كتاب الحجر
كتاب الحجر
1630 -
للحجر خمسة أسباب:
الأوَّل: الجنون، ولا عبرة بشيء من أقوال المجنون.
الثاني: الصِّبي، ولا يُعتبر من الصبيِّ قول ملزِم، وإِنَّما اعتُبر قوله في الصلاة؛ لأنَّه غير ملزم.
الثالث: الرقُّ، وتصرُّف الرقيق ثلاثة أقسام:
الأوَّل: ما لا ينفذ وإِن أذن السيِّد، كالولايات والشهادات.
الثاني: ما ينفذ بغير إِذن السيِّد، كالعبادات والتصرُّفِ في النكاح المأذون.
الثالث: ما يقف على الإِذن، كالبيع والنكاح، وكذلك الشراءُ على الأصحِّ.
الرابع والخامس: السَّفَه والفَلَس.
1631 -
فصل في بيان أسباب البلوغ
وله أسباب:
الأوَّل: إِكمال خمسَ عشْرةَ سنةً في الذكر والأنثى والخنثى، وأبعدَ مَن قال بالطعن في الخامس عشرة.
الثاني: إِنبات شعر العانة الخشن دون الزغب، ويتعلَّق به البلوغ في الذكور والإِناث إِن كانوا كفَّارًا، وهل هو بلوغ، أو علامةٌ للبلوغ؟ فيه وجهان، فإِن جُعل بلوغًا حكم به في أولاد المسلمين، وإِن جعل علامة ففي أولاد المسلمين وجهان.
وألحق القاضي شعرَ اللحية والإِبط والشارب بشعر العانة، وهو متَّجه.
ولا عبرة بانفراق أرنبة الأنف، ونتوء غضروفة الحلقوم، وثقل الصوت، ونهود الثدي.
الثالث: الاحتلام في الذكور والإِناث، وأبعدَ مَن قال: لا يكون بلوغًا في الإِناث لندرته، وظاهر كلام الأصحاب: إِيجاب الغُسْل منه وجهًا واحدًا، وقال الإِمام: لا يجب إِلا إِذا جُعل بلوغًا، ووافَقَ على الوجوب باحتلام المرأة البالغ.
والحيضُ: بلوغ في الإِناث، وسنُّ احتلام الغلام: الطعْن في السنة العاشرة أو إِكمالها؟ فيه وجهان، فإِن انفصل منه ما هو بصفة المنيِّ في الثامنة 1 فهذا نادر، وقد بيَّنَّا حكم النادر في سنِّ الحيض، وقدْرَه وأقلَّه وأكثرَه.
1632 -
فصل في بلوغ الخنثى
إِذا حاض الخنثى وأمنى ففي الحكم ببلوغه وجهان، وظاهر النصِّ: أنَّا لا نحكم به؛ للتعارض، وإن أمنى أو حاض لم نحكم ببلوغه، وقطع الإِمام بالحكم بالبلوغ، كما نحكم بذلك في الذكورة والأنوثة، ولا مبالاة بقول من يقول: يُحتمل أن يخرج بعد أحدهما ما يعارضه، وإن شبَّب مشيِّبٌ بخلافٍ في إِثبات الذكورة والأنوثة بذلك، فلا خلاف في تعليق الحكم بأحد المَبَالَيْنِ إِذا سبق، ويجوز أن يُحمل كلام الأصحاب على أنَّا نحكم بالبلوغ بسبق أحدهما، فإِذا لحقه الآخر نقض الحكم الأوَّل، وهل يحكم الآن (1) بالبلوغ؟ فيه وجهان.
1633 -
فصل في حَجْر السَّفَه
الرشد: إِصلاح الدين والمال.
والتبذير: صرف المال فيما لا يُكْسِبُ أجرًا في الآجل، ولا حمدًا ممَّن يُعتبر حمدُه في العاجل.
فمن بلغ مفسدًا لدينه وماله، أو لأحدهما، استمرَّ حَجْره، فمن تعدَّى طوره في اتِّخاذ الأطعمة الفائقة التي لا تليق بأمثاله، أو كان فاسقًا في دينه ضابطًا لماله، فالحجر مستمرٌّ عليه، ويختلف صرف المال في الأطعمة الفائقة باختلاف الرُّتَب والمنازل.1
وليس من التبذير صرف المال في القربات وإِن أفرط فيه؛ إِذ لا سَرَف في الخير، ولا خير في السرف، وسواءٌ اقترن ذلك بالبلوغ أو طرأ عليه، وقال أبو محمد: إِن اقترن إِفراطُه بالنفقات في الخيرات بالبلوغ استمرَّ الحجر، ووافق على أنَّه لو طرأ لم يحجر بسببه.
1634 -
فرع:
إِذا بلغ رشيدًا انفكَّ الحجر، ولو بلغ سفيهًا، ثمَّ ظهر رشده، انفكَّ الحجر، وأبعد من وقف الانفكاك على الحكم في الصورتين.
1635 -
فصل في عود أسباب الحجر
إِذا انفكَّ الحجر، ثمَّ سَفِه في دينه وماله، أو في ماله، فلابدَّ من إِعادة الحجر، ويتوقَّف على الحكم، وأبعدَ مَن قضى بعوده بنفس السَّفَه؛ اعتبارًا بالجنون.
وإن سفِه في الدين لم يُعَدِ الحجر، والمذهب أنَّ الحاكم لا يعيده؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إِلى الحجر على معظم الخلق، ولم يفعله السلف، وكلُّ ما يفعله الولاة نظرًا فهو حتْمٌ، ولو فُعِل ذلك لاشتهر ونُقل.
ولو عاد الجنون بعد الرشد عاد الحجر بنفس الجنون، وهل يتولَّاه الأب أو الحاكم؟ فيه وجهان.
ولو بلغ سفيهًا أو مجنونًا، فوليُّه في السفه والجنون وليُّه في الصّبي اتّفاقًا.
وإِن عاد التبذير بعد الرشد، فوليُّه الحاكم إِلا إِذا قلنا: يعود الحجر
بنفس التبذير، ففيه كالجنون وجهان.
1636 -
فرع:
إِذا بلغ سفيهًا في قطر بعيد عن الولاة، ولا أبَ له ولا جدَّ، لم ينفذ تصرُّفُه؛ لبقاء حجره؛ اعتبارًا بالصبي في نظير هذه الصورة، وأبعد مَن نفَّذ تصرُّفاتِه ما لم يَحجر عليه بعض الولاة.
1637 - فرع: إِذا كان الرشيد يُغبَن في بعض تصرّفاته، فهل يَضرِب عليه [القاضي] حجرًا خاصًّا بها؟ فيه وجهان.
1638 -
فصل فيما ينفذ من تصرُّفات السفيه وما لا ينفذ
ويصحُّ طلاقه وخُلعه وإقراره بالنسب وبما يوجب القصاص، وكذلك قبولُ الهبة عند الأكثرين، وفي تدبيره ووصيته قولان مرتَّبان على تدبير الصبيِّ ووصيَّته، وأولى بالنفوذ.
وإن باع أو اشترى أو نكح أو آجر لم يصحَّ، وأبعدَ مَن خرَّج شراءه في الذمَّة على شراء العبد بغير إِذن السيِّد.
وإن أذن له الوليُّ في نكاح أو بيع أو شراء أو إِيجار، فأوجه ثالثها: يصحُّ النكاح خاصَّةً.
وإن أتلف مالًا ضمنه، وإِن أقر بالإِتلاف لم ينفذ على أصحّ القولين؛ إِذ لا يملك إِنشاءَه شرعًا.
وإن اشترى وسلَّم إِليه البائع المبيع، فتلف عنده أو أتلفه، فلا ضمان
في الحجر، ولا في الإِطلاق، وقال في "التقريب": لا يطالب بعد الإِطلاق ظاهرًا، وفي الباطن وجهان، وهذه هفوة؛ إِذ لو ثبت الطلب باطنًا لم يمتنع ظاهرًا.
1639 -
فرع:
وينعقد إِحرامه بالحجِّ وإِن كان تطوُّعًا، وليس للوليِّ أن يدفع إِليه في التطوُّع ما يبلِّغه، وهل له التحلُّل؟ فيه وجهان؛ لأنَّ عدم النفقة لا يكون إِحصارًا، ولذلك لا يتحلَّل المُطلِّق بعدم النفقة.
1640 - فرع: إِذا كان مِطْلاقًا، والحاجةُ ماسَّةٌ، سُرِّيَ بجارية؛ لأنَّ عتقه لا ينفذ، ومتى تبرَّم بها باعها الوليُّ واشترى غيرها.
1641 -
فصل في اختبار الصبيِّ
ينبغي أن يختبره الوليُّ قبل البلوغ، فإِن ظهر رشده بادر إِلى تسليم ماله إِليه بعد البلوغ، ويختلف الاختبار باختلاف الناس، فيُختبر ابن التاجر والسوقي بمال يدفع إِليه ليتصرَّف فيه بالبيع والشراء، وإن لم يقتضِ منصبُه البيع والشراء، دفع إِليه مالًا لينفقه على الخدم؛ ليُعلم اقتصاده في ذلك وغباوته، واختباره في البيع بالمماكسة والمساومة، فإِن تعاطى البيع لم يصحَّ على المذهب، وأبعد من صحَّحه، والله تعالى أعلم.