الغاية في اختصار النهايةكِتَابُ الضَّحَايَا

كتاب الضحايا

3702 -

الضحيَّة سنَّة مؤكَّدة لا تجبُ إلَّا بالنذر، وهي من شعائر الإسلام بإجماع العلماء، فمَنْ عزم عليها، فدخل عليه عشرُ ذي الحجَّة، فينبغي ألَّا يأخذَ من شعره وظفره، ولا يُؤمر باجتناب الطِّيب، ولبس المَخِيط.

ولا يصحُّ التضحية إلَّا بالنَّعَم ذكورِها، وإناثها، ولا يجزئ منها إلا جذعٌ من الضأن، أو ثنيٌّ من المعز والإبل والبقر.
فجَذَعُ الضأن: ما دخل في السنة الثانية، وثنيُّ (البقر و) (1) المعز: ما دخل في الثالثة، وثني الإبل: ما دخل في السادسة، فإن الحيوان يتهيَّأ في هذا السنِّ للحمل والركوب والطروق والنزوان، فأشبه بلوغَ الإنسان.

3703 -

فصل في صفة الضحيَّة وما لا يجزئ فيها

2 قال عليه السلام: "أربعٌ لا تجزئُ في الضحايا: العوراء البيِّنُ عَوَرُها،1

والعرجاء البيِّن عرجُها، والمريضة البيِّن مرضُها، والعجفاء التي لا تُنْقي" 1، ونهى عليٌّ عن المُقابَلة، والمُدابَرة، والخرقاء، والشرقاء، وقال علي: "أُمرنا أن نستشرف العينَ والأذن" 2، وجاء نهيٌ عن المصلومة 3، والمُستَأصَلة 4، والثولاء، والجرباء.
فالشَّرقاء: المشقوقةُ الأذن، والخَرْقاء: المخروقة الأذن، والمُقابَلة: التي قطع من قِبَل أذنها قطعة، وتُركت متدلِّية، والمُدابَرة: ما قطعت كذلك من دبر الأذن، والثَّولاء: المجنونة التي تستدبر المرعى، والعجفاء: الهزيلة 5 التي لا نقيَّ لها، والنِقيُّ: المخُّ.
ولا بأس بمبادئ المرض والعجف، فإن ظهر المرضُ، ولم يؤثّر في الهزال بحيث لا ينقي، فالوجه القطعُ [بأنَّها لا تجزئ] 6، ولعلَّ ضبط العجفاء بما لا يرغب في لحمها طبقة غالبة من طلَّاب اللحم في سنيِّ الرخاء، وأبعد

مَنْ ألحق العجفاءَ بالخرقاء والشرقاء.
والجربُ إن عمَّ البدنَ أو تفاحش ظهورُه حتَّى يهزل إهزالَ المرض، منع الإجزاءَ، ولا تمنع مباديه عند الإمام، وقال أبو محمَّد: تمنع؛ لأنَّها تفسد اللحمَ، فيشبه المرض البيِّن.
والعرج البيِّن هو الذي يظهر تأثيرُه في التردُّد للرعي 1، ولا تجزئ العوراء، فإن ضعف البصرُ؛ لنكتة على العين لا تمنع الرؤية، فلا بأس.

3704 -

فرع:

قال الأصحابُ: إذا هجم المرضُ البيِّن على الحيوان، فذُبح على الفور، أو انكسرت رجلُه، فذُبح على الفور، وهو على غاية السمن، لم يُجْزِ؛ لغلبة التعبُّد على هذه الصفات وإِن لم يؤثِّر [في اللحم] 2، ولذلك يمنع العرجُ البيِّن وإِن لم يؤثر في تنقيص اللحم، وغلط من قال بإجزاء المريضة في هذه الصورة؛ لاتِّفاقهم على أنَّ الكسيرة لا تجزئ.

3705 - فرع: إذا زال بصرُ إحدى العينين مع بقاء الحدقة، لم تُجْزِ، خلافًا لأبي الطيِّب بن سلمة.

3706 - فرع: إذا تغيَّر لحمُ الذكر بكثرة النزوان، أو لحمُ الأنثى بكثرة الولادة؛ فإن

لم يُفْضِ إلى مرض بيِّن، أو عجف بيِّن، أجزأ اتِّفاقًا.

3707 -

فرع:

لا بأس بذهاب القليل من الأسنان، وإن ذهب الجميعُ بغير مرض بيِّن، أو عجف ظاهر، أجزأ على الأصحِّ، فإن قلنا: لا يجزئ، فالاعتبار بذهاب ما يمتنع معه الرعيُ والاعتلاف.

3708 -

فصل في استحسان الضحايا

لا خلافَ في إجزاء المعز، والخصيِّ الذي أُبينت أنثياه، وفي الشاة العديمة الألية طريقان: إحداهما: إن كانت من جنسٍ لا أليةَ له، أجزأت، وإن سقطت الألية بجناية، أو آفة، فوجهان.
والثاني: إن سقطت أليتها، لم تُجْزِ، وإن كانت من جنسٍ لا أليةَ له، فوجهان، وقطع الإمامُ بإجزاء ما لا أليةَ له؛ اعتبارًا بالمعز، والضرعُ كالألية [أو الخصية؟ فيه طريقان؛ فإنَّه غير مستطاب.
ولا أثر لقطع القرن، ولا لصغر الألية والضرع] 1، فإن أُبين جميعُ الأذن، لم يجز اتِّفاقًا، وإِن أبين بعضُها، أو شُقَّ؛ كالخرقاء والشرقاء والمقابلة والمدابرة، فطريقان: أحداهما: إن أُبين البعضُ لم يجز، وإنْ قلَّ المُبان، وإِن شُقَّت،

فوجهان، والأكثرون على الإجزاء.
والثاني: تجزئ المشقوقةُ الأذن، وإِن أُبين بعضُها؛ فإن كان كثيرًا بالإضافة إلى تلك الأذن، لم يُجْز، وإِن كان قليلًا، فوجهاد، والكبيرُ ما يلوح تنقيصُه على البعد، والقليل ما لا يلوحُ على البعد، وفي التي لا أذنَ لها نصَّان، فقال المحصِّلون: إن كانت الأذنُ صغيرة على شكل الأذن، أجزأت، وإِن كان على موضع الصِّماخ فلقة نابتة (1) لا تشبه هيئةَ الأذن، لم تجزئ، وحملوا النصَّين على هاتين الحالين.

3709 -

فصل في بيان أفضل الضحايا

الضأن أفضل من المعز، وقيل: السُّبُع من الغنم أفضلُ من البدنة والبقرة، وقال الإمام: البدنةُ أفضل، فإنَّها 2 قُدِّمت على السبع في كفَّارات النسك على رأي.
وقال الشافعيُّ: الأنثى أفضل من الذكر، فقيل: أراد الأنثى التي لم تتكرَّر ولادتها؛ فإنَّ لحمَها أرطبُ، وقيل: أراد جزاءَ الصيد إذا قُوِّم ليخرج عنه الطعام، فإنَّ قيمتها أكثرُ.
وقال الإمام: إن قُوبل الذكر الذي كثر نزوانُه بالأنثى التي لم تلد، فهي أفضل منه، وإِن تكرَّرت ولادتها ونزوانه، أو لم تلد ولم يَنْزُ، أو تكرَّرت1

ولادتُها ولم ينزُ، فالذكرُ أفضل، وليست رطوبةُ لحمها ممَّا يُحسُّ، ويُكتَرث به.
واستسمانُ الضحايا واستحسانُها محبوبان، والأعفرُ أَوْلى من الأسود، وضحَّى عليه السلام بكبشين أملحين (1)، والأملحُ: الأبيض، وضحَّى مرَّةً بكبشين يمشيان في سواد، ويأكلان في سواد، وينظران في سواد (2)؛ أراد بذلك سوادَ القوائم والمشافر والمحاجر، ولا يتعلَّق بذلك استحسان.

3710 -

فصل في بيان (3) وقت الضحيَّة

إذا طلعت الشمسُ يومَ النحر، وزال وقتُ كراهة الصلاة، ومضى ما يتَّسع لصلاة العيد وخطبته، دخل وقتُ التضحية 4، ويمتدُّ إلى الغروب آخرَ أيَّام التشريق ليلًا ونهارًا، والذبحُ بالنهار أفضل، وأبعد مَنْ لم يعتبر وقت الخطبتين، فإن اعتبرناه، ففي قدر الصلاة والخطبتين أوجهٌ: أحدُها: الاعتبارُ بخطبتين طويلتين، وركعتين يقرأ في إحداهما بـ (قاف)، وفي الثانية بـ (اقتربت الساعة)، وهذا بعيدٌ في الخطبتين.123

والثاني: الاعتبارُ بركعتين خفيفتين، وخطبتين خفيفتين، ولا ينبغي أن يقتصرَ على أقلِّ ما يجزئ، وأن يترك شعارَ صلاة العيد.
والثالث -وهو قول المراوزة-: القطعُ بتخفيف الخطبتين، وفي الركعتين وجهان.

3711 -

فرع للإمام:

إذا ترك التضحيةَ في وقتها، فضحَّى في السنة القابلة بنيَّة القضاء وقع عن الأداء، وكذلك لو اعتاد صوم أيَّام، فترك شيئًا منها، أو أفسده، ثمَّ نوى القضاءَ، فإن ترك صومَ الأيَّام المندوبات (1)، ثمَّ نوى قضاءَها، لم يقع عن القضاء، ولو أفسد صومًا مندوبًا، فصامه بنيَّة القضاء، ففيه احتمال.

3712 -

فصل فيمن يذبح الضحيَّة

يُستحبُّ للقويِّ أن يذبحَ أضحيتَه بنفسه، فإن عجز، وَكَّل في الذبح، والأَوْلى أن يَحْضرَه.
وكلُّ من حلَّت ذبيحته جاز توكيلُه في ذبح الأضاحي، وهو كلُّ مسلم قاصد، أو كتابيٍّ قاصد، وكذا الصبيُّ المميِّز على الأصحِّ، وفي المجنون قولان لعلَّ أصحَّهما: المنعُ، وإن جُعل السكرانُ كالصَّاحي، حلَّت ذبيحتُه، وإِن جُعل كالمجنون، ففيه القولان، وتحلُّ ذبيحة الأعمى في الحيوان المقدور عليه اتِّفاقًا.1

فإن أرسل كلبًا أو سهمًا، فاتَّفق أنَّه أصاب صيدًا، ففي حلِّه خلافٌ خصَّه الإمامُ بأن يكون قد استشعر وجودَه أو سمع حِسَّه.
وإن وكَّل ذمِّيًّا بذبح الأضحية، أو تفرقة الزكاة؛ فإن نوى بنفسه، جاز، وإن فوَّض إليه النيَّة، لم يجز.

3713 -

فصل فيما يُشترط في الذكاة

يُشترط في الذكاة قطعُ الحلقوم والمريء، ولا يُشترط قطعُ الأوداج، فإن اقتلع رأسَ عصفور، أو اختطفه ببندقة، لم يحلَّ؛ لعدم القطع، وإن بقي من الحلقوم (أو) (1) المريء شيءٌ يسير، لم يحلَّ، فإن بقي من المريء شيء يسير، وانتهى الحيوان إلى حركة مذبوح، فلا بدَّ من قطعه.
ولو ألصق السكينَ باللحيين، وأبان الرأسَ من غير قطع الحلقوم والمريء، لم يحلَّ، وتحلُّ الذكاة بكل آلة حادَّة تفري الحلقومَ والمريء إلَّا السنَّ والظفر وسائرَ العظام المتَّصلة والمنفصلة، فإن قتل صيدًا بسهم نَصْلُه عَظْمٌ، لم يحلَّ.

3714 -

فصل في ذكاة الحيوان المشرف على الموت

إذا أشرف الحيوانُ على الهلاك بسبب من الأسباب؛ كافتراس السبع،1

والتردِّي، وسقوط شيء عليه، فقطع حلقومُه، ومريئه؛ فإن كان على حياة مستقرَّة حلَّ، وإلَّا فلا.
ولو أبان رأسَ الحيوان من قفاه؛ فإن وصلت السكِّينُ إلى الحلقوم والمريء -وفيه حياةٌ مستقرَّة- حلَّ، وإِن وصلت إليهما -وهو على حركة مذبوح- لم يحلَّ.

3715 -

فرع:

إذا تيقَّنَّا الحياةَ المستقرَّة، أو حركة المذبوح، فلهما حكمُهما، وإِن شككنا في ذلك، فقد قال الجمهورُ: إن تحرَّك بعد إكمال الذبح، حل، وإلَّا فلا.
وقال في "التقريب": لا عبرةَ بالحركة؛ فإنَّ المنتهيَ إلى حركة المذبوح قد يصيبه سببٌ مُذَفِّف، فيتحرَّك بعده، وهذا هو الحقُّ، والتعويلُ على العلامات التي لا تضبطها العباراتُ، ومن جملتها الحركةُ الشديدة، فإنْ غلب على الظنِّ استقرارُ الحياة قبل الشروع في الذبح، حلَّ، وتردَّد فيه صاحبُ "التقريب"؛ التفاتًا إلى مسألة الإنماء، وإِن دلَّت العلاماتُ على الوصول إلى حركة المذبوح، أو استوى الأمران، لم يحلَّ.

3716 -

فصل فيما يقارن الذكاةَ من أسباب الهلاك

إذا قطع الحلقومَ والمريءَ على أناة خارجة عن العادة، فانتهى الحيوانُ إلى حركة مذبوح، فأتمَّ القطعَ، لم يحلَّ، وعلى الذابح أن يسرع بالقطع بحيث

لا يحسُّ بانتهاء الذبح إلى ما ذكرناه.
وإِن اقترن بالذبح سببٌ مُهْلك؛ فإن علم أنَّه لم يؤثِّر في التذفيف، حلَّ الذبح، وإِن علمنا أو ظننَّا أنَّ له أثرًا في التذفيف، لم يحلَّ، فإذا أخذ في الذبح، وأخذ غيرُه في إخراج الحُشْوة (1)، أو في جرح يغلب على الظنِّ تأثيرُه في التذفيف، أو أخذ في الذبح، وأخذ آخرُ في القطع من القفا، فالتقت المُدْيتان، لم يحلَّ، ولو تقدَّم على الذبح جرح يؤثِّر في التذفيف، فذبح على حياة مستقرَّة، حلَّ، بخلاف المقترن بالذبح.

3717 -

فصل فيما يُسنُّ في الذبح

الأدبُ أن يتوجَّه الذابحُ والذَّبيح إلى القبلة، وأن يُحِدَّ الشفرةَ، ويتحاملَ عليها بقوَّة.
والتسميةُ سنَّة مؤكَّدة، والصلاة على النبيِّ مستحبَّة، فإن قال: باسم محمَّد، لم يجز.
وتُذبح البقر والغنمُ، وتُنحر الإبل في اللبَّة بقطع الحُلقوم والمريء، فإن ذبحها، كُره، وحلَّ لحمُها، ويُستحبُّ للمضحِّي، والمهدي أن يقول: اللهمَّ هذا منك وإليك، فتقبَّل منِّي.1

3718 -

فصل في نذر الأضاحي

إذا علَّق نذرَ الأضحية على جَلْب نفع أو دَفْع ضرٍّ، صحَّ النذرُ، وإِن أطلق، فقولان، فإن عيَّن شاةً للتضحية، فله أحوال: الأولى: أن يقولَ: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، فتصير أضحيةً اتِّفاقًا، ولا يُتصوَّر انفكاكُها عن ذلك؛ كالوقف والإعتاق، وإِن قال: جعلت هذه الدراهمَ صدقةً، فوجهان.
الثانية: أن ينذر العتقَ أو التضحية بشاة، ثمَّ يقول: عيَّنت هذا العبدَ عن نذري، أو عيَّنت هذه الشاةَ عن نذري، أو جعلتهما عن نذري، ففي تعيينهما وجهان، ولو عيَّن دراهمَ عن زكاة، أو نذر في الذمَّة، لم تتعين اتِّفاقًا، وفيه احتمال.
الثالثة: أن يقول ابتداءً: لله عليَّ أن أعتقَ هذا العبدَ، أو أضحِّيَ بهذه الشاة، فتجب التضحيةُ (1) والإعتاق، وفي التعيُّن وجهان مرتَّبان، وأولى بالتعيُّن، والعبدُ أولى من الشاة؛ لما له من الحقِّ في الإعتاق، ولو قال: لله عليَّ أن أتصدَّقَ بهذه الدراهم، فوجهان مرتَّبان، وأولى بألَّا يتعيَّن، فللتعيين في الأضاحي والدراهم وغيرهما ثلاثةُ أحوال.

3719 -

فصل في نيَّة التضحية

النيَّة واجبةٌ في الأضحية المسنونة والمنذورة في الذمَّة، فإن قدَّم النيَّة1

على الذبح، أو وكَّل فيها، كان كمن وكَّل في تفريق الزكاة، أو قدَّم نيَّتها من غير فرق، وإِن قال: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، فلا حاجةَ إلى النيَّة على المذهب؛ كما لو قال لعبده: أعتقتك، وقيل: تجب النيَّةُ مع الذبح، أو قبله، وإِن قال: لله على أن أضحِّي بهذه، أو عيَّنها عن نذر في الذمَّه؛ فإن قلنا: لا يتعيّن، وجبت النيَّةُ، وإِن قلنا: يتعيَّن، فهو كما لو قال: جعلت هذه أضحيةً.

3720 -

فصل في تلف الأضحية المعينة

إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، فتلفت، لم يضمنها، وإِن أتلفها، لزمته قيمتُها، فإن بلغت القيمةُ ثمنَ أضحية، لزمه شراؤُها، وإِن نقصت عن ثمن أضحية، فهل يلزمُه شراءُ أضحية؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يلزمُه، فهل يشتري بالقيمة شِقْصًا من شاة، أو يصرفها مصرفَ الضحايا؟ فيه وجهان، وإِن زادت القيمةُ على ثمن أضحية، ولم يجد أضحيةً كريمة، اشترى أضحية، وهل يشتري بالفاضل شِقْصًا من شاة، أو يصرفه مصرفَ الضحايا؟ فيه الوجهان، فإن قلنا: يُصرف مصرفَ الضحايا، فاشترى به خاتمًا يقتنيه، ولا يبيعه، جاز، وإِن أتلفها أجنبيٌّ، لزمته القيمةُ، فان لم توجد بها أضحيةٌ، فهل يُشترى بها شِقْصٌ من شاة، أو تُصرف مصرفَ الضحايا؟ فيه الوجهان.
ولو ذبحها أجنبيٌّ في أيَّام النحر؛ فإن شرطنا النيَّةَ، لم تصحَّ التضحيةُ، ويلزمه أَرْشُ ما نقص بالذبح، وإِن لم نشرط النيَّة؛ فإن لم يفرِّق اللحمَ، لم يلزمه أرشُ النقص على أقيس القولين؛ لأنَّه ذبح مستحَقٌّ، وإِن فرَّق اللحمَ،

لم يقع الموقعَ، ولا يحلُّ لأحد أخذُه؛ لأنَّ تعيينَ الأخذ [إلى المالك] (1)، ويلزمه قيمةُ اللحم، وكذلك يلزمه أرشُ النقص اتِّفاقًا، وفيه احتمال، وفي كيفيَّة تغريمه قولان، أجراهما الإمامُ في غير الضحايا من سائر الحيوان: أحدهما: يغرم قيمتَها حيَّةً.
والثاني: يغرم الأرشَ، ثمَّ يغرم قيمةَ اللحم.
ولو قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ بهذه، أو عيَّنها عن (2) نذر في الذمَّة؛ فإن قلنا: لا يتعيَّن، فمِلْكه باقٍ عليها، وإن قلنا: يتعيَّن، فتلِفَتْ، ففي براءته وجهان، فإن قلنا: لا يبرأ، لزمه الوفاءُ بما نذر، وإن قلنا: يتعيَّن، فأتلفها، [أو أتلفها] (3) أجنبيٌّ، كان كما لو أتلفا شاة قال: جعلتها أضحيةً.

3721 -

فصل في تعيُّب الأضحية المعيَّنة

إذا قال: جعلتُ هذه أضحيةً، فتعيَّبت عيبًا يمنع الإجزاءَ، لزمه أن يصرفَها مصرفَ الضحايا، ولا شيءَ عليه، وإن عيَّنها عن نذر؛ فإن قلنا: لا تتعيَّن، فلا أثرَ لتعيُّنه، وإن قلنا: تتعيَّن فتعيَّبت، ففي وجوب إبدالها وجهان: أحدهما: لا يجبُ، فتجزئه المعيبةُ.
والثاني: يجب، وفي انفكاك الاستحقاق عن المعيبة وجهان.123

3722 -

فرع:

إذا أُضجعت الضحيَّة لتُذبحَ، فانكسرت رجلُها باضطرابها، ففي إجزائها وجهان، خصَّهما أبو محمَّد بما قبل الشروع في قطع الحلقوم، وخصَّهما الإمامُ بما إذا اتَّصل الذبحُ بالانكسار.
وإن بعث هَدْيًا إلى الحرم، فعاب قبل بلوغ الحرم، لم يجزه، وإن عاب في الحرم، لم يجزه، خلافًا للقَّفال، وخصَّ الإمامُ الخلافَ في تعيُّب الهدي، وانكسار الرجل عند الإضجاع بالحيوان المتعيِّب الذي لا يمنع عيبُه من إجزائه، وقال: إن كان تطوُّعًا مَنْويًّا قبل بلوغ الحرم، أو عند الإضجاع، فلا يجزئ؛ لجواز بيعه في هذه الحال، فكيف يصير قربة مع جواز البيع، ولهذا شرط أن يتَّصل الذبحُ بالانكسار.

3723 -

فصل فيمن نذر التضحية بحيوان لا يجزئ في الضحايا

إذا قال لشاة لا تجزئ في الضحيَّة؛ لعيبها: جعلت هذه الشاةَ أضحيةً، وجب صرفُها مصرفَ الضحايا على المذهب، ولا شيء عليه؛ كما لو قال لعبد لا يجزئ في الكفَّارة: أنت حرٌّ عن كفَّارتي، فإنَّه يعتق، ولا يبرأ عن الكفَّارة، وإن قال لظبية: جعلت 1 هذه أضحيةً، لغا كلامه، ولا تُصرف مصرفَ الضحايا، وإن قال ذلك لفَصِيل، أو حُوارٍ، فوجهان.
ولو عَيَّن شاة معيبةً عن نذر في الذمَّة، لم يبرأ، وهل يجب صرفُها

مصرفَ الضحايا؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يجب، فزال العيبُ قبل ذبحها، لم يبرأ بها عند الأصحاب، وخرَّج الإمامُ البراءةَ بها على الخلاف فيمن عيَّن سليمةً عن نذر، فعابت، فإنَّه لا يبرأ بها على الأصحِّ.
وإن قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ بعرجاء، أو عجفاء لا تُنْقي، فهل يلزمه ذلك، أو يلزمه صحيحة، أو لا يلزمه شيء؟ فيه ثلاثةُ أوجه.
ولو قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ بهذه، فكانت معيبة، فهي مردَّدة بين قوله: جعلتها أضحيةً، وبين تعيينها عن نذر في الذمَّة، والتعيُّن هاهنا أصحُّ.

3724 -

فصل في ضلال الأضحية المعيَّنة

إذا ضلَّت الشاة المعيَّنة؛ فإن كان قد 1 قال: جعلتها أضحيةً، لم يلزمه شيءٌ، فإن عيَّنها عن نذر، ففي وجوب البدل وجهان، فإن أوجبناه، فضحَّى به، ثمَّ وجد الأصلَ، [ففي وجوب التضحية به قولان، وإن عيَّن عن البدل شاةً، فوجد الأصلَ] 2 قبل ذبح البدل، فهل يلزمه ذبحُ الأصل، أو البدلُ، أو ذبحُهما، أو ذبح أيِّهما شاء؟ فيه أربعةُ أوجه.
ولو عيَّن شاةً عن نذر، وقلنا: يتعيَّن، فذبح عن النذر شاةً أخرى؛ فإن قلنا: لا يجب البدلُ إذا ماتت المعيَّنة، لم يبرأ بالذبيحة عن النذر، وإن

قلنا: يجب البدلُ -وهو الأصحُّ- ففي إجزاء الذبيحة وجهان، فإن قلنا: تجزئ، ففي انفكاك الاستحقاق عن المعيَّنة خلافٌ مشهور.
ولو عيَّن عبدًا عن عتق الكفَّارة، ففي تعيُّنه خلاف، فإن مات، لم يبرأ من الكفَّارة اتِّفاقًا؛ لوجوبها بأصل الشرع، فإن أعتق عن الكفَّارة عبدًا غير المعيَّن، برئ على الظاهر.

3725 -

فصل في أوقات الدماء

إذا وجب دمُ الجُبْران، فلا وقتَ له، وله إخراجُه متى شاء، والضحيَّة المسنونة مؤقَّتة بالأيّام الأربعة، وإن قال: جعلت هذه أضحيةً، تأقَّتت بالأيام الأربعة، وإن قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ بشاة، ففي التأقيت بالأيام الأربعة وجهان؛ لأنَّها وجبت في الذمَّة، فأشبهت الجُبْران، فإن قلنا: لا تتأقَّت، فعيَّن شاة عن نذره، ففي تأقُّتها وجهان.

3726 -

فصل في جواز الأكل من الأضحية

لا خلافَ في تحريم الأكل من دم الجُبْران، وجوازه في الأضاحي المسنونة، وفي المنذورة وجهان أقيسُهما الجوازُ، فإن قال: جعلتُ هذه أضحيةً، جاز الأكلُ منها إن أجزناه من المنذورة، وإن منعناه في المنذورة، جاز هاهنا على الأصحِّ؛ لأنَّها تعيَّنت باللفظ كما تعيَّنت المسنونة بالنيَّة، وإن عيَّنها عن نذر، ففي الأكل منها خلافٌ؛ لتردُّده بين الترتيبين.

والتصدُّق بجميع المسنونة أفضلُ، وكلَّما أكثر (1) التصدُّق، كان أفضلَ، ومن شعار الصالحين الأكلُ منها، وهل يحصل شعارُ الصدقة بالنصف أو الثلث؟ فيه وجهان، فإن أكل الجميعَ، ففي جوازه وجهان، فإن منعناه، فتصدَّق على مسكين واحد بأقل ما يقع عليه الاسمُ، أجزأه اتفاقًا.
وما جاز أكله جاز [أن يطعمَه] (2) الأغنياءَ، ولا يجوز بيعُه، وكذلك إتلافه عند الإمام، وله تمليك الفقراء اتفاقًا، ويلزمه ذلك عند الإمام فيما يجب التصدُّق به، ومنع أن يُملَّك الأغنياءُ شيئًا من ذلك، وقال: إن طبخ ما يجب التصدُّق به، وأطعمه الفقراءَ، لم يجزئه، بل يلزمه تمليكُ اللحم، كما في طعام الكفارة.

3727 -

فرع:

إذا أوجبنا التصدُّق، فأكل الجميعَ، ضمن أقل ما يقع عليه الاسمُ، وأبعد مَنْ أوجب النصفَ أو الثلث.

3728 - فرع: ليس للمتطوِّع بيعُ شيء من الأضحية، ولا أن يبادلَ به، ولا أن يجعلَ الجلدَ أجرة للقصَّاب، ولا يجوز بيعُ الجلد إلَّا على قول بعيد بشرط أن يصرفَ الثمنَ مصرفَ اللحم، فإذا أوجبنا التصدُّقَ، فتصدَّق بالجلد، لم يجزئه على الظاهر، وفيه احتمال.
12

3729 -

فصل في ولد الأضحية

إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، فولدت، فلولدها حكمُها، ثمَّ فيه وجهان: أحدُهما: يُجعل كبعض أعضائها، فيجوز أكلُه إذا تصدَّق بجزء من الأمِّ.
والثاني: يُجعل أضحيةً منفردة، ففي جواز أكله الوجهان، ولا يجوز التضحيةُ ابتداءً بالحمل، ولبنُ الأضحية المعينة كلحمها، ولعلَّ الظاهرَ جوازُ (1) استيعابه بالأكل إذا جوَّزنا الأكلَ من لحمها.

3730 -

فروع:

الأوَّل: إذا مَلَّكَ عبدَه شاةً، وأذن له في التضحية بها 2؛ فإن قلنا: يملكها، وقعت عنه، وإلَّا فلا، وإن أذن للمكاتب في التضحية، ففي وقوعها عنه قولان.
الثاني: تجزئ البدنةُ عن سبعة، والبقرةُ عن سبعة، ولا تجزئ شاةٌ عن اثنين، فإن ضحَّيا بشاتين يملكانهما نصفين، فوجهان؛ كمن أعتق عن الكفَّارة نصفي عبدين.
الثالث: إذا اشترى شاةً بنيَّة التضحية، لم يزُل ملكهُ بذلك، فإن نوى عند الذبح حصلت القربةُ، وإن نوى قبله، فوجهان، وأبعد مَنْ شرط أن يقولَ: جعلتها أضحيةً، ومن شرط أن يقلِّدها أو يقولَ: جعلتها أضحيةً، فإن أجزنا1

تقديمَ النيّة، فنوى بين الإيجاب والقَبول، لم يجزئه، وإن نوى عقيب القَبول، لم يجزئه على ظاهر كلام العراقييّن، وقال الإمام: إن بقَّينا الملكَ للبائع، لم يجزئه، وإن نقلناه للمشتري، وقع الكلامُ في الملك الجائز.
الرابع: إذا لزم ملكُ المشتري، فقال: جعلت هذه الشاةَ أضحية، [ثمَّ وجد] 1 بها عينًا لا يمنع إجزاءَها، فله الأرشُ دون الرد، ويُصرف الأرشُ في مصرف الضحيَّة عند العراقييِّن، وقياسُ المراوزة ألَّا يلزمَه ذلك؛ إذ لم يتناوله التعيين.

3731 -

باب العقيقة

وهي سنَّة مؤكَّدة يدخل وقتُها بالولادة، والأفضل أن يذبحَ عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتين، فإن ذبح عن الذكر شاة، أجزأته اتِّفاقًا، وينبغي أن يفصل الشاةَ، ولا يكسر شيئًا من عظامها؛ تفاؤلًا بسلامة أعضاء الولد، ويُكره أن يلطِّخ رأسَ الولد بدمها.
ويُستحبُّ أن يُسمَّى الولدُ في اليوم السابع، ويُحلق شعره، ويُتصدَّق بزنته ذهبًا أو فضَّة، ويجب القطعُ إثبات أحكام الضحية للعقيقة إلَّا الوقت؛ فإنَّ العقيقةَ كدم الجُبْران، فيكون الأكل منها والصدقة، والسلامة من العيب، والسنُّ، والبيع، والاستبدال على ما تقدَّم في الضحيَّة من غير فرق، وكلُّ عيب يؤثِّر في الضحايا فإنَّه يؤثِّر في دم الجُبْران إلا جزاءَ الصيد إذا قُوبل المعيبُ بمثله.
وإذا أوجبنا التصدُّق وجب تفرقةُ اللحم نِيْئًا، وقال الصيدلانيُّ: تفرقةُ اللحم أَوْلى من دعاء الناس إليه، وهذا متِّجه إذا لم نوجب التصدُّقَ به، وفيما لا يجب التصدُّق به، ولا يتَّجه فيما يجب التصدُّق به.

3732 -

فائدة:

قال عليه السلام: "أقرُّوا الطيرَ على مَكِناتِها" 1، فقيل: أراد كراهةَ الصيد

ليلًا، وقيل: كان العربيُّ إذا أراد سفرًا بكَّر إلى عشَّ طائر، فأهاجه، فإن طار يمنةً، تفاءل، وإن طار شآمة، تطيَّر، فنهى عن التطيُّر والتفاؤل.
= أم كرز رضي الله عنها، و"المكنات" جمع مكنة: وهي بيض الضباب، ثم استعيرت للطير.
انظر: "تاج العروس" للزبيدي (مادة: مكن).

جارٍ التحميل