بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّر وَأَعِن كِتَابُ البُيُوعِ
1133 -
البيع جائز بالإِجماع.
قال الشافعيّ: جماع ما يجوز به البيع عاجلًا وآجلًا أن يتبايعا عن تراضٍ منهما، ولا يعقداه بأمر منهيٍّ عنه، ولا على أمر منهى عنه، فإِن تفرَّقا عن تراض منهما فقد لزم البيع، وليس لأحدهما ردُّه إِلا بخيار أو عيب، أو شرطٍ يَشْرطه، أو خيارِ الرؤية إِن جاز خيار الرؤية.
نبَّه بذلك على بيع الحالّ والمؤجَّل من الأعيان والسَّلَم، وأنّه لا يصحُّ مع الإِكراه، ولا بثمنٍ محرَّم، ولا شرط فاسد، وعلى انتهاء خيار المجلس بالتفرُّق، واستَثنى من لزوم العقد خيارَ الشرط والعيب والخُلف، وردَّد قوله في بيع خيار الرؤية.
1134 -
فصل في بيع الغائب وشرائه
من 1 اشترى أو باع ما لم يره ففي الصحَّة قولان، والبيع 2 أولى بالصحَّة عند العراقيّين، وعند المَرَاوزة بالبطلان؛ فإِن صحَّحناه ثبت خيار
الرؤية للمشتري، ولم يثبت للبائع على الأصحِّ؛ لبعد جانبه عن الخيار، ولذلك لو ظنَّ أنَّ المبيع مَعيبٌ، فخرج سليمًا، فلا خيار له.
وهِبةُ الغائب كشرائه عند أبي محمد، وأولى بالصحَّة عند الإِمام، والرهنُ قريب من الهبة.
1135 -
فصل في شراء ما تقدَّمت رؤيته
إِذا اشترى غائبًا تقدَّمت رؤيته؛ فإِن غاب عنه زمانًا يتغيَّر في مثله غالبًا فعلى القولين، وقيل: يصحّ للرؤية السابقة، وإِن غاب مدَّة لا يتغيّر في مثلها غالبًا صحَّ الشراء، خلافًا للأنماطي؛ فإِنّه شرط اقتران الرؤية بالبيع، والوجه في مذهبه: أن ما لا تتيسّر رؤيته - كجميع أجزاء القرية والدار - فلا تُشترط رؤيته.
ولو رأى شيئًا، ثمّ أعرض عنه واشتراه، جاز بإِجماع، نقله الإصطخريّ.
وإِذا 1 صحّحنا شراء ما تقدّمت رؤيته، فوجده ناقصًا عمّا عهده، يُخيَّر سواء نَقَص بعيب أو بغيره؛ ولذلك أثبت الشافعي الخيار بتأبير الثمار.
قال الإِمام: لا خيار بزيادة، ولا بما لا يُكترث به من النقص، وضَبَطَه بكلِّ تغيُّرٍ لو كان خُلْفًا في صفةٍ مشروطة لأثبتَ الخيار؛ تنزيلًا للرؤية منزلة شرط الصفة، وقال: يمكن ضبطه بكلِّ تغيُّرٍ يُخرِج الرؤية عن إِفادة ما يُشترَط من المعرفة.
1136 -
فرع:
إِذا اختلفا في التغيُّر فالقولُ قولُ البائع، خلافًا للصيدلانيِّ، فإِنَّه زعم أن القياس قبولُ قول المشتري؛ لأن البائع يدَّعي عليه أنَّه اطَّلع على المبيع بهذه الصفة، وهو ينكر، فأَشبه ما لو ادَّعى اطِّلاعَه على عيبٍ قديم.
1137 -
فصل فيما يُشترط في صحَّة بيع الغائب
إِذا أجزنا بيع 1 الغائب ففي شرطه طريقان:
إحداهما: إِنْ ذَكَرَ الجنس صحَّ، وإن لم يذكره فوجهان.
ولو استقصى أوصاف السَّلَم ففي إِلحاقه بالحاضر وجهان.
الطريقة الثانية للعراقيين: يُشترط ذكر الجنسِ والنوع ومعظمِ الأوصاف، وفي صفات السَّلَم وجهان؛ فإِنْ شرطنا أوصاف السَّلَم، فوفت، فالقياسُ أن يثبتَ خيارُ الرؤية وجهًا واحدًا.
1138 - فرع: كلُّ صفةٍ يُشترط ذكرها إِذا ذكرها كاذبًا لم يصحَّ البيع، ولو استقصى أوصاف السَّلَم وجعلناه بيعَ غائبٍ، ففي ثبوت خيار الرؤية عند المراوزة وجهان.
1139 -
فصل في بيع ما رأى أنموذَجَه
إِذا أراه أنموذجًا من مثليٍّ، وباعه منه مئة صاع؛ فإِن لم يُشِر إِلى معيَّن لم يصحَّ اتِّفاقًا، وإن أشار إِلى معيَّن؛ فإِن باعه مع الأنموذج صحَّ، وقيل: على القولين.
وإن باعه دون الأنموذج فقد قيل: يلحق بالغائب، ويُحتمل إِلحاقه باستقصاء الصفات، ولا يصحُّ السَّلَم بناءً على رؤية الأنموذج؛ لأنَّ التعيين ينافيه، بخلاف بيع الأعيان.
كذا ذكره أبو محمد، وقد خُولف في ذلك على ما سنذكره.
1140 -
فصل في خيار المجلس وخيار الرؤية في بيع الغائب
إِذا أجزنا شراء الغائب، فاختص البائع برؤية المبيع، يُخيَّر المشتري عند رؤيته، وفي تخيّره قبلها وجهان، فإِن قلنا: يتخيّر، نفذ فسخه دون إِجازته، وإِن قلنا: لا يتخيّر، فلا فسخ ولا إِجازة.
وأمَّا خيار المجلس فهل يثبت لهما أو للبائع وحدَه، أو لا يثبت لواحد منهما؛ فيه ثلاثة أوجه أصحُّها الأوَّل، وأبعدُها الأخير؛ فإِن أثبتناه للمشتري ثبت له خيار الرؤية على الفور، وإن لم نثبته فهل يتخيَّر للرؤية على الفور، أو ما دام في مجلس الرؤية؛ فيه وجهان أصحّهما: أنه يتخيَّر على الفور؛ فإن قلنا بالفور فلا خيار للبائع، وإِن نفينا عنه خيار المجلس؛ [فلا بد من]
اختصاص (1) خيار الرؤية بمن لم يَرَ، وإِن قلنا: يدوم بدوام المجلس؛ فإِن أثبتنا للبائع خيار المجلس فلا خيار له عند الرؤية، وإِن نفينا عنه خيار المجلس فوجهان:
أحدهما: لا خيار له.
والثاني: له الخيار ما داما في مجلس الرؤية.
1141 -
فصل في بيع ذوات الأمثال
إِذا باع صُبْرة مثليّة؛ فإِن لم يختلف ظاهرها وباطنها صحَّ البيع، وإن اختلفا فعلى القولين عند أبي محمد، وفيه احتمال؛ فإِن ظهر تحتها دِكَّة جهلها المشتري صحَّ، وثبت خيار النقصان، وأبعد أبو محمد فخرَّجه على القولين.
وإِن باع صاعًا من باطنها ففيه القولان، ويَقْربُ إِلحاقه بمسألة الأنموذج إِذا لم يدخل في البيع، ولو باع صاعًا من صبرة فليس ببيع غائب.
1142 -
فصل في بيع الثوب المطويِّ
إِذا باع ثوبًا مطويًّا ففيه القولان اتِّفاقًا، وإِن رأى أحدَ وجهَي الثوب؛ فإِن لم يدلَّ على الوجه الآخر ففيه القولان، وإِن دلَّ كالكِرباس ونحوه فوجهان.1
ولو رأى بعضَ الثوب وبعضُه في صندوق ففيه القولان، وأبعدَ من قطع بالبطلان، ومَن ألحقه بتفريق الصفقة في مختلفات الأحكام، وفي الثوب التَّوَّزي في مِسْحِهِ (1) القولان، وكذلك ما ينقص بالنشر ولا يرى منه في العادة إِلّا بعض طاقاته، ويحتمل القطع بالصحَّة في هذه الصورة؛ اعتبارًا بالجوز واللوز؛ لِمَا في نشره من النقصان.
1143 -
فصل في بيع الجارية المتنقِّبة
إِذا اشترى جاريةً متنقِّبة ففيها القولان، ويخرج عن الخلاف برؤية وجهها ويديها ورجليها، وما يبدو من أطراف الساق والساعد في الفضلة والمهنة، وفي الشعر وجهان يُحتمل إِجراؤهما في كشف الرأس، ولم يتعرَّض له الأصحاب.
ويجوز أن يشترط رؤية ما ليس بعورة اتِّفاقًا؛ لأنه المعروض منها عرفًا.
1144 -
فصل في بيع الأكارع والرؤوس واللحم في الجلود
يجوز بيع الأكارع والرؤوس بجلودها مشويّةً ونيئة، وإِن باع اللحم في الجلد لم يصحَّ قولًا واحدًا، سواءٌ باعه مع الجلد أو دونه، وإِن سَلَخ الجلد ورَدَّ اللحم إِليه، وباعه، ففيه القولان، ويجوز بيع المسموط 2 مشويًّا1
ونيئًا، وفي النِّيء احتمال.
= ما في كتب المذهب، و (سَمَطْتُ) الجديَ (سَمْطًا) نحَّيْتُ شعره بالماء الحار فهو (سَمِيط) و (سَموط).
انظر: "المصباح المنير" (مادة: سمط).
1145 -
باب خيار المجلس
يثبت خيار المجلس في كلِّ بيعٍ كالصرف والسَّلَم وصلح المعاوضة وبيع المرابحة والإشراك والتولية، وإِن باع الأب من طفله أو اشترى تخيَّر ما لم يفارق المجلس، وقيل: لا يتخيَّر؛ لتعذّر الافتراق؛ فإِن خيَّرناه فالوجه أن يثبت له خياران: أحدُهما لطفله، والثاني له، ثم يتصرَّف فيهما على ما يليق بهما.
ومن اشترى من يعتق عليه فالمذهب أنَّه لا خيار له، ولا للبائع، وقيل: يتخيَّران، فينفذ فسخ المشتري وإِجازته، ولو أعتق أُلحق إِعتاقه بإِعتاق الأجنبي.
1146 -
فصل فيما يثبت فيه خيار المجلس والشرط من المعاملات
لا يثبت خيار المجلس في عقد جائز من جانبيه، ولا من أحدهما، كالكتابة والرهن، ولا خيار في الهبة بعد القبض إِلا أن يكون فيها ثواب، ففي ثبوت الخيارين وجهان يقربان من الخلاف في توقُّف الملك فيها على القبض.
ولا خيار في الحوالة إِلا أن تلحق بالمعاوضة، فطريقان:
إِحداهما: لا يثبت خيار الشرط، وفي خيار المجلس وجهان.
والطريقة الثانية: في الخيارين وجهان أصحُّهما أنَّهما لا يثبتان.
ولا يثبت الخياران في نكاح ولا قسمة إِجبار، وفي ثبوتهما في الصَّداق قولان منصوصان، وخيارُ الشرط أولى بالثبوت؛ إِذ وضْعُ خيار المجلس على الثبوت من الجانبين، ولا خيار في قسمة الاختيار إِلا أن تجعل بيعًا، ففي الخيارين وجهان، وخيار الشرط فيها أبعد.
وإِذا تملَّك الشفيعُ الشقصَ لم يثبت فيه خيار الشرط، وفي خيار المجلس وجهان، وغَلِطَ من خيَّره بين التملُّك والترك ما دام في المجلس.
والإِجارةُ على الذمَّة إِن أُلحقت بالسَّلم ففيها خيار المجلس دون خيار الشرط، وإِن لم تُلحق بالسَّلَم ففيها الخياران.
وفي الإِجارة على العين طريقان:
أرضاهما: أنَّه لا يثبت خيار الشرط، وفي خيار المجلس وجهان.
والطريقة الثانية: في الخيارين وجهان، والأصح 1 أنهما لا يثبتان؛ لمَا في ذلك من تعطيل المنافع، فإِن أثبتناهما فابتداءُ مدَّة الإِجارة من حين العقد أو من حين انقضاء الخيار؟ فيه وجهان؛ فإِن حُسبت من العقد - وبه قطع الإِمام - فإِن كان المأجور بيد المالك ضمن ما فات من المنافع في مدّة الخيار، وإِن كان في يد المستأجر فهو كإِتلاف المشتري لبعض المبيع في مدّة
الخيار، وإِن حُسبت المدة من انقضاء الخيار فقياسه يقتضي أن يجوز للمالك إِجارة الدار في مدّة الخيار، وهذا قريب من خرق الإجماع.
ولا خيار في المسابقة إِلّا أن تُجعل لازمةً فهي كالإِجارة، وأولى بنفي الخيار.
1147 -
فصل في اشتراط نفي الخيار
إِذا شرط المتعاقدان نفي خيار المجلس أو خيار العيب أو خيار الرؤية؛ فأوجُه:
أحدها: يفسد العقد وليس بمَرْضيٍّ.
والثاني: ينعقد لازمًا.
والثالث: يصحُّ، ويثبت الخيار، وخيار الرؤية أولى بألا ينتفي.
1148 -
فصل في الفسخ والإجازة في المجلس
إِذا قال المتعاقدان: ألزمنا العقد، أو: أجزناه، أو: قطعنا الخيار، لزم العقد وسقط الخيار، ولو قالا: أبطلنا الخيار، أو: أفسدناه، فالأظهر سقوط الخيار، وإِن أجاز أحدهما وسكت الآخر لم يبطل خيار الساكت، لكن بطل خيار المجيز على الأصحّ، كما في خيار الشرط.
1149 -
فرع في السَّلَم والصرف في المجلس:
يجوز فسخ السَّلَم والصرف في المجلس، والإِجازة نافذة بعد التقابض،
وفيما قبله وجهان؛ فإِن نفَّذناها لزمهما التقابض، فإِن افترقا بغير قبضٍ؛ فإِن تراضيا بذلك لم يأثما، وإِن فارق أحدهما بغير إِذن الآخر أثِم؛ لِمَا أبطله من الحقِّ اللازم.
1150 -
فصل في الفراق القاطع للخيار
خيار المجلس ثابت ما لم يفترق المتعاقدان وإِن طال الزمان، وأَبعدَ مَن قال: لا يزاد على ثلاثة أيّام، ومهما (1) افترقا أو فارق أحدهما مجلس العقد انقطع الخيار، ولا يُشترط أن يأخذ أحدُهما في جهةٍ غيرِ جهة الآخر، ويُرجع في الافتراق إِلى العرف، فإِن كانا في بيتٍ مقتصدٍ فبخروج أحدهما منه، فإِن قربا من بابه، فخرج أحدهما ولو بخطوتين، فهذا فراق عند الإِمام، وإِن كانا في ساحة أو بيت واسع فبأنْ يبعد أحدهما إِلى حدٍّ لا يُعَدُّ مع الآخر في مجلس واحد، ويمكن ضبط المجلس بما يحصل فيه التفاهم مع الاقتصاد في رفع الصوت عند اعتدال الحال، ولا تختلف المجالس باختلاف المناصب، فمن جالس الملوك على البعد المذكور فهو مفارق.
1151 -
فروع:
أحدها: إِذا تحقَّق الفراقُ، فلحق أحدهما الآخر، فلا أثر للَّحاق، ولو قربا من الباب، فقفز أحدهما، ولحقه الآخر على الفور، فليس بفراق عند الإِمام.1
الثاني: إِذا تنادى المفترقان بالإِيجاب والقبول انعقد البيع، وفي ثبوت خيار المجلس احتمال؛ فإِن أثبتاه، ففارق أحدهما مكانه فهل يَبطل خيار الآخر قبل مفارقة مكانه؟ فيه احتمال.
الثالث: لو بُني بينهما جدار فهو كإِخراج أحدهما من المجلس، فإِن بناه أحدهما فالظاهر أنّه كمفارقته.
1152 -
فصل في موت العاقد في مجلس الخيار
إِذا مات أحدهما في المجلس فالنصُّ بقاء الخيار، ونُصَّ على أنَّ العقد يجب بموت المكاتب، فأَبعدَ مَن قرَّر النصَّين، وقطع بعضهم ببقاء الخيار في الصورتين، والأشهر طردُ قولين في المسألتين، فإِن أبطلنا الخيار لزم العقد من الجانبين، وإِن لم نبطله؛ فإِن كان الوارث في مجلس العقد يُخيَّر ما دام في المجلس، وإِن كان غائبًا تخيَّر عند بلوغ الخبر، وهل يتخيّر على الفور، أو يدوم خياره بدوام مجلس البلوغ؟ فيه وجهان.
وأمّا العاقد الحيّ فلا يبطل تخيّره بمفارقة مجلس العقد، وفي تخيُّره قبل بلوغ الخبر إِلى الوارث وجهان؛ وجهُ المنع: أنَّه لو تخيَّر لتصرَّف بالخيار في وقت لا ينفذ فيه خيار الوارث، وبنى الإِمام الخلاف في ذلك على الخلاف فيمن باع مال أبيه على ظنِّ أنّه حيٌّ، فإِذا هو ميت، فإِن قلنا: يصحُّ، فالوجهُ تنفيذ فسخ الوارث دون إِجازته، وإِن قلنا: لا يصحُّ، لم ينفذ فسخُه ولا إِجازته.
ولا يُشترط لخيار الوارث أن يعلم العاقد الحيُّ ببلوغ الخبر إِلى الوارث؛ لأنَّه لو شُرِطَ لعَسُر أمره وتعذَّر تخيُّره، وفيه إِشكال من جهة انفراده بالخيار.
وإِذا ثبت الخيار للوارث، فإن فسخ نفذ فسخه، وإِن أجاز أو أخَّر، فإِن قلنا: يتخيَّر على الفور، بطل خيار الحيِّ؛ لبطلان خيار الوارث، وإِن قلنا: يدوم بدوام المجلس، فبلغ الخبر إِلى الحيِّ قبل مفارقة الوارث المجلسَ، فللحيِّ أن يفسخ في مجلس البلوغ، وإِن فارق الوارثُ المجلس بطل خيار الحيِّ؛ لبطلان خيار الوارث.
1153 -
فرع:
خيار الشرط موروثٌ إِلّا على قولٍ بعيد مخرَّج من خيار المجلس، وعلى المذهب: إِذا بلغ الخبر إِلى الوارث فهل يتخيَّر على الفور، أو يقدَّر ما بقي من المدَّة المشروطة؟ فيه وجهان، فلو شرطا ثلاثًا، فمات بعد مضيِّ يوم، وبلغ الخبر إِلى الوارث بعد يوم آخر، تخيَّر في الثالث اتِّفاقًا، وفي تخيُّره في يوم ثالث (1) الوجهان.
1154 -
فصل في جنون العاقد والإكراه على الفراق
إِذا حُمل أحدهما من المجلس؛ فإِن مُنع من الفسخ ففي بطلان خياره وجهان، وإِن تمكَّن من الفسخ فقد قيل بإِبطال خياره، وقيل: فيه الوجهان؛ فإِن أبطلناه لزم العقد من الجانبين، وإِن لم نبطله بقي خيارُ صاحبه إِن منع1
من مساوقته، وإِن لم يُمنع فالمذهب البطلان؛ لأنَّ ذلك انفراد بالإِجازة، فإِن زال الإِكراه فله حالان:
أحدهما: أن يكون جالسًا، فهل يتخيَّر في المجلس، أو على الفور؟ فيه وجهان.
الثانية: أن يكون سائرًا، فإِن جعلنا تخيُّرَ الجالس على الفور تخيَّرَ هاهنا على الفور، وإِن مددنا خيار الجالس بامتداد المجلس انقطع الخيار هاهنا بمفارقة مكان زوال الإِكراه عند الإِمام، ولو تمكّن من الرجوع إِلى مجلس العقد؛ فإِن طال الزمان فلا أثر للرجوع عند الإِمام، وإِن قَصُرَ ففيه احتمال من جهة أنّ استدامة الفراق كإِنشائه.
1155 -
فرع:
لو نسي العقد وفارق انقطع الخيار، وإِن أُكره ففارق بنفسه ظهر إِلحاقه بالحمل والإِخراج.
ولا يبطل خيار المجلس ولا خيارُ الشرط بالجنون اتّفاقًا، بل يقوم وليُّه مقامه فيه، فإِن فارق المجنون المجلس احتُمل إلحاقه بالإِخراج.
1156 -
فصل في خيار الشرط
يثبت خيار الشرط في كل بيع إِلّا الصرف والسلم؛ لأنَّهما لا يقبلان الأجل، والخيار تأجيل للملك أو للُّزوم، ويجوز أن يُشرط للعاقدين، أو لأحدهما، أو لثالث، أو للعبد المبيع؛ فإِن شرطاه لثالث فهل يتخيّران معه؟ فيه وجهان؛
فإِن قلنا: يتخيَّران، فشَرَطاه لثالثٍ، ونفياه عن أنفسهما، ففي صحَّة الشرط وجهان، ولا يجوز إِلّا في ثلاثة أيّام فما دونها، وفي ابتدائها وجهان:
أصحُّهما: أنَّه من حين العقد؛ فإِن شُرط من حين الافتراق بطل على الأصحِّ؛ للجهل بابتداء الخيار.
والثاني: أنَّه من حين التفرُّق، وإِليه مَيْلُ النصِّ إِمّا لأنَّ الشارط إِنَّما يُثْبِتُ الخيار في وقت اللزوم، أو لئلا يجتمع خياران متجانسان، فإِن شرط من حين العقد ففي بطلان العقد والشرط وجهان مأخذُهما المَعْنَيان، والأظهرُ الصحّة، وقال الإِمام: إِن أفسدنا الشرط فينبغي ألا يبطل البيع؛ لأنّ الخيار ليس من مقاصده.
1157 -
فرع:
إِذا حُسب الخيار من حين العقد فأَجَلُ الثمن أولى بذلك، وإِن حُسب من حين التفرُّق ففي الأجل وجهان؛ لأنّه مخالفٌ لجنس الخيار.
1158 - فرع: إِذا قالا: أبطلنا الخيار، بطل خيار المجلس، وكذا خيار الشرط إِن حُسب من حين العقد، وإِن حُسب من حين التفرُّق فوجهان؛ إِذ الإِبطالُ مُشْعِرٌ باللزوم، ولو قالا: ألزمنا العقد، فالوجه القطع بسقوط الخيارين.
1159 - فرع: خيار المجلس مختصٌّ بالوكيل؛ اعتبارًا بالقبول، وينقطع بفراقه، فإِن فسخ الموكِّل، أو أجاز، وجب القطع بأنَّه لا ينفذ؛ إِذ لا تعلُّق له بالمجلس،
ولو شرط الخيار بإِذن الموكِّل فهل الخيار له، أو للموكِّل، أو لهما جميعًا؟ فيه ثلاثة أوجه.
1160 -
فرع:
لو شرطا خيار يومين، وزادا في أثنائهما ثالثًا ففي ثبوته خلاف مأخوذ من إِلحاق الزوائد بالعوضين، فإِن قلنا: لا يثبت، فالعقد بحاله، وانفرد أبو زيد بإِلحاق الزوائد في خيار المجلس دون خيار الشرط.
1161 - فرع: لو شرطا الخيار في أحد العبدين، فسد العقد إِلا أن يُعيِّناه، فيخرج على تفريق الصفقة في مختلفات الأحكام.
1162 - فرع: إِذا شُرط في البيع أجلٌ وخيار، وقلنا بأنَّ ابتداء الأجل من حين التفرُّق، فهل يكون هاهنا من انقضاء خيار الشرط (1) أو من التفرُّق؟ فيه وجهان، وقطع الإِمام أنّه من انقضاء الخيار المشروط.
1163 -
فصل في ملك المبيع في مدّة الخيار
إِذا كان الخيار لهما أو لأحدهما: فهل يبقى ملك البائع، أو ينتقل إلى المشتري، أو يوقَف: فإِن تمَّ العقد بان أنّه للمشتري، وإِن لم يتمَّ بانَ أنَّه باق على البائع؟ فيه ثلاثة أقوال أصحُّها: الانتقال، وقال بعض المحقِّقين:1
إِن كان الخيار لهما فالأصحُّ الوقف، وإِن كان لأحدهما فالأصحُّ أنّ المِلك له، ويمكن أن يُجعل هذا قولًا رابعًا؛ فإِن وقفنا ملك المبيع وقفنا ملك الثمن، وإِن ملَّكنا المبيع لأحدهما فالثمن ملك الآخر.
1164 -
فصل فيمن يملك الفوائد في مدَّة الخيار
لا حكم لزيادة متَّصلة إِلَّا في الصَّداق، وأما المنفصلةُ كالكسب والولد والثمن فلها حالان:
أحدهما: أن يجاز العقد؛ فإِن وقفنا المِلْكَ أو نقلناه فهي للمشتري، وإِن بقَّيناه للبائع فهي له على الأصحِّ.
الثانية: أن يفسخ العقد، فالزوائد للبائع إِن بقَّينا الملك أو وقفناه، وإِن نقلناه ففيه الوجهان.
والضابط: أنَّ من ملَّكناه حالًا ومآلًا فالزوائد له اتِّفاقًا، ومن نفينا عنه الملك حالًا ومآلًا فلا حقَّ له في الزوائد، ومن ملَّكناه في الحال دون المآل ففيه الوجهان.
1165 -
فصل في إِعتاق المشتري في مدّة الخيار
إِذا انفرد المشتري بالخيار نفذ عتقه اتِّفاقًا، وإن كان الخيار لهما أو للبائع وحدَه بُني العتق على الأقوال؛ فإِن بقَّينا الملك للبائع لم ينفذ عتق المشتري إِن فُسخ العقد، وإِن أُجيز فوجهان، وإِن نقلنا الملك إلى المشتري ففي تنفيذ
العتق وجهان، فإِن نفَّذناه ففي بطلان خيار البائع وجهان، فإِن أبطلناه لزم البيع واستقرَّ الثمن، وإِن لم نبطله فهل يملك ردَّ العتق؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: لا يملكه، فأجاز، نفذ العتق، وإِن فسخ وجبت القيمة على المشتري، وإِن قلنا: لا ينفذ العتق؛ فإِن فسخ البائع نفذ الفسخ، وإِن أجاز ففي تنفيذ العتق وجهان؛ فإِن نفذناه فهل يستند إِلى حين اللزوم أو الإِنشاء؟ فيه وجهان، وإِن قلنا بالوقف؛ فإِن أُجيز العقد فهو كقولنا بانتقال الملك إِلى المشتري، وإِن فسخ فهو كقولنا ببقاء ملك البائع.
1166 -
فرع:
إِذا أبطلنا عتق المشتري ففي كونه إِجازة وجهان يَبْعد جريانهما إن اعتَقَد بطلان العتق، ولا سيّما إِن صرَّح بذلك، وإِن أطلق الإِعتاق، ثمّ قال: لا أعتقد النفوذ، لم يُصدَّق، ولو نفَّذنا العتق، وأجزنا للبائع ردَّه، فالوجه القطع بأنَّه أجازه.
1167 -
فصل في إِعتاق البائع
إِذا كان الخيار لهما، أو للبائع وحده، نفذ عتقه اتّفاقًا، ولو اختصَّ المشتري بالخيار فإِعتاق البائع كإِعتاق المشتري إِذا كان للبائع خيار، فإِن نفَّذنا عتق البائع حيث لا خيار له، وقلنا: لا يردُّ؛ فإِن كان العبد في يده فالوجه أن يلحق إعتاقه بإِتلافه.
1168 - فرع: إِذا لزمت هبة الأب لابنه، أو ثبت للبائع الرجوع بسبب فَلَس المشتري،
ففي نفوذ عتقهما وجهان.
1169 -
فصل في بيع المبيع في مدَّة الخيار
بيع البائع نافذ، وفي بيع المشتري من أجنبيٍّ وجهان؛ فإِن منعناه من الأجنبيِّ ففي بيعه من البائع وجهان؛ لأنَّه أوجب في حالٍ لا يملك فيها الإِيجاب، وهذا يوجب تردُّدًا في بيع الراهنِ الرهنَ مِن المرتهِن قبل فكِّ الرهن؛ فإِن صحَّحنا البيع تضمَّن الإِجازة كالعتق، وإِن رددناه ففي كونه إِجازةً وجهان.
1170 -
فصل في وطء المشتري في مدَّة الخيار
وإِذا كان الخيار لهما أو للبائع وحدَه، فوطْءُ المشتري حرام لا حدَّ فيه، والمهر كالكسب، فإن أجيز العقد فلا مهر إن نقلنا الملك أو وقفناه، وإِن بقّيناه فعلى الخلاف، وإِن فسخ وجب المهر إِن بقّينا الملك أو وقفناه، وإِن نقلناه فعلى الخلاف.
1171 -
فصل في وطء البائع
إِذا كان الخيار لهما ففي وطء البائع طريقان: أحدهما: التحريم إِن نقلنا الملك، وإِن بقَّيناه فوجهان أصحُّهما الجواز.
والثانية: التجويز إِن بقَّينا الملك، وإِن نقلناه فوجهان من جهةِ أنَّ الوطء يتضمَّن الفسخ، فينقلب الملك إِلى البائع قبيل الوطء أو معه على الاقتران، وقطع أبو محمد بالجواز مهما كان للبائع خيار، ولا مهر على البائع وإِن حرَّمنا الوطء؛ لاقتران وطئه بانقلاب الملك إِليه (1). قال الإِمام: إِنَّما يباح وطء البائع إِذا قصد الفسخ.
1172 -
فصل فيما يتضمَّنه الوطء من الإِجازة
وطء البائع متضمِّن للفسخ، ومَنْ أبهم طلاقًا بين زوجتيه، أو عتقًا بين أَمَتيه، فهل يكون وطؤه تعيينًا؟ فيه وجهان أجراهما بعض أئمَّة الخلاف في أنَّ وطء البائع هل يتضمَّن الفسخ؟ ولا يعدُّ هذا من المذهب، ووطء المشتري متضمّنٌ للإِجازة على الأصحِّ سواءٌ انفرد بالخيار أم لم ينفرد، فإِن جعلناه إِجازة وقد انفرد بالخيار فلا مهر عليه، ووطؤه في الإِباحة كوطء البائع إِذا كان له خيار، والمهر كالكسب في مثل هذه الحال.
1173 -
فصل في إِحبال المشتري في مدَّة الخيار
إِذا أحبلها المشتري فالولد حرٌّ، والحدّ والمهر على ما مضى، والاستيلاد كالإِعتاق وفاقًا وخلافًا، وأيُّهما أولى بالنفوذ؟ فيه وجهان، ولا يَبعدُ القول بالتساوي، ولا يسقط المهر لأجل الاستيلاد إِذا أوجبناه حيث لا إِحبال، وأمّا1
قيمة الولد فمُفرَّعة على الأقوال، فإِن نقلنا الملك؛ فإِن نفَّذنا الاستيلاد، ومنعنا ردَّه، فلا تجب القيمة.
وإِن منعنا الاستيلاد، أو أثبتناه وأجزنا ردَّه، ففسخ العقد، ففي القيمة وجهان كالاكتساب في هذه الحال، وإِن بقّينا الملك؛ فإِن فسخ البائع وجبت القيمة، وامتنع الاستيلاد، وإِن أجاز ففي تنفيذ الاستيلاد وجهان؛ فإِن منعناه ففي قيمة الولد وجهان، وإِن نفَّذناه فهل يستند إِلى الإِجازة أو إِلى ما قبلها؟ فيه وجهان؛ فإِن أسندناه إِلى الإِجازة فقد علِقَت في ملك البائع ففي قيمة الولد وجهان، وإِن أسندناه إِلى ما قبل الإِجازة فهل ملكها قبل العلوق أو بعدَه؟ فيه وجهان؛ كالوجهين في إِحبال الأب جارية الابن؛ فإِن ملّكناه قبيل العلوق فلا قيمة، وإِن ملّكناه بعد العلوق فوجهان.
1174 -
فصل في إِحبال البائع في مدَّة الخيار
إِذا أحبلها البائع؛ فإِن كان له خيار نفذ استيلاده، ولا يلزمه قيمةُ الولد؛ لاقتران الوطء بالانفساخ، ولو انفرد المشتري بالخيار كان إِحبالُ البائع كإِحبال المشتري حيث لا ينفرد بالخيار، فيُفرَّع 1 على الأقوال، ثمّ يُفرض الفسخ والإِجازة.
1175 -
فصل فيما يكون اختيار الفسخ والإِمضاء
كلُّ تصرُّف يتضمَّن زوال الملك، كالبيع والعتق؛ فإِنْ صحَّ فهو فسخ من البائع وإِجازة من المشتري، وإِن فسد فوجهان، وفي التزويج والإِجازة وجهان، والتسليم ليس بإِجازة من البائع اتِّفاقًا، وليس الاستخدام باختيار، وكذلك ركوب الدابّة على الأظهر، وإذنُ البائع في البيع ليس بإِجازة عند الصيدلانيِّ، فإِن رجع عن إِذنه فالخيار باقٍ، ولو وهبه أحدهما من غير إِقباض فليس باختيار عند الإِمام؛ لإِمكان الاستدراك، وفيه احتمال، ولو وهبه البائع من ابنه، وأقبضه، فالوجه القطع بأنّه اختيار، والعرضُ على البيع ليس باختيار على فحوى كلامهم.
وللرجوع في الشرع مراتب:
إِحداهنّ: ما ثبت على الفور، كالردِّ بالعيب، فيسقط بكلِّ ما يُشعر بالتأخير.
الثانية: الوصيَّة، وتبطل بكلِّ ما ينافي البقاء عليها، كالعرض على البيع، والهبة قبل القبض، وبكلِّ ابتداء لو تمَّ لأزال الملك.
الثالثة: الاختيار في زمن الخيار، وقد تقدّم.
الرابعة: رجوع الوالد في الهبة، والبائع في صورة الفَلَس، والأصل فيه التصريح بالرجوع، وفي البيع والعتق خلاف، وقطع الإِمام بتحريم وطء الو اهب، وأنَّه ليس برجوع.
1176 -
فرع:
لكلّ واحد أن يفسخ بحضور الآخر، وفي غيبته، ولو أعتق المشتري
أو باع بمحضر من البائع، فسكت، لم يكن سكوته إِجازة، وإِن سكت عن الوطء فوجهان.
1177 -
فصل في تلف المبيع في مدّة الخيار
إِذا تلف المبيع في مدّة الخيار؛ فإِن كان في يد البائع انفسخ العقد، وإِن كان في يد المشتري فطريقان:
إحداهما وهي المَرْضِية: الانفساخ إِن بقَّينا ملك البائع، وإِن نقلناه فوجهان.
ومنهم مَن قطع بأنَّه لا ينفسخ؛ لأنَّه فات ملكه في يده، فإِن قلنا بالانفساخ سقط الثمن، ولزمت القيمة، وإِن منعنا الانفساخ؛ فإِن كان الثمن معيّنًا فللبائع الفسخ؛ اعتبارًا بما لو اطّلع على عيبه بعد فوات المبيع، فإِنَّه يردُّه، وإِن كان دينًا أو أراد المشتري الفسخ ففي نفوذه وجهان:
أحدهما: لا ينفذ، كما لو علم بعيب المبيع بعد فواته.
والثاني: ينفذ، كفسخ التحالف بعد التلف.
فإِن قلنا: لا ينفذ، لزم العقد واستقرَّ الثمن، وإِن نفَّذناه؛ فإِن أجاز استقرَّ الثمن، وإِن فسخ لزمت القيمة، وسقط الثمن.
1178 -
فرع:
قال الصيدلانيُّ: إِذا قبض المشتري المبيع، ثم أودعه عند البائع، فتلف في يده في مدَّة الخيار فهو كالتلف في يد المشتري، فإِن قلنا بنقل الملك وأنَّ العقد لا ينفسخ، لزم الثمن، وإِن بقَّينا الملك انفسخ العقد ولزمت القيمة؛
لأنَّ يد البائع نائبة عن يد المشتري، وقال الإِمام: يتَّجه إِسقاط الضمان؛ لأنَّ الملك قد فات في يد مالكه، نعم إِن قلنا بالانفساخ بناءً على نقل الملك، فالتلفُ في يد البائع بعد الإِيداع موجبٌ للقيمة؛ لأنَّ ملكه قد تلف مضمونًا في يدٍ أمينة.
الطريقة الثانية للعراقيين: القطع بأنَّ العقد لا ينفسخ بحال، لكنْ إِن بقَّينا ملك البائع، فانقضى الخيار من غير فسخ، وجبت القيمة؛ لأنّ المبيع لمَّا تلف على ملك البائع تعذَّر نقله عند انقضاء الخيار إِلى المشتري، فسقط الثمن؛ لأنَّه في مقابلته.
وقال الإِمام: يجب تفريع هذا على الخلاف في بقاء الخيار عند التلف، فإِن بقَّيناه وجب القطع بالانفساخ، وإِن قلنا: لا يبقى، اتَّجه أن يحكم بانقلاب الملك إلى المشتري قبيل التلف، كما ينقلب الملك إِلى البائع إذا تلف في يده بعد اللزوم، فعلى هذا يجب الثمن دون القيمة؛ لأنَّ الملك قد استقرَّ باللزوم، وحيث تجب القيمة في هذه الصورة، فإِن بقَّينا الملك للبائع فهي كقيمة المستعار، وإِن نقلناه فالعبرة لوقت (1) التلف؛ لأنَّه وقت رجوع الملك إِلى البائع، ولا نظر إِلى قيمته قبل ذلك؛ لأنه كان ملكًا للمشتري، فلا يقوَّم عليه.
1179 -
فرع:
إِذا انفرد المشتري بالخيار، فاستولد البائع الجارية المبيعة، فإِن حكمنا ببقاء ملكه ونفوذ استيلاده، فإِن كانت الجارية في يد المشتري فالوجه1
الانفساخ؛ بناءً على الطريقة المَرْضيَّة، وإِن كانت في يد البائع انفسخ العقد؛ لأنَّه أتلف ملك نفسه قبل زوال يده، بخلاف ما لو أتلفه بعد اللزوم وقبل الإقباض، فإِنَّ ملك المشتري قد استقرَّ.
1180 -
فصل في إِعتاق المبيع وثمنه في مدّة الخيار
إِذا اشترى عبدًا بجارية، وانفرد بالخيار، فإِن أعتق الجارية كان فسخًا، وإِن أعتق العبد كان إِمضاءً، وإِن أعتقهما معًا لم ينفذ عتقهما، وأيُّهما ينفذ؟ فيه وجهان أقيسُهما إِعتاق العبد؛ لما فيه من تقرير العقد، ويتأكَّد ذلك إِذا قلنا بنقل الملك، فإِنَّ عتقه لا يفتقر إِلى واسطة، ومال أبو عليٍّ إِلى أنَّه لا ينفذ العتق في واحد منهما، كما لو نكح أختين معًا، وقطع الإمام بتنفيذ عتق الجارية إِن بقَّينا ملك البائع على العبد؛ فإِنَّ الجارية باقية على ملك المشتري، فينفذ إِعتاقها قطعًا؛ لاجتماع الملك وقوة الفسخ، وينقدح ما ذكره أبو عليٍّ هاهنا.
1181 -
باب الربا وما لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا ولا مؤجّلًا، والصرف
روى عبادة بن الصامت عنه عليه الصلاة والسلام: "لا تبيعوا الورِق بالوَرِقِ، ولا الذهبَ بالذهب، ولا البُرَّ بالبرِّ، ولا الشعير بالشعير، ولا التمرَ بالتمر، ولا الملحَ بالملح، إِلا سواءً بسواءٍ، عينًا بعينٍ، يدًا بيدٍ، ولكنْ بيعوا الوَرِق بالذهب، والذهبَ بالوَرِق، والبُرَّ بالشعير، والشعير بالبُرِّ، والملح بالتمر، والتمر بالملح، كيف شئتم يدًا بيد" (1). والربا ضربان: ربا الفضلِ، وربا النَّسَاء، وعلَّة ربا الفضل في النقدين كونُهما جوهَرَيِ الأثمانِ، وفي المطعوم قولان: الجديد أنّ العلّة هي الطُّعْم وحدَه، والقديم هي الطعم مع التقدير بالكيل أو الوزن، فمتى اتّحد الجنس حرُم التفاضل والنَّساء، والتفرّق قبل التقابض، واتّحادُ الجنس محلّ العلّة، وليس جزءًا منها على القولين.
1182 -
فصل في بيان الطعم الذي هو علّة الربا
كلُّ ما كان الطُّعم هو الغرضَ الغالبَ منه، كالأغذية والفواكه والأدوية1
والطين الأرمنيِّ والزعفران، فهو رِبَويٌّ، ولا ربا في الطين الذي يأكله السفهاء، خلافًا لأبي محمّد، فإِن وُجد ما يقصد منه الطعم وغيرُه على التقارب في التساوي فالوجه القطع بأنَّه رِبويٌّ، والاعتبار بما يُعدُّ للطُّعم في حال الاعتدال والرفاهية دون سِنِي الأزم والمجاعة.
1183 -
فرع:
المذهب أنَّ الماء مملوك، فيجري فيه الربا لأنَّه مطعوم، وفيه وجه: أنّه لا يُملك، وإِن قلنا: لا يملك، فيحرم بيعه بالدراهم وغيرها.
1184 - فرع:
السمك الكبار الذي لا يُبتلَع مثلُه في حال حياته ليس بربويٍّ ما دام حيًّا، والصغار الذي يُبتلع حيًّا في 1 جواز ابتلاعه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، فلا ربا فيه ما دام حيًّا.
والثاني: يجوز، وفي كونه ربويًّا تردّد، والوجه القطع بأنّه ليس بربويٍّ؛ إِذ لا يُعدُّ للابتلاع في الحياة.
1185 - فرع: لا ربا في الكتَّان، ولا في دهنه على الأظهر؛ لأنَّهما لا يؤكلان إِلا نادرًا، فأَشْبَها الكبريت والقطران.
1186 -
فصل فيما صُرف عن الطُّعم في العادة
كلُّ مطعوم صُرف في العادة عن الطُّعم، كدُهن الورد والبنفسج وغيرهما فهو رِبويّ إِلا على قول مُخرَّج مأخذُه أنّه لا يُعدُّ مطعومًا في العرف، وقال في "التقريب": دهن البنفسج ربويٌّ، وفي دهن الورد وجهان، فإِن جعلناها ربويَّةً فكلُّها جنس واحد؛ لأنَّها شَيرج (1) اكتسب روائح الأزهار.
وأمَّا وَدَك السمك (2) المُعَدُّ للاستصباح وتدهينِ السفن، فلا ربا فيه عند العراقيين، وهذا يناقض ما ذكروه في الأدهان، والوجه تخريجه على الخلاف؛ لأنَّه مطعوم صَرَفه أهل العرف عن الطعم إِلى ما تعلَّق به من الأعراض.
1187 -
فصل فيما يُعرف به تماثل المال الربويِّ
الاعتبار في تقدير المال الربويِّ بعصره عليه الصلاة والسلام، فما كان مكيلًا في عصره اعتُبر تماثله بالكيل دون الوزن، وما كان موزونًا اعتُبر تماثله بالوزن دون الكيل، ولا تتعيَّن مكاييل مكّة ولا موازين المدينة اتِّفاقًا، ويجوز التعديل بالقَرَسْطون والطيّار 3، وبالوضع في كِفَّتي الميزان، والوجه القطعُ12
بجواز التعديل بكيلٍ عرفيٍّ لم يُعهَد في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك الظاهر جوازه بقصعة لا يُعتاد بها الكيل، وفيه تردُّدٌ للقفَّال، ولا يكفي الوزن بالماء على الظاهر، وهو أن توضع الدراهم في ظرف، ويضبط غوصه في الماء، ثمّ يفعل ذلك بالعِوَض الآخر.
1188 -
فرع:
ما جُهل تقديره في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاز بيعه اتّفاقًا، وهل يتعيّن فيه الكيل، أو الوزن، أو العادة الغالبة في محل المعاملة، أو يتخيّر بين كيله ووزنه؟ فيه أربعة أوجه أبعدُها آخِرُها، فإن كان فرعًا لأصلٍ مقدَّرٍ ففيه الأوجه الأربعة، وخامس أنّه يُقدَّر بما يُقدّر به أصله.
1189 -
فصل في بيان الحال التي يُعتبر فيها التماثل
التماثل معتبر بحال الكمال، فكمال الرُّطَب في كونه تمرًا، فكلُّ رُطَبٍ أو عنب اعتيد تجفيفه فلا يباع رَطْبُه بيابسه ولا برطبه وإِن تساويا؛ لِجَهْلِنا بتماثله في حال جفافه.
وما لا يُجفَّف من الرطب والعنب، ولو جُفِّف لفسد واستحشف، ففيه = وقوله: "الطيار" كذا في النسخ، وفي "نهاية المطلب" (5/ 68): "الطيان"، والمثبت يوافق "النجم الوَهَّاج" (4/ 65) للدَّميري، والظاهر أنّه ميزان له لسانٌ، كما وصَفه، وعبارته فيه: "ولا فرق في الكيل بين أن يكون معتادًا أم لا كالقصعة، ولا في الميزان بين: الطيار؛ وهو الذي له لسان، والقَرَسْطون؛ وهو: القبّان، وغيرهما".
أربعة أوجه:
أحدها: لا يباع إِلا في حال الجفاف.
والثاني: يباع في الحالين، وهو القياس؛ اعتبارًا باللبن؛ إِذ كمالُهما (1) في حال الرطوبة.
والثالث: المنع بكلِّ حال.
والرابع: الجواز في حال الإِرطاب دون الجفاف.
وإِن باع الرُّطب الذي لا يُجفَّف بالتمر فظاهر كلامهم المنع، وأمَّا ما يُعتاد تجفيفه، ولم تَعمَّ العادة فيه كعمومها في الرطب، كالمشمش والخوخ، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يُباع إِلا في حال الجفاف.
والثاني: الجواز في حال الإِرطاب؛ لأنَّه غالب فيه، بخلاف الرطب والعنب.
والثالث: لا يُباع بحال؛ إِذ لم تستقرَّ له حال كمال، ولم يصر أحد إِلى الإِجازة في حال الإِرطاب دون الجفاف، بخلاف ما يفسده الجفاف؛ فإِنَّ تجفيفه غير معتاد، وتجفيف البِطِّيخ حيث يُعتاد من البلاد، كتجفيف الخوخ.
1190 -
فصل فيما لا يُقدَّر شرعًا ولا عرفًا
ما لا يقدَّر في العرف بكيل ولا وزن، كالبيض والجوز واللوز والقِثَّاء1
والسفرجَل والرمان، فيه قولان:
أحدهما، وهو القديم: أنَّه ليس بربويٍّ، فيجوز بيع بعضه ببعض كيف اتَّفق إِلا أنْ يُجفَّف ويوزن على ندور، فالظاهر أنّه ربويٌّ في حال الجفاف، ولو باع الشعير في السُّنبُل بمثله فقد منعه الإِمام؛ لأنّه وإِن لم يُقدَّر فهو من جنس المقدَّر.
وقال في الجديد: الكلُّ ربويٌّ، فلا يُباع بالعدد، وكذلك الوزن على الأصحِّ، ولو باع الجوز والبيض وزنًا فقد اتَّفقوا على منعه في الجديد، وفيه وجهٌ بعيد ذكره في "التقريب"، وليس بصحيح؛ لأنَّ قشورهما متفاوتة، ومقصودهما في أجوافهما، فإِن جُفِّف شيء من ذلك نادرًا ووُزِنَ، فإِن منعنا بيع الرطب بالوزن ففي اليابس وجهان، ولبُّ الجوز واللوز وحبُّ الرمان ربويٌّ قولًا واحدًا؛ للتقدير والطعم، ويجوز بيع الزيتون بالزيتون؛ لأنَّ كماله في حال كونه زيتونًا.
1191 -
فصل في بيع الحَبِّ بالدقيق وبما يُتَّخذ منه
كمال الحب في كونه حبًّا، فلا يباع بما يُتّخذ منه من دقيق أو خبز أو سويق؛ للجهل بالتماثل في حال الكمال، ولا يباع ما يُتّخذ منه بعضُه ببعض، كالدقيق بالدقيق، والخبز بالسويق، وقال العراقيّون: لا يُباع الخبز الطريّ بيابسٍ ولا طريٍّ، وفي اليابس باليابس وجهان، وللشافعيّ نصوص اتّفق أصحابه على رجوعه عنها:
أحدها: إِجازة بيع الدقيق بالدقيق، ومنعُه بالحبّ.
والثاني: أنَّ الحنطة تخالف دقيقَها، فيجوز تفاضلهما، والدقيق متجانس.
والثالث: أنَّ الحنطة تخالف السويق، وتُجانس الدقيق؛ لأنَّه حنطة مفرَّقة الأجزاء، وعلى هذا: الخبزُ والحنطة مختلفان، والدقيق مخالف للسويق.
وكلُّ ذلك غير معدود من المذهب.
وتُباع الحنطة المُسوِّسة بالمسوّسة، فإِن قربت من العفن فظاهر كلامهم الجواز، والمسوِّسة: هي التي بدأ تآكلُها، ولعلَّ الأصحاب أجازوا ذلك قبل التآكل، فلو خلت أجوافها 1 بالتآكل فالقياسُ القطعُ بالتحريم، كما يحرم بيع المقليَّةِ بمثلها، والمبلولةِ بمثلها وبالجافة؛ لأجل التجافي في الكيل، ولو بُلَّت الحنطة، ونُحّيت قشورها بالدَّقِّ والتهريس - وهي الكَشْكُ - فقد ألحقوها؛ لتسارع فسادها بالدقيق، ولو بلت وبقيت القشور، ثمّ جفّفت 2، فالوجه المنع، وفي إِزالة قشر الجاوَرس 3 احتمال، ولا بأس بإِزالة قشور الأرز.
1192 -
فصل فيما نُزع نواه
لا يباع تمر نزُع نواه بمثله، ولا بما لم يُنزع نواه؛ للتجافي (1) عند الكيل، وأبعدَ مَن أجازه في الصورتين، وفي يابس المشمش والخوخ وجهان؛ لأنَّ نزع نواهما معتاد، ولا مصلحة في إِبقائه، بخلاف نوى التمر؛ فإِنَّه يمنع من التسويس، وأبعدَ مَن شَرَطَ نزع نواهما؛ اعتبارًا بنزع العظم من اللحم.
1193 -
فصل في قاعدة مدِّ عجوة
إِذا باع درهمًا ومدَّ عجوة قيمتُه درهمان بمُدَّي عجوة قيمةُ كلِّ واحد منهما درهمان، أو باع درهمًا ومدًّا قيمتُه درهمٌ بمدَّين قيمة كلِّ واحد منهما درهم، أو باع مدًّا ودرهمًا بمدٍّ ودرهم، فالبيع باطل؛ لِمَا يؤدّي إِليه توزيع الثمن على المثمَّن من المفاضلة أو الجهل بالمماثلة، وكلاهما مفسد للبيع في باب الربا، وإِنّما بطل إِذا استوت قيمة المُدَّين؛ لأنّ التقويم ظنٌّ وتخمين، وشرط تماثل الربا أن يقع محسوسًا.
ولو باع عشرة دراهم صحاحًا بعشرة مكسّرة جاز، ولو باع خمسةً صِحاحًا وخمسة مكسَّرة بمثلها أو بعشرة من الصحاح، أو المكسّرة، أو باع مدَّ عجوة ومدَّ صَيْحانيٍّ 2 بمدِّ عجوة ومدّ صَيْحانيٍّ، ففي الكلِّ خلاف؛1
لوقوع المسامحة بتفاوت ذلك، واختار أبو محمد المنع، وأجازه الإِمام، وقال: لم يزل الناس يتبايعون الصحاح بالمكسَّر مع اشتمال المكسَّر على قطع كبارٍ تزيد قيمتها على قيمة الصغار، ثم لم يَشرط أحد تساوي القطع.
ولو باع مئة دينار جيِّدة ومئةً رديئة بمئتين متوسِّطة، فقد منعه الشافعيُّ، ولم يخالفه أحد من الأصحاب سوى الإِمام.
1194 -
فصل في بيع المنعقد بالنار
كلّ منعقد بالنار فبيعه بمثله حرام؛ للجهل بتماثله في حال الكمال، فلا يباع الدبس بالدبس بالاتّفاق، ولا بأس بتمييز العسل [عن الشمع] (1) بالشمس، فإِن اشتدّت حرارتها - كما في الحجاز - ففيه احتمال، والظاهر الجواز؛ لأنّ تأثيرها متناسب، بخلاف تأثير النار، وفي العسل المميَّز بالنار، والسكر والفانيذ (2) وجهان، ولو أُغلي الماء أو الخلّ بالنار فلا بأس.
1195 -
فصل في تجانس الأدهان والخلول والألبان
إِذا اختلف جنس الحبِّ فدقيقُه مختلف بالاتِّفاق، وفي لحم الحيوان12
المختلِفِ الجنسِ قولان، وفي الأدهان والخُلول طريقان:
أحدهما: إِلحاقها باللُّحمان، ويفارق الدقيق، فإِنَّه 1 عين الحبِّ، بخلاف الخُلول والأدهان.
والطريقة الثانية، وهي المَرْضية: أنَّها أجناس؛ لأنَّ أصولها ربويَّة، بخلاف اللحمان، والظاهر أنَّ الألبان كاللحمان، وقَطَع بعضهم بالاختلاف.
وأما السكَّر الأحمر - وهو عكر الأبيض - فالأظهر أنَّه مجانس للأبيض، والأظهر أنَّ السكَّر والفانيذ مختلفان؛ لاختلاف قصبهما.
وفي عصير العنب مع خَلِّه وجهان أجراهما الإِمام في الحصرم مع العنب، والبلح مع التمر والرطب، واختار الاختلاف؛ لاختلافهما في الأسماء والمقصود والأوصاف.
والكُسْبُ 2 ودهنه جنسان بالاتِّفاق، ولو اعتصر ماء اللحم، وبقي ما لا ينعصر، فالكلُّ جنس واحد، بخلاف الشيرج مع الكسب، فإِنَّا نعلم أنَّ في السمسم دهنًا وثفلًا من أصل خِلقته، واللحم كلُّه في الخلقة شيء واحد.
ويباع الشيرج بالشيرج، ومنعه ابن أبي هريرة من بين سائر الأدهان؛ ظنًّا أنَّه يختلط بالماء والملح، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ الماء لا يخالط الأدهان، والملح يبقى في الكسب، ولذلك لا يوجد طَعمهُ في الشيرج.
1196 -
فصل في المختلِطات الربويّة
إِذا اختلط جنس ربويّ بغيره لم يجز بيعه بمثله، كالسكَّر المختلط باللوز إِذا بيع بمثله، ولا يباع الشَّهْد بالشهد اتِّفاقًا، ويباع السمسم بالسمسم، ولا يباع بالشيرج، كما يباع اللبن باللبن، ولا يباع بما يُتَّخذ منه، وإِذا قلنا بتجانُسِ الألبان فلا يباع لبن البقر بلبن الإِبل مع التفاضل، وبباع سمن البقر بلبن الإِبل؛ إِذ لا سمن في لبن الإِبل.
1197 -
فصل في بيع الخلول بالخلول
ويباع خلُّ العنب بعضه ببعض، ولا يباع بخلِّ الزبيب؛ لاشتماله على الماء، وعصيرُ الزبيب وخلُّه مجانسٌ لعصير العنب وخلِّه، ولا يباع خلُّ الزبيب بخلِّ الزبيب، ولا خلُّ التمر بخلِّ التمر؛ لاشتمالهما على الماء، وإِن باع خلَّ العنب بخلِّ التمر جاز إِن قلنا باختلافهما؛ إِذ لا ماء في خلِّ العنب، وإِن قلنا بتجانسهما لم يجز؛ لما في خلِّ التمر من الماء، وإِن باع خلَّ التمر بخلِّ الزبيب، فإِن قلنا بتجانسهما لم يجز، وإِن قلنا باختلافهما جاز إِن قلنا: لا ربا في الماء، وإِن جعلناه ربويًّا لم يجز؛ لجهالته واجتماعه مع غيره.
1198 -
فصل في بيع اللَّبَن بما يتَّخذ منه
ويباع اللَّبنُ باللَّبنِ، ولا يباع بما يُتَّخذ منه كالمَخيض والجبن والسمن، وإذا مُيِّز السمن من المخيض اتُّخذ من المخيض الأَقِط والمصْل، واتَّفقوا على
أنَّ السَّمن والمخيض جنسان؛ لاختلافهما في الاسم والصفة والقصد.
ويُباع الرائب بالرائب، وهو الذي خَثُر بنفسه؛ لتساوي أجزائه في الانعقاد، وكذلك يُباع بالحليب، وقال الإِمام: إن كان موزونًا جاز، وإِن كان مكيلًا ففيه احتمال، ووجهُ الجواز: إِلحاق الرائب بالحنطة الصلبة، والحليب بالرِّخوة.
ويباع السمن بالسمن، والمخيض بالمخيض إِذا لم يكن في المخيض ماء، ولا يباع المخيض بالأقِط، ولا بالمصل، ولا يباع الأقط بالأقط، ولا بالمصل، ولم يفرِّقوا بين أن يُعقد الأقِط بالشمس الحارَّة أو النار.
ولا يُباع جبن بجبن ولا أقِطٍ ولا مخيضٍ ولا مصلٍ، وفي اللّبأ (1) باللِّبأ وجهان؛ لخفَّة أثر النار، وفي الزبد بالزبد وجهان:
أحدهما: الجواز كاللبن باللبن.
والثاني: المنع، كالشَّهْد بالشَّهْد؛ لأنَّ صفات السمن لائحةٌ من الزبد، كما يلوح العسل في الشهد.
1199 -
فصل في اختلاط المال الربويِّ بما ليس بمقصود
ويُباع الزبد بالمخيض اتِّفاقًا؛ لأنَّ ما فيه من رغوة المخيض لا يُقصد،1
بخلاف بيع الدرهم الهَرَويِّ بمثله أو بالذهب أو الورِق؛ لأنَّ ما فيه من الفضَّة مقصود، بخلاف الرغوة، وقد قالوا: إِذا باع حنطة بحنطة وفي المكيالين أو في أحدهما شعير أو تراب، فهو ممنوع إِنْ أثَّر في التماثل، جائز إن لم يؤثِّر.
ولو باع الشعير بحنطة فيها شعير؛ فإِن كان ممَّا لا يُقصد مثله صحَّ البيع سواءٌ أثَّر في المكيال أو لم يؤثِّر؛ فإِن كان متموَّلًا فقد أشاروا إِلى الجواز إِذا لم يكن مقصودًا.
1200 -
فرع:
الوجه القطعُ بطهارة الإنفحة، وقد أشاروا إِلى مخالفتها للَّبن وما يُتَّخَذ منه، وتشكَّك الإِمام في كونها مطعومة على حيالها حتّى يُعتبر فيها التماثل - كما في الملح بالملح - أو ليست بمطعومة.
1201 -
فصل في بيع الشاة اللبون باللبن
إِذا باع شاة بلبن شاة؛ فإِن كان في ضرعها لبن يُقدَر على حلبه لم يصحَّ، وإِن لم يكن، أو كان ولكنَّه لا يُقصد حلبه، جاز؛ لأنَّه غير مقصود، فأَشْبَه بيع المخيض بالزبد.
وإِن باع شاةً بشاة، وفي ضرعهما لبن مقصود لم يجز - خلافًا لأبي الطيّب بن سلمة 1، فإِنّه أجاز ذلك، كالسمسم بالسمسم، ووافق على
المنع في اللبون باللبن - كما يمتنع بيع الشيرج بالسمسم.
1202 -
فصل في قسمة أموال الربا
كلُّ ربويٍّ حَرُمَ بيعُ بعضه ببعض ففي جواز قسمته قولان، مأخذُهما: أنّ القسمة بيع أو إِقرار؛ فإِن جعلناها بيعًا امتنعت إِلّا أن تدعو إِلى ذلك حاجة ماسَّة، كما ذكرناه في الزكاة.
1203 -
فصل في بيع دارٍ ذاتِ ماء بمثلها
إِذا باع دارًا فيها بئر بمثلها، وجعلنا الماء ربويًّا فوجهان، أقْيَسُهما المنع، وأظهرُهما الجواز؛ لأنّ الماء غير مقصود، بخلاف خلِّ التمر مع خلِّ الزبيب إِذا قلنا باختلافهما، فإِنّ الماء قد انقلب إِلى صفة الخلِّ، فصار مقصودًا على هذه الصفة.
1204 -
فصل في التقابض والنَّساء في أموال الربا
كلّ ما اتَّحدت علَّته في ربا الفضل، فإِنساؤه حرام، وقبضه في المجلس لازمٌ سواءٌ تجانَسَ أو اختلف، فلا يجوز إِسلام الدراهم في الدنانير، ولا التمر في الشعير، ويجوز إِسلام الثوب في الثوبين، والخشبة في الخشبتين؛ إِذ = يُقال: إنَّه درس على أبي العباس ابن سريج، وصنَّف كتبًا، وتُوفي سنة (308 هـ).