كِتَابُ السَّرِقَةِ
3467 -
السرقة في اللغة: أخذُ المال في مخادعة، واستزلال.
فإن كان المسروقُ متاعًا، فقد اتَّفقوا على أنَّه لا يُقطع في أقلَّ من ربع دينار مسكوك، فإن كان قطعةَ ذهب وزنُها ربع، وقيمتُها ناقصةٌ عن ربع دينار مسكوك، لم يُقطع على الأصحِّ، ولو سرق خاتمًا وزنه سدس، وقيمته ربعُ دينار مسكوك، قُطع على الأصحِّ، فإذا بلغت القيمةُ ربعًا بالاجتهاد، فقد يوجد للأصحاب وجوبُ القطع.
وقال الإمام: إن قطع جمعٌ لا يزِلُّون بأنَّ القيمةَ لا تنقصُ عن الربع وجب القطعُ، وإن شهد بذلك عدلان؛ فإن كان عن ظنٍّ لم يُقطع، وإن كان عن قطع، ففيه تردُّد واحتمال، ويجب القطعُ بسرقة كلِّ مملوك تمَّ الملكُ عليه وإن كان مباحَ الأصل؛ كالحطب، والحشيش، أو عُرضةً للفساد؛ كالفواكه الرطبة.
3468 -
فصل في بيان الإحراز
السرقةُ: إخراجُ مالٍ مَصُونٍ يُحرز مثلُه عن حِرْزه، ويختلف الإحرازُ باختلاف الأموال، فما عدَّه الناس حِرْزًا لذلك المال، فهو حِرْز شرعيٌّ،
وما لا فلا، فَعرْصة الدار حِرْز للفرش والأواني دون الذهب والفضة، والإصطبل حرزٌ للنفيس من الدوابِّ دون ما يخفّ محملهُ؛ كالثياب؛ إذ يعسر إخراجُ الدوابِّ لظهورها.
ويتحقَّق الحرزُ تارةً بمجرَّد اللحاظ، وتارة بتحصين المال مع شيء من اللحاظ، فاللحاظُ شرطٌ في جميع الإحراز، فما يُحرز بمجرَّد اللحاظ لا يمكن سرقتهُ إلَّا في فترات من اللاحظ 1، وفُرص يتوقَّعها السارقُ، فالهجوم على تلك الفترات غَرَرٌ، كالهجوم على الأحراز الموثَّقة بالأبنية وغيرها، فإذا كان المال ملحوظًا في الصحراء على قُرب من غَوْث يلحقهُ، فهو مُحرَز باللحظ مع إمكان الاستنجاد، فإن استدبره اللاحظ، أو نام، أو ذهل ذهولًا ينقطع بمثله اللحظُ، فقد أضاعه.
وإن كان المالُ في مسجد، أو سوق يكثر طارقوه؛ فإن انفرد المالكُ بالملاحظة، فالأصحُّ أنَّه ضائع، وقيل: إنَّه مُحَرزٌ بشرط الزيادة في إدامة اللحاظ، وإن كان ملاحظًا بجمع يتعاونون على صَوْن المتاع، فهو محرَز، وقد قال الأصحابُ: لا يمكن صَوْنُ المتاع بالليل إلَّا في المواسم التي يتعاون الملَّاك فيها على اللحاظ.
وأمَّا المحرَّزُ بالحصانة: فيُرجع في حصانته إلى العادة بشرط اللحاظ المعتاد، فليست الأبنيةُ إحرازًا إلَّا باللحاظ المعتاد، فالدارُ الحصينة في قرية انجلى أهلُها، والدار الخالية في طرف البلدة ضائعةٌ بما فيها؛ لعدم اللحاظ، والدار الموثَّقة بالأغلاق، والحانوت التي تُعدُّ حصينةً حرزٌ إذا كانت محفوفةً
بالدور المسكونة، والدكاكين البادية في الأسواق ضائعةٌ ما لم يلاحظها الحرسُ أو الملَّاك.
وإن نام المالكُ في الدار؛ فإن كان البابُ موثقًا بالأغلاق، فهي حرزٌ، وإن كان مفتوحًا؛ فإن كان بالليل، فهي ضائعةٌ إلَّا أن تكونَ محروسةً بالحرس ومَنْ أشبههم، وإن كان بالنهار؛ فإن كان الشارعُ الذي فيه الباب غيرَ مطروق، فلا خلافَ في الضياع، وإن كان مطروقًا، فوجهان؛ لغلبة الطروق.
3469 -
فرع:
إذا لاحظ المتاعَ في الدار، والباب مفتوح؛ فإن كان اللحاظُ بحيث يُعدُّ حرزًا في الصحراء، فهو مُحرَزٌ، وإن نقص عن ذلك، فوجهان؛ لاعتماد الملاحظ 1 على التوثُّق بالدار دون إدامة اللحاظ.
ولو فتح البابَ، وأذن للناس في الدخول لتجارة أو غيرها، أو دخل عليه جمعٌ بغير إذنه، وازدحموا، صارت الدارُ بمثابة المساجد، والشوارع في الإحراز باللحاظ، وإذا قاد قطارًا من الإبل - وقيل: إنَّه سبعة - فإن كان الطريقُ مستقيمًا محرزًا بأعين الطارقين، فالقطار محرزٌ بالقائد، فإن تحرَّف الطريق، فغاب بعضُ القطار عن ملاحظة القائد، فهو محرز بلحاظ الطارقين 2، وإن كان الطريقُ خاليًا، فالغائبُ عن لحاظه ضائعٌ، فإن قاده في مكان خالٍ؛ فإن كان لا يلتفت إلى القطار، فالمحرزُ هو البعيرُ الأَوَّل، والباقي ضائعٌ، وإن كانت الجمالُ محرزةً باللحاظ، فأحمالُها كذلك محرزةٌ باللحاظ، وليست
الأخبيةُ والخيامُ بأحراز، بل هي بما فيها ممَّا يُحرز باللحاظ، فإن سرقت بما فيها، كان ذلك كسرقة المتاع المحرز باللحاظ، فإن نَضَّد المتاعَ فيها، وأوثقه بالحبال، فقد يؤثِّر ذلك في ترك المبالغة في اللحاظ.
3470 -
فصل في الاشتراك في السرقة
من نقب الحرزَ، وأخرج المالَ على الاتِّصال قُطع اتِّفَاقًا، فإن ترك النقبَ، ثمَّ عاد بعد ليلة أو ليال، فأخرج المالَ؛ فإن علم المالك بالنقب فأهمله، فالدارُ بما فيها ضائعان، وإن لم يعلم أو ردَّ السارقُ اللَّبِنَ، فلم يظهر النقبُ، وعزم على أخذ المال من ذلك النقب في الليلة القابلة، ففي قطعه إذا أخذ احتمالٌ.
ولو حضر اثنان، فنقب أحدُهما، وانفرد الآخر بإخراج المال، لم يُقطع واحد منهما، وأبعدَ مَنْ أوجب قطعَ المخْرِج، وإن اشتركا في النقب، والدخول، وإخراج نصابين، وجب قطعُهما اتِّفَاقًا، فإن اشتركا في النقب، وانفرد أحدُهما بالإخراج، قُطع المُخرِج وحدَه، وأبعدَ مَنْ قال: لا يُقطع.
ولا يُشترط في الشركة في النقب ما يُشترط في الشركة في قطع الطرف الموجب للقصاص، ويُشترط في إخراج السرقة من الشركة مثلُ ما يُشترط في قطع الطرف، وأبعد مَنْ شرط ذلك في النقب، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ النقبَ وسيلةٌ إلى الجناية الموجبة للعقوبة، والإخراج نفسُ الجناية، فأشبهَ قطعَ الطرف، فلو انفرد أحدهما بإخراج لبنةٍ، وانفرد الآخر بإخراج غيرها، فقد اشتركا في النقب على الأصحِّ.
وإن اشتركا في النقب، فدخل أحدُهما، فله أحوال:
الأولى: أن يخرجَ المتاعَ إلى خارج البيت، فيأخذه صاحبه، فيُقطع المخرِج وحدَه.
الثانية: أن يقرِّبه من النقب، ويضعَه في حدِّ البيت أو الدار، فيأخذه الخارج، فيُقطع الخارج وحده.
الثالثة: أن يضعَه في وسط النقب، فيأخذه الخارجُ، فطريقان:
إحداهما: القطعُ بأنَّه لا يُقطع واحد منهما.
والثانية: قولان، أحدُهما: يقطعان، والثاني: لا يقطعان.
3471 -
فصل في بيان حقيقة السرقة
مَنْ دخل الحرزَ، فأخرج منه المالَ، أو رماه إلى خارج الحِرْز، أو لم يدخل، وألقى مِحْجنًا، فتعلَّق به ثوبٌ أو غيره، فأخرجه، وجب قطعُه، وإن رماه إلى خارج، فأخذه مالكه أو أجنبيٌّ، لم يسقط القطعُ، وأبعد من أسقطه، فعلى هذا إذا أخذه صاحبُه ومُعِينُه بإذنه، فالوجه: سقوطُ القطع عن الداخل، وفيه احتمال.
ولو أرسل مِحْجنًا، فتعلَّق به منديلٌ، فأخرج منه ما لو فصل لبلغ نصابًا، لم يقطع حتَّى يُفصل جميعُ المنديل، ولو فتح أسفل كُنْدُوج 1، فاندفع ممَّا
فيه نصابٌ، فالمذهبُ: وجوبُ القطع، وأبعد مَنْ أسقطه؛ تعليلًا بأنَّه تسبَّب إلى الإخراج.
وإن وضع المتاعَ على بهيمة، فخرجت به؛ فإن ساقها متَّصلًا بالتحميل، أو منفصلًا، وجب القطعُ، وإن خرجت بنفسها، فطريقان:
إحداهما: التخريجُ على الأقوال في فتح القفص عن الطائر.
والثانيةُ: القطعُ بنفي القطع، فإنَّه لا يجبُ بالسبب، بخلاف الضمان، ويحتمل أن يُفرَّق ها هنا، وفي مسألة القفص بين الحيوان النافر والآلف؛ فإنَّ الفعل يضاف إلى اختيار الآلف، بخلاف النافر.
وإن وضع المالَ في ماء جارٍ، فخرج من الحِرْز، قُطع اتِّفاقًا؛ فإنَّ السببَ الظاهرَ كالمباشرة فيما يُبنى على المباشرة، ولهذا يجبُ القصاصُ على المكره، فما يحصل به الخروجُ لا محالةَ، ولا يُنسب إلى اختيار غير السارق، فالتسببُ فيه كالمباشرة، وبهذا يبطلُ الوجهُ المذكور في مسألة الكندوج، فإنَّه لو صحَّ اطَّرد ها هنا.
وإن أكل الطعامَ في الحِرزِ، ثمَّ خرج، أو ابتلع جوهرةً، ثمَّ خرج، لم يُقطع في الطعام، وفي الجوهرة أوجهٌ، ثالثها: لا يُقطع حتَّى تنفصل الجوهرة عنه، وأصحُّها: أنَّه يُقطع بكلِّ حال.
وإن أخرج شاةً دون النصاب، فتبعها قطيعٌ يبلغ معها قيمةَ النصاب؛ فإن كانت بحيث يتبعها القطيعُ؛ لكونها هاديةً له، أو أمَّه، وهو سِخَالٌ قُطع، = للزبيدي (مادة: كندج).
وإلَّا فلا، وخرَّج الإمامُ ذلك على التفاصيل المذكورة في تحميل البهيمة؛ تعليلًا بالاختيار.
3472 -
فصل في إخراج المال من البيت إلى صَحْن الدار
إذا أَخرج المالَ من أحد بيوت الدار إلى صَحْنها حيث يكون الاعتمادُ على الحصانة مع أصل اللحاظ، فلِباب البيت حالان:
إحداهما: أن يكون مفتوحًا، أو ضعيفَ الغلق، فإن كان بابُ الدار مفتوحًا؛ أو موثَّقًا بالغلق، لم يُقطع؛ سواء كان الصحنُ حرزًا لذلك المال، أو لم يكن.
الثانيةُ: أن يكون مغلقًا، فإن كان المال ممَّا يُحرزُ بالصحن؛ كالثياب، قُطع إن كان بابُ الدار مفتوحًا، وإن كان مغلقًا، فوجهان، فإنَّه نقله من حِرْز إلى حرز، فصار كما لو نقله من مكان [في الحرز] 1 إلى مكان، وإن كان المالُ ممَّا يُحرز بالبيت دون الصحْن؛ كالذهب والفضَّة؛ فإن كان بابُ الدار مفتوحًا، قُطع، وإن كان مغلقًا، فوجهان مرتَّبان على الوجهين في الثياب، وأولى بأن يُقطع؛ لأنَّه أخرجه إلى حرز لا يليق به.
قال الإِمام: هذا إن تسوَّر الدار، وأخرج الذهبَ والفضة، فإن فتح باب الدار، ثمّ أخرجهما إلى العَرْصة، ففي وجوب القطع احتمال.
3473 -
فصل في السرقة من الخان
إذا سرق مالًا محرزًا بعَرْصة الخان، وهي حرزٌ لمثله، وبابُ الخان مغلق؛ فإن لم يكن من السكان، قُطع، وإن كان منهم؛ فإن كان فتْحُ الباب سهلًا، لم يُقطع، وإن كان عَسِرًا يُتكلَّف فيه ما يتكلَّفه مَنْ يريد الدخولَ، ففي القطع احتمال؛ فإنَّ الحرزَ لا يتحقَّق في حقِّه؛ لامتداد يده إلى المال؛ كما لو استودع مالًا نهاه مالكُه عن نقله من الحرز (1)، فهتك الحرز، ونقله، فإنَّه يبعد قطعُه، فإن كان كلُّ واحد من السكان في بيت محرز عن أصحابه، فأخرج أحدُهم شيئًا من بيت غيره إلى العَرْصة، قُطع، وإن دخل مَنْ لا يسكن الخانَ، فأخرج المالَ من بعض البيوت إلى العَرْصة، كان حكمُه كحكم الإخراج من البيت إلى صحن الدار.
3474 -
فرع:
مَنْ أخرج مالًا من دار إلى سكَّةٍ منسدَّة موثقة بالأغلاق، قُطع عند الأصحاب، ويحتمل أن تلحق السكة بعَرْصة الخان (2).
3475 -
فصل في تواصل الإخراج
إذا نقب الحِرْزَ، وأخرج نصفَ نصاب، لمَّ عاد فأتمَّ النصاب؛ فإن علم المالكُ بالنقب، فأهمله، لم يُقطع، وإن أعاده، وأوثقه، فنقبه السارقُ، وأخذ12
نصفَ نصاب آخر، لم يُقطع؛ لأنَّهما سرقتان، فإن لم يعلم المالكُ بالنقب، ففي القطع أوجهٌ، أعدلُها: إن اتَّصل الفعلان، قُطع، وإن تفاضلا بطول الزمان، أو ذهب بما أخذه، ثمّ عاد على قُرْب الزمان، لم يُقطع، فإن قلنا: لا يُقطع إذا اتَّصل الفعلان، فالأصخُ: أنَّه يُقطع إذا فتح الكَنْدوجَ، فانثال حبُّه شيئًا فشيئًا؛ لأنّه يُعدُّ خروجًا واحدًا غيرَ منقطع، وإن أخذ بطرف منديل، وجرَّه شيئًا فشيئًا، قُطع اتِّفاقًا.
وإذا اشترك اثنان في الإخراج على حدِّ الاشتراك في قطع الطرف، لم يُقطعا إلَّا أن يبلغَ المخرجُ نصفَ دينار فما زاد.
ولو أخرج أحدُ السارقين ربعًا، والآخرُ سدسًا، قُطع مخرِجُ الربُع وحدَه.
3476 -
فرع:
إذا كان البَذْر مبثوثًا في حقل مَصُون صَوْنَ مثله، فجمع منه نصابًا، قُطع على الأصحِّ، وقيل: لا يُقطع؛ كمن سرق نصابًا من أحرازٍ مختلفة.
3477 -
فائدة:
الاعتبارُ في التقويم بحال الإخراج، فلو مزَّق الثوبَ في الحِرزِ، أو شوى اللحم، أو ذبح الشاةَ، لم يُقطع إلَّا أن تكونَ القيمةُ نصابًا عند الإخراج.
3478 -
فصل في دعوى السارق مِلْكَ المسروق
لا يسقط القطعُ بما يحدث بعد الإخراج؛ كتلف المسروق، أو نقص
قيمته بآفة أو بالسوق، أو بهبته من السارق، فإن ادَّعى السارقُ ملكَ شيء لو تحقَّق ملكهُ فيه، لما قُطع؛ مثل أن يدَّعيَ ملكَ الحِرْز، أو ملك المسروق، أو أنَّ المسروقَ منه عبدُه، ففي سقوط القطع بمجرَّد الدعوى قولان:
أحدُهما: لا يسقط، وهو مخرَّج.
والثاني: [يسقط] 1، وهو المنصوصُ؛ فإنَّه لو قُطع، كان قطعُه متوقِّفًا على اليمين، وحدودُ الله لا تثبت بالأيمان، فإنَّا نجعل القولَ قولَ المالك، فإن نكل، حلف السارقُ، وسقط القطعُ اتِّفاقًا، وعلى النصِّ فروعٌ:
الأوَّل: إذا اشترك اثنان في سرقة نصابين، فادَّعى أحدُهما الملكَ، وأكذبه 2 الآخرُ، قُطع المكذِّب وحده، وقيل: لا يُقطع المكذِّب؛ فإنَّه وقع في الملك دعوى لو صدَّقها لَما قُطع، فصار كما لو أقرَّ صاحبُ المتاع بالملك للسارق، فأكذبه، وقال: إنَّما أنا سارق، فإنَّه لا يُقطع.
الثاني: إذا ادَّعى أحدُهما أنَّ المسروقَ ملكٌ لشريكه في السرقة، فأكذبه، لم يُقطع المدَّعي، وفي المكذِّب الخلاف.
الثالث: إذا كان السارق عبدًا، فادَّعى الملكَ في المسروق لسيِّده، فإن صدَّقه السيِّد لم يُقطع، وإن أكذبه، فوجهان؛ فإنَّه لم يدَّع الملكَ لنفسه.
3479 -
فصل في الحِرْز المأجور والمستعار والمغصوب
إذا سرق المؤجِّر مالَ المستأجر من الحِرْز المأجور، أو سرق المودعُ وديعَته مع مال المودع من حِرْز المودع، وجب القطعُ؛ إذ لا يحلُّ لهما التهجُّم على الحِرزِ.
وإن سرق المعيرُ مالَ المستعير من الحِرْز المُعَار، فأوجهٌ أعدلُها: وجوبُ القطع إلَّا أن يقصدَ بدخول الحِرْز الرجوعَ عن العارية، ولهذا لو وطئ حربيَّةً في دار الحرب؛ فإن قصد التملُّك والاستيلاءَ مع إمكانهما، لم يُحدَّ، ويلحقه النسبُ، ويثبت الاستيلادُ، وإن لم يقصد ذلك، كان زانيًا، والأظهر: أنّه يُقطع بكلِّ حال؛ إذ لا يجوزُ له التهجُّمُ إذا رجع، بل يلزمه إمهالُ المستعير إلى أن ينقل المتاع.
ولو استعار عبدًا؛ ليرعى غنمَه، فسرق سيِّد العبد بعضَ الغنم، فطريقان:
إحداهما: فيه الأوجهُ الثلاثة.
والثانية: يُقطع اتِّفاقًا؛ فإنَّه لا يملك ملاحظةَ العبد، بخلاف الحِرْز المعار، وإذا سرق مالَ الغاصب من الحرز المغصوب، فإن سرقه مالكُ الحِرْز، لم يُقطع، وإن سرقه أجنبيٌّ، فوجهان، وإن كان المالُ المغصوب في حرز للغاصب، فسرقه مالكُه مع متاع للغاصب، ففي قطعه لأجل متاع الغاصب وجهان، وإن سرقه أجنبيٌّ، فوجهان مأخذُهما جوازُ انتزاع المغصوب احتسابًا، وفيه وجهان مشهوران.
3480 -
فصل فيمن سرق عبدًا أو حرًّا صغيرًا
إذا أخرج حرًّا صغيرًا من الحِرْز، ففي كونه سارقًا لثيابه وجهان يجريان في ضمانها إذا غصبه بغير سرقة.
وإن سرق عبدًا صغيرًا، أو مجنونًا، أو أعجميًّا لا يعقل؛ فإن حمله وهو نائم، أو حمله قهرًا وهو مستيقظٌ، فأخرجه من الحِرْز، قُطع، وحِرْزُه دار السيد 1، وحريمُها الذي يُعدُّ مصونًا بالطروق، فإن فارقه فهو ضائعٌ، وإن دعاه، فخرج من الحرز بدعائه، ففيه تردُّد كالتردد في خروج الحيوان بالدعاء، وإن كان العبدُ عاقلًا عقلَ مثله، فسرقه بأن يحمله مضبوطًا، فإن خدعه، فخرج بخدعة، لم يُقطع اتِّفاقًا، وإن أكرهه حتَّى خرج، فوجهان؛ لقوَّة اختياره، بخلاف سَوق الدابَّة.
وإن سرق عبدًا قويًّا نائمًا لا يقاومه السارقُ عند تيقُّظه، فالوجه: القطع بأنَّه غاصب، وفي ثبوت السرقة نظرٌ؛ لأنه محرز بيده وقوَّته، وغصبُ المنقول لا يقف على قُدرة المقاومة، بخلاف غصب العقار، فينبغي على هذا أن يختلفَ الحرزُ باختلاف السرَّاق، كما يختلف باختلاف الأموال.
فإن كان المالُ ملاحظًا حيث لا غوثَ؛ فإن كان السارقُ ضعيفًا، لم يقطع، وإن كان قويًّا قُطع؛ فإنَّه محرزٌ في حقِّ الضعفاء، ضائعٌ في حق الأقوياء.
3481 -
فصل فيمَنْ سرق بعيرًا بحمله وراكبه
إذا كان على البعير متاعٌ فوقه راكبٌ راقد، فساق السارقُ البعيرَ بزمامه إلى حيث يريد، ففي كونه سارقًا أربعةُ أوجه:
أحدُها: أنَّه سارق.
والثاني: ليس بسارق.
والثالث: إن كان الراكبُ حرًّا، فليس بسارق، وإن كان عبدًا، فهو سارق للبعير والعبد والمتاع.
والرابع: إن كان الراكبُ أضعفَ من القائد، فهو سارق، وإن كان قويًّا لا يقاومه السارقُ عند اليقظة، فليس بسارق؛ فإنَّ حرزَ اللحاظ مشروط بمنَعَة الملاحِظ؛ ولهذا لو لاحظ متاعًا بصحراء لا غَوْثَ فيها، فالمتاع ضائعٌ.
ولو حمل الحرَّ البالغ الضعيفَ قهرًا، وحبسه، لم تثبت اليدُ على ثيابه، وفيه وجه بعيد، ويبعد طردُ هذا الوجه في الحرّ القويّ؛ لأنَّ ثيابَه تحت يده، ويجب أن تُبنى هذه المسائل على ثبوت اليد، فإن قلنا: لا تثبت، فليس بسارق، وإن أثبتنا اليدَ ثبتت السرقةُ، فإن كان المحمولُ ضعيفًا ثبتت السرقةُ، وإن كان قويًّا مقاومًا، فوجهان، والثيابُ الملبوسة أبعدُ عن ثبوت اليد من البعير وحمله؛ لأنَّ الثيابَ كجزءٍ من اللابس.
وإن كان راكبُ البعير عبدًا قويًّا، فهذا يلتفتُ على ثبوت اليد على العبد القويِّ بإخراجه عن الحِرْز، فإن أثبتنا اليدَ ففي ثبوت السرقة ما تقدَّم.
3482 -
فرع:
إذا سرق العبدُ الآبق شيئًا، قُطع.
3483 -
فصل في سرقة الكفن
إذا نبش قبرًا، وأخرج منه الكفنَ؛ فإن كان القبر [في بيت يعدُّ حرزًا، فأخرجه من البيت، أو كان في مقبرة محفوفة] (1) بالعمارة يبعد أن يتخلَّف عنها الطارقُ في زمن يتأتى فيه النبشُ، أو كان عليها حرسٌ قريب، قُطع.
والاعتبارُ بإخراج الكفن عن القبر، فلا يُقطعُ بإخراجه من اللحد.
وإن كانت المقبرةُ على طرف العمارة؛ فإن كانت محروسةً، قُطع، وإلَّا فوجهان.
وإن كان القبرُ منبوذًا بمضيعة، لم يُقطع على الأصحِّ.
3484 -
فرع:
إذا سرق ما زاد على العدد الشرعيِّ من الأكفان، لم يُقطع على المذهب، ونبدأ بالعدد الشرعيِّ بما يلي الميتَ إلى أن نكملَه.
3485 - فرع:
إذا كان الكفنُ نفيسًا؛ كالدِّيباج، ودقِّ مصر 2، قُطع عند الأصحاب، وتردَّد فيه أبو محمد؛ إذ لا حاجةَ إليه.
1
3486 -
فصل فيمَن يخاصم في الكفن المسروق
إذا كان الكفنُ [من] 1 التركة، ففيمن يملكه أوجهٌ:
أصحُّها: أنَّه الوارث، وليس له إبدالُه بعد المواراة، فإن سرقها الوارثُ، أو ولدُ الوارث، لم يُقطع، وحقُّ المخاصمة له.
والثاني: أنَّه ملك لله، فيخاصم فيه الإمامُ أو نائبُه.
والثالث: أنَّه ملك للميت، فيخاصم فيه الإمامُ أو الوارثُ؟ فيه وجهان، ويجب القطع بأنَّ المخاصمةَ للوارث على الأوجه الثلاثة؛ فإنَّ النبَّاش إذا أخذه، جاز للوارث إبدالُه بمثله، أو بخَيْرٍ منه.
ولو أكل الميتَ سبعٌ؛ كان الكفنُ للوارث، والقطعُ واجب؛ سواء جعلنا الكفنَ لله، أو للميت، أو للوارث، وإن كُفِّن من بيت المال، وجب قطعُ السارق وإن كان ممَّن لا يُقطع بسرقة بيت المال؛ كما لو كُسِي الفقير من بيت المال، فسرق كسوتَه مَنْ لا يُقطع بسرقة بيت المال، فإن أكلَ الميتَ سبعٌ، عاد الكفنُ إلى بيت المال.
وقال الإمامُ: إذا جعلنا الكفنَ للوارث، فينبغي أن يبقى الكفنُ ها هنا لبيت المال، فلا يُقطع سارقُه إن كان ممَّن لا يُقطع بسرقة مال بيت المال.
وإن تبرَّع أجنبيٌّ بالكفن قطع السارق، والخصام للمتبرِّع، وقال الإِمام: ينقدح في كفن بيت المال، وكفن التبرُّع طرقٌ:
إحداهنَّ: التخريجُ على الأوجه، فيكون للميت على وجه، ولله على
وجه، وللمتبرِّع أو بيت المال على الوجه الثالث، ويجري الخصامُ بحسب ذلك.
والثانية: أن يكونَ لله على وجه، وللمتبرِّع أو بيت المال على وجه، ولا يثبت للميت إبتداءً بخلاف كفن التركة، فإنَّا نُدِيمُ ملكَ الميت فيه، والابتداء مخالف للدوام.
والثالثة: إبقاءُ الكفن على المتبرِّع، ونقله عن بيت المال؛ فإنَّه مُرْصَد لأمثال ذلك.
3487 -
باب قطع اليد والرجل في السرقة
من سرق قُطعت يدُه اليمنى، فإن عاد، قُطعت رجلُه اليسرى، فإن عاد، قُطعت يدُه اليسرى، فإن عاد، قُطعت رجلُه اليمنى، فإن عاد عُزِّر، ولم يُقتل على المذهب، فإن رأى الإمامُ أن يحبسَه، فله ذلك، [وقيل: يُقتل] (1) على قول قديم، وتُقطع اليدان من الكوعين، والرجلان من الكعبين، فإن زادت يمينه إصبعًا، أو نقصت إصبعًا، قُطعت، وأجزأت، وإن لم يكن لها (2) أصابع، فهل تجزئ، أو تُقطع رجله اليسرى؛ فيه وجهان، وإن كان بها شلل؛ فإن خِيف من نزف الدم، قُطعت رجلُه اليسرى، وإن لم يُخَف ذلك، اكتُفي بها، وفيه احتمال.
3488 -
فرع:
إذا كان على يمينه كفَّان يُعلم أنَّ إحداهما أصليَّة، وجب قطعُهما عند الأصحاب، وقال الإِمام: إن تميَّزت الزائدةُ؛ فإن أمكن إفرادُ الأصليَّة بالقطع، لم تُقطع الزائدة، وإن لم يمكن، قُطعتا، وإن سقطت يمينُه بعد وجوب12
القطع، سقط القطعُ اتِّفاقًا؛ لفوات محلِّه، وغلط مَنْ أوجب قطعَ رجله اليسرى.
3489 -
فرع:
إذا قال الجلَّاد: أخرج يمينك، فأخرج اليسارَ، فقطعها؛ فإن تعمَّد لزمه القَوَدُ، ولم يسقط قطعُ اليمنى، وإن قال: دُهشت، ففي سقوط قطع اليمنى قولان؛ فإن قلنا: لا يسقط، وجبت ديةُ اليسرى، وإن قلنا: يسقط -وهو المنصوصُ- فلو وجب قطعُ اليمنى، فسقطت اليسرى بآفة، لم يسقط قطعُ اليمنى، وغلط أبو إسحاق، فأسقطه.
3490 - فرع: إذا تكرَّرت السرقة في عين واحدة؛ فإن لم يتخلَّل قطعٌ، قطع مرَّة [واحدة] 1، وإن تخلَّل القطعُ، قُطع بكلِّ سرقة تقع بعد قطع.
3491 - فرع: ينبغي أن يمدَّ العضوُ المقطوع؛ لينخلعَ، ثمَّ يُربط على خشبة، أو شيء ثابت؛ لئلا يضطرب، فإذا قُطع حُسِم بالزيت المغليِّ، والأصحُّ: أنَّ الحَسْمَ حقُّه، فيتخيَّر فيه، ومؤونته عليه، وقيل: هو حقٌّ لله يتعاطاه الإمامُ، ومؤنته على السارق، أو بيت المال؟ فيه خلاف، ولا يجب أن تُعلَّق يدُه في عنقه، وهل تعلَّق ثلاثةَ أيام، أو لا تُعلَّق؟ فيه وجهان.
3492 -
فصل في سرقة المعاهد والذمِّيِّ
العقوبات إن كانت للآدميِّ؛ كحدِّ القذف، والقصاص، وجبت على المعاهد والذمّيّ اتِّفاقًا، وإن كانت لله، فهي أقسام:
أحدُها: حدُّ الخمر، ولا يجب على الذمِّيِّ؛ لاعتقاده حِلَّها, ولأنَّه لم يلتزم أحكامَنا, ولو شرب الحنفيُّ النبيذَ، ففي حدِّه أوجهٌ، ثالثها: إن سكرِ حُدَّ، وإلا فلا.
الثاني: قطع السرقة، فيقطع المسلمُ بسرقة مال الذمِّيِّ، والذمِّيُّ بسرقة مال المسلم وإن لم يرضَ بحكمنا، وإن سُرق مال ذمِّيِّ، وُقِف على الترافع، وفي إجبار الممتنع منهما قولان.
الثالث: حدُّ الزنا، فإنْ زنا بكافرة وُقِف على الترافع، وفي إجبار الممتنع القولان، وإن زنا بمسلمة حُدَّ وإن لم يرضَ بحكمنا، وغلط من طرد القولين، وأمَّا المعاهدُ: فيُطالَب بالحقوق الماليَّة اتفاقا؛ كالغصب، والإتلاف، وفي قطعه بسرقة مال المسلم، وقطع المسلم بسرقة ماله أقوالٌ، ثالثها: لا يجب القطعُ إلَّا أن يُشرط في العهد، وإن زنا بمسلمة، فطريقان:
إحداهما: لا يُحدُّ.
والثانية: فيه الأقوالُ.
3493 -
باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها
من ادُّعيتْ عليه السرقة، فله حالان:
إحداهما: أن ينكر، فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن نكل، فحلف المالكُ، ثبت القطع، والغُرْم كما يثبت القصاصُ بيمين الردِّ، ويُحتمل ألَّا يُقطع؛ فإن الدعوى لم تتعلَّق بغير المال، ويبعد إثباتُ حدود 1 الله بالأيمان، بخلاف القصاص.
ولو ادَّعى على زيد أنَّه أكره أمَتَه على الزنا، فأنكر، ونكل، فحلف المالكُ، وجب المهرُ، ويجب القطعُ بنفي الحدِّ.
الثانية: أن يقرَّ، فيغرم، ويُقطع إن أصرَّ، وإن رجع عن الإقرار، فطرق: أصحُّهنَّ: إسقاطُ القطع دون الغرم.
وأبعدُهنَّ: إسقاطُ القطع، وفي الغرم قولان.
والثالثةُ: إبقاءُ الغرم، وفي القطع قولان.
ولو أقرَّ أنَّه أكره جاريةً زيد على الزنا، ثمَّ رجع سقط الحدُّ، ولم يسقط المهر؛ لانفكاك وجوب الحدِّ عن ثبوت المهر، ولا ينفكُّ قطعُ السارق عن
ردٍّ أو غرم، وللقاضي في ذلك جوابان:
أحدُهما: ما ذكرناه.
والثاني: التخريجُ على الطرق المذكورة في القطع والغُرْم.
3494 -
فرع:
إذا رجع السارقُ في أثناء القطع، [وقلنا: يسقط القطع] (1)، لزم الجلَّادَ أن يَنْكَفَّ، فإن طلب السارقُ قطعَ البقيَّة؛ ليستريحَ منها؛ فإن كان فيها حياة؛ حرم قطعُها، وإن بقيت جلدة يُعلم أنها لا تستقل، وتسقط عن قُرْب، يُخيَّر بين أن يقطعَها، أو يتركها، فإن اختار القطعَ، جاز لمن يأذن له فيه أن يقطعَها، وكذلك حكمُ من انقطع بعضُ يده بحدٍّ، أو جناية، أو آفة.
3495 -
فصل في الإقرار بالسرقة قبل الدعوى
إذا أقرَّ بأنَّه زنا بأمة لغائب، حُدَّ في الحال، فإن حضر مالكُ الأمة قبل الحدِّ، فقال: كنت أبحتُه الأمةَ، أو ملَّكته إيَّاها بِهِبة أو بيع، أو كان قد أقرَّ بالزنا بحُرَّة، فقالت: كنت زوجتَه، لم يسقط الحدُّ بذلك مع إصراره على الإقرار.
وإن أقرَّ بسرقة مال لغائب، ففي قطعه قبل حضوره وجهان؛ فإنَّه لو حضر قبل القطع، فقال: كنت أبحته المسروقَ، أو كان ملكه له، فأكذبه السارقُ، لم يُقطع، فإن قلنا: لا يُقطع قبل الحضور، فقد قال الأصحاب:1
يُحبس إن قربت المسافةُ، وإن بَعُدت؛ فإن كان المسروقُ تالفًا، حُبس، فان بذل القيمة ليُطلَق، ففي إجابته وجهان، وإن كان باقيًا، فهل ينتزعه الحاكمُ للغائب، أو يحبسه؟ فيه وجهان.
وقال الإِمام: لا ينبغي أن يُحبسَ لأجل المال؛ فإن مَنْ أقرَّ لغائب بمال، لم يجز للحاكم حبسهُ؛ لتوقُّف الحبس على طلب ربّ المال، فيُخرَّج الحبسُ على الخلاف في سقوط القطع بالرجوع عن الإقرار؛ سواء كان المسروقُ باقيًا، أو تالفًا، فإن قلنا: يسقط، لم يُحبس، وإن قلنا: لا يسقط، حُبس؛ لئلَّا يهربَ.
3496 -
فصل في إثبات السرقة بالبينة
تُقبل شهادةُ الحسبة فيما تمحَّض لله، ولا تُقبل فيما تمحَّض للآدميِّ على المذهب، وفي السرقة وجهان، ولا خلاف أنَّ القطعَ لا يجب بالإقرار بالسرقة ما لم يُفصل في إقراره جميعَ ما يتوقَّف عليه القطعُ، وكذلك الشهادةُ بالسرقة، وفي الإقرار بالزنا وجهان، والنسبةُ إلى الزنا المطلَق قذفٌ اتّفاقًا، فإذا ادَّعى المالكُ السرقةَ، وأقام بذلك بينة، ثبت القطعُ والغُرْم، فإن ادَّعى السارقُ أمرًا لو ثبت لسقط الحدُّ، فللبيِّنة حالان:
إحداهما: أن تكونَ قد شهدت لصاحب المال باليد على المال، وعلى الحِرْز، فيدَّعي السارقُ ملكَ المال المسروق، فإن قلنا بالنصِّ، سقط القطعُ بمجرَّد الدعوى، وإن قلنا بالتخريج، لم يُقطع حتَّى يحلف صاحبُ اليد.
الثانية: أن تكونَ قد شهدت بأنَّ الحِرْزَ والمالَ المسروق ملكٌ لصاحب
اليد، فيدَّعي السارقُ أنَّ المالكَ أباحه ذلك، أو باعه منه، فعلى النصِّ: يسقط القطعُ، ويُحلَّفُ المالكُ على نفي البيع، ولا يُحلَّف على نفي الإباحة اتِّفاقًا؛ إذ لا غرضَ له فيها، وإن قلنا بالتخريج، فحلف المالكُ، لم يسقط القطعُ، وإن ادَّعى السارقُ أنَّ المسروق لم يزَلْ في ملكه، وقلنا بالنصِّ، ففي القطع احتمال؛ لأنَّه كذَّب البينةَ، بخلاف دعوى الإباحة والشراء، وإن قال السارق: المالكُ يعلم أنَّه كاذب في دعواه بالملك، فحلِّفوه على ذلك، ففي إجابته وجهان يجريان في كل مَنْ يثبت عليه ملكٌ، فطلب تحليفَ المالك على مثل ذلك.
هذا كلُّه في بيَّنة ترتَّبت على الدعوى، فإن قامت البيِّنة بسرقة 1 مال الغائب، أو بالزنا بجارية لغائب، فالنصُّ أنَّه يُحدُّ للزنا في الحال، ولا يُقطع في السرقة قبل حضور الغائب، فقيل: فيهما قولان بالنقل 2 والتخريج، وفرَّق بعضُهم بأنَّ المالك لو حضر قبل إقامة الحدِّ والقطع، وقال: كنت أبحتُه ذلك، سقط القطعُ دون الحدِّ، فلا يُقطع في الحال؛ لتوقُّع هذه الشبهة، فعلى هذا: لو وطئ أمة، وادَّعى ملكَها، أو حرَّة، وادَّعى نكاحَها, لم يسقط الحدُّ على ظاهر المذهب، بخلاف نظيره من السرقة، فإنَّ القطع فيها تَبَع لحقِّ الآدميِّ، فإن قلنا: لا يُقطع في الحال، حُبس عند الأصحاب إلى أن يحضرَ الغائبُ.
وقال الإِمام: إن لم نثبت السرقةَ بشهادة الحسبة، لم يُحبس؛ فإنَّ المالَ
لم يثبت، وإن أثبتنا السرقة بشهادة الحسبة، حُبس؛ لأجل القطع، وُيؤخَّر إلى حضور الغائب؛ توقُّعًا لشبهة تدفع القطعَ، فإن حضر الغائبُ، وطلب المالَ، وقلنا: لا تُسمعُ شهادة الحسبة في الأموال، فهل يلزمه إعادة البيِّنة؛ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يلزمه؛ فإنَّ حقَّه تابعٌ لثبوت القطع، فعلى هذا يُقطع السارق إذا طلب الغائبُ المالَ.
والثاني: تُعاد لإثبات المال، والظاهر أنها لا تُعاد؛ لأجل القطع، وفيه احتمال، وهذا كلُّه إذا لم يدَّعِ السارقُ الملكَ، فإن ادَّعاه، فعلى التفصيل السابق.
3497 -
فرع:
إذا لم يسقط القطعُ بدعوى الملك، لم يُسأل السارق، وإن أسقطناه، سألناه، فإن قال: لا أملكه، قطعناه، وإن ادَّعى الملكَ، فقد بيَّنَّاه، وإن أقرَّ بما يوجب القطعَ، أو يوجب شيئًا من حدود الله، فهل يُعرِّض له الحاكم بالرجوع؟ فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدُها: لا يُعرِّض، وهو قول الجمهور.
والثاني: يُعرِّض له بالرجوع، ولا يحثُّه عليه، وقد قال عليه السلام لسارق: "ما إخالُكَ سَرَقْتَ" 1.
والثالثُ: إن جَهل سقوطَ الحدِّ بالرجوع، عرَّض له، وإلَّا فلا، وإن حضر مجلسَ الحكم، ولم يقرَّ، فهل يُعرِّض له الحاكمُ بالامتناع من الإقرار؛ فيه خلاف، ولعلَّ الأصحَّ الجوازُ.
3498 -
فرع:
قال أبو محمد: مَنْ وجب عليه حدٌّ لله، لم يلزمه الإقرارُ بسببه؛ لقوله عليه السلام: "مَنْ أتى منكم شيئًا من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله" (1)، وهذا ظاهرٌ إن أسقطنا الحدَّ بالتوبة، وإن لم نسقطه، ففي وجوب الإقرار احتمالٌ، والظاهر أنَّه لا يجب، ومقتضى طريقة أبي محمد أنَّ التوبةَ تُسقِط الحدَّ في الباطن دون الظاهر؛ إذ لا يُوثق بها في الظاهر، أو لئلَّا يتَّخذها الفسقةُ ذريعةً إلى الإسقاط.
3499 - فرع: إذا ثبتت السرقةُ بشاهد ويمين، أو بشاهد وامرأتين، فلا قطعَ اتِّفاقًا، ويجب الغُرْم على الأصحِّ.
3500 -
فصل في إقرار العبد بالسرقة
إذا أقرَّ العبدُ بإتلاف مال، أو بجناية لا توجب عقوبةً؛ فإن صدَّقه السيِّدُ،1
تعلَّق ذلك برقبته، وإن أكذبه، لم يتعلق بالرقبة، والأصحُّ وجوبه في ذمَّته.
وإن أقرَّ بسرقة لا توجب القطعَ، لم يتعلَّق بالرقبة إلَّا أن يصدّقَه السيِّد، وإن كانت موجبةً للقطع، فأكذبه السيد، وجب القطعُ، خلافًا للمزنيِّ، فإن كان المقَرُّ به في يد السيِّد لم ينفذ إقرارُه فيه اتِّفاقًا؛ فمانَّ قبوله يؤدي إلى أن تتلف جميعُ أموال السيِّد، وإن كان تالفًا أو باقيًا في يد العبد، ففي نفوذ الإقرار أقوال:
أحدُها: ينفذ في التالف والباقي.
والثاني: لا ينفذ فيهما.
والثالث: ينفذ في التالف دون الباقي.
والرابع: ينفذ في الباقي دون التالف، فإن نفذناه في التالف، تعلَّق برقبته، وإن نفذناه في الباقي، فهل تتعلق قيمتُه برقبته، أو يجب ردُّه وإن زاد على قيمة الرقبة؟ فيه وجهان؛ فإن علَّقناه بالرقبة، كانت العينُ للسيِّد، ولا يبعد على هذا الوجه أن يُقبل إقراره إذا كانت العينُ في يد السيِّد، ولم تزد قيمتُها على قيمة الرقبة، فإنَّه لا يؤدِّي إلى إهلاك أمواله.
3501 -
باب غُرْم السارق
القَطْع والغُرْمُ واجبان سواء بقيت العينُ، أو تلفت، أو أتلفها السارقُ.
3502 -
باب ما لا قَطْعَ فيه
لا قَطْعَ فيما نقص عن النصاب، أو كان غيرَ مُحْرَز؛ كالثمر، والكَثَر (1) على نخل غير مُحْرَز، ولا على العبد بسرقة مال سيِّده، ولا بسرقة مال مَنْ يلزمه نفقةُ السارق من الأقارب، وإن كان السارقُ غنيًّا حالَ السرقة، والمسروقُ منه فقيرًا؛ لأنَّ ماله مُرصَد لما يتوقَّع من نفقته وحاجاته.
وإن سرق أحدُ الزوجين مالَ الآخر مع تحقُّق الحِرْز، ففي القطع أقوال، ثالثُها: يُقطع الزوجُ دون الزوجة.
3503 -
فرع:
كلُّ مَنْ لا يُقطع بسرقة مال إنسان، ففي قطع 2 عبده وولده بسرقة مال ذلك الإنسان خلافٌ؛ كعبد الولد إذا سرق من مال الوالد، وكعبد الزوجين وولديهما إذا قلنا: لا يُقطعان، والأصح وجوبُ القطع، إذ يلزمُ من نفيه ألَّا يُقطعَ الأخُ بسرقة مال أخيه، وغلَّط الإمامُ مَنْ أسقط القطعَ، وذكر في العبد وجهين؛ لأنَّ يدَه كيد السيِّد، وهذا بعيدٌ أيضًا، فإنَّ حكمَ سرقته لا يتعدَّاه وإن سرق بغير إذن مولاه.1
3504 -
فرع:
إذا تعذر على ربِّ الدين استيفاءُ دينه، فسرق من مال الغريم قدْرَ دينه؛ فإن كان المسروقُ من جنس الدَّيْن، لم يُقطع، وكذا إن كان من غير جنسه على المذهب، وأبعد مَنْ خرَّجه على الخلاف في جواز أخذه.
3505 -
فصل في سرقة الملاهي
لا قطعَ في سرقة ما لا يُتموَّل؛ كالخمر والخنزير.
وإن سرق ما يجب كسرُه؛ كالأصنام والملاهي؛ فإن كان رُضَاضُه بعد الكسر المشروع لا يبلغ نصابًا، لم يُقطع اتفاقا، وكذا إن بلغ النصابَ على الأصحِّ؛ إذ يجوزُ الهجومُ على الدور لأجل كسرها، فلا يتحقَّق الحِرزُ فيها، وقيل: يجب القطعُ؛ إذ يجب كسرُها في الدار من غير إخراج، ويتَّجه أن يقال: إذا قصد بالإخراج أن يشهرَ كسرَها, لم يقطع، وإن قصد السرقةَ، ففيه الخلاف، ويُرجع في هذا القصد إليه، وكذا حكمُ كلّ ما يجب كسره؛ كالصنم وإن كان من ذهب أو فضَّة، وكذلك أواني الذهب والفضَّة إذا قلنا بتكسيرها، وفي هذا بُعْدٌ.
3506 -
فصل في سرقة الشركاء والسرقة من بيت المال
إذا سرق أحدُ الشريكين المالَ المشترك، ففي قطعه طرقٌ: إحداهنَّ قالها الجمهورُ: لا يُقطع وإن قلَّ نصيبهُ، وبلغ نصيبُ الشريك
نُصُبًا كثيرة.
والثانية: إن أخذ من حصَّة الشريك نصابًا، قطع.
والثالثة: إن أخذ نصابًا من حصَّة الشريك، فإن كان المالُ متقوِّمًا، لا يُجبر على قسمته؛ كالثياب وغيرها، قُطع، وإن كان مثليًّا؛ فإن أخذ من الحصَّتين قدْرَ حقِّه، لم يُقطع، وإن زاد على حقِّه بنصاب، قُطع، فإذا كان له نصفُ دينارين، فسرق أحدَهما لم يُقطع؛ لأنَّ سرقتَه قسمةٌ فاسدة، وإن سرق دينارًا وربعًا، قُطع.
ومَنْ سرق من بيت المال، ففي قطعه طريقان:
إحداهما: لا يُقطع بسرقة شيء من الأموال، حتَّى لو سرق من مال الزكاة مَنْ لا يستحقُّها, لم يُقطع؛ لأنَّها مُرْصَدةٌ لما يُتَوَّقع من حاجته، فأشبه سرقةَ الوالد الغنيِّ من مال ولده.
وإذا جعلنا أربعةَ أخماس الفيء للمرتزقة، فسرقه مَنْ ليس منهم، أو سرق ما أُفرز لليتامى، أو ذوي القربة مَنْ ليس منهم، فالوجهُ: القطعُ بوجوب القطع.
والطريقةُ الثانية: إن سرق من الصدقات مَنْ لا يستحقُّها، قُطع؛ لأنَّه لم يتعيَّن، ولأنَّه ليس له قوة البعضيّة التي بين الولد والوالد.
وإن سرق من 1 مال المصالح؛ فإن كان محتاجًا، لم يُقطع، وإن كان غنيًّا، فوجهان؛ إذ يجوز صرفُه في الرُّبُط والخانات التي ينتفع بها الأغنياءُ والفقراء، فعلى هذا: لو سرق الذمِّيُّ من مال المصالح، قُطع عند الجمهور؛
لأنَّ انتفاعَه بالخانات تابعٌ لانتفاع المسلمين، وأبعد مَنْ أجراه على الخلاف.
3507 -
فصل في سرقة أبنية المساجد والأوقاف
مَنْ سرق وقفا، قُطع على الأصحِّ، وأبعد مَنْ قال: إن جعلنا الملكَ فيه لله، قُطع، وإن جعلناه للواقف، أو الموقوف عليه، فوجهان، وإن سرق ثمرةَ بستان موقوف على غيره، ولا حقَّ له فيه بطريق العُموم أو الخُصوص، أو سرق شيئًا من مغلِّه، قُطع؛ لأن الملكَ فيه (1) تامٌّ، وإن سرق أمَ ولد، قُطع على الأصحِّ، وقيل: لا يُقطع؛ لضعف المُلْك، وإن سرق بابَ المسجد الموقوف (2) ونقله، قُطع اتِّفاقا؛ لأنَّه مضمون باليد والإتلاف، وهذا يوجب أن يقطعَ بسرقة أمِّ الولد اتِّفاقًا، أو أن تُخرَّج سرقةُ أجزاء المسجد على الخلاف في سرقة مال بيت المال؛ لانتفاع المسلمين بالمساجد، وإن سرق ما يُقصد به زينةُ المساجد؛ كقناديل الزينة، أو ما يظهر منه الانتفاعُ؛ كالحُصُر، والفرش المُحْرزة، ففي قطعه أوجهٌ: ثالثُها: يُقطع في آلات الزينة دون ما يُقصد منه (3) الانتفاع، والأظهر: أنَّه لا يُقطع فيما يظهر منه الانتفاعُ.
3508 -
فروعٌ مُفرَّقة:
الأوَّل: إذا أُفرزت أربعةُ أخماس الغنيمة، فسرقها بعضُ الغانمين،123
فهو كسرقة المال المشترك، وإن سرقها أجنبيٌّ، قُطع، والسرقةُ من الخُمُس بعد إفرازه كالسرقة من 1 بيت المال، ومن سرق منه قبل إفرازه؛ فإن قلنا: لا يُقطع بسرقة مال بيت المال، كان كسرقة أحد الشريكين من المال المشترك.
الثاني: إذا قلنا: لا يُقطع بسرقة مال بيت المال، فوطئ جاريةً لبيت المال، حُدَّ على المذهب كما يُحدُّ الابنُ بوطئه جاريةً أبيه، وأبعد مَنْ أسقط الحدَّ.
الثالث: إذا سرق مصحفًا، أو جمع في السرقة بين ما يقطع فيه، وما لا يقطع؛ كالشاة والخنزير، أو جهل جنسَ المسروق أو قيمته؛ بأن ظنَّه فلوسًا، فظهر دنانير، أو جهل كونَه نصابًا، [فظهر نصابًا] 2 وجب القطعُ، وإن سرق قميصًا لا يبلغ نصابًا، فلمَّا أخرجه وجد في جيبه دينارًا، قُطع على أظهر الوجهين.
الرابع: إذا شهد شاهدٌ أنَّه سرق كبشًا أسودَ، وشهد آخرُ أنَّه سرق كبشًا أبيضَ، لم يُقطع، وللمدَّعي أن يحلفَ مع الشاهد الموافق لدعواه، ولو شهد أحدُهما أنَّ قيمةَ المسروق ربعُ دينار، وشهد الآخرُ أن القيمة سدسٌ، لم يُقطع، ولا يَغْرم 3 سوى السُّدس.
3509 -
باب قطاع الطريق
القُطَّاع: طائفةٌ يترصَّدون في المكامن للرفاق؛ ليقتلوهم قَهْرًا، أو يأخذوا أموالَهم قَهْرًا مع بُعْد الغَوْث، ولهم أحكامٌ تختصُّ بهم.
فإن لم يكن لهم قوَّة، بل كانوا يخطفون المالَ، ثمَّ يهربون ركضًا، أو عَدْوًا، أو كانت لهم قوَّة، ولم يبعدوا عن الغَوْث؛ بأن كانوا بقُرْب العمارة؛ بحيث يغلبُ أن يلحقَهم أعوانُ السلطان، فلا يثبت لهم أحكامُ القُطَّاع، فيلزمهم القصاصُ، ويضمنون الأموالَ، فإن فترت قوَّةُ السلطان، فثاروا من البلاد؛ [فلا يثبت لهم أحكام القطاع] (1)، فإن بَعُدَ الغوثُ، وتحقَّق القهرُ على القتل، أو أَخْذِ المال، ثبتت أحكامُ القطَّاع.
ولا يُشترط فيهم الذكورةُ، ولا شَهْرُ السلاح، فإن أخذوا المالَ باللكم، أو بضرب الكفِّ، أو الوكز، أو الصراع، أو كان فيهم نساء، أُقِيم على الجميع حدودُ القطَّاع كما تُقطع المرأة بالسرقة.
3510 -
فرع:
إذا خرج الرجلُ وحده، أو في شِرْذمة قليلة ضعاف لا تُقاوم القطَّاع، فأخذوهم حيث يبعد الغوثُ ثبتت أحكامُ القطَّاع، خلافًا للإمام، فإنَّه جعل1
الأخذَ ها هنا كسرقة مال غير مُحْرز، وشرط أن يكون الرفاقُ جمعًا يُعدُّ اجتماعُهم مَنَعةً عن آحاد الرجال كمنع الإحراز.
3511 -
فرع:
إذا دخل اللصوصُ دارًا في طرف البلد ليلًا بالمشاعل، وقد شهروا السلاح، ومنعوا أهلَ الدار من الاستغاثة حتَّى أخذوهم، ففي كونهم قطَّاعًا وجهان، فإن قلنا: ليسوا بقطَّاع، فهم سُرَّاق عند الأصحاب، ويُحتمل ألَّا يُلحقوا بالسرَّاق؛ لأنَّهم مجاهرون.
3512 - فرع: إذا كان في الرفاق قوَّة يقاومون بها القطَّاع، فاستسلموا للقتل، [وأَخْذِ المال] (1)؛ فإن قدروا على الدفع، فلم يدفعوا، لم تثبت (2) أحكامُ القطَّاع اتِّفاقًا، وإن بذلوا الجهدَ في الدفاع، ونال كلُّ فريق من صاحبه، ففي ثبوت أحكام القطَّاع تردُّد، واحتمال، ويظهر ألَّا تثبت، فإنَّهم لعدم القَهْر كرجلين يلتقيان؛ أحدُهما قاصد، والآخر دافع.
3513 -
فصل في عقوبات القطَّاع
إذا أخذ أحدُهم بالحرابة أقل من ربع دينار، لم يُقطع، خلافًا لابن خيران.12
وإن أخذ ربعًا، قُطعت يدُه اليمنى، ورجلُه اليسرى اتِّفاقًا، فإن لم نجدهما، قُطعت اليدُ اليسرى، والرجلُ اليمنى، وإن وجدنا يدَه اليمنى، ولم نجد الرجلَ اليسرى، اكتُفي بيده اليمنى؛ لأنَّهما كعضو واحد، فأشبهتا يد السارق إذا كانت ناقصةَ الأصابع.
وإن اقتصر أحدُهم على القتل؛ تحتَّم قتلُه، وإن قتل وأخذ المالَ، فالمذهب: أنَّه يُقتل للقتل، ويُصلبُ لأخذ المال، وفيه وجهان آخران لا أصل لهما:
أحدُهما؛ تُقطع يده ورجله، ثمَّ يُقتل ويصلب.
والثاني: إن أخذ دون النصاب، قُتل وصُلب، وإن أخذ نصابًا، قُطع وقتل، ولم يُصلب، [وإذا وجب الصلبُ، فالمذهب: أنَّه يُقتل على الأرض، ثم يصلب] (1)، وذكر الشافعيُّ أنَّه يُصلب، ثمَّ يُقتل، فقيل: أنَّه قول له، والأصح أنَّه حكاه عن بعض العلماء؛ فإن قلنا: يُقتل بعد الصَّلْب، فالأصحُّ أنا نضربه في بعض المَقاتل بحديدة موحِية، وقيل: يُمنع من الطعام، والشراب حتَّى يموت بذلك.
3514 -
فرع:
إذا قُتل مصلوبًا، أو صُلب مقتولًا، ففي مدَّة الصلب وجهان: [أحدُهما: ثلاثة أيَّام، فإن انتثر في أثنائها، ففي إنزاله وجهان] 2، وإذا1
أنزل، سُلِّم إلى أهله، فيُغسَّل، ويكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين.
والوجه الثاني: يُترك إلى أن يسيلَ ودكُه، وانفرد الصيدلانيُّ بأن قال: يُترك حتَّى ينتثر، ويتساقط، وإن قلنا: يُقتل على الأرض، غُسِّل، وصُلِّي عليه، ثمَّ يُصلب، وإن قلنا: يُقتل مصلوبًا، فقد يعسُر الغسلُ، والصلاةُ، ويبعد أن تُجمعَ عظامه، ويُصلَّى عليها.
3515 -
فرع:
نفيُ القطَّاع: أن يجِدَّ الإمامُ في طلبهم بجنده إلى أن يظفرَ بهم، فيقيمَ عليهم الحدودَ إن استوجبوها، أو يعزِّرهم إن اقتصروا على إخافة السبيل، وأبعد مَنْ قال: يغرِّبهم إلى بلد بعينه، ويمنعُهم من الانطلاق حيث شاؤوا، وهل يُكتفى بذلك؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يُكتفى به، عزَّرهم في بلد النفي، أو حبسهم فيه، فإن لم يحبسهم، فينبغي أن يكونَ بلدُ النفي محفوفًا بأهل النجدة؛ لئلَّا يعودوا إلى الإخافة، واستبعد الإمامُ ذلك من جهة أنَّ التعزير لا يتعيَّن، ولا يتحتَّم.
3516 - فرع: قال أبو محمد: لا يسقط حدُّ الحرابة بهرب المحارب، وفي سائر الحدود خلاف، فإنَّه لو سقط، لجرَّ فسادًا عظيمًا قد يُعْجَز عن تداركه.
3517 -
فصل في حكم القتل في المحاربة
إذا قَتَلَ المحاربُ في الحرابة خطأً أو شبهَ عمد، لم يجز قتلُه اتِّفاقًا،
وإن قتل مَنْ يكافئه عمدًا، تحتَّم قتلُه، ولم يسقط بعفو الوليِّ اتِّفاقًا، وقتْلُه حقٌّ متمحِّض لله تعالى، أو فيه حقٌّ للآدميِّ؟ فيه قولان مأخوذان من أصول المذهب.
وقال الإمامُ: القتل في مقابلة حقِّ الآدميِّ، والتحتُّم حقٌّ لله، فإن العقوبتين إذا اجتمعتا في محلٍّ واحد، غلبت العقوبةُ الواجبة للآدميِّ، فإن مات قبل أن يُقتل، ففي وجوب الدية القولان، وإن عفا الوليُّ على مال، لم يسقط القتلُ، وفي ثبوت المال القولان.
وإن قتل مَنْ لا يكافئه؛ مثل أن قتل ولدَه، أو كان مسلمًا، فقتل ذمِّيًّا، أو حرا فقتل عبدًا، ففي قتله القولان، وإن قتل عبدَ نفسِه، لم يُقتل عند الصيدلانيِّ، وإن كان العبدُ مكاتَبًا، أو أجيرًا مع الرفاق، وقال القاضي: في قتله به القولان، فعلى هذا يُشترط أن يكونَ العبدُ مختصًّا بالرفاق بإجارة، أو إذن في تجارة، فإن لم يكن ذلك، كان متحيِّزًا إلى السيِّد دون الرفاق.
3518 -
فرع:
إذا قتَلَ جماعةً؛ فإن محَّضْنا حقَّ الله تعالى، قُتل بهم، وإن لم نمحِّضْه؛ فإن قتلهم معًا، أُقرع بينهم، فمَنْ خرجت له القرعةُ قتله، وللباقين الديات، وإن قتلهم على الترتيب، قُتل بالأوَّل، وللباقين الديات.
3519 - فرع: إذا تاب قَبْل الظفر [به] 1؛ فإن أثبتنا حقَّ الآدمي؛ سقط انحتامُ القتل، وبقي القصاصُ، وكذلك إن لم نثبت حقَّ الآدميِّ على الأصحِّ، وهذا دليلٌ
على ثبوت الحقَّين، وأنَّ القتلَ مُعلَّل بعلَّتين؛ كقتل المرتدّ لزمه القصاصُ في النفس.
3520 -
فصل في حكم الجرح في المحاربة
إذا جرح في المحاربة جرحًا لا قصاصَ فيه؛ كالجائفة، لم يُجرح به، وإن تعلق بمثله القصاصُ، وجب القَوَدُ، وفي التحتُّم أقوالٌ، ثالثُها: لا يتحتَّم إلَّا في اليدين والرجلين، والأكثرون على طرد القولين في الجميع، فإن بقي الجريحُ أيَّامًا، ثمَّ مات بالجرح، تحتَم القتل، وإن تاب قبل الظفر، ثمَّ مات بالجرح بعد الظفرِ، فالأظهرُ سقوط التحتُّم؛ نظرًا إلى حال الجرح، وفيه احتمال.
3521 -
فصل في توبة المحاربين
إذا تاب المحاربُ قبل الظفر به، سقطت خواصُّ المحاربة، وهي الصَّلْبُ، وتحتَّم القتلُ، وقطع الرجل، [وفي قطع اليد وجهان؛ فإنَّها مع اليد كعضو واحد، وإن تاب بعد الظفر، ففي سقوط ما يختصُّ بالحرابة من الحدود، وما لا يختصُّ قولان يجريان في حدود الله تعالى؛ كقطع السارق، وحدِّ الزاني، والأصحُّ أنَّها لا تسقط.
3522 -
فرع:
إذا تاب قبل الظفر، كفاه إظهارُ التوبة اتِّفاقًا، وإن تاب بعد الظفر، أو
تاب مَنْ وجب عليه حدٌّ لله، كفاه إظهارُ التوبة باتّفاق الأصحاب، وخالفهم القاضي، وقال: يُستبرأ سرًّا وجَهْرًا، فإن ظهر صلاحُه، سقط الحدُّ، وإن ظهر خلافُ الصلاح لم يسقط، ولا أدري هل يشترط الصلاحُ فيما تاب عنه، أو في جميع الأعمال؟ !
3523 -
فصل في شهادة الرفاق على المحاربين
إذا شهد عدلان من الرفاق على المحاربين؛ فإن قالا: تعرَّضوا لنا ولرفاقنا، لم تُقبل شهادتُهما للرفاق؛ لأنَّه صدَّروها بإظهار العداوة، بخلاف مَنْ شهد لنفسه ولشريكه، وإن قالا: تعرَّضوا لهؤلاء، فقتلوا منهم وأخذوا المالَ، وفصلا ما يجب تفصيلُه، قُبلت الشهادةُ، ولا يلزم القاضيَ أن يسألهما: هل أنتما من الرفاق؟ وإن سأل، لم يلزمهما إجابتُه، فإن ألحَّ عليهما قالا: قد أدَّينا ما علينا من الشهادة، ولا يلزمنا إجابتُك.
3524 -
فصل في اجتماع عقوبات للعباد
إذا وجب على إنسان حدُّ القذف لواحد، وقطْعُ الطرف لثانٍ، وقصاصُ النفس لثالث، وازدحموا على الطلب، بُدئ بحدِّ القذف، وأُمهل حتَّى يبرأ، ثمَّ يُقطع، ويُقتل عقيبَ القطع، فإنَّا لو والينا بين الجَلْد والقطع، لخِفْنا أن يموتَ، فيفوتَ قصاصُ النفس.
وقال الإمامُ: إن كان مستحِقُّ النفس غائبًا، وجب الإمهالُ بين الجلد