الغاية في اختصار النهايةصفحات 233-273

كِتابُ الصَّداق

2430 -

يصحُّ النكاح بصَداقٍ، وبغيرِ صداقٍ، فإنْ ذَكَرَ صداقًا صحيحًا ثبت إجماعًا، ولا ينفسخُ النكاح بردّ الصَّداق بالعيبِ اتِّفاقًا، ولا يفسدُ بفساده على الأصحِّ.

وإن زوَّج المُجْبِرُ بأقلَّ من مهر المثل، فالمذهبُ صحَّةُ النكاح ولزومُ مهر المثل، وفيه قولٌ حمله بعضُهم على بطلان النكاح، وحمله آخرون على صحَّة الصداق، وقطعوا بصحَّة النكاح، وبنَوا ذلك على جواز عفو الوليِّ عن الصداق.
ولو طلبها الكُفْءُ بأكثر من مهر المثل، فزوَّجها المُجْبِر بكفءٍ آخَرَ بمهر المثل، أو طلبها شريفٌ نبيل، فزوَّجها من كفءٍ، فلا اعتراض عليه؛ فإنَّ في النكاح مصالحَ خفيَّة يُجبَر بعضُها ببعض.
وما جاز أن يُجعل ثمنًا أو أجرةً جاز جعلُه صَداقًا، والأَوْلى: ألا ينقص عن عشرة دراهم، وألا يُتغالى فيه، فإن تغالى فيه لم يُكره، ولم تَزِدْ مهور بنات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأزواجِهِ على خمس مئة درهم، وفيه أُسوةٌ حسنة، ولا تُنقَص المحجورةُ عن مهر المثل.

2431 -

باب الجعل والإجارة

كلُّ منفعةٍ تقبلُ الإجارة جاز جعلُها صداقًا، فلا يجوزُ على منفعةٍ محرَّمة، وضَبَطَ القاضي المنفعةَ المباحةَ بكلِّ عملٍ معلومٍ يَلْحَقُ العاملَ فيه كلفةٌ، ويتطوَّعُ به الغيرُ عن الغير.
وضبطه الإمام بكل عملٍ مباحِ متقوِّمٍ عرفًا، عائدٍ 1 بالنفع على المستأجر، فإن عاد بالنفع على المؤجِّر، أو قلَّت المنفعة بحيث لا يكون لمثلها أثرٌ في جلب نفعٍ أو دفعِ ضرٍّ، لم يصحَّ.
والقربات أقسام: الأوّل: ما لا يقبل الإجارة، وهو كلُّ عبادةٍ بدنيَّةٍ تفتقرُ إلى النيَّة، ولا تدخلُها النيابةُ، فيجوز على الحجِّ، وغسل الميِّت؛ لقبولهما النيابة.
الثاني: فرضُ الكفاية المتعلِّق بخاصِّ الإنسان، فتصحُّ الإجارة عليه، كالدَّفنِ، وحملِ الجنائز، وحفرِ القبور، والتكفينِ وشراءِ الكفن، وتعلُّمِ ما يجبُ تعلُّمُه من القرآن وإن كانت إشاعةٌ جميع القرآن وتعلُّمه وتعليمه فرضَ كفاية؛ فإنَّ هذا مختصٌّ بالمكلَّف، فإذا عجز عنه فُرض على الكافَّة، كما يلزمُه النفقة على نفسه، وإن عجز عنها لزمت الكافَّة.

ولو اشترى الطعام في المخمصة لصحَّ؛ لأنَّ أصله مخصوصٌ به.
الثالث: ما لا يختصُّ بالمكلَّف كالجهاد، فلا يَستأجِرُ عليه مَن انْدَرَجَ في خطابه.
الرابع: الشِّعار المسنون، كالأذان، وفيه أوجه ثالثُها: التفرقةُ بين الإمام والآحاد، والأصحُّ الجوازُ من الإمام والآحاد، وهل تقابِلُ الأجرةُ الأذانَ، أو رفع الصوت، أو رعايةَ الوقت، أو الحيعلتين؟ فيه أوجهٌ أصحّها: أوَّلها.

2432 -

فرع:

منع الأصحاب الإجارة للتدريس، وتردَّد فيه أبو بكر الطُّوْسيُّ، وقال الإمام: إن استؤجر على ذلك إقامةً للشرع من غير تعيينِ المتعلِّم، أو استُؤجر لإقراء القرآن كذلك، لم يصحَّ؛ فإنَّه فرضُ كفايةٍ كالجهاد، ولا يَبْعُدُ إلحاقُه بالأذان، ولو استُؤجر لتعليم مسألةٍ أو مسائلَ من العلوم فلا بأس، كنظيره من تعليم القرآن، ولا نظر إلى تفاوت المتعلِّمينَ في الحفظ والفهم.
ولا تصحُّ الإجارة على الإمامة في الفروض، وكذا النوافلُ على الأصحِّ.
ويجوزُ إصداقُ منفعة الحرِّ والعبد.

2433 -

فصل في إصداق تعليم القرآن

يجوز إصداقُ ذلك، والإجارة عليه، ولا نقيم غيرَه مُقامَه في إجارةِ

العين، فإنْ لم يُحْسِنْ ما التزمه، صحَّ إن كانت الإجارةُ على الذمَّة، وإن كانت على العين فوجهان.
فإن قلنا: يصحُّ، فشرطُه أن تتَّسع المدَّة للتعلُّم والتعليم، وأن يَعْرِفَ ما يشتغلُ (1) بتعليمه في الحال، ويجب تقدير الملتزَم بالقدرِ أو الزمان، فإن قدّره بهما لم يصحَّ على الأظهر.
وهل يجب ذكرُ الحَرْفِ، كقراءةِ أبي عمرو (2) مثلًا؟ فيه وجهان: اختار الإمام الصحَّة؛ لقوله عليه السلام للأعرابي: "زَوَّجْتُكَها بمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (3)، ولذلك لم يشترط الأصحابُ معرفةَ فَهْمِ المتعلِّم، ولو شُرط لاتَّجه؛ كاشتراط معرفة الراكب، لكن إذا قلَّ التفاوتُ احتُمل، فلو استأجر دابّةً من السوق إلى الدار، ولم يَعْرِفِ الراكب، احتُمل أن يصحَّ؛ لقلَّة التفاوت، ولا سيما عند قوة الدابّة.

2434 -

فرع:

يُشترط تعيينُ ما يقع التوافُقُ عليه على الظاهر من كلام الأصحاب؛ لتفاوت السور في العسر واليسر.123

2435 -

فرع:

لا يجوز إبدال المستوفَى منه؛ كالدابّة المعيَّنة والدار، ويجوز إبدال المستوفي؛ كالراكب وساكن الدار، مع رعاية التماثُلِ والإنصاف، وفي المستوفَى به - كالثوب المَخيط والمتعلِّم، وجهان أصحُّهما: الجواز، هذا إذا طلبه المستأجر، وامتنع الأجير، فإن تراضيا بذلك صحَّ وجهًا واحدًا، وقيل: فيه الوجهان.
فإن منعناه انفسخت الإجارة بتلف المستوفَى به.
وإن استأجره بخياطة ثوبٍ معيَّنٍ، أو بمنفعة الدار المأجورة، جاز.

2436 - فرع: إذا تعيَّن على امرأة تعلُّمُ الفاتحة، وتعيَّن لذلك رجلٌ، فنكحها على تعليمها، جاز على الأصحِّ.
ولو تزوَّج المسلم كافرةً على تعليم شيءٍ من القرآن؛ فإن رجا إسلامَها جاز، وإلا فلا، واعتبره الأصحابُ ببيع المصاحف من الكفَّار؛ لِمَا في ذلك من تعريضه للاستخفاف، ويلزمُهم على ذلك أن يمنعوا من لا يُرجى إسلامه من سماع القرآن، ولم ينتهوا إلى ذلك.
ولو علَّم أمته الكافرةَ ذلك لتزداد قيمتُها؛ فإن رجا إسلامها بالتعلُّم جاز، وإلا فلا.

2437 - فرع: إذا نسي شيئًا ممَّا تعلَّمه فقد قيل: لا تجبُ الإعادةُ إلا أن ينسى أقلَّ من آية.

وقيل: لا يجب إلا أن ينسى أقلَّ من سورة.
وهذا لا يصحُّ؛ لاختلاف الآيات والسور في الطول والقصر، بل يُرْجَعُ إلى العرف، فما نسيه قبل إتقان التعليم وجب إعادتُه، ولا تجب إعادةُ المنسيِّ بعد الإتقان؛ لانتسابه إلى تقصير المتعلِّم.

2438 -

فرع:

يجوز إصداقُ ما يجوز تعلُّمه، ويمتنعُ فيما لا يجوز تعلُّمه، كالخنا في الحكايات، والفُحْشِ في الأشعار.
وإصداقُ تعليم التوراة والإنجيل كإصداق الخمر والخنزير؛ إذ لا يجوز تعلُّمهما ولا تعليمُهما، فإن تُرجم منهما ما لا ينكره الشرع فهو كغيره من أنواع الكلام.

2439 -

فصل فيمن أصدق التعليم أو الخياطة ثم طلَّق قبل الدخول

إذا أصدقها ردَّ عبدِها، أو أجَّر نفسه لذلك؛ فإن عرف مكانه صحَّ، وإن جهل مكانه صحَّت الجعالةُ دون الإجارة والإصداقِ؛ فإنَّهما عقدان لازمان، فإن حُكم بجوازهما خرجا عن وضعهما، وإن حُكم بلزومهما خرجت الجعالة عن وضعها.
وإذا كان الصَّداق ردَّ آبقٍ، أو خياطةَ ثوبٍ، أو تعليمَ شيءٍ، فوفى ذلك، ثم طلَّق قبل الدخول، رجع بنصف مهر المثل، وإن طلَّق قبل

الدخول، وقبل التوفية، فهل يلزمُه نصفُ أجرة المثل، أو نصفُ مهر المثل؟ فيه قولان.
فإن طلبت توفيةَ الجميع، وبذلت له شطر الأجرة، لم يلزمه ذلك.
وإن أمكن التشطُّرُ؛ لشموله السورة، كسورة الرحمن، أو كانت الخياطةُ وصلًا يمكن تشطيرُه، أو انتفعت بردِّ الآبق إلى نصف الطريق بأن تسلِّمه إلى وكيلها، احتُمل أن يقال بالتشطير هاهنا؛ لإمكانه، ويُحمل قول الأصحاب على الغالب في تعذُّر التشطير.

2440 - فرع: إذا طلَّق قبل التوفية، وبعد الوطء؛ فإن أمن الفتنة إذا علَّمها من وراء حجابٍ لزمه ذلك، وإن لم يُمْكِنْ إلا بالتعرُّض للفتنة، فقد تعذَّر التسليم، وكذلك إن رأينا التشطُّر قبل الدخول.
ومتى تعذَّر التعليمُ، فأقامت غيرها مقامها، أجر 1 على الأصحِّ.

"فرع

لا يجوز إبدال المستوفى منه... " (الفرع رقم: 2435).

2441 -

باب صداق ما يزيد وينقص

تملك المرأة جميعَ المهر بالتسمية، ويستقرُّ بالدخول؛ بمعنى: أنَّه لا يسقط منه شيءٌ بالطلاق، وينقطع مِلْكُها عن نصفه بالطلاق قبل الدخول، وفي تصرُّفها فيه قبل الدخول قولان منصوصان مأخذُهما: أنَّه هل يضمن ضمان العقود، أو ضمان الأيدي؟ فإن قلنا بضمان اليد صحَّ، وإلا فلا.
ولو تلف بآفةِ سماءٍ لزم مهرُ المثل إن غلَّبنا ضمان العقد، وإن غلَّبنا ضمان اليد ضُمن بمثله إن كان مِثْليًّا، وبالقيمة إن كان متقوِّمًا، و [هل] يُعتبر بقيمة يوم الإصداق [أو بأقصى القيمة من يوم الإصداق] إلى [يوم] 1 التلف؟ فيه قولان، فإن اعتبرنا الأكثر، ضمن منافعَه، وزياداتِهِ المتصلةَ والمنفصلةَ، وإن اعتبرنا يومَ الإصداق، فالزوائدُ بمثابة الثوب الذي تلقيه الريحُ إلى دار إنسانٍ، ولا تُضمن المنافع إلا أن يفوِّتها، وإن غلَّبنا ضمان العقد لم تُضمن المنفعة إن لم يفوِّتها، وإن فوَّتها فقولان؛ اعتبارًا بالمبيع.
فإن كان عبدًا، فمات، فمؤنةُ تجهيزه على الزوج إن غلَّبنا ضمان العقد؛ لأنَّه انقلب إليه قبيل التلف، وإن غلَّبنا ضمان اليد، فتجهيزُه على

الزوجة؛ لتلفه على مِلْكها.

2442 -

فرع:

إذا أصدق مجهولًا، أو قال: أصدقتُكِ هذا الحرَّ، أو: هذه الخمرة، وجب مهرُ المثل اتِّفاقًا، وإن قال: أصدقتُكِ هذا، أو: أصدقتُكِ هذا العبد، أو وقع مثلُ ذلك في الخلع والصلح عن دمِ العمد؛ فإن غلَّبنا ضمان اليد وجبت قيمةُ العبد، وإن غلَّبنا ضمان العقد وجبت الديةُ ومهرُ المثل.
ولو قال: أصدقتك هذا العصير، أو: هذه الشاةَ، فظهر خمرًا أو خنزيرًا، وجب مهر المثل، وقيل: فيه القولان، فإن قلنا: لا يجب مهر المثل، قُدِّر الخنزير شاة، والخمرُ عصيرًا، فإن كانت ممزوجة بالماء أُخذ قَدْرُها من العصير.
ولو قال: أصدقتُكِ هذا، فظهر خمرًا، وجب مهر المثل عند الإمام؛ إذ ليس تقدير العصير بأولى من تقدير الخلِّ، فأَشْبَه المجهولَ.

2443 -

فصل في تعيُّب الصداق في يد الزوج

إذا زاد الصداق عند الزوج زيادةً متَّصلةً أو منفصلةً، أخذَتْه بزيادته.
وإن عاب بعمًى، أو عَوَرٍ، أو قَطْعِ يدٍ، أو هزالٍ، أو غيرِ ذلك، فله أحوال: الأولى: أن يتعيَّب بآفةِ سماءٍ، فلها الخيار؛ فإن أجازت فلها الأرشُ إن قلنا بضمان اليد، وإن غلَّبنا ضمان العقد فلا أرش، وإن فسخت فلها

القيمةُ أو مهر المثل؟ فيه القولان.
ولو ردَّته بعيبٍ قديم، وقلنا بضمان اليد، رجعت بقيمة [العين وهي] 1 سليمة، وإن رضيت بالعيب القديم أخذت الأرش، وتردَّد فيه القاضي من جهةِ أنَّه لم يضع يده على السليم حتى يضمن أرشه، والجواب: أنَّها رضيت بالعين 2 على تقدير السلامة، فيكون إخلافُ السلامة كإخلاف الرقِّ والمِلْكِ إذا ظهر حرًّا أو مستحَقًّا.
الثانية: أن يتعيَّب بفعلها، فتأخذُه، ولا أرشَ لها.
الثالثة: أن يتعيَّب بفعلِ أجنبيٍّ، فتتخيَّر؛ فإن أجازت أخذت الأرش من الأجنبيِّ، ولا يُطالَبُ به الزوج إن غلَّبنا ضمان العقد، وإن غلَّبنا ضمان اليد طالبت أيُّهما شاءت، ويرجعُ الزوج على الأجنبيِّ إن طالَبَتْه، ولا رجوعَ للأجنبي عليه إن طُولب، وإن فسخت؛ فإن غلَّبنا ضمان العقد فمهرُ المثل على الزوج، وله الأرشُ على الأجنبيِّ، وإن غلَّبنا ضمان اليد فعلى الزوج قيمةُ السليم، وله الأرشُ على الأجنبي.
الرابعة: أن يتعيَّب بفعلِ الزوج، فتتخيَّر؛ فإن غلَّبنا ضمان اليد، فأجازت، فلها الأرش، وإن فسخت رجعت بقيمة السليم، وإن غلَّبنا ضمان العقد فهل يُلحق بالآفة، أو بفعل الأجنبيّ؟ فيه قولان.

2444 -

فصل في تلف الصداق بيد الزوج

إذا تلف بآفةٍ ففيما ترجع به القولان، وإن أتلفتْه فهو قبضٌ مُبرِئٌ للزوج.
وإن أتلفه أجنبيٌّ تخيَّرت؛ فإن غلَّبنا ضمان العقد، ففسخت، فالقيمةُ على المتلِفِ للزوج.
ولها على الزوج مهرُ المثل، وإن أجازت فلها القيمةُ على المتلِفِ، ولا طَلِبة لها على الزوج، وإن غلَّبنا ضمان اليد؛ فإن فسخت رجعت بالقيمة على الزوج، ورجع بها على المتلِفِ، وإن أجازت طالبَتْهما، فإن أَغْرمتِ الزوجَ رجع على المتلِفِ، ولا عكس.
وإن أتلفه الزوجُ ثبت الخيار؛ فإن قلنا بضمان العقد، لزمه مهرُ المثل إن جُعل إتلافُه كالآفة، وإن جُعل كالأجنبيِّ، فلها مهرُ المِثْلِ إنْ فَسخت، والقيمةُ إن أجازت، وإن غلَّبنا ضمان اليد: فهل يرجع بقيمة يوم الإصداق، أو بالأكثر؟ فيه القولان، ولا فائدة لها في الفسخ؛ فإنَّ ما يوجبه الفسخ مساوٍ لِمَا يوجبه التلف أو أنقصُ منه، وللمشتري أن يردَّ بالعيب وإن كان المعيبُ زائدًا على الثمن؛ لِمَا له في ذلك من الغرض، ولِمَا بين المبيع والثَّمن من اختلاف الجنس.

2445 -

فرع:

إذا تلف بعض الصداق فعلى تفريق الصفقة، فينفسخ فيما تلف، ولا ينفسخ في الباقي على المذهب، ولها الخيار؛ فإن أجازت فالمذهب: أنَّها تُخيَّر بحسابه من الصداق، وهو حصَّتُه من مهر المثل إن غلَّبنا العقد، وقيمتُه إن غلَّبنا ضمان اليد.

2446 -

فرع:

إذا وجب تسليم الصداق، فطلبته، فامتنع، أثِم، فإن تلف بآفةٍ فينبغي أن يُلحق بإتلافه، وكذلك حكمُ المبيع؛ فإن غلَّبنا ضمانَ العقد، ففسخت، ثبت مهر المثل، وإن أجازت وجبت القيمة إن جُعل إتلافُه كإتلاف الأجنبيِّ، وإن جُعل كالآفة وجب مهرُ المثل، وإن غلَّبنا ضمان اليد فلا فائدةَ في الفسخ إن أوجبنا الأكثر، وإن اعتبرنا يومَ الإصداق: فإن كانت القيمةُ يومئذٍ أكثرَ فلا فائدةَ في الفسخ، وإن كانت أقلَّ رجعت بالأكثر من قيمة يوم الإصداق، أو من قيمة يوم المنع إلى يوم التلف؛ لأنَّه غاصب.

2447 - فرع: إذا كان الصَّداق دَينًا، فاستبدلَتْ عنه؛ فإن غلَّبنا ضمان اليد جاز، وإن غلَّبنا ضمان العقد فعلى الخلاف في الاستبدال عن الأثمان.

2448 -

فصل في تشطير المهر

إذا طلَّق قبل الدخول رجع إليه شطرُ المهر بالطلاق، وأَبعدَ مَن قال: لا يرجع إلا أن يختار، وغَلِطَ من وَقَفَ الرجوعَ على قضاء الحاكم.
فإنْ وقفناه على اختياره فهو باقٍ على مِلْكِ الزوجة إلى أن يختار، ولا تبرأُ منه إن كان دَينًا حتى يختار، وَيرْجع فيه بكلِّ ما يرجع الواهبُ بمِثْلِه، وهل ينفُذ تصرُّفها فيه قبل الاختيار كالمتَّهب، أو يُلحق بالمِلْكِ في زمن الخيار؟ فيه تردّدٌ للأصحاب.

وإن عاب عندها ثبت له الخيار.
ولو قال: أبطلتُ حقِّي في الرجوع، بطل عند القاضي، ولا يبطل عند الإمام؛ لأنَّه شبَّهه برجوع الواهب، وفيه احتمالٌ، وإن قلنا: يرجع بالطلاق، فالزيادة الحادثةُ بينهما.
ولو طلَّق على أن يكون لها الجميع (1)، لم يصحَّ الا أن ينشئ هبةً بعد الطلاق، وإن كان دَينًا برئ من شطره، فإن كانت قد قبضَتْه رَجَعَ إليه نصفُه، وهل يتعيَّن حقُّه فيه إن كان باقيًا؟ فيه وجهان يجريان في كلِّ دينٍ، وطَرَدَهما أبو محمد في الثَّمن بعد الانفساخ، ثم فرَّق بينهما بعد ذلك: بأنَّ (2) الفسخ يستأصِلُ العقد وإن كان قطعًا له من حينه، بخلاف الطلاق.

2449 -

فرع:

إذا تلف الصداقُ بيدها بعد الطلاق، أو عاب، لم يُضمن ذلك، خلافًا لأئمَّة العراق؛ فإنَّ التشطُّر ليس بفسخٍ، ولو رجع إليه الصداقُ بفسخٍ لكان مضمونًا عليها على الطريقتين؛ اعتبارًا بالمبيع.
ولو ارتدَّ، وقلنا بالتشطُّر، فالشطر أمانة على قياس المراوزة، ومضمونٌ على طريقة العراق؛ إذ لو كان رجوعُه بالردَّة فسخًا لرجع جميعُ الصداق.
12

2450 -

فصل في الزيادة والنقصان عند الطلاق

إذا طلَّق قبل الدخول أخذت المرأة الزيادات المنفصلةَ، ورجع شطرُ الصداق إلى الزوج، وإن زاد زيادة متَّصلةً تخيَّرت بين أن تسمح بالزيادة، فيرجعَ إليه النصفُ، وبين أن تدفعَ نصفَ القيمة أقل ما كانت من حين الإصداق إلى القبض.
وقال الإمام: وَدِدْتُ أن تُعتبر قيمةُ يوم الطلاق إذا نقصت القيمةُ بانخفاض الأسواق؛ فإنَّ التسليم واجبٌ عند الطلاق، [نعم] إن (1) تلفت قبل الطلاق اتَّجه إيجاب الأقلّ.
وإن سمحت بالزيادة فلابدّ من التصريح بالقبول، فيرجع إليه شطرُه، وليس له أن يطلب القيمةَ دفعًا للمنَّة؛ إذ لا وَقْعَ لها.

2451 -

فرع:

الزيادة المتَّصلة لا تمنع البائعَ من الفسخ بسبب الفلَس؛ لأنَّه مستنِدٌ إلى العقد، أو لأنَّه لو لم يفسخ لنَقَصَ حقُّه بمضاربة الغرماء، وهاهنا يرجعُ بنصف القيمة، فإن كانت محجورًا عليها 2 بالفلَس، فطلَّقها، والصداقُ غيرُ زائدٍ، فلا يشطر 3 على أظهر الوجهين؛ لتعلُّق حقوقِ الغرماء به، فإن قلنا1

بالتشطُّر، فكان زائدًا زيادةً متَّصلةً؛ فإن رضيت المرأة والغرماءُ بالتشطُّر جاز، وإلا فوجهان مأخذُهما المعنيان، والأظهر: منعُ التشطُّر؛ إذ لا استناد له إلى أصل العقد.
ولو ارتدَّ لم يتشطَّر المهر إلا برضاها؛ لأجل الزيادة.
ولو فسخ بعيبها لم تمنع الزيادةُ من رجوعه إليه.
وإن سقط الجميع بردَّتها ففيه تردُّدٌ لأئمَّة العراق؛ لانتسابها إلى قطع النكاح.
ومتى خيَّرناها فلا تشطُّر إلا باختيارها، فإن أبت طالبَها عند الحاكم بنصف القيمة، أو بشطرِ الصداق، ولا يُعيِّنُ أحدَهما، فإن امتنعت لم يقتصر على حبسها، وباع الصداق إن كان نصفُه أكثرَ من نصف القيمة، وصَرَفَ الفاضل إليها، وإن استوى نصفُ القيمة ونصفُه احتُمل أن يُحكم له بشطره، واحتُمل أن يُباع رجاء زبون 1 يزيد فيه.
وإن نقص عند الزوجة، فله أن يرجع بنصف قيمته، أو بشطره معيبًا من غير أرش، وفي وجوب الأرش احتمال.
ولو عاب بيده رجع إليه شطرُه، ولها الفسخُ في الشطر الآخر.
ولو عاب عنده بجنايةِ أجنبيٍّ، فأخذته مع الأرش من الأجنبيِّ، فطلَّقها، رجع إليه النصفُ معيبًا، وله نصفُ الأرش على الأظهر.

ولو زاد من وجهٍ، ونقص من وجهٍ، مثلَ أنْ عَوِرَ، وتعلَّم صنعةً، أو كبر، فزادت قوَّتُه ونقصت قيمتُه؛ لزوال نضارةِ المراهقة، أو زاد الشجر بالإرقال ونقص بغلَّة الثمار، فلكلِّ واحدٍ منهما الخيارُ، فإن اتَّفقا على تشطُّره جاز، وإن امتنع أحدُهما وجب نصفُ القيمة، ولا نظر إلى مجرَّد الزيادة، كالسِّلْعة واللِّحية.

2452 -

فرع:

إذا أصدق جاريةً، فعلقت عنده، وماتت بعد الوضع؛ فإن غلَّبنا ضمان اليد فالولدُ لها، وعليه نصفُ قيمة الجارية، وإن غُلِّب ضمانُ العقد لزمه نصفُ مهر المثل، وفي الولد قولان، كما في نظيره إذا انفسخ البيع قبل القبض، والقياس: أنَّ الأولاد للمشتري، والنصُّ هاهنا: أنَّ الولد للزوج، والقولُ الآخر مخرَّج.
ولو أصدقها أمةً حاملًا، فولدت؛ فإن لم نقابِلْهُ بقسطٍ من الثَّمن فهو للزوجة، وإن قابلناه فهو لهما على أقيس الوجهين، ومَن جعله لها ألحقه بالزيادة المتَّصلة.

2453 - فرع: إذا وطئ الجارية المصْدَقة، وقال: ظننتُ أنَّها لا تَملك قبلَ الدخول سوى النصف، قُبل، بخلافِ ما لو ادَّعى الغاصبُ الجهل إذا وطئ المغصوبةَ، ولا يَخْفَى حكم النسب والحرية، ولا يثبتُ الاستيلادُ في الحال، فإنْ مَلَكها بعد ذلك فقولان.

2454 -

فصل في إطلاع الثمر والزرع والغرس

حملُ النساء زيادةٌ ونقصان، وحمل البهائم كذلك، أو زيادةٌ محضة؟ فيه وجهان.
والطلع قبل الإبار زيادةٌ محضةٌ، فإن أصدقها نخلًا، فأثمر وأُبِّر، ثم طلَّق قبل الدخول، فلهما أحوال: الأولى: أن يطلبَ قطعَ الثمر؛ ليَرْجِعَ إليه نصفُ الشجر، أو يطلبَ الرجوعَ في نصف الثمر ونصفِ الشجر، أو يرجعَ في نصف الشجر، ويدعَ الثمر إلى الجذاذ، فلا يلزمُها ذلك اتِّفاقًا، وكذلك لو رجع في نصف الشجر، والتزم السعيَ على أظهر الوجهين؛ فإن قلنا: يُجاب إلى ذلك، فامتنع بعد ذلك، لم يُجبَر عليه، ويَبين بطلانُ رجوعه في الشطر.
ولو أصدقها جاريةً، فولدت ولدًا يختصُّ بها، فأراد الرجوع؛ فإنْ لم يلتزم الإرضاع لم نُجبه، وإن التزمه فعلى الوجهين.
الثانية: أن تطلب المرأة تأخُّر الرجوع إلى الجذاذ، أو أن يرجع في نصف الشجر، ويسقي نصيبه، فلا تُجاب اتِّفاقًا، فإن بادرت الجذاذ عقيب الطلاق تشطَّر الصداقُ إن لم ينقص الشجر بالثمر، أو بقطع الأغصان.
ولو رضيت برجوع نصف الشجر، ونصف الثمر؛ فإن كان مؤبَّرًا ففي وجوب الإجابة وجهان، ووجهُ الإجبار: إلحاقُ الثمر بالزيادة المتَّصلة؛ لعسر الأمر، وإن كان غير مؤبَّر أُجبر عند الجمهور، وقيل: فيه الوجهان.
الثالثة 1: أن يتراضيا بتأخُّر الرجوع إلى الجذاذ، فلكلِّ واحدٍ منهما

أن يرجع فيما وعد به.
ولو اتَّفقا على تعجيل الرجوع في نصف الشجر، وإبقاءِ الثمر إلى الجذاذ، لزمهما ذلك، ولكلِّ واحدٍ أن يمتنع من السقي، وإنْ سَقَى لم يُمنع منه، وإذا لم يُجبَر واحدٌ منهما، فالواجبُ نصفُ القيمة، فإن رجعا بعد ذلك إلى شيء ممَّا قدَّمناه ففيه التفاصيلُ السابقة.

2455 -

فرع:

إذا رأينا التشطُّر بنفس الطلاق، فلا تشطُّر هاهنا إلا بالتراضي، أو بإجبارِ أحدهما على ما نُجبره عليه.

2456 - فرع: الحمل كالزيادة المتّصلة، وانعقادُ أنوار الأشجار كإطْلاعِ النخل، وانعقادُ الثمر مع تناثر 1 النَّوْرِ بمثابة الإبار.
والزرع نقصٌ محضٌ، فيتخيَّر الزوج بين الرجوع بنصف الأرض، أو بنصفِ قيمتها بيضاءَ؛ فإنَّها لا تنتفع بالسقي، بخلافِ الأشجار.
ولو بذلت له نصف الزرع لم تلزمه الإجابة؛ لأَجْلِ النقص، وغلط من خرَّجه على الخلاف في بذل الثمار، ولو ابتدرت قلعَ الزرع فله نصفُ القيمة؛ لضعف الأرض بالزرع، فإن لم تضعف بذلك انحصر حقُّه في نصفها، وإن اختار نصف الأرض، وإبقاءَ الزرع، فعليه إبقاؤه بغير أجرة.
والغرسُ كالزرع في جميع ما تقدَّم، والحرثُ زيادةٌ محضةٌ إن كانت

الأرض معدَّةً للزرع، وإن كانت معدَّة للبناء فنقصٌ محضٌ.

2457 -

فرع:

إذا أصدق جاريةً حاملًا، أو شاةً ماخضًا؛ فإن قابلنا الحمل بقسطٍ من الثَّمن رجع إليه نصفُ الأمِّ، وكذلك نصفُ الولد على الأصحِّ، وقيل: لا يرجع به؛ لأنَّ ولادته كالزيادة المتَّصلة، وهذا لا يستقيمُ؛ إذ لا يمكن اعتبارُ قيمته قبل الانفصال، وإنَّما يُعتبر يوم الولادة، فتكونُ الزيادة مقابَلةً بالقيمة، فجاز أخذُها، فإن نقصت الأمُّ بالولادة فهو كتعيُّب أحد العبدين.
ولو بقي الولد بعد الوضع أيّامًا، ثم طلَّق، لم يرجع بنصفه؛ لزيادته.
وإن قلنا: لا يُقابَلُ بقسطٍ، فالولدُ كلُّه لها، وعليه نقصُ الولادة إن حصل في يده، وإن حصل في يدها ثبت له الخيار.
وإن حملت في يده، ووضعت في يدها، فقد خرَّجه الإمام على الخلاف في تعيُّب المبيع عند المشتري بسببٍ وُجد عند البائع.

2458 - فرع: إذا انهدمت الدار المُصْدَقة عنده؛ فإنْ سَلِمَ النِّقض ثبت لها الخيار، وإنْ تلف؛ فإن جُعل كإحدى العينين فهو كتلف أحد العبدين، ففيه تفريقُ الصفقة، وإن جُعل النقضُ كالصفة فهو كسقوط اليد بآفةٍ.
ومتى ثبت الرجوع بالبدل أو ببعضه، فهل يُعتبر بمهر المثل، أو القيمة؟ فيه القولان.
ولو أُخذ الصداق بالشفعة قبل الطلاق رجع بنصف القيمة، وإن طلَّق مع حضور الشفيع فأيُّهما أولى؟ فيه وجهان، فإن قدَّمنا الشفيع، فكان غائبًا

عند الطلاق، ثم حضر، ففي تقديمه وجهان، وقيل: إنْ أَخَذَه فهو أحقُّ به، وإن لم يأخذه فالشفيعُ أولى به، ولا يستقيمُ إلا إذا وقفنا التشطُّر على الاختيار.

2459 -

فصل في خلط الرطب بصقره

إذا أصدق نخلةً بثمرتها، فأخذها وجعلها مع صقرها في قوارير؛ فإن لم ينقص الصقر ولا الرطب، فلا خيار، وإن نقصت القيمةُ دون المقدار ثبت الخيار، فإن فسخت فهو كالفسخ بجناية الزوج، وإن أجازت ففي رجوعها بالأرش قولا ضمانِ العقد أو اليد.
وإن نقص الصقر بتشرُّب الرُّطَبِ، فهو كإتلافه بعض الصَّداق، ولا يسقط الضمان بزيادة قيمةِ الرطب، كما لو أصدقها دابَّةً وقضيمًا، ثمَّ سمَّن الدابَّةَ بعلف القضيم، فإنَّه يضمنه.
وإن كان الصقر له؛ فإن لم ينقص الرطب أَخَذَ الصقر، ولا خيار؛ فإن كان أخْذُ الصقر عنه ينقصه، أو إخراجُهما من القوارير، فتَرَكَ لها الصقرَ والقوارير، فالأظهر: أنَّها تُجْبَر كمسألة النعل 1، وهل التركُ تمليكٌ، أو اعتراضٌ؟ فيه وجهان يظهر أثرهما في رجوعه إذا فُرِّغت القوارير، وانقلع النعل.

ويُحتمل أن يقال: تُخيَّر إن لم يُجعل التركُ تمليكًا، وإن جُعل تمليكًا فوجهان.

2460 -

فرع:

لو أصدقها نخلة، فأثمرت عنده، فجعل على ثمرها صقرًا من عنده، فهو كصَبغِ الغاصبِ الثوبَ، وإن كان الصقرُ لها فهو كمن غَصَبَ ثمرًا وصقرًا، وفعل ذلك.
والصقر: قُطارَةُ الرُّطَبِ قبل أن يُطبْخ، فإن طُبخ فهو الدبس، وإنَّما يوضع على الرطب في القوارير؛ ليحفظ رطوبته.

2461 -

فصل في الجمع بين البيع والإصداق

إذا قال: زوَّجتكَ بنتي، وبعتكَ عبدي بألف، فقال: تزوَّجتها، واشتريتُه بالألف، أو قال: قبلتُ النكاح، وبيعَ العبدِ بالألف، أو كان العبدُ للزوج، فقال: زوِّجني بنتك على هذا العبدِ على أن تعطيني ألفًا، فهذا جمعٌ بين مختلفي الأحكام، فإن صحَّحناه، فكانت قيمةُ العبد ألفًا، ومهر المثل ألفًا، فردَّت العبدَ بالعيب، رجعت بألفٍ هو الثمن، وهل يرجع بمهر المثل، أو بقيمة نصف العبد؟ فيه القولان.
وإن ردَّت نصفه بحكم البيع أو الإصداق، فقولان كردِّ أحد العبدين.
ولو انفسخ النكاح قبل الدخول، رجع إليه النصفُ، وبقي النصف مبيعًا.

وإن طلَّق قبل الدخول رجع بربعه، وبقي لها نصفٌ بالبيع، وربعٌ بالصداق.

2462 -

فصل في تدبير الصداق قبل الطلاق

النصُّ: أنَّ التدبير يمنع التشطير، واختلفوا، فقيل: لا يمنع قولًا واحدًا، وهو بعيد، وقيل: يمنع قولًا واحدًا؛ لِمَا فيه من العرض كالزيادات المتَّصلة.
ولو أوصت بعتقه، أو علَّقته على صفةٍ، فوجهان.
وقيل: إن جُعل التدبير تعليقًا بصفةٍ مُنِعَ، وإلا فلا.
ولا يستقيمُ هذا؛ فإنَّ التعليق لا يمنع من إزالة المِلْك.
ولو باع عبدًا بثوب، فدبَّره المشتري، ثم ردَّ الثوبَ بالعيب، رجع بالعبد قولًا واحدًا، وكذلك كلُّ فسخ؛ لقوَّته، وكونِهِ لا يمتنعُ بالزيادة المتَّصلة، وألحق بعضُهم الفسوخ بالتشطير.
ولو زال مِلْكُها عن الصداق زوالًا لازمًا، ثم عاد، ففي التشطُّر وجهان أَوْلاهما: منع التشطُّر؛ لضعفه.
ولو زال زوالًا جائزًا؛ كما في البيع في زمن الخيار، ففي إلحاقه باللازم وجهان.
ولو زال الرهنُ أو الزيادةُ المتَّصلة تشطَّر.
ولو دبَّرته، ثمَّ رجعت، وقلنا: يجوز، فهل يُلحق بالزائل العائد، أو بالزيادة المتَّصلة؟ فيه وجهان.

وانفساخُ الكتابة كعود الزوال اللازم عند القاضي، ورتَّبه الإمام، وجَعَلَه أولى بالرجوع؛ لبقاء المِلْكِ كالرهن.

2463 -

فصل في مهر السرّ والعلانية

إذا تواطأ في السرِّ على قَدْرِ المهر، وأنْ يُظهرا أكثر منه، فعقداه في الجهر بالأكثر، فقد نقل المزنيُّ قولين، فقيل: يثبتُ مهرُ الجهر قولًا واحدًا؛ إذ لا أثر لِمَا تقدَّم العقودَ، وقيل: قولان، وفي محلِّهما طريقان: إحداهما: أن يتَّفقا على التعبير بالألفين عن الألف.
والثانية: إجراء القولين وإن لم يتوافقا على ذلك؛ لأنَّ قَصْدَهما يرجع إليه.
وبنى الأئمَّةُ على ذلك جميعَ الأحكام المأخوذة من الألفاظ، فمن قال لزوجته: إذا قلت: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، فإنه أعربه عن طلقة، أو عن أن تقومي أو تقعدي، ولا أقصد الطلاق 1، فلا تُقبل إلّا على الوجه البعيد في مهر السرّ.

2464 -

فصل فيمن ادَّعت نكاحين في يومين

إذا ادَّعت أنَّه نكحها يوم الخميس بعشرةٍ، ويومَ الجمعة بعشرين، وطلبت المهرين، سُمعت الدعوى، فإنْ ثبت العقدان بإقرارٍ أو بيّنةٍ أو بيمينٍ مردودةٍ، لزمه المهران إن سكت، وإن ادَّعى نفيَ الإصابة في النكاح الأوّل، فالقولُ قولُه مع يمينه، ويسقط تشطُّر المهر، كما أنَّ المودَعَ مطالبٌ بالوديعة ومحبوسٌ عليها إن سكت، وإن ادَّعى الردَّ أو التلفَ قُبل قوله.
ولو قال: كان العقد الثاني تجديدًا للإشهاد على العقد الأوّل، فهذا اعترافٌ منه بالعقدين، فإن قال: إنَّما اعترفتُ بصورة العقد، ولم أعترف بصحَّته، لم يُقبل، فإن كان مُقِرًّا بعقد يُحمل إقرارُه على الصحيح، وكذلك لو ادَّعى عينًا، فقال المدَّعى عليه: بعنيها، فقد أقرَّ له بها؛ لأنَّ استدعاء البيع يُحمل على الصحيح.

2465 -

فصل فيمن تزوَّج نسوة بصداق واحد

إذا كاتب عبيده بعوضٍ واحدٍ صحَّ، وإن نكح نسوةً أو خلعهنَّ بعِوَضٍ واحدٍ صحَّ النكاح، وثبتت البينونةُ، وفي صحَّة العوض قولان.
ولو ملك جماعةٌ عبيدًا؛ لكلِّ واحد عبدٌ أو عبيدٌ، فباعوهم بعوضٍ واحد، لم يصحَّ.
وللأصحاب في هذه النصوص طرق: إحداهنَّ: تقريرها؛ فإنَّ الشرع متشوِّفٌ إلى العتق، والعوضُ ركنُ

البيع، بخلاف الخُلْع والنكاح.
والثانية: في الجميع قولان، أصحُّهما: البطلان، كما لو باع عبده بما باع به فلانٌ داره، بل أولى؛ إذ لا يمكنُ معرفةُ العوض هاهنا إلا بالتخمين، وثَمَّ يُعرف بالتحقيق.
فإن قلنا بالصحَّة، فالنجومُ موزَّعةٌ على قيم العبيد اتِّفاقًا، ويوزَّع الثمن على قيم العبيد، وعوضُ الخُلْع والنكاح على مهور الأمثال، وفيه قولٌ بعيد: أنَّ عوض الخلع والنكاح موزَّع على الرؤوس.
وإن أبطلناهما رجع بمهر المثل قولًا واحدًا.
والثالثة: تصحيح الكتابة، وإلحاقُ البيع بالخُلْع والنكاح، ولا يمتنعُ عكسهما؛ لتأكُّدِ رعاية أوصاف الأثمان.
ولو ملك أربعةٌ أربعةَ أعبدٍ؛ لكلِّ واحد ربعُ الجميع، فباعوهم بثمن واحدٍ من شخصٍ واحدٍ، صحَّ قولًا واحدًا.

2466 -

فصل في الإصداق عن الطفل

إذا زُوِّج الطفلُ بمهر المثل، أو بما دونه، صحَّ، وإن زاد على مهر المثل، أو نقصَ الطفلةَ عنه، ففي صحَّة النكاح قولان بناهما بعضُهم على الخلاف في فساده بفساد الصداق، وأجراهما الإمامُ على قولنا: لا يَفْسُدُ النكاح بفساد الصداق؛ من جهةِ أنَّ زوجةَ الطفل لم ترضَ إلا بالزيادة، وزوجَ البنت لم يرض إلا بالنقصان، ورضاهما معتبر في هذا الجنس،

بخلافِ الرضا بالخمر والخنزير، فإن صحَّحناه لزم مهر المثل.
ولو أصدق عنه عينًا من مال الأب صحَّ، وانتقلت إلى الطفل، ثم إلى زوجته اتِّفاقًا، فإن قصد بذلك الهبةَ، أو قال: لم أقصد شيئًا، حُمل على الهبة، وإن قال: نويتُ القرض، قُبل عند الإمام، وفي كلامهم ما يدلُّ على أنَّه لا يُقبل، فإن رجع الصداق بفسخ، أو تشطَّر بالطلاق، دخل في ملك الطفل، فإن رجع فيه الأب فعلى وجهي الزائل العائد.
ولو أصدق عنه أمَّه لم يصحَّ؛ إذ لو صحَّ لمَلَكها، وعَتَقَتْ، وبطل الإصداق.
ولو أصدقَ أكثرَ من مهر المثل من عنده، ففي صحَّة إصداقه احتمالٌ.
ولو أدَّى المهر عن أجنبيٍّ، فتشطَّر، فهل يرجع إليه، أو إلى الأجنبيِّ؟ فيه وجهان، واختار الإمامُ الرجوع إلى الدافع؛ إذ لا ولاية له على الأجنبيِّ.
وإنْ أَصْدقَ عن طفله دَينًا لم يضمنه على الجديد، بل يدفعُه من مال الطفل، وإن ضمنه عنه فلا أثر لضمانه على القديم، ويصحُّ على الجديد، وللزوجة مطالبتُه به من ماله أو مالِ الطفل، قبل البلوغ وبعده؛ فإن أدَّاه، وأراد أن يرجع به، نُظر إلى قصده، وجُعل بمثابة اشتراط الضامن الرجوعَ في محلِّ الخلاف والوفاق، فإن تشطَّر الصداقُ لم ينحصر رجوعُ الأب في شطره، وكان كسائر أملاك الطفل.
وإن قلنا بالقديم، فشُرِطَ نفيُ الضمان، فقد نُقل عن القاضي بطلانُ العقد، وهو وهمٌ من الناقل، ولعله قال: يَفْسُدُ الشرطُ، ويصحُّ النكاح، ويجبُ الضمان؛ فإنَّ النكاح لا يفسد بمثل هذا، فإن أدَّاه لم يرجع به عند

القاضي، كما لا ترجع العاقلةُ على الجاني، وهذا لا يصحَّ، ولا سيَّما إذا ألزمناه تزويجَ المجنون إذا ظهرت حاجتُه، ولأنَّ الصبيَّ مطالبٌ بعد البلوغ بالمهر وحقوقِ النكاح، بخلافِ الجاني؛ فإنَّه لا يطالبُ مع إمكان مطالبةِ العاقلة.

2467 -

فرع:

من ضمن دَينًا مستقرًّا بشرطِ براءةِ الأصيل، ففي صحة ضمانه وجهان، فلو ضمن الأبُ المهرَ بشرط براءة الطفل؛ فإن قلنا بالقديم فَسَدَ الشرط، وفي بطلان الصداق احتمالٌ، وإن قلنا بالجديد احتُمل التخريج على الخلاف في الدَّين المستقرِّ.
فإن قلنا: لا يصحُّ، ففي فساد العقد بفساده قولان، وإن قلنا: يصحُّ، ويبرأ الأصيل، لم يصحَّ الشرط هاهنا؛ فإن العقد يقتضي لزوم العوض للعاقد، وفي فساد الضمان بفساد الشرط وجهان.

2468 -

فصل في تصرفات الأب

تصرُّف الأب أقسام: الأول: ما يتحتَّم عليه، كحفظ المال، وبيعِهِ إن طُلِبَ بغبطةٍ، وتنميتِهِ بحيث لا تأكلُه مؤن المال، وكذلك شراءُ ما يباع بأقلَّ من ثمن المِثْلِ إن لم يشتره لنفسه.
الثاني: ما لا يَلْزمُه، وهو كلُّ ما يؤدِّي إلى الإكداد والإجهاد،

وشغله 1 عن مهامِّ نفسه، كسفر البرّ والبحر، وصعودِ الأنجاد، وهبوطِ الأغوار.
الثالث: ما يؤمر فيه بحُسن النظر، ولا يلزمُه على الأظهر، وهو ما بين القسمين الأولين، فإن ظهرت المصلحةُ في تزويج الطفل أو البنت، ففي الوجوب احتمالٌ، والأظهر: أنه لا يجبُ في حقِّ الطفل؛ لأجل المؤونة، وعدمِ الحاجة، وإن ظهرت حاجةُ المجنون أو المجنونة إلى النكاح لوجب.
ولو تبرَّم بحفظ ماله، فنصب عليه ناظرًا، أو رفعه إلى الحاكم، جاز عند الإمام، وله استئجارُ عامل على المال، وإن طلب من الحاكم أجرةً لنفسه؛ فإن وجد متبرِّعًا لم تَجُزْ على الأظهر، وإن لم يجده ففيه احتمالٌ، والظاهر: منعه.

2469 -

باب التفويض

إذا قالت الحرَّة الرشيدة لوليِّها: زوِّجني بلا مهرٍ، فزوَّجَها، ونَفَى المهرَ، أو زوَّج الرجلُ أمتَه، ولم يتعرَّض للمهر، صحَّ النكاح، وكان تفويضًا.
والتفويض في اللغة: تخيير الغير، والإحالةُ على رأيه، فالذي يطابقُ اللغة أن تقول: زوِّجني إن شئت بمهرٍ، وإن شئتَ بلا مهرٍ.
وإنْ أذنت في النكاح، ولم تتعرَّض للمهر، حُمل على طلب المهر اتِّفاقًا، والوكيلُ في التزويج إن سُمِّي له شيء فنقص منه بطل النكاح، وإن زاد صحَّت الزيادة والنكاح، وإن لم يُسمَّ له شيءٌ، ففوَّض، أو نقصَ عن مهر المثل، بطل النكاح على أصحِّ القولين، وبه قطع الإمام؛ فإن مخالفة العُرْفِ كمخالفة اللفظ؛ بدليل بطلان بيع الوكيل بالغبن.
فإن قلنا: يبطل، فزوَّج مطلقًا، فالظاهرُ انعقاده بمهر المثل، وفيه احتمالٌ، وإن زوَّج بخمرٍ فالظاهرُ البطلان؛ لظهور المخالفة.
ولو فوَّض المجبِر بُضْعَ الصغيرة، أو البالغة، أو نَقَصَهما عن مهرِ المثل، ففي صحَّة النكاح قولان، فإن قلنا: يصحُّ، وجب مهرُ المثل اتِّفاقًا، وغيرُ المجبِر إن نقص عن المسمَّى فهو كالوكيل، وإن لم يسمِّ له شيئًا ففوَّض، أو نقص عن مهر المثل، فطريقان أقيسهما: أنه كالوكيل، والثانية

أنه كالمجبِر.

2470 -

فصل فيما يوجب مهر المفوّضة

1 ولا يجبُ بالعقد باتِّفاق العراقيِّين، وكذا المراوزةُ على أصحِّ القولين، وفي موت أحدهما قولان عند الفريقين، ويجب بالوطء اتِّفافًا؛ ليتميَّز نكاحنا عن نكاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ليتميَّز النكاحُ عن السفاح.
وعن القاضي: إن قالت بعد العقد: جامِعْني ولا مهر عليك، لم يلزمه المهرُ، وإن لم تقل ذلك فعنه جوابان، كما في وطء المرهونة بإذن الراهن.
ولا يُعدُّ ذلك من المذهب؛ فإنَّ الوطء المحترم لا يخلو عن مهرٍ إلا في ملك اليمين، أو في تزوُّج العبدِ بأمةِ سيِّده، أو في تفويض الكفَّار إذا اعتقدوا نفي الصداق، ولأنَّ وطء المرهونة يقع في غيرِ نكاحٍ، فلا يَبْعدُ خلوُّه عن المهر، بخلافِ الوطء في النكاح.
واتَّفقوا على أنَّ لها طلبَ الفرض قبل الدخول، وأنَّ الطلاق قبل الدخول لا يشطِّر، بل يوجِبُ المتعةَ، وقال أبو محمد: إن أوجبناه بالعقد تشطَّر، ولم تملك طلب الفرض، كما لو وجب مهرُ المثل بفساد التسمية، ولا يعدُّ هذا من المذهب، ولا يُلحق به، ولا معنى لطلب الفرض بعد الدخول اتِّفاقًا.

وعلى تخريج القاضي: لا تملك طلب الفرض قبل الدخول، وقياسُه: أنَّه لو فَرَضَ لها شيئًا لم تستحقَّه؛ لأنَّه إلحاقُ زيادةٍ بالعقد، إلا إذا شرط أن تأذن في الوطء على أنْ لا مهر، فلها طلبُ الفرض، وليس لها طلبُ شيءٍ من المهر على القولين، وبهذا يبطلُ قولُ الإيجاب بالعقد.

2471 -

فصل في الفرض

إذا تراضيا بما يفرضه الزوج من الدَّين أو العين، عُروضِها ونقودِها، صحَّ، ولا يُشرط قبولُها اتِّفاقًا، وكذلك لا يُشترط علمُهما بقدرِ مهر المثل على الأصحِّ، وقيل: يُشترط.
وقيل: إن أوجبنا المهر بالعقد شُرط، وإلّا فلا.
وقال الإمام: لا يُشرط إن أوجبناه بالوطء، وإن أوجبناه بالعقد لم يُشرط إن علما أنَّ المفروض أنقصُ من مهر المثل، وإنْ أَمْكَنَ أن يكون أكثر منه؛ فإن كان مخالفًا لجنس المهر فالوجه: ألا يُشرط العلم، وإن كان من جنسه اتَّجه الاشتراط.
فإن نقص المفروضُ عن مهر المثل جاز عند الأصحاب على القولين، وإن زاد على مهر المثل؛ فإن أوجبناه بالوطء صحَّ على الظاهر، فإن كان من جنس مهر المثل ففيه احتمالٌ، وإن أوجبناه بالعقد لم يجز عند الإمام.
ويجوز فرضُ المؤجَّل على الأصحِّ، وقال الإمام: إن أوجبناه بالوطء ثبت الأجل، وفيه احتمالٌ، وإن أوجبناه بالعقد بعُد ثبوتُ الأجل، وفيه

احتمالٌ، قال الإمام: وكنت أودُّ أن يثبت للفرض حكمُ المعاوضة من الإيجاب والقبول وغيرهما، إذا قلنا: يجبُ بالعقد، ويُحتمل أن يلحق بالاعتياض عن الأثمان.

2472 -

فرع:

إذا فَرَضَ لها بغيرِ رضاها، لم يصحَّ إن نقص عن مهر المثل، وإن فرض مهرَ المثل، ففيه احتمالٌ؛ فإن رضاها يقوم مقام قبولها.

2473 - فرع: إذا تراضيا بفرض الخمر لغا الفرضُ، ولها طلبُ الفرض بعد ذلك، ولا يُجعل كفساد التسمية المقرونة بالعقد.
ولو فرض لها أجنبيٌّ برضاها، لم يَجُزْ على الأصحِّ، فإن أجزناه برئ الزوجُ، وطالبتِ الفارضَ، فإن تشطَّر المفروضُ، فهل يرجع شطرُه إلى الزوج أو الفارض؟ فيه وجهان.

2474 - فرع: يتشطَّر المفروض بالطلاق قبل الدخول، وكذلك مهرُ المثل عند فساد التسمية.

2475 - فرع: إذا طالبته بالفرض، فامتنع، أو فرض دون مهر المثل، رُفع إلى الحاكم، ويحتَّم عليه فرضُ مهر المثل حالًّا، ولا يُتصوَّر فرضُه حتى يُعرف قَدْرُه، فإن فرضه مؤجَّلًا برضاها لم يجز عند المحقِّقين، وإن زاد على مهر المثل أو نقص، لم يجز إلا بالقَدْر اليسير الذي لا يُؤْبَهُ له، وَيسُوغُ الاجتهاد

فيه، وقال الإمام: إنَّما عفا الأصحاب عمَّا يُتغابن بمثله، ولا يُقطع بزيادته أو نقصه، وهذا على الحقيقة مهرُ المثل.
ولو فوَّضَا الفرضَ إلى الحاكم، كان وكيلًا عن الزوج، فيفرِضُ ما يتراضيان به.

2476 -

فرع:

إذا أبرأت عن المهر لم يصحَّ إن أوجبناه بالوطء، ولا يُخرَّج على الخلاف في الإبراء عمَّا وُجد سببُ وجوبه ولم يجب، وإن أوجبناه بالعقد لم يصحَّ في القَدْرِ المجهول، وفي المعلوم قولان.
ولو أبرأت عن المتعة قبل الطلاق لم يصحَّ، ولم يُخرَّج على الخلاف فيما وُجد بسبب وجوبه؛ فإنَّ سبب وجوب المتعة هو الطلاق، وليس النكاح سببًا خاصًّا في إيجاب المتعة.

2477 -

فصل في التفويض الفاسد

يَفْسُدُ التفويض غالبًا بصدوره عمَّن لا يملكه، فإذا فُوِّض بُضْعُ السفيهة بإذنها، وقلنا: يصحُّ النكاح، وجب مهرُ المثل، وإذا صحَّ التفويض، فزوَّجها بالمهر، صحّ النكاح والتسميةُ، كمن قال لوكيله: بع بألف، فباع بألفين، إلا أنْ تصرِّح بأن التزويج بالمهر خارجٌ عن إذنها، فيلحق بنظيره في الوكالة.

2478 - فرع: إذا قالت الرشيدة: زوِّجني بما شئت، أو بما شاء الخاطبُ؛ فإن عيَّن

الخاطبُ مهرًا، فزوَّجه به، صحَّ النكاحُ والصَّداق.
وقال القاضي: يجب مهر المثل؛ لأنها أذنت أن يَعقد بمجهولٍ فخالفها.
ولا يصحُّ ما قال؛ لأنها أذنت في العقد بما يقدِّره الخاطب، ولم تقصد إعادة لفظها في العقد، ولو أعاد لفظها، فقال: زوَّجتُك بما شئتَ، وجب مهرُ المثل، ولكنْ إن حملنا إذنها على التزويج بما يعيِّنه الخاطب، فينبغي أن تخرَّج صحَّةُ النكاح على الخلاف فيما إذا قالت: زوِّجني، فزوَّجها بأقلَّ من مهر المثل، أو زوَّج بخمرٍ.

2479 -

فصل في بيان مهر المثل

يجب مهرُ المثل من غالبِ النقد، فإن استوى نقدان قُوِّم بأحدهما، ونسبةُ المهر إلى البُضع كنسبة القِيَمِ إلى المتقوِّمات، ويعتبر مهرُ المثل بكلِّ امرأة تنتسبُ إلى مَن تنتسِبُ الموطوءة إليه، كالأخواتِ للأب، والعمَّات، وبناتِ الإخوة للأب، وبناتِ الأعمام، ولا عبرةَ بالأمَّهات، والبنات، وبنات الأخوال والخالات، وبناتِ العمَّات والإخوةِ للأمّ، وبنات الأخوات للأب؛ إذ لا نسب لهنَّ إلى مَن تُنسب الموطوءةُ إليه، فإن ساوت التي وجب مهرُها نساء العشيرة اعتُبر مهرُها بمهورهنَّ، وإن خالفتهنَّ بصفة حمدٍ أو ذمٍّ، زِيد في مهرها أو نُقص، على ما تقتضيه الصفاتُ، فإن اختصَّت بمزيَّةٍ في العقل، أو عفَّةٍ، أو صراحةِ نسبٍ، أو صباحةِ وجهٍ، أو سلامةِ خَلْقٍ، أو يسارٍ، زِيد مهرُها بسبب ذلك.

ولا خلافَ في اعتبار المال والجمال في مهر المثل، بخلاف الكفاءة؛ فإنَّها معتبرة لدفع العار، والمهر غرامةُ متلَفٍ.
وإن سامحتْ واحدةٌ من نساء العشيرةِ نادرًا، فلا عبرةَ بذلك، وإن سامح الجميعُ بعد المغالاة اعتُبر ذلك؛ فإنه انحطاطُ سعرٍ، كنظيره من القِيَم، وإن كانت مهورهنَّ مؤجَّلةً أُثبت من الحالِّ ما يساوي المؤجَّل، فإن رضيت بالتأجيل لم يُجبها إلى ذلك؛ إذ لا مدخل للأجل في قِيَم المتلَفات، ولو كنَّ يسامحن رجال العشيرة في المهر، ولا يسامحن الأجانبَ، اعتُبرت المسامحة إذا كان الخاطبُ من العشيرة، ولا تُعتبر في حقِّ الأجانب.
وأَلْحَقَ أبو محمد رجال العشيرة بالأجانب؛ إذ القِيَمُ لا تختلف باختلاف المتلِفين، ووافقه الإمامُ في وطء الشبهة، دون وطء النكاح.

2480 -

فرع:

إذا لم تُعرف عشيرةُ المرأة اعتُبر مهرُها بالرغبة في مثلها على ما هي عليه.

2481 -

فصل في الاختلاف في المهر

إذا اختلف الزوجان في قدر المهر، أو جنسه، أو وصفه، تحالفا، وفُسخ الصَّداق دون النكاح، ولزم مهرُ المثل، وأَبْعَد ابن خَيْرانَ، فقال: إن نقص ما ادَّعته عن مهرِ المثل لم تَجِبِ الزيادة، ولو أصدق ألفًا، ففسد الصداقُ؛ لفساد شرطٍ، لزم مهرُ المثل وإن زاد على الألف، وقال ابن خيران: لا يُزاد على الألف.

وإن اختلفا بعد زوال النكاح تحالفا، ولزم مهرُ المثل بعد الدخول، أو شطرُه قبل الدخول.
ولو انفسخ النكاح قبل الدخول بسبب يقتضي ردَّ جميع الصداق، لم يتحالفا إن اتَّفقا على أنَّه لم يُقبضها الصداق؛ إذ لا فائدة للتحالف، وقد ارتدَّ إليه الجميع.
وإن قال: أصدقتُكِ ألفين، ودفعتُهما إليك، فردَدْتِ عليَّ أحدَهما، فقالت: إنَّما أصدَقْتَني ألفًا، فقبضتُه، ثم رَدَدْتُه لمَّا انفسخ النكاح، فالقولُ قولُها مع يمينها، ولا يتحالفان؛ لأنَّ فائدة التحالف تركُ المسمَّى، والرجوعُ إلى مهر المثل.
ولو وقع هذا التنازُعُ مع بقاء النكاح لم يتحالفا؛ لأنه يدَّعي عليها التزام أكثر ممّا تدّعيه.
ولو قالت: عقدتَ النكاح بألفٍ، فقال: لم نذكر صَداقًا، ولم يدَّع التفويض، تَحَالَفَا، ولزم مهرُ المثل؛ لأن الإذن المطلقَ في النكاح يقتضي مهر المثل، فكأنَّ الزوج يدَّعي النكاحَ بمهر المثل، وهي تدَّعيه بالمسمَّى، وللمحقِّقين تردُّدٌ في هذا؛ إذ يتَّجه أن يُجعل القولُ قولَه مع يمينه، فإن حلف لزمه مهرُ المثل.
وإذا ادَّعت النكاح بمهرٍ يساوي مهرَ المثل، فادَّعى الزوج مسمًّى دونه، تحالفا عند الأصحاب.
ولو قال: هذا ولدي، ولم يُضِفْه إلى التي تزعم أنَّها أمُّه، فلا مهر لها عليه، وإن أضافه إليها، فقال: هذا ولدي من هذه، لزمه مهرُ المثل عند

القاضي؛ لأنَّ النسب إنَّما يلحق بوطءِ الشبهةِ، أو النكاحِ، وكلاهما موجبٌ لمهر المثل، واستدخالُ الماء بعيدٌ.

2482 -

فصل في تخالف الزوج والوليِّ

وإذا تنازَعَ الزوجُ والوليُّ المجبِر، ففي تحالُفهما خلافٌ مبنيٌّ على الخلاف في حَلِفِ الوليِّ في حقوق الصبيِّ، وفيه أربعُ طرقٍ: إحداهنَّ: لا يحلف فيما لا ينشئه، كالإتلاف وغيره، وفيما ينشئه إذا اختلفا في صفته - كالبيع والنكاح - وجهان.
الثانية: القطعُ بحَلِفِهِ فيما ينشئه؛ لقبول إقراره فيه، وكذلك القيِّمُ والوصيُّ والوكيل، ولا شكَّ في حَلِفِ الوكيل فيما يتعلَّق بالعهدة.
الثالثة: لا يحلف في شيءٍ من حقوقه إلا النكاح؛ فإنه يحلف إن نفَّذنا عفوه عن الصداق، وإن منعناه لم يحلف.
الرابعة: في حلفه في جميع الحقوق وجهان، فإن ادَّعى إتلافًا أو غيرَه؛ فإن قلنا: لا يحلف، عُرضت اليمين على الخصم، خلافًا لأبي محمد، فإن حلف انقطع الخصام، وإن نكل وُقف على بلوغ الطفل، وإن قلنا: يحلف عُرضت اليمين على الخصم؛ فإن نكل حلف الأب، وثبت الحقُّ، وإن نكل عن يمين الردِّ فالأصحُّ: أنَّا نقف على بلوغ الطفل؛ فإن حلف بعد البلوغ استحَقَّ، وأبعدَ مَن قال: تنقطع الخصومةُ بنكول الأب.
وإن كان التنازعُ في الصَّداق، حلف الزوج: لقد تزوَّجها بألف، ولم يتزوَّجها بألفين، وحلفت هي: لقد تزوَّجها بألفين، ولا تعلم أنَّه تزوَّجها

بألفٍ، ولا تحلف على نفي العلم إلا إذا ادَّعى عِلْمَها.

2483 -

فرع:

إذا اختلف الزوجان في قبض الصداق، فالقولُ قولُها مع يمينها، وإن اتَّفقا على القبض، واختلفا في جهته، فزعم الزوجُ أنَّه من الصداق، وزعمت أنَّه هديَّةٌ، أو وقع مثلُ ذلك في سائر الديون، فالقولُ قولُ الدافع مع يمينه.
فإن قال: لم أقصد شيئًا، فقد تقدَّم نظيره في الرهن.
وللأب قبضُ صداق المحجور عليها، ولا يقبض صداق الرشيدة، إلا أن تكون مجبَرةً فطريقان: إحداهما: لا يقبضه قولًا واحدًا، كسائر أموالها.
والثانيه: فيه قولان بناهما المحقِّقون على الخلاف في عفوه عن صداقها.
والأصحُّ: أنه لا يقبضه.

2484 -

فصل في اختلاف الزوجين

إذا ادَّعت الصداق، ولم تتعرَّض للنكاح، حلف أنَّه لا يَلزمُه تسليمُ ما ادَّعته، ولا يَلزمُه التعرُّضُ للزوجيَّة، فإن سأله الحاكم عنها فهو فضولٌ لا يجب إجابتُه، وإن التمست سؤاله عن الزوجيَّة فوجهان: أحدهما: لا يسأله، كمن قال للحاكم: سَلْ خصمي: هل لي عليه ألفٌ أم لا؟

والثاني: يسأله، ويَلزمُه الجواب؛ لتعلُّق ذلك بدعوى الصَّداق.
وإن ادَّعت بالنكاح والصَّداق سأله عنها 1، وإن اقتصرت على دعوى النكاح، فصدَّقها وأنكر المهر؛ فإن اعترف بخلوّ النكاح عن المهر ولم يدَّع التفويضَ، لزمه مهرُ المثل، وإن اقتصر على إنكارِ المهر، لزمه مهرُ المثل عند القاضي إذا حلفت أنَّها لم ترض بأقلّ منه، فإن طلَّقها قبل الدخول فعليه شطرُه، وعلَّل: بأنَّ النكاح إذا لم تصحَّ فيه التسميةُ بمثابة الوطء المحترَم، ولم يحمله على التفويض؛ لندرته، ولأنَّ الأصل عدمُ تصريحها بنفي المهر.
وإن سكت، أو قال: لا أدري، فظاهر قول القاضي: أنَّه بمثابة إنكار المهر، وقال: لو ادَّعت على الوارث أن مورِّثه تزوَّجها، وأقامت البيِّنة بالنكاح، فلها مهرُ المثل إذا حلفت أنَّها لم ترض بأقلَّ منه، فإنْ لم يكن لها بيّنة، وكان الوارثُ طفلًا، وُقف حتى يبلغ؛ فإن اعترف بالنكاح فهو كما لو قامت به البيِّنة، فيجب مهرُ المثل.
وقال الإمام: قياسُ المذهب فيما ذكره القاضي: أن يُجعل القولُ قولَ الزوج أو الوارثِ مع اليمين على البتِّ، أو حلف الوارث على نفي العلم، ولا يُكتفى بسكوته، ولا بتردُّده، فإن حلفا وجب أقلُّ ما يُتموَّل، وإن نكلا حلفت، وحُكم لها بما حلفت عليه.

جارٍ التحميل