاقًا، وكذا إن أُكرهت على الأصحِّ، وقيل: فيه القولان، وإن علمت بالتعليق، ففيه القولان، خلافا للقفَّال.
الثالثة: أن يعلِّق بفعلِ أجنبيٍّ، فإن لم يَعْلَمْ بالتعليق، فدخل مكرهًا، فطريقان، أظهرهما: طردُ القولين؛ لضعفِ الاختيار بالإخبار، ولا يُتصوَّر هاهنا النسيان، وإن علم، فإن كان ممَّن لا يمتنعُ ليمينِ الحالف؛ فإن دخل ناسيًا طلقت، وإن دخل مكرهًا، فقولان عند الإمام؛ لضعف الاختيار، وإن كان ممَّن يَمتنع بيمينه (1)، فدخل ناسيًا، فطريقان؛ إذ لا تعلُّق له بالنكاح، والأوجهُ طردُ القولين.

2656 -

فرع:

إذا حلف بحضور الزوجة ناويًا للتعليق على الصفة دون المنع، فالوجهُ القطعُ في صورة النسيان بوقوع الطلاق، وفي الإكراه القولان؛ لضعفِ الاختيار.1

جارٍ التحميل