كتاب اللعان
2861 -
مَن صحَّ طلاقُه صحَّ لعانُه حتى الكافرُ والعبدُ؛ لأنَّ الغالب على اللعان حكمُ الأيمان، لكنَّه يشبه الشهادة من جهةِ أنَّه لو نكل عنه، ثم رغب فيه، مُكِّن منه، بخلاف النكول عن الأيمان.
2862 -
فصل في اللعان حيث لا ولد
مَن رأى زوجته تزني حيثُ لا نسبَ يتعرَّضُ للثبوت، جاز له قذفُها ولعانُها، والأولى أن يفارقها من غيرِ قذفٍ ولا لعانٍ، وكذلك لو رآها مع إنسانٍ في شعارٍ على النعت المكروه، ولم يشاهد الوطءَ، أو رآها في الخلوة مرارًا على ريبةٍ، أو استفاض أنَّه يُزْنى بها، فرآهما في الخلوة على ريبةٍ، أو أخبره برؤية الزِّنى مَن يثق به، وإن لم يكن من أهل الشهادة، فكل ذلك مُجوِّزٌ للقذف واللِّعان، وليس له ذلك بمجرَّد الاستفاضة.
2863 -
فرع:
إذا لزمه الحدُّ بالقذف فله دفعُه باللعان، وإن قدر على إقامة البيِّنة، فإن سقط الحدُّ باقرارٍ، أو عفوٍ، أو بيِّنةٍ، ففي جواز اللعان لدفع العار وجهان.
2864 -
فصل في نفي النسب باللعان
مَن أتت زوجتُه بولدٍ يلحقُه في الحكم، فإنْ عَلِمَ انتفاءه عنه بأنْ تضعَه لأقلَّ من ستَّة أشهر، أو لاكثر من أربع سنين من حين الوطء، أو تيقَّن أنَّه لم يطأ، فيلزمُه القذف، ونفيُه باللعان، وإن جوَّز كونَه منه فله أحوال:
الأولى: ألا يستبرئها بعد الوطء، فيَلحقه، ولا يحلُّ له قذفٌ ولا لعانٌ وإن رآها تزني قبل الوطء أو بعده، وقال الإمام: إنْ منع الأصحاب القذف واللعان لنفي الولد فهذا قريبٌ، وإن منعوا ذلك مع أنَّه لا ينفي النسب فلا وجه له.
الثانية: أن يستبرئها، فتضعه لستَّة أشهرٍ فصاعدًا من حين الاستبراء، ففي جواز القذف والنفي باللِّعان وجهان، وقال العراقيُّون: إن وقع بعد الاستبراء شيءٌ من الرِّيَبِ المذكورة لزمه نفيُه، وإن لم يقع شيءٌ منها لم يجز، وفيه وجهٌ آخر دلَّ عليه كلام الأئمَّه، وهو جوازُ النفي عند الرَّيبة، ومنعُه عند انتفائها؛ إذ لا يتِّجه إيجاب النفي مع الإمكان.
الثالثة: أن تأتي بعد القذف بولدٍ شديدٍ الشَّبَهِ برجلٍ آخر، فإنْ لم تكن ريبةٌ حَرُمَ النفي، وإن كانت فوجهان.
الرابعة: أن تضعه شديد السواد، وأبواه أبيضان، ففي جواز نفيه للعراقيِّين وجهان، ولم يتعرَّضوا لشرط الريبة هاهنا، فغالبُ الظنِّ أنَّهم يشرطونها، ولا عبرة بغير الألوان من الخلق؛ كالحُسْن والقبح، والنَّقْصِ والكمال، ولا بتقارب الألوان، كالسُّمرة والأدمة مع بياض الأبوين.
2865 -
فرع:
يثبت النسبُ بمجرَّد إمكانِ العلوقِ في النكاح، فإذا ولدت لستَّة أشهرٍ من حين إمكانِ اجتماعِ الزوجين، لَحِقَ، ولا يَلْحَقُ مع امتناعِ الاجتماع.
2866 -
فصل في السنِّ الذي يلحق فيه الولد
إذا ولدت امرأةُ الغلامِ حالَ الطعن في السنة العاشرة لم يَلْحَقْه على المذهب، وإن ولدت لعشرِ سنين وستَّةِ أشهرٍ لحق، وإن ولدت لعشرِ سنين فوجهان، فإن قلنا: يلحق، فقال: أنا بالغٌ، فله نفيُه باللعان، وإن قال: أنا صبيٌّ، لم يلاعِنْ، فإنْ أكذَبَ نفسَه في دعوى الصِّبا فله نفيُه باللعان، وفي كلامهم ما يدلُّ على أنَّ تكذيبه لا يُقبل، فإن قال: بلغتُ بعد قولي: أنا صبيٌّ، قُبل.
2867 -
فصل في اللحاق بالممسوح والخصيِّ والمجبوب
يصحُّ نكاح الممسوح والخصيِّ والمجبوب اتِّفاقًا، والنسبُ لاحقٌ بالمجبوب، وكذلك الخصيُّ عند المحقِّقين، وإن أحاله الأطباء، وقيل: يُراجَعون، فإن قالوا: يولدُ له، لَحِقَ، وإن قالوا: لا يولد له، لم يلحق، ولا أصل لذلك.
والممسوحُ لا يَلْحقُه النسب عند العراقيّين، ولا حاجةَ إلى المراجعة، ويلحقه عند الإصطخريِّ والقاضي والصيدلانيِّ بغير مراجعةٍ، واستبعده الإمام.
2868 -
فصل فيمن أقرّ بقذف أو تصرُّف، ثم ادَّعى الجنون حال التصرُّف
إذا أقرّ عند الحاكم بقذفٍ، أو بيعٍ، أو غيرهما من التصرُّفات، أو قامت البيِّنة على إقراره بذلك، فقال: كنتُ مجنونًا عند القذف والتصرُّفِ، ففي قبول قوله أقوالٌ؛ ثالثها: إنْ عُهد له جنونٌ فالقولُ قوله، وإن لم يُعهد فالقولُ قول خصمه، وهذا هو الأصحُّ عند بعض الأصحاب.
فإنْ قَبِلْنا قوله حلف على البتِّ: ما قذف ولا تصرَّف إلّا في حال الجنون، وإن قبلنا قول خصمه، حلف على نفي العلم بجنونه حالَ التصرّف.
وإضافةُ التصرُّف أو القذف إلى الصبيِّ كإضافتهما إلى الجنون المعهود.
ولو أقام كلُّ واحدٍ منهما بيِّنةً على دعواه ثبت القذفُ والتصرُّفُ المضاف إلى حالِ العقل والبلوغ إن كانت البيِّنتان مطلَقَتَين، أو مختلفتي التاريخ، وإن اتَّحد التاريخُ؛ فإن قلنا بالتهاتُرِ فهو كما لو لم يكن بيِّنةٌ، وإن قلنا بالاستعمال، فلا وقف ولا قسمة، وتجري القرعةُ عند القاضي، وخالفه الإمام.
2869 -
فصل في لعان الأخرس
يصحُّ قذفُ الأخرس ولعانُه بالإشارة المُفْهمة، فإن انطلق لسانُه، فقال: لم أُرِدْ بذلك قذفًا ولا لعانًا، لم يُقبل، وفي صحَّة اللعان بالإشارة إشكالٌ إذا قلنا: تتعيَّن ألفاظُ اللِّعان، فإنَّ الإشارة لا تأتي على ذلك، والقياسُ أن يقال: كلُّ شيء يختصُّ بصيغةٍ معيَّنة، فلا يصحُّ بالإشارة، ولو
كان في الأصحاب مَن يشرط أن يَكتب، أو أن يُذْكَرَ له الصيغُ، ويقال له: تشهدُ بكذا وكذا؟ فيشير، لكان قريبًا.
2870 -
فرع:
إذا قذف الناطق، ثم اعْتَقَلَ لسانُه، فالأصحُّ أنَّه يُمْهَلُ ثلاثًا، فإن انطلق لسانُه، وإلا حُمل على الإشارة، وعلى قولٍ: يُرَاجَع أهل البصر، فإن قالوا: نستطلِقُ لسانَه، انتظروا وإن طالت المدَّة.
2871 -
فصل في القذف في النكاح وبعده
اللِّعانُ مختصٌّ بالأزواج، فإذا أطلق الزوج القذفَ، فإن كان موجِبًا للحدِّ، فإنْ طَلَبَتْه فله دفعُه باللِّعان، وكذا إن سكتت على الأصحِّ، وإن عَفَتْ لاعَنَ لنفي النسب، فإن لم يكن نسبٌ فوجهان.
وإن كان موجِبًا للتعزير فالتعزيرُ ضربان:
أحدهما: تعزيرُ التكذيب، كتعزير مَن قذف زوجتَه الأمةَ أو الكافرةَ، فإن طلبت التعزير فالأصحُّ أن له دفْعَه باللعان، وإن عَفَتْ فوجهان، وإن تعذَّر طلبُها لصغرها أو جنونها، فوجهان مرتَّبان، وأولى بجواز اللعان، وليس لوليِّها طلبُ التعزير اتّفاقًا، وإن سكتت وهي عاقلةٌ، فوجهان مرتَّبان على المجنونة، وأولى بجواز اللعان؛ لتمكُّنها من الطلب في جميع الأزمان.
الثاني: تعزير التأديب، كتعزير مَن قذف المحدودةَ في الزنا ببيِّنةٍ أو إقرارٍ، فلا يلاعِنُ على الأصحِّ، وأبعدَ مَن قال: يلاعِنُ، وقيل: في اللِّعان
لاختلاف النصِّ قولان، فإن قلنا: لا يلاعِنُ، عُزِّر، وهل يقف هذا التعزير على طلبها، أو يتولاه السلطان؟ فيه وجهان أصحُّهما عند الإمام: التوقُّف على الطلب؛ لأنَّها المقصودةُ بالأذى، بخلافِ ما لو قال: الناسُ زُناةٌ، فإنَّ تعزيره إلى السلطان.
ولو قال: زنيتِ وأنتِ بنتُ يومٍ، أو: شهرٍ، عُزِّر، وفي توقُّف التعزير على الطلب وجهان ظاهران، وإنْ وقفناه على الطلب، فأراد السلطان تعزيره ردعًا فالوجه: أن يصبر إلى أن يتبيَّن الطلب، وإن وقفناه على طلبها، وأثبتنا اللعان، فإنْ طلبت عُزِّر، وإن عَفَتْ فوجهان، وإن سكتت فوجهان مرتَّبان.
ولو قذف في النكاح بزنىً قبل النكاح لزمه الحدُّ، أو التعزير، فإن كان ثَمَّ نسبٌ متعرِّض للثبوت، فله نفيُه باللعان على أظهر الوجهين، وإن لم يكن فليس له اللعان اتِّفاقًا.
ولو أبانها، وقذفها بزنىً مضافٍ إلى النكاح؛ فإن كان ثَمَّ نسبٌ لاعَنَ، وإن لم يكن لم يلاعِنْ، وفيه وجهٌ غريب.
2872 -
فرع:
يلاعن في النكاح الفاسد؛ لنفي الولد، فإن لم يكن ولدٌ، فإنْ عَلِمَ بفساد النكاح لم يلاعِنْ، وإن لاعَنَ على ظنِّ الصحّة، ثم تبيَّن الفساد، ففي سقوط الحدِّ وجهان.
ويلاعِنُ المجنونةَ لنفي الولد، فيسقط التعزيرُ، وتتأبَّد الحرمة، فإن لم يكن ولدٌ فوجهان، فإن ماتت قبل اللِّعان انتقل التعزيرُ إلى ورثتها، وله إسقاطُه باللعان.
ولو قذف العاقلةَ، فجُنَّت، لاعَنَ لنفي الولد، فإنْ لم يكن فوجهان.
ولو قذف المجنونةَ بزنىً مضافٍ إلى حالِ العقل وجب الحدُّ، وليس لأحدٍ أن يطلبه، فإن ماتت انتقل إلى الورثة، وله دفعُه باللعان.
ولو قذف أمةً (1)، فطلَبُ التعزير مختصٌّ بها دون سيِّدها؛ إذ لا حقَّ للمالك في ذمَّتها، ولا في عِرْضها، وإنَّما حقُّه فيما يَؤُولُ إلى ماليَّتها، وفي انتقال التعزير إليه بموتها وجهان.
وإن قَذَفَ [السَّيد] عبدَه، فله طلبُ تعزيره، وُيحتمل ألا يَملك ذلك، بل يقال للسيِّد: لا تؤذِه، فإن أبى كان كمجاوزة الحدِّ في الاستخدام.
2873 -
فصل فيمن يرث حدَّ القذف
حدُّ القذف حقٌّ للآدميِّ يقف على طلبه، ويسقطُ بعفوه، ويرثُه جميع ورثته، أو يختصُّ بذوي الأنساب منهم، أو بالعصبات الذين يَلُون التزويج؟ فيه أوجهٌ، فإن جُعل لعصبات التزويج ففي ثبوته للابن وجهان، فإن أثبتناه قُدِّم على سائر العصبات.
ولو قذف ميتًا ثبت الحدُّ لمَن كان يرثُه بتقدير وقوع القذف في الحياة، وفي الزوجين خلافٌ مرتَّبٌ، وأولى بالمنع؛ لوقوع القذف بعد ارتفاع النكاح، فإن عفا بعضُ الورثة: فهل يسقط الحدُّ بكماله، أو تسقط حصَّةُ العافي، أو يبقى كمالُ الحدِّ للباقين؟ فيه أوجهٌ أظهرُها آخرُها؛ فإنَّه لو سقط لم يكن له1
بدلٌ، بخلافِ القصاص، ولا وَقْعَ لبعض الحدِّ في الزجر.
ولو قذف إنسانًا، ثم ورثه، سقط الحدُّ، ولا يُتصوَّر نظيرُه في القصاص؛ لعدم الميراث.
2874 -
فصل في لعان الذِّمِّيِّ
إذا قذف الذمِّيُ زوجته ففي إجباره على اللعان قولان، وإن لاعَنَ المسلمُ الذمّيةَ، فالأصحُّ أنَّها لا تُجبر على اللعان؛ لتعلُّقه بخالص حقِّ الله تعالى، ولأنَّه ليس حقًّا للزوج، ولذلك لا يتوقَّف لعانُ المسلمة على طلب الزوج، ولا يسقطُ بإسقاطه، بخلافِ لعانِ الذمّيِّ، فإنَّه يتعلَّق بحقِّ زوجته من التعزير، وخرَّجه بعضُهم على القولين في إجبار الذمّيِّ.
2875 -
فصل فيمن أنكر القذف، ثم طلب اللعان
إذا ادَّعت على زوجها أنَّه قذفها، فله أحوال:
الأولى: أن يسكت، فلها إثباتُه بالبيِّنة، فإنَّ البيِّنة تُسمع؛ لعدم الإقرار، لا لحقيقة الإنكار، فإذا ثبت فله أن يدفعه باللِّعان.
الثانية: أن يقول: ما قذفتُك، ولا زنيتِ، فتُقيم 1 البيِّنةَ بالقذف، فإن لم يُنشئ قذفًا لم يلاعِنْ، وإن أنشأه لاعَنَ عند القاضي، وقال الإمام:
لا يلاعنُ إلا أن يقذف بعد مضيِّ زمانٍ يتَّسع للزنى، ثم يصير كمن قذف أجنبيَّةً، ثم تزوَّجها وقذفها، فإنْ لاعَنَ عن قَذْفها في النكاح لم يسقط حدُّ القذف السابق إلّا إذا قلنا بإسقاط حصانتها في حقِّه، ويؤكِّد هذا أنَّ من برَّأَ إنسانًا من الزنى، ثم قذفه، فإنَّه يُحدُّ.
الثالثة: أن يقول: ما قذفتُكِ، فتقيم (1) البيِّنةَ بالقذف، فإن تأوَّل كلامَه بأنَّ الذي صدر منه كان صدقًا، ولم يكن قذفًا، لاعَنَ، وإن لم يتأوَّله بذلك فوجهان.
2876 -
فصل في قذف الصبيِّ
لا يتعلِّق بقذف الصبيِّ حدٌّ، ولا تعزير، بل يؤدّبه الوليُّ، كما يؤدِّبه في وجوه الإصلاح، ولو همَّ بتأديبه، فبلغ، تركه عند القفَّال وإن كان واليًا؛ إذ لا يُؤَدَّب الصبيُّ بما يؤدَّب به البالغ، فإنَّ ضرْبَ البالغ عقابٌ، وضربَ الصبيِّ إصلاحٌ، كرياضة الدوابِّ، ولهذا يُؤمر بقضاء الصلوات، فإن بلغ قبل قضائها تركناه.
2877 -
فصل في لعان المرتدِّ والرجعيَّة
إذا قذف رجعيَّةً، لاعن وإن لم يراجع، وإن ارتدَّ، وقذف بعد الدخول،1
فله أن يلاعن مع الردَّة، وله أن يلاعن إذا أسلم، فإنْ لاعَنَ في الردَّة، وأصرَّ حتى انقضت العدَّةُ، صحَّ اللِّعان، وسقط الحدُّ إنْ لاعن لنفي النسب، وإن لم يكن نسبٌ، فوجهان، ولا يُشترط لتسليطه على اللِّعان أن نَجهل ردَّته، وفيه احتمال.
2878 -
فرع:
إذا قذفها بوطءٍ في الدُّبر، فإن أوجبنا به الحدَّ تعلَّق به اللِّعان.
2879 -
فصل فيمن قذف شخصين بكلمة، أو كلمتين
إذا قال لأجنبيَّتين، أو زوجتين: أنتما زانيتان، ففي تعدُّد الحدِّ قولان، وإن قال ذلك لزوجته وأمِّها فقولان مرتَّبان، وأولى بالتعدُّد؛ لاختلاف الحكم، فإن قلنا بالاتِّحاد، حُدَّ لهما حدَّا واحدًا إن لم يلاعن، وإن لاعَنَ سقط حدُّ البنت، وبقي حدُّ الأمِّ.
ولو قال لزوجته: يا زانيةُ بنت الزانية، وجب حدَّان اتِّفاقًا.
ولو قذف شخصين على الترتيب: فهل يُقدَّم الأوَّل، أو يُقْرَع بينهما؟ فيه وجهان، فإن قدَّمنا الأوّل: فهل تُقدَّم البنتُ هاهنا، أو الأمّ؟ فيه وجهان من جهةِ أنَّ حدَّ الأمِّ متأكّدٌ لا يسقط باللعان، ولو بدأ بقذف الأم: فهل تُقدَّم، أو يُقرع؟ فيه وجهان منقدحان.
2880 - فرع: أيُّ الزوجين امتنع من اللعان، ثمَّ طلبه، مُكِّن منه، حتى لو بقي على
الزوج من الحدِّ سوطٌ واحد، فطلب اللِّعان، تركناه؛ ليلاعِنَ، ولو طلب اللعانَ بعد إكمال الحدِّ لم يُمكَّن عند الأصحاب، وقال القفَّال: إن كان ثمَّ سببٌ متعرِّضٌ للثبوت مُكِّن من اللعان، وإلا فلا.
2881 -
فصل في اللعان في ملك اليمين
كلُّ نسبٍ تعرَّض للثبوت بنكاحٍ صحيحٍ، أو فاسدٍ، أو وطءِ شبهةٍ، جاز نفيُه باللعان.
ولو وطئ أمتَه، فأتت بولدٍ يمكن أن يكون من ذلك الوطء، فالمذهبُ: أنَّه لا ينفيه باللعان؛ لظاهر القرآن، وقيل: في القديم قولٌ: أنَّه يلاعن الأمةَ وأمَّ الولد.
وعلى المذهب: لو مَلَكَ زوجتَه، فولدت لأقلَّ من أربع سنين من حين المِلْكِ؛ فإنْ لم يُقرَّ بالوطءِ في المِلْكِ فله نفيُه باللعان، وإن أقرَّ بذلك؛ فإن وضعته لدونِ ستّةِ أشهرٍ من حين الوطء، فإن كان لأقلَّ من أربع سنين من حين المِلْكِ فله نفيُه باللعان، وإن كان لأكثرَ من أربع سنينَ من حين المِلْكِ، أو من حين الوط، انتفى بغير لعانٍ، وإن وضعته لستَّة أشهرٍ فصاعدًا من حين الوطء؛ فإنْ لم يدَّع الاستبراءَ لَحِقَه، ولم يملك نفيَه باللِّعان؛ لانتساخِ فراشِ النكاح بفراش المِلْكِ، كما يُنسخ فراشُ النكاح بفراش النكاح إذا تزوَّجت المطلَّقة بعد العدَّة، فولدت لستَّة أشهرٍ من النكاح الثاني، ولأقلَّ من أربع سنين من حين الطلاق، وإن ادَّعى الاستبراءَ بعد الوطء، فإن وضعتْه لدون
ستَّة أشهرٍ من حين الاستبراء، ولستَّةِ أشهرٍ فصاعدًا من حين الوطء، لَحِقَه، وإن ولدت لستَّة أشهرٍ فصاعدًا من حين الاستبراء، ولأقلَّ من أربع سنينَ من حين المِلْكِ فالأصحُّ انتفاؤه بغير لعانٍ.
2882 -
باب أين يكون اللعان
يؤكَّد اللعان باللفظ والزمان والمكان، وحضورِ جماعةٍ من أهل الإيمان.
فالزمانُ: بعد العصر، فإن لم يحثَّ طلبٌ، ولم يظهر ضررٌ في التأخير، أُخِّر إلى العصر من يوم الجمعة.
والمكان: أشرف البقاع، وهو بمكَّة: بين الركن والمقام، وبالمدينة: بين القبر والمنبر، وبالقدس: عند الصخرة، وبسائر البلاد: في مقصورة الجامع.
وينبغي أن يقع اللعانُ على رؤوس الأشهاد، وأقلُّهم أربعةٌ.
والتغليظُ بالزمان والمكان مستحبٌّ، أو واجب؟ فيه قولان يجريان في الحَلِفِ على كلِّ ذي خطر؛ كالدماء، والفروج، وقَدْرِ النصاب من الأموال.
والتغليظُ بالجمع كالتغليظ بالمكان، أو مستحبٌّ؟ فيه طريقان طردهما الإمام في التغليظ بالمكان، وطردهما بعضُهم في التغليظ بالزمان، وفي التغليظ على الزنديق بذلك وجهان.
2883 -
فرع:
قال الأصحاب: يحلف الكفَّار حيث يعظِّمون، كالبِيَع والكنائس، ولا يحلفون في بيوت الأصنام اتِّفاقًا، وفي بيوت النيران وجهان.
2884 -
فرع:
تُلاعَنُ الحائض على باب المسجد، وإن كانت الكافرةُ حائضًا، وأُمِن من تلويث المسجد، ففي تمكينها من دخوله وجهان.
2885 -
باب سنَّة اللعان
يتعلَّق بلعان الرجل: تنجُّزُ الفُرقة، وتأبُّدُ الحرمة، وانتفاءُ النسب، وسقوط حدِّ القذف، ووجوبُ حدِّ الزنى على المرأة.
ويتعلَّق بلعانها: سقوط حدِّها.
وينبغي للقاضي أن يقول: الله يعلمُ أنَّ أحدكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ، ويهدِّدهما بقوله عليه السلام: "أيُّما امرأة أدخلت على قومٍ مَن ليس منهم فليست من الله في شيء، ولن يُدخلها اللهُ جنَّته، وأيُّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأوَّلين والآخِرِين" 1.
وبأنَّه عليه السلام رأى ليلة المعراج نسوةً معلَّقات بثُديِّهِنَّ، فسأل جبريل عنهنَّ، فقال: إنهنَّ اللائي ألحقن بأزواجهن مَن ليس منهم 2.
وبقوله عليه السلام: "اشتدَّ غضب الله على امرأةٍ أدخلت على قومٍ
مَن ليس منهم؛ يأكلُ جرايتهم، وينظر إلى عوراتهم" 1.
2886 -
باب كيف اللعان
اللعان: أن يقول الزوج أربعَ مراتٍ: أشهدُ بالله إنِّي لَمِنَ الصادقين فيما رميتُها به من الزِّنى، وهذا الولدُ ولدُ زنا، وما هو منِّي، ويقول في الخامسة: لعنةُ الله عليَّ إن كنتُ من الكاذبين، وتقابلُه المرأة، فتشهدُ أربع شهادات بالله إنَّه لَمِنَ الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة: على غضبُ الله إن كان من الصادقين فيما رماني به.
فإنْ أبدل لفظ الشهادة بالحَلِفِ، أو القسم، أو تركِ الصِّلات، فقال: بالله إنِّي لمن الصادقين، أو أبدل الغضبَ باللعنة، أو اللعنةَ بالغضب، أو قدَّمهما على سائر الكلام، لم يجز، وفيه وجهٌ بعيدٌ.
ولا يقومُ معظَمُ الكلام مقام الجميع اتِّفاقًا.
وممَّا يؤكَّد به اللعان: ما روي أنَّه عليه السلام لاعَنَ بين العجلانيِّ وامرأتِهِ على المنبر 1، فقيل: كان رسول الله على المنبر والعجلانيُّ عند
المنبر، وقيل: كان العجلاني على المنبر، وقيل: بل وقع اللعانُ عند المنبر.
وإن تلاعَنَ قائمًا، فإذا انتهى إلى اللعنة، أتاه رجلٌ من ورائه، وقبض على فيه، وقال: اتَّقِ الله؛ فإنَّها موجبة، ثم تقام المرأة كذلك، فإذا انتهت إلى الغضب، أتتها امرأة من ورائها، وقبضت على فيها، وقال صاحب المجلس: اتَّقي الله؛ فإنَّها موجبةٌ للعذاب.
2887 -
فصل في تسمية الزاني في القذف واللعان
إذا ذَكَر الزانيَ في القذف واللِّعان، سقط حدُّه وإن كان محصَنًا، وإن ذكره في القذف دون اللعان، ففي سقوطِ حدِّه قولان، فإن قلنا: لا يسقط، أعاد اللعان بشرط أن يذكرهما فيه، ثم لا يُحدُّ المقذوفُ بلعان الزوج؛ لاختصاص الزوجين باللعان.
2888 -
فرع:
إذا قُذِف رجلٌ عند الحاكم، فهل يلزمُه إعلامه؟ فيه وجهان.
2889 - فرع: يلاعِنُ العجميُّ بلسانه، ويترجِمُ عنه أربعةٌ، أو اثنان؟ فيه وجهان.
2890 -
باب ما يكون بعد لعان الزوج من الفرقة
إذا مَلَكَ المُلاعِنُ زوجته بعد اللعان، فقد قيل: لا تحلُّ له؛ لتأكُّد اللعان، وقيل: فيه وجهان، كما لو مَلَكَ المُظاهَرَ عنها.
وكلُّ لعانٍ وقع بعد البينونة، أو في نكاحٍ فاسدٍ، ففي تأبُّد حرمته وثبوتِ اللعان فيه للمرأة وجهان، فإن قلنا: تُلاعن، فامتنعت، حُدَّت، وإن قلنا: لا تلاعن، فلا حدَّ عليها.
ولعانُ الرجعيَّة يُبِينُها، ويحرِّمها على التأبيد؛ لأنَّها زوجة.
2891 -
فصل في موت أحدهما في أثناء اللعان
إذا مات الزوجُ قبل إكمال اللعان، فالنكاحُ قائمٌ، والنسبُ والإرثُ ثابتان، وليس للورثة نفيُ النسب باللعان، وإن ماتت في أثناء لعانه فله نفيُ الولد باللعان، فإن لم يكن ولدٌ، فورِثَ بعضَ الحدِّ، ففي اللِّعان خلافٌ مبنيٌّ على الخلاف في سقوط الحدِّ، فإن قلنا: لا يسقط، بَنى على اللعان إن قَصُرَ الزمان، واستأنف إن طال، وشبَّب بعضُهم بخلافٍ في البناء إذا قَصُرَ الزمان، ولا وجه له.
وخرَّج الإمام البناءَ إذا طال الزمان على الخلاف فيما إذا تقطَّعت كلِمُ
اللعان في الحياة تقطُّعاتٍ اتفاقيَّةً.
2892 -
فصل في الامتناع من اللعان
إذا امتنع الرجلُ من إكمال اللعان؛ فإن كانت محصَنة حُدَّ ثمانين إن كان حرًّا، وأربعين إِن كان عبدًا، فإن سمَّى الزانيَ في القذف، أو نَسَبَ أجنبيَّين إلى زنيةٍ واحدة، ففي تعدُّد الحدِّ قولان مرتَّبان على قذفِ شخصين بزنيتين، وأولى بالاتِّحاد؛ لاتِّحاد الفعل.
وإن امتنعت بعد لعانه رُجِمت إن كانت ثيِّبًا، وجُلدت وغُرِّبت إن كانت بكرًا، فإن ثبت الرجمُ في شدَّة حرٍّ أو بردِ ببيِّنةٍ أو لعانٍ عُجِّل، وإن ثبت بالإقرار أُخِّر إلى اعتدال الهواء، ففرَّق بعضُهم: بأنَّ الرجوع عن الإقرار مستحبٌّ طبعًا وشرعًا، بخلافِ الرجوع عن اللعان.
وقيل: في الإقرار واللِّعان قولان بالنقل والتخريج، وأبعدَ مَن طردهما في البيِّنة.
وقيل: إن ثبت بالإقرار عُجِّل قولًا واحدًا، وإن ثبت ببيِّنةٍ، أو لعانٍ فقولان، وهذه طريقة فاسدة مخالِفةٌ للجمهور.
2893 -
فصل في اللعان عن الحمل
إذا أراد اللعان عن الحَمْلِ بعد البينونة، ففي جوازه قولان مأخذُهما: أنَّ الحمل هل يُعرف أم لا؟ وقد اتَّفق العلماء على أنَّه لا يُعرف، ومعنى
الخلاف: أنَّ الحمل هل يُلْحَقُ بالمعلومات أم لا؟ وقد أوجب الشرع الخَلِفات 1، ومنع الحدَّ والقصاص في حقِّ الحامل بناء على الظنِّ، وله نفيُ الحمل في النكاح؛ لقصَّة العجلانيِّ، وأبعدَ مَنْ طَرَد القولين، فإن جوَّزناه لم يُشترط الفورُ اتِّفاقا، وإن منعناه، فقال: مكِّنوني منه فإن ظهر حملٌ انتفى به، وإن لم يظهر تبيَّن بطلانُه، ففي إجابته وجهان، ولا وجه لإجابته مع منعنا من اللعان.
2894 -
باب ما يكون قذفًا وما لا يكون قذفًا
إذا أتت امرأته بولدٍ، فقال: ليس هذا الولدُ منِّي، أو: هذا ليس بابني، فله حالان:
إحداهما: أن يجحد ولادتَه، فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن حلف انتفت الولادة والنسب، وإن نكل رُدَّت اليمين عليها.
ولو ولدت المطلَّقة لأكثر من أربع سنين من حين الطلاق، وادَّعت أنَّ المطلِّق راجعها، أو وطئها بشبهةٍ، فالقولُ قولُه، فإنْ نكل لم تُردَّ اليمين.
ففرَّق بعضهم بتأكُّد قولها عند قيام الفراش، وخرَّج آخرون المسألتين على قولين، فإن قلنا: لا تُردُّ، رُدَّت على الطفل إذا بلغ، وإن قلنا: تُردُّ؛ فإن حلفت ثبتت الولادةُ، وتبعها النسب، وإن نكلت ففي الردِّ على الطفل عند البلوغ قولان ماخذُهما: أنَّ يمين الردِّ هل يَقبل الردَّ؟
2895 -
فرع:
تثبت الولادة بأربع نسوةِ، ثم يتبعها النسبُ، ولا تثبتُ بالقيافة على الأصحِّ.
الثانية: أن يصدَّق على الولادة، وله حالان:
إحداهما: أن يقول: أردتُ نسبة الولد إلى الزنى، فحكمُه حكمُ
قذف الزوجات، فإنَّ القذف يَثبتُ بالكناية مع النيَّة، فإنْ تنازَعا في النيَّة فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن كان قد نوى لَزِمَه الاعترافُ، ولم يحِلَّ له الحَلِفُ، ولو نوى ولم يطالَب: فهل يلزمُه تعريفٌ للمقذوف كما يلزمُه التعريفُ بالقصاص؟ قال الإمام: لا يلزمُه؛ فإنَّ القذف بالكناية ليس بإنشاءٍ ولا إتلافٍ حتى يثبت حكمُه في الباطن، وإنَّما هو إيذاءٌ بالنسبة إلى فاحشةٍ، فإنْ حصل بلفظ الكناية فلا حاجة إلى النيّة، وإن لم يحصل فالنيّةُ لا تزيد في تأذِّي المقذوف، ودلَّ كلام الأصحاب على أنَّ الحدَّ يثبت في الباطن، ويلزمه تعريف المقذوف.
الثانية: أن يقول: أردتُ بذلك أنَّه لا يشبهني خَلْقًا ولا خُلُقًا، فالنصُّ أنَّه يُقبل، ولو ذكر ذلك لأجنبيٍّ معروفِ النسب، وفسَّره بمثل ذلك، لم يُقبل، ويجب الحدُّ، فقيل: قولان بالنقل والتخريج أصحُّهما القبول، وفرَّق بعضهم بأنَّ ذلك من الأب محمولٌ على التأديب، بخلاف الأجنبيِّ.
فإن قَبِلْنا من الأب حلف، فإنْ حلف عُزِّر، وإن نكل رُدَّت اليمين عليها، فإن نكلت كان نكولُها كحَلِفه، وإن حلفت ثبت القذفُ والحدُّ، وله أن يلاعن عند الأصحاب.
وقال الإمام: إنْ جدَّد قذفًا آخر لاعَنَ، وإن لم يجدِّده كان كمن أنكر القذف، فقامت به البيِّنةُ، فأراد أن يلاعن من غيرِ قذفٍ جديد، فإن منعنا الحدَّ واللِّعان، فالوجهُ ألا يلاعن لدفع التعزير، فإنَّ تعزير الكناية يجبُ لِمَا فيها من الأذى، واللعانُ لا يتعلَّق بكلِّ أذّى، وإنَّما يتعلَّق بعقوبة النسبة إلى الزنا.
وإن قال: أردتُ بذلك نسبةَ الولد إلى وطء شبهةٍ، فالقولُ قولُه مع يمينه، وتُدارُ الخصومة على ما تقدَّم.
وإن قال: أردتُ نسبته إلى زوجٍ قبلي، فالقولُ قولُه مع يمينه إن عُهد لها زوجٌ، وإن لم يُعهد لم يُقبل قوله.
2896 -
فصل فيما يجري فيه اللعان من النفي
إذا نسب زوجته الحرةَ أو الأمةَ إلى وطءٍ محرَّمٍ، أو وطءٍ لا يُحِلُّ كوطء الشبهة والإكراه لاعَنَ، وأَبعدَ مَن قال: لا يلاعِنُ إلا بالنسبة إلى الوطء المحرَّم؛ تمسُّكًا بظاهر القرآن.
فإذا نسب الولد إلى وطء شبهةٍ، أو إكراهٍ، أو قال: ليس منِّي، ففي نفيه باللعان هذا الخلافُ، وقال العراقيون: إن نسبه إلى شبهةٍ يُلْحَقُ فيها بالواطئ لم يلاعِنْ؛ لإمكانِ العَرْضِ على القائف، واللعانُ لا يجري إلا عند الضرورة، وإن نسبه إلى إكراهٍ فوجهان.
وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ العَرْضَ على القافة إنَّما يَثبتُ إذا اعترف الواطئُ بالوطء، ونازَعَ الزوج في الولد.
2897 -
فصل في نفي التوأمين
إذا لاعَنَ عن ولدٍ، فوضعت آخر قبل ستَّة أشهرٍ، قيل له: إن لاعَنْتَ عن الثاني نُفي، وإن أثبتَّ لَحِقَك الولدان، وإن وضعتِ الثانيَ لستَّة أشهرٍ
فصاعدًا لَحِقَه، إلا أن ينفيه باللعان، فإنْ ترك النفيَ لم يلحقه الأوّلُ، وإنَّما يلحقُه الثاني؛ لاحتمالِ أنَّها عَلِقَتْ به بعد وضع الأوّل وقَبْل اللعان.
وإن لاعَنَ عن حملٍ، فوضعت أولادًا من ذلك البطن، انتفى الكلُّ بذلك اللِّعان، وإن وضعتهم لستّةِ أشهرٍ فما زاد من وضع الأوّل، انتفَوا بغير لعان.
ولو أبانها، فولدت بعد البينونة، فنفى ولدها، ثم أتت بآخَرَ من ذلك البطن، قيل له: إن نَفَيْتَه انتفى، وإن أثبتَّ لَحِقكَ الولدان، وإن كان بينهما ستَّةُ أشهرٍ فصاعدًا انتفى الثاني بغيرِ لعانٍ.
ولو لاعن بعد البينونة عن حملٍ، فولدت أولادًا، انتفَوا بذلك اللعان.
2898 -
فرع:
التوءمان المنفيَّان باللعان أخوان للأمِّ، وليسا بأخوين للأب على الأصحِّ.
2899 -
فصل في نفي الولد بعد موته
إذا ولدت أولادًا من بطنٍ، أو بطونٍ، فَنَسَبَ كلَّ ولدٍ إلى زنيةٍ، فله نفيُ الكلِّ بلعانٍ واحدٍ، ولو مات التوءمان، أو أحدُهما، فله النفيُ بعد الموت؛ فإنَّ الموت لا يَمنعُ النفيَ، ولا الاستلحاقَ، فمَن نفى الولدَ حيًّا، ثم استلحقه حيًّا، أو نفاه حيًّا، ثمّ استلحقه ميتًا، لَحِقَه، وورثه مع حَجْبِ الحرمان وحَجْبِ النقصان، ولو نفاه ميتًا، ثم استلحقه ميتًا، لَحِقَه، والمذهبُ: أنَّه يرثه وإن وقع ذلك بعد قسمة الميراث.
2900 -
فصل فيمن قال: يا زانية، فقالت: بك زنيتُ
إذا قال لزوجته: زينتِ، أو: يا زانيةُ، فقالت: زنيتُ بك، ثم فسَّرته بأنَّها نفت الزنى عن نفسها، كما هو منفيٌّ عنه، كما يقال للإنسان: سرقْتَ، فيقول للقائل: معك سرقتُ، أو قالت: أردتُ أنِّي لم أمكِّن غيرَك، فإن كان زنًا فاحسِبْه كذلك، فالقولُ قولُها مع يمينها، وإن فسَّرته بأنَّها زنت به قبل النكاح حُدَّت للقذف والزنا، فإن رجعت سقط حدُّ الزنا، ولم يسقط حدُّ القذف على أصحّ القولين.
وقال الإمام: إذا قال الرجلُ: زنيتُ بكِ، أو قالت المرأة: زنيتُ بكَ، لم يكن قذفًا؛ إذ لا يلزمُ من زنا أحدِهما زنا الآخَرِ، فإنَّ الشبهة والإكراهَ إذا وقعا من أحد الطرفين، يَثبت الزنا في أحد الطرفين دون الآخر.
ولكنْ للأصحاب أن يقولوا: هذا اللفظُ يُشْعِرُ بالمطاوعة والتعمُّد في عرف الاستعمال، ولو تأوَّلَتْ إقرارها بتأويلٍ بعيدٍ لم يَبْعُدْ قبوله؛ إذ يصحُّ الرجوعُ عنه بغير تأويلٍ.
2901 -
فصل فيمن قال: أنت أرنى الناس، أو: أزنى من فلان
قال الأصحاب: إذا قال: أنتِ أزنى الناسِ، لم يكن قذفًا إلا أن يقول: الناسُ زناةٌ، وأنتِ أزنى منهم، ولو قال: أنتِ أزنى من زيدٍ، فإن لم يثبت زنىَ زيدٍ، لم يكن قذفًا لواحدٍ منهما، وإن ثبت زناه، فإنْ عَلِمَه القاذفُ كان قذفًا، وإلا فلا.
ولو قال لزوجته: يا زانيةُ، فقالت: أنت أزنى منِّي، فليس بقذفٍ إلا أن تفسِّره بزناهما، فتُحدُّ للقذف والزنا، ولا حدَّ عليه؛ لاعترافها، فإن قالت: أردتُ أنَّك زنيتَ، حُدّت للقذف دون الزنا.
2902 -
فصل في اللحن في القذف
إذا قال للمرأة: زنيتَ، بفتح التاء، أو قالت له: زنيتِ، بكسر التاء، ثبت القذف اتِّفاقًا.
ولو قال لها: يا زان، أو قالت له: يا زانيةُ، ثبت القذفُ في أصحِّ القولين.
وإن قال: زنأت في الجبل (1)، أو ذكر غير الجبل مما يُرْقَى فيه، فليس بصريح، وإن اقتصر على قوله: زنأتِ، وفسَّره بالرقى، ففي قبوله أوجهٌ؛ ثالثها: القبولُ ممَّن يعرف العربيّة، والردُّ على مَن يجهلها.
ولو قال: زنيتِ في الجبل، وفسَّره بالرقيِّ، لم يُقبل على المذهب، وقيل: يُقبل؛ حملًا على تخفيف الهمز؛ وقيل: يُقبل من الجاهل بالعربيَّة دون العارف بها.
2903 -
فصل في القذف بوطء لا يوجب الحدَّ
إذا قذف بوطءٍ يوجبُ الحدَّ، تعلَّق به حدُّ القذف، وإن قذف بوطءٍ1
لا يوجبُ الحدَّ، فلا يُحدُّ للقذف، فإن قال: زنيتِ وأنت صغيرةٌ، أو: مجنونةٌ، عُزِّر.
وإن قال: زنيتِ وأنت مكرَهةٌ، عُزِّر على الأصحِّ، وقيل: لا يُعزَّر، إذ لا مَعَرَّة على المُكرَهة.
وإن قال: زنا بك فلانٌ الممسوحُ، أو: زنيتِ وأنتِ رتقاءُ، عُزِّر اتِّفاقًا، ولا يلاعنُ على الأصحِّ؛ إذ لا يجوز الحلفُ على الكذب.
وإن قال: زنيتِ وأنت أمةٌ، أو: مجنونةٌ، أو: كافرة، فإن عُهد ذلك عُزِّر، وإن لم يُعهد حُدَّ على المذهب، وفيه قولٌ غريب: أنَّه لا يُحدُّ بحالٍ.
2904 -
فصل في القذف قبل النكاح
وفي حال النكاح إذا تعدَّد القذفُ والمقذوفُ تعدَّد الحدُّ، وإن اتَّحد المقذوفُ وتعدَّد القذف، أو بالعكس، ففي التعدُّد قولان، والمَعْنيُّ بتعدُّد القذف: أن يتعدَّد الكلمُ بحيث تُشْعِرُ كلُّ كلمةٍ بزنيةٍ، فإنْ قَذَفَ أجنبيّةً، ثم نكحها وقذفها، ففي التعدُّد القولان، فإنْ لاعَنَ سقط الحدُّ الثاني، وحُدَّ للأوّل اتِّفاقًا.
2905 -
فرع:
إذا قال: يا زانية، فقالت: بل أنتَ زانٍ؛ فهما قاذفان، فإنْ تُرِكَ اللِّعان حُدَّ كلُّ واحدٍ منهما للآخر، ولا تقاصَّ في الحدود؛ لتفاوُتِ وَقْعِها، ولأنَّ التقاصَّ ضرْبٌ من المعاوضة، ولا جريان لها في الحدود.
2906 -
فرع:
إذا قذف زوجته وأجنبيَّةً بكلمةٍ، ففي التعدُّد قولان مرتَّبان، وأولى بالتعدُّد؛ لاختلافِ الحكم، فإن قلنا بالاتِّحاد، فتَرَكَ اللعان، حُدَّ لهما حدًّا واحدًا، وإن لاعَنَ حُدَّ للأجنبيَّة وحدَها، وإن قلنا بالتعدُّد، فترك اللعان، حُدَّ حدَّين، وإنْ لاعن حُدَّ للأجنبيَّة.
2907 -
فصل في قذف أربع زوجات
إذا قذف أربع زوجات، فطُولب؛ فإنْ قلنا بالتعدُّد، لم يقتصر على لعانٍ واحدٍ كنظيره من الأيمان، وإن طالبته واحدةٌ، فلاعنها، وأراد لعان الباقيات من غير طلبٍ، ففي جوازه وجهان، وإن رَضِيْنَ بلعانٍ واحدٍ، فله أن يلاعِنَ بعضَهن، ويترك الباقيات، فيجري عليه حكمُ التارك لِلِّعان، وإن وافقهنَّ على لعانٍ واحدٍ، لم يجز عند الإمام كنظيره من الأيمان، وإن قلنا بالاتِّحاد، تعدَّد اللعان على الأصحِّ؛ لتعدُّد الخصام.
فلو رضينَ بلعانٍ واحدٍ فهو على ما تقدَّم، وإن لم يرضين، وتنازَعْنَ في البداية، أُقْرِع بينَهنَّ، فإن قدَّم الحاكم واحدةً بغير قرعةٍ، فقد قال الشافعيُّ: رجوتُ ألا يأثم، فقيل: قولان يجريان في جميع الخصومات، وقيل: يختصُّ ذلك باللِّعان، وإن قلنا باتحاد اللعان، فطُولب، اقتصر على لعانٍ واحدٍ يذْكُرُهُنَّ فيه، ولو لاعَنَ من غير طلبٍ، وجوَّزنا ذلك، فإن ذكرهنَّ فيه أجزأ، وإن ذكر بعضَهنَ أعاد اللِّعان للباقيات، وإن وَقَفْنا اللعان على الطلب، فلاعَنَ واحدةً بطلبها، لم يذكر الباقيات، فإنْ طالَبْنَه بعد ذلك لاعنهنَّ.
2908 -
فرع:
إذا اعترف بالوطء، فولدت، فله نفيُ الولد باللعان وإن لم يدَّع الاستبراء.
2909 -
فصل في بيان حضانة المقذوف
يُشترط في الحضانة: الإسلام، والبلوغ، والعقلُ، والحرية، والعفَّة عن الزنا، ولا تبطل الحضانةُ بمقدِّمات الزنا، فمَن رأيناه يشبِّب، ويراوِدُ، ويحومُ على طلب الزنا، لم تبطُلْ حضانتُه اتِّفاقًا، ومَن زَنىَ بطلت حضانتُه، ولا حدَّ على قاذفه.
ومن وطئ أختَه من النسب أو الرضاع بمِلْكِ اليمين، فإن أوجبنا الحدَّ سقطت حضانتُه، وإن لم نوجبه فوجهان.
وإن وطئ جاريةَ ابنه، أو جاريةً يملكُ بعضها، وقلنا: لا يجب الحدُّ، فوجهان مرتَّبان، وأولى ببقاء الحضانة؛ فإنَّها قد تصير حلالَه بالاستيلاد.
ولو وطئ شافعيٌّ في نكاحٍ بلا وليٍّ، فوجهان مرتَّبان على وَطْءِ الأب، وأولى بالبقاء؛ للاختلاف في الإباحة.
وإن وطئ بشبهةٍ في نكاحٍ فاسد، أو غلط بالزوجيَّة، فوجهان مرتَّبان على النكاح بلا وليٍّ، وأولى بالبقاء؛ لقيام العدالة، وانتفاءِ المَلامة.
وإن جرت الفاحشةُ في الصبيِّ فهي كوطْءِ الشبهة عند الأصحاب، ورتَّبه الإمام على وطء الشبهة، فإن البالغ قد يلام لترك التحفُّظ.
ولا تبطُلُ الحضانةُ بوطء الحائض والمُحْرِمة اتِّفاقًا، ومَن خالف فيه فقد أَبْعَدَ.
2910 -
فرع:
إذا وجب حدُّ القذف، فارتدَّ المقذوف، لم يسقط الحدُّ اتِّفاقًا، وإن زِنى سقط في أصحِّ القولين؛ فإنَّ العفَّة عن الزنا هي الأصلُ، وبقيّةَ الأوصاف تبع.
وقال القاضي: لو زَنىَ الرجلُ أو المرأةُ مرّةً في عنفوان الشباب، ثم حصلت التوية والإنابة، وصار من أعفِّ الخلق، واستمرَّ على ذلك مئةَ عامٍ، فلا يُحدُّ قاذفُه بوفاقِ أبي حنيفة، بخلافِ ما لو قُذِفَ بعد زوالِ الكفر وغيرِه من الصفات.
وقال الإمام: إن قَذَفَ بذلك الزنا فلا حدَّ، وكذلك إن أَطْلَقَ القذفَ، فالوجهُ ألا يُحدَّ، وإن قال له: زنيتَ الآن، مع ظهور توبته وعدالته، وجبَ الحدُّ؛ فإنَّ التائب من الذنب كمَن لا ذنب له.
2911 -
فصل في قذف الملاعنة
إذا تلاعنا، ثمّ قذفها بزنا اللعان، عُزِّر، وكذا إن أطلق القذفَ عند الإمام، وإن قذفها بزنًا آخر فطريقان:
إحداهما: وجوبُ الحدِّ.
والثانية: في وجوبه قولان.
وإن حُدَّت باللعان، فقذفها بزنيةٍ أخرى، فوجهان مشهوران.
ولو تلاعنا، فقذفها أجنبيٌّ بزنيةٍ أخرى، حُدَّ، وكذا إن قَذَفَها بزنا اللعان على الأصحِّ.
وإن حُدَّت باللعان، فقذفها بزنيةٍ أخرى، حُدَّ على أظهر الوجهين، وقطع الإمام بوجوب الحدِّ.
وإن قذفها بزنا اللعان، فوجهان مرتَّبان أظهرُهما عند القاضي: وجوب الحدِّ.
2912 -
فصل في حبس القاذف لأجل التزكية
إذا شهد بالقذف عدلان، بادر الحاكم بإقامة الحدِّ، وإن شهد به أو بالقصاص مستوران ظاهِرُهما السدادُ، فالمذهبُ أنَّه يُحبس المدَّعَى عليه إلى ثبوت التزكية، وإن كان المشهودُ به عينًا حِيلَ بينه وبينها.
والمذهبُ: أنَّ الدَّين كالحدِّ والقصاص، خلافًا للإصطخريِّ، فإنَّه فرَّق: بأنَّ الدَّين يمكنُ استيفاؤه عند هرب المَدِين، بخلافِ الحدِّ والقصاص، ولا يُحْبَسُ في حدود الله تعالى.
وإن شهد شاهدٌ بالقذف أو القصاص، فطلب المستحِقُّ الحدَّين مع تشميره في إحضارِ الآخر، ففي إجابته وجهان، وفي الدَّين وجهان مرتَّبان، وأولى بالحبس؛ لقدرته على الحلف مع الشاهد، ويُحتمل ألا يترتَّب؛ إذ لا حاجة إلى الحبس مع القدرة على الحَلِفِ، فإن لم يأت بالشاهدين في الزمن الذي تُقام البيِّنةُ في مثله، أُطلق المدَّعَى عليه.
2913 -
فصل في ألفاظ القذف
وهي ثلاثة:
أحدها: الصريحُ، وهو لفظ الزنا مضافًا إلى الجملة، أو الفرج، وكذلك لفظُ النيك والإيلاج مع الوصفِ بانتفاءِ الشبهة والتحريم المطلق، وإن أضيف إلى بعضٍ كاليد فكنايةٌ على الأصحِّ، وفي اليدين والعينين وجهان مرتَّبان، وأولى بكونه كنايةً؛ لقوله عليه السلام: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان" 1.
الثاني: الكناية، كقوله لعربيِّ: يا نَبَطيُّ، ولنَبَطيِّ: يا عربيُّ، أو: لستَ ابنَ فلان، فإنْ نوى به القذفَ كان قذفًا، وإلا فلا.
الثالث: التعريضُ، كقوله: يا حلال ابنَ الحلال، و: أمَّا أنا فلستُ بزانٍ، فليس بقذفٍ.
2914 -
فصل في التحكيم في اللعان
لا يصحُّ اللعان إلا بحضور الحاكم، أو نائبه، ولو فوَّض الحاكمُ بعضَ الأمور إلى إنسانٍ، فأذن له في الاستخلاف، كان الخليفةُ حاكمًا، وإن لم يأذن، فاستناب في خصومةٍ أو طرفٍ من خصومة، فوجهان.
ولو انفرد الزوجان باللعان، لم يتعلَّق به حُكمٌ، وإن حكَّما رجلًا يَصْلُحُ لذلك، وجوَّزنا التحكيم، ففي جوازه فيما يتعلَّق بالعقوبات وجهان، وحدودُ الله تعالى أولى بالمنع، واللعانُ أولى بالمنع؛ لتعلُّقه بالولد، ولم يُرْضَ، مع أنَّ مدار التحكيم على الرضَا (1).
2915 -
فرع:
إذا طلب القاذفُ تحليف المقذوف على نفي الزنا، فهل له ذلك؟ فيه قولان، فإن قلنا: يحلَّف، فنكل، حلف القاذف، وسقط عنه الحدُّ، ولم يُحدَّ المقذوفُ للزنا.
1
2916 -
باب الشهادة في اللعان
إذا شهد على زوجته بالزنا لم يُقبل؛ لأنَّه جنايةٌ على محلِّ حقِّه، ولأنَّه أظهر العداوة بشهادته، ولو شهد على زوجة ولده بالزنا قُبل عند الإمام، وعند أبي محمد وجهان مأخذهما المعنيان.
وإن شهد مع الزوج ثلاثةٌ ففي إيجاب الحدِّ عليهم قولان، وفي الزوج طريقان يجريان في شهود الزنا إذا ظهر فسقُهم:
إحداهما: وجوب الحدِّ؛ إذ ليس لهم أهليَّةُ هذه الشهادة.
والثانية: فيه القولان.
ويثبت الإقرار بالزنا بشهادة أربعة، وفي الاثنين قولان، فإن شرطنا أربعة، فشهد اثنان، ففي سقوط الحدِّ عن القاذف قولان، وإن اكتفينا باثنين، فرجع عن الإقرار، سقط حدُّ الزنا، وإن أكذبهما في الشهادة لم يسقط، وإن قال: ما زنيتُ، سقط على الأصحِّ.
2917 -
فصل في الاختلاف في حضانة المقذوف
إذا قذف مجهولًا وقال: أنت عبدٌ، أو: كافرٌ، فقال: بل حرٌّ مسلمٌ، ففيه طريقان:
إحداهما: القولُ قولُ القاذف؛ إذ لا تعلُّق للمقذوف بالدار (1).
والثانية: فيه كاللقيط قولان.
وإن قال: قذفتُكَ وأنتَ مرتدٌّ، فإن لم تُعهد رِدَّته فالقولُ قولُه، وإن قال: قذفتَني بعد رجوعي إلى الإسلام، فالقولُ قول القاذف مع يمينه.
وإن قال: قذفتكِ وأنت صغيرةٌ، فقالت: بل كنتُ كبيرة، فأقام كلُّ واحد منهما بيِّنة على دعواه، فإن كانتا مطْلَقَتين، أو مختلفتي التاريخ، ثبت القذفُ في الكبر وحُدَّ، فإن أقامت بيِّنة أنَّها حاضت في وقتٍ معيَّن، فأقام بيِّنة أنَّها لم تبلغ في ذلك الوقت، لم تُسمع؛ لأنَّها شهادةٌ بالنفي، ولو أقامها بالصغر احتُمل ألا تُسمع؛ لرجوعها إلى النفي، واحتُمل أن تُسمع؛ لرجوعها إلى السنِّ وتاريخ الولادة، فيتعارضان، فإن قلنا بالتهاتُر سقطتا، وإن قلنا بالاستعمال فلا نُجري سوى القرعة عند الأصحاب، ومنع الإمام القرعةَ أيضًا استبعادًا، لدخولها في العقوبات، ورمز إليه بعض المحقِّقين.
وتُتَصوَّر الشهادة على الحيض بمشاهدة النساء خروجَ الدم في نوَبِ اليوم والليلة، ويحصل الغرضُ بأن تقرَّ قبل الواقعة بأنَّها حاضت، ثم تقوم البيّنة على إقرارها بذلك.
2918 -
فصل في الشهادة على القذف
إذا قال: أشهد أنَّه قذفني وفلانًا، رُدَّت في حقِّ نفسه، وفي حقِّ1
الأجنبيِّ طريقان:
إحداهما: القطعُ بالردِّ، وهو قولُ الجمهور؛ لأنَّه انتصب خصمًا وعدوًّا.
والثانية: فيه قولا تبعيضِ الشهادة.
ولو قال: قذف أمِّي وفلانًا، رُدَّت في حقِّ أمِّه، وهل تكون شهادتُه إظهارًا للعداوة من جهة تَعَيُّرِه بذلك؟ فيه قولان، فإن لم نجعله إظهارًا للعداوة خُرِّج على تبعيض الشهادة.
وإن قال: قذف زوجتي وفلانًا؛ فإن قبلنا شهادة الزوج بغيرِ القذف ففي قبولها بالقذف قولان:
أحدهما: تُقبل؛ كشهادته بالقصاص في الطَّرَف.
والثاني: لا تُقبل؛ لِمَا فيها من إظهار العداوة.
فإن قلنا: تُقبل، خُرِّج على تبعيض الشهادة.
2919 -
فرع:
إذا شهد على إنسانٍ بحقِّ، فقذفه المشهودُ عليه، لم يصِرْ خصمًا، ولو شهد المقذوف على القاذف بعد القذف، ولم يُظْهِرْ خصامًا، ولا طلبًا للحدِّ، قُبلت شهادته اتِّفاقًا.
2920 - فرع: إذا شهد الولدان على أبيهما أنَّه طلَّق ضرَّة أمِّهما، أو قذفها، قُبل في أصح القولين.
2921 -
فرع:
إذا شهد أحدهما أنَّه قَذَفَ 1 بالعجميَّة، وشهد الآخر أنَّه قَذَفَ بالعربيَّة، أو شهد أحدهما أنَّه قَذَفَ في الوقت الفلانيِّ، أو المكانِ الفلانيِّ، وشهد الآخر بغير ذلك الزمان أو المكان، أو شهدَ أحدهما على إنشاء بيعٍ أو قذفٍ، وشهد الآخر على الإقرارِ بهما، لم تتلفَّق الشهادتان اتِّفاقًا، وإن اختلفت لغة الإقرار بالقذف، أو زمانه، أو مكانه، تلفَّقت الشهادتان.
ولو شهد أحدهما أنَّه أقرَّ أنَّه قذف بالعربيَّة، وشهد الآخر أنَّه أقرَّ أنَّه قذف بالعجميَّة؛ لم يتلفَّق عند العراقيّين، خلافًا للمراوزة،، وقول العراقيِّين أوجه.
2922 -
باب الوقت في نفي الولد
حقُّ النفي: على الفور، أو إلى ثلاثة أيّام، أو على التأبيد؟ فيه أقوال؛ أصحُّها أوَّلُها، وأضعفُها آخِرُها، فإنْ جعلناه على الفور كان تفريعُه كتفريع الشفعة إذا جعلناها على الفور من غير فرقٍ، فإن أُخبر بالولادة، فتَرك النفي، فله حالان:
إحداهما: أن يقول: لم أعلم أنَّ لي النفيَ؛ فإن كان فقيهًا، أو آنسًا بالفقه بحيث لا يَخْفَى عليه مثلُ ذلك، لم يُقبل قوله، وإن أمكن صدقُه ففي قبول قوله وجهان مأخوذان من القولين في دعوى الجهل بخيار العتق.
الثانية: أن يقول: لم أصدِّق؛ فإنْ أخبره عدلان يَعْرِفُ عدالتَهما لم يُقبل قوله، وإن أخبره عدلٌ يَعْرِفُ عدالتَه فوجهان.
2923 -
فرع:
إذا هُنِّئ بالولد، فقيل له: بارك الله لك في الولد الجديد، أو: متَّعك الله به، أو: ليهنِكَ الفارسُ، وما أشْبَهَه؛ فإن قابَلَ بدعاءٍ لا يقتضي التقريرَ؛ كقوله: جزاك الله خيرًا، أو: أسمعك ما يَسرُّك؛ لم يسقط حقُّه، ولو قال: آمين، سقط حقُّه؛ لِمَا في التأمين من تقرير الدعاء.