الثلث بخمسين ثلثُها من العبد قَدْرُ ستَّة عشر درهمًا وثلثين (1)، وهي قيمة سدس العبد، ونأخذ بقيَّة الخمسين من الدراهم، وهي ثلاثة وثلاثون وثلثٌ، فيبقى للورثة ثلثُ العبد وثلثا الدراهم، وذلك مئتا درهم ضعف الوصيَّتين.
2044 -
فصل في الوصيَّة للوارث
إذا أوصى لأحد ورثته بالثلث، أو بما يزيد عليه، أو ينقص منه؛ فإن ردَّها بقيَّة الورثة بطلت، وإن أجازوها صحَّت إن جعلنا الإجازة في حقِّ الأجنبيِّ ابتداءَ عطيَّةٍ، ووُجدت شروطُ الهبة، وإن جُعلت الإجازةُ تنفيذًا في حقِّ الأجنبيِّ، ففي حقِّ الوارث خلافٌ كالخلاف في الوصيَّة للقاتل؛ فإنِّ الأصحَّ أنَّها لا تنفذ بالإجازة إذا أبطلناها؛ لأنَّ الشرع أبطل الوصيَّة للقاتل كما أبطل إرثه.
فإن كان الوارث ابنًا واحدًا، فاوصي له بملك شيءٍ، لم تصحَّ الوصيَّة؛ لعدم الفائدة، وإن وقف عليه في مرض الموت عينًا تخرج من ثلثه؛ فإن أبطلنا الوصيَّة لأحد الورثة بطل الوقف وإن أجازه الابن، سواءٌ جعلنا الإجازة تنفيذًا أو ابتداءَ عطيَّةٍ؛ فإنَّ الإنسان لا يقف على نفسه شيئًا على المذهب الأصحِّ، وإن نفَّذنا الوصيَّة لبعض الورثة بإجازة الباقين، فكان الابنُ الموقوف عليه طفلًا، فقبِل عنه أبوه الوقفَ بولايته عليه، صحَّ الوقف ولزم، فلا يقف على إجازة الابن، ولا يرتدُّ بردَّته.1
وإن كان له ابنان، فوصَّى لهما بالثلث؛ فإن سوَّى بينهما لم تصحَّ؛ لعدم الفائدة، وإن فضَّل أحدهما كان ذلك وصيَّةً لأحد الوارثَيْنِ، وإن وقف عليهما دارًا تخرج من ثلثه؛ فإن سوَّى بينهما؛ فإن أبطلنا الوصيَّة للوارث لم يصحَّ الوقف، وإن صحَّحناها صحَّ الوقف لازمًا.
وإن وقف على ابنه وبنته للذَّكر مثلُ حظِّ الأنثيين، فردًّا ما زاد على الثلث، لزم الوقف في الثلث، وكانت الزيادة بينهما للذَّكر مثلُ حظِّ الأنثيين، وإن سوَّى بينهما فيما يحتملُه الثلث من الوقف؛ فإن قلنا: يصحُّ الوقف على الوارث، فأجازها الابنُ، نفذت، وإن ردَّها فقد قال الأصحاب: يكون له نصف الوقف عليه، وربعه على البنت، ويكون الربع المردودُ بينهما للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، وهذا غلطٌ إن انفرد الابن بالردِّ، وصوابٌ إن ردَّه (1) الابن والبنت؛ فإنَّه إذا ردَّ ربع ما في يده، وهو سدسُ الدار، وردَّت البنت ربع ما في يدها، وهو نصفُ السدس، كان ربع الدار بينهما إرثًا للذكر مثل حظِّ الأنثيين، وليس للابن أن يردَّ السدس إلى نفسه وقفًا؛ فإنَّه يملك ردَّ الوقف، ولا يملك مخالفةَ شرطه، وقد شرط الواقف لكلِّ واحد نصف الوقف.
2045 -
فصل في الوصيَّة للوارث والأجنبيِّ
إذا أوصى لأجنبيٍّ بالثلث، وللوارث بمقدارٍ آخر، وقلنا: تصحُّ الوصيَّة للوارث، فالثلثُ مسلَّم للأجنبيِّ لا يزاحمه فيه الوارث.1
فإن أوصى للوارث بجميع ماله، وللأجنبيِّ بثلثه، فأجاز الورثة، فللأجنبيِّ الثلثُ، وللوارث الثلثان، وإن رُدَّت الوصيَّة فاز الأجنبيُّ بالثلث، ولا شيء للوارث.
ولو أوصى للأجنبيِّ بالنصف، وللوارث بالكلِّ، وأُجيزت الوصيَّتان، فالثلثُ للأجنبيِّ لا يُزاحَم فيه، ويُضربُ في الثلثين بالسدس؛ تكملةً للنصف، ويَضرب فيهما الوارث بالجميع، فيُجعل الثلثان ستَّة أسهم، ونزيد بسبب الأجنبيِّ سهمًا عائلًا، فتُقسم الثلثان أسباعًا؛ سبعٌ للأجنبيِّ، وستَّةُ أسباع للوارث، وتصحُّ من أحدٍ وعشرين، ثلثها - وهو سبعة - للأجنبيِّ، وله سُبعٌ الثلثين سهمان، فيحصل على تسعة أسهم، وللوارث اثنا عشر سهمًا هي ستَّةُ أسباع الثلثين.
2046 -
فرع:
الأصحُّ أنّ الإجازة تنفيذ، وأنَّ الوصيَّة للوارث صحيحة، فإن أوصى لأحد ابنيه بالنصف، فأجاز الثاني، فله ربع المال بالإرث، ولأخيه نصفٌ بالوصيَّة وربعٌ بالإرث اتِّفاقًا، كما لو أوصى لأجنبيٍّ بالنصف؛ فإنَّ المجيز أبطل حقَّه من الربع، والقابِلَ للوصيَّة أخذها بدلًا عن حقّه من الإرث، فبطل حقُّه من الأرث.
وإن أوصى لأحدهما بأكثر من النصف كالثلثين مثلًا، فالأصحُّ: أنَّه يأخذ الثلثين بالوصيَّة، ونصفَ الثلث الباقي بالإرث؛ عملًا بصريح لفظ الوصيَّة، وقيل: لا حقَّ له فيما زاد على الثلثين، فيختصُّ أخوه بالثلث الباقي؛ لاحتمالِ أنْ يكون المورِّث قصد تخصيصه بالثلثين وصيَّةً وإرثًا، وإذا تردَّد لفظ
الوصيَّة حُمل على الأقلِّ المتيقَّن، بخلافِ ما لو أَوصَى لأحدهما بالنصف؛ فإنَّا لو حملناه على ما يحصل له بالإرث، ألغينا لفظ الوصيَّة بالكلِّية.
وإن أوصى لأحدهما بالنصف، ولأجنبيٍّ بالنصف، فرضي الولدان بذلك، فالأصحُّ الذي أفتى به القفَّال، وقطع به الإمام: أنَّ للأجنبيِّ النصفَ، وللابن النصفَ، فقيل للقفَّال: إنَّ ابن سريج جعل النصف للأجنبيِّ، وللابنِ الموصَى له ربعَ التركة وسدسَها، وللآخَر نصفَ السدس؟
فخرَّجها القفَّال بعد طول الفكر على الوجهين فيما إذا أوصى لأحد الابنين بالثلثين؛ تعليلًا بأنَ الثلث حق للأجنبيِّ لا يقف على إجازتهما، ولا يُزحم فيه، فيبقى لكلِّ واحد منهما ثلثُ التركة، فإذا أوصى لأحدهما بالنصف فقد زاده على ما يستحقُّه بالإرث، فإن قلنا بأنَّ أحد الابنين يستحقُّ الثلثين ويشارك فيما بقي، فالنصفُ هاهنا للأجنبيّ، والنصفُ الآخَرُ للموصَى له؛ لأن كل واحد منهما قد أجاز للأجنبيِّ من حصَّته نصفَ السدس، وإن قلنا: لا يأخذ أكثر من الثلثين، فقد بقي للابن الذي لا وصيَّة له سدسٌ لا حقَّ لأخيه فيه، فإذا أجاز كلُّ واحد للأجنبيِّ بنصف سدسٍ بقي للموصَى له ربعٌ وسدسٌ، ولأخيه نصفُ سدسٍ.
وقطع الإمام بما أفتى به القفَّال، ولم يخرّجه على الخلاف المذكور؛ فإنَّ الإجازة لا تُعتبر إلا من الابن الذي لم يوصَ له، فيكمل نصيب الأجنبيِّ بالسدس المضاف إليه؛ فإنَّه قد رضي لإنفاذ الوصيَّتين مع استغراقهما للمال، فلا يُجعل له نصفُ سدسٍ لا يَطلبه.
ولو أوصي لأحدهما بالنصف، ولأجنبيٍّ بالنصف، ولآخر بالثلث،
ورضي الابنان بذلك، فالوصيَّةُ للأختين بخمسة أسداس المال، فيخرج منها الثلثُ بغير إجازة، فيبقى نصف المال بينهما، فيَضرب الابنُ في الثلثين بالنصف، وتَضربُ الأختان فيهما بالنصف، فيأخذ الابن نصف الثلثين، وللأختين ثلثٌ بغير إجازة، وثلثٌ بالإجازة، فيقتسمان الثلثين أخماسًا؛ لأنَّ وصيَّة أحدهما بالنصف، والآخر بالثلث، ولا يجيء الوجه الضعيف الذي
فرَّع
عليه القفَّال، لزيادة الوصايا هاهنا على أجزاء المال.
2047 - فرع:
قال الأصحاب: إذا أوصى بالثلث لوارثه وأجنبيٍّ، فرُدَّت وصيَّة الوارث، لم يكن للأجنبيِّ سوى السدس.
ولو أوصى لكلِّ واحد منهما بالثلث، فرُدَّت وصيَّة الوارث، فاز الأجنبيُّ بالثلث، وليس للورثة أن يردُّوا الوصيَّتين إلى الثلث، ثمَّ يبطلوا وصيَّة الوارث، ولا أن يردُّوهما إلى الثلث حتَّى يزدحم فيه الأجنبيُّ والوارث؛ لأنَّ حقَّ الأجنبيِّ لا ينقص عن الثلث.
ولو أوصى بالثلث لأجنبيٍّ، ولكلِّ واحد من ابنيه بالثلث، فأُجيزت وصيَّة الابنين دون الأجنبيِّ، فله الثلثُ على المذهب؛ إذ لا تقف على إجازتهما، ولا ترتدُّ بردّهما، وغلط من جعل له ثلثَ الثلث؛ تعليلًا بأنَّه شائع في أثلاث المال، وهذا خرمٌ لِمَا اتَّفق عليه الأصحاب؛ إذ ليس للوارث نقضُ شيء من الثلث الموصى به للأجنبيِّ؛ إذ لم يكن معه وصيَّةٌ لوارث.
2048 - فرع: إذا أوصى لكلِّ وارثٍ بعينٍ من التركة بقيمة حصَّته فوجهان:
أحدهما: النفوذ، وليس لأحد منهم إبطال ما عُيِّن لغيره؛ فإنَّ حقوقهم في المقادير دون أعيان المال، ولذلك لو باع في مرض موته من أحدهم عينًا بثمنِ مِثْلِها لم يُنقض بيعه.
والثاني: التخريج على الخلاف في الوصيَّة لبعض الورثة؛ لأنَّه أبطل حقوقهم من تلك الأعيان، بخلاف البيع؛ فإنَّه عقدٌ لازم، فيلزمُ إذا خلا عن المحاباة.
2049 -
فصل في الوصيَّة للحَمْل
تصحُّ الوصيَّة للحَمْل بشرط أن ينفصل حيًّا، وأن يكون عند انفصاله أهلًا لتلك الوصيَّة، وأن يتحقَّق العلوق به عند الإيصاء، فإن انفصل ميتًا بجناية أو بغير جناية، تبيَّنَّا بطلان الوصيَّة، وإن انفصل حيًّا لدون ستَّة أشهر من حين الوصيَّة صحَّت الوصيَّة، وإن وضعته لأكثر من أربع سنين من حين الوصيَّة تبيَّن بطلانها، وإن وضعته لِمَا بين المدَّتين؛ فإن كان لها زوج يُظنُّ أنَّه يطؤها لم تصحَّ الوصيَّة؛ لجواز أن تعلق به بعد الوصيَّة، وإن كانت عزبة ففي صحَّة الوصيَّة وجهان.
وإن قال: أوصيتُ لحَمْلكِ من زيد، فولدت ولدًا يلحق به؛ فإن وضعته لدون ستَّة أشهر من حين الوصيَّة صحَّت الوصيَّة، فإن نفاه باللِّعان بطلت الوصية على الأصحِّ، فإن طلَّقها زيد، فولدت لأقلَّ من ستَّة أشهر من حين الوصية، وأكثر من ستة أشهر من حين الطلاق، وأقلَّ من أربع سنين، صحَّت
الوصية؛ لِلُحوق النسب بزيد، وإن وضعته لأكثر من ستَّة أشهر من حين الوصية ومن حين الطلاق، وولدته لأقلَّ من أربع سنين من وقت الوصيَّة ووقتِ الطلاق، ثبت النسب، والأصحُّ: بطلانُ الوصيَّة؛ لأنَّ النسب يلحق بالإمكان، بخلاف الوصيَّة، وقيل: إن كانت عزبة صحَّت الوصيَّة؛ لندور الزنا ووطء الشبهة.
2050 -
فرع:
إذا وصَّى لحَمْلِ فلانةَ، فأتت بولدٍ لأقلَّ من ستَّة أشهر من حين الوصيَّة، ثمَّ ولدت آخرَ لأكثر من ستَّة أشهر من حين الوصيَّة، وأقلَّ من ستَّة أشهر من ولادة الأَوَّل، فالوصيَّةُ بينهما؛ لأنَّا تيقَّنَّا وجودَهما حال الإيصاء.
2051 - فرع:
إذا قال: أوصيتُ لحَمْلكِ، فأتت بولدين، فالوصيَّة لهما، فإن كان أحدهما ميتًا فجميعُ الوصيَّة للحيِّ، ويُحتمل ألا يُستَحقَّ سوى النصفِ.
وإن قال: إن كان حَمْلُكِ غلامٌ فقد أوصيتُ له بألف، فولدت غلامين، أو غلامًا وجارية، فلا شيء لهما، ولا لواحد منهما.
وإن قال: إن كان في بطنك غلامٌ فقد أوصيتُ له بألف، فولدت غلامًا وجاريةً، فالألفُ للغلام، وإن ولدت غلامين فقولان:
أحدهما: يتخيَّر الوارث في صرف الألف إلى أيِّهما شاء، وليس له التشريك بينهما.
والثاني: لا يتخيَّر، وهل يقسم الألف بينهما بالسويَّة، أو يوقف إلى أن يصطلحا؟ فيه قولان.
ولو قال: أوصيتُ لأحد هذين الرجلين، ومات قبل البيان، فعلى الأقوال المذكورة في الغلامين، وهذا واضح إن قلنا بالوقف أو بتخيُّر الوارث، وإن قلنا: يقسم بين الغلامين، احتُمل أن يُفرَّق بين هذا وبين الغلامين؛ لأنَّه قد نصَّ هاهنا على تخصيص أحدهما، فلم تجز القسمة، ويجوز أن يطلَق الغلام، ويراد به جنس الغلمان.
2052 -
فصل في الوصيَّة بالحَمْل
تصحَّ الوصيَّة بالحمل إن تحقَّق وجودُه حال الإيصاء، بأن تلده لأقلَّ من ستَّة أشهر من حين الإيصاء، فإنْ تحقَّق وجودُه بعد الإيصاء لم تصحَّ الوصيَّة به، وإن تردَّد الأمر فيه فالحكمُ فيه كالحكم في الوصيَّة للحَمْل.
وإن أوصى بما سيحدث من حَمْل أو نتاجٍ، ففي الصحَّة وجهان.
وتصحُّ الوصيَّة بالمنافع اتِّفاقًا؛ لأنَّ تواليها في العادة يجعلها كالموجود الحاصل.
وإن وصَّى بما سيحدث من الثمار، فهو كالوصيَّة بالمنافع، أو بما سيحدث من النتاج؟ فيه خلاف؛ فإنَّ الثمار قابلة لعقد المساقاة، فأشبهت الموجود الحاصل.
2053 -
فرع:
إذا انفصل الحَمْل الموصَى به ميتًا بجنايةٍ، كان بدلُه للموصَى له، وإن مات بعد الانفصال فمؤونةُ تجهيزه على الموصَى له، وإن انفصل ميتًا بطلت الوصيَّةُ، واختار الإمام: أنَّ مؤونة تجهيزه على من تلزمه نفقةُ أمِّه؛
إذ لا تصحُّ الوصيَّة مع عدم الانتفاع والماليَّة.
2054 -
فرع:
تصحُّ الوصيَّة بالأَمَة الحامل دون الحَمْل، وتصحُّ بالحامل لزيد وبحَمْلها لعمرٍو اتِّفاقًا.
وإن وصَّى بجارية، ولم يتعرَّض لحملها بنفيٍ ولا إثباتٍ، ففي دخوله في الايصاء خلافٌ مأخذُه: أنَّه هل يكون كأجزاء الأُمِّ، فيندرج تحت اسمها؟ فإن قلنا: لا يدخل في الوصيَّة كان لورثة الموصي، وإن قلنا: يدخل، فانفصل قبل موت الموصي، فهو للموصَى له، وإن أدرجناه، فأوصى به قبل انفصاله لآخرَ، صحَّ إن رجع عن وصيِّته الأول، واستحقَّه الموصَى له ثانيًا، وإن لم يرجع ازدحمت الوصيَّتان عليه، كما لو أوصى لإنسانِ بعبدٍ، ثمَّ أوصى به لآخر.
2055 - فرع: تختلف مدَّة حمل البهائم باختلاف أجناسها، فيُرجع إلى أهل الخبرة، فإن قطعوا بطريان الحمل بعد الإيصاء، أو تردَّدوا في ذلك، ولم يُبعِدوا طريانَه، بطلت الوصيَّة، وإن قطعوا بوجوده حالَ الإيصاء صحَّت الوصيَّة.
2056 - فرع: إذا جوَّزنا الإيصاء بما سيحدث من الحمل أو معناها، فأوصَى لِمَا يَحدث من الحمل، فالمذهبُ عند العراقيِّين بطلانُ الوصيَّة، وفيه وجهٌ قطع به الإمام اعتبارًا بالوقف على النسل والعقب.
2057 -
فصل في الوصيَّة بالمنافع
اتِّفق الأصحاب على صحَّة الوصيَّة بكلِّ منفعةٍ تُملك بالإجارة، كمنافع الرقيق والدوابِّ والأراضي والثياب، فإن قبلها الموصَى له مَلَكَ المنافع اتِّفاقًا، ولا يكون عاريةً، ولا خلافَ في جواز تأبيدها وتوقيتها، فإن أطلق حُملت على التأبيد.
فإن باع الوارث العين الموصَى بمنافعها؛ فإن كانت المنافع مؤقَّتة فعلى قولي بيع الماجور، وإن كانت مؤبَّدة لم تصحَّ على المذهب، وأبعد مَن طرد القولين.
وإن باع الأمة الموصَى بما ستلدُه صحَّ اتِّفاقًا؛ لبقاء منافعها.
وبيعُ الأشجار الموصَى بثمارها كبيع الأعيان الموصَى بمنافعها، ولا خلاف في صحَّة بيع العبد الزَّمِن الذي لا منفعةَ فيه.
وإن أوصى بدرهم من غلَّةِ دارٍ أجرتُها مئةُ درهم، فباع الوارثُ الدار، لم يصحَّ البيع في شيء منها على الأصحِّ؛ فإنَّ الأجرة قد تنقص بحيث لا يحصل سوى ذلك الدرهم.
2058 -
فصل في كيفيَّة اعتبار المنافع من الثلث
المنافع معتبرة من الثلث؛ لتأثيرها في نقص الأعيان؛ فإن كانت مؤبَّدة؛ فإن منعنا البيع فوجهان: أحدهما: تُعتبر الرقبة مع منافعها من الثلث.
والثاني: تُعتبر المنافع وحدها، فتُقوَّم العين مع المنافع وبدون المنافع، ويُعتبر ما بينهما من الثلث.
وهل تُحسب الرقبة على الوارث مسلوبةَ المنافع، أو لا تُحسب على أحد؟ فيه وجهان.
وإن كانت مؤقَّتة؛ فإن جوَّزنا بيع العين اعتُبرت المنافع وحدَها اتِّفاقًا، وإن منعنا البيع فطريقان:
إحداهما: القطع باحتسابها من الثلث.
والثانية: تخريجها على الخلاف في المؤبَّدة.
ولو أجَّر دارًا في مرض موته، لم تُنقض الإجارة بعد موته وإن منعنا بيع المأجور.
2059 -
فرع:
إذا غُصب العبد كانت أجرةُ منافعه للموصَى له.
2060 - فرع: إذا وصَّى بخدمةِ عبدٍ أو منفعةِ دارٍ عشر سنين، ولم يخلِّف سوى الدارِ أو العبد؛ فإن قلنا: العبرةُ بالرقبة، ارتفعت الحيلولةُ عن ثلثي الرقبة، وإن قلنا: العبرة بالمنافع، وكانت قيمة الرقبة تسعين، قُوِّمت المنفعة في المدَّة، فإن بلغت قيمتُها ثلاثين، وكانت الرقبة مسلوبةَ المنفعة ستِّين، نفذت الوصيَّة في العشر سنين، وإن كانت قيمة المنفعة في العشر سنين خمسين، والرقبة بدون المنفعة خمسين، ففي كيفيَّة الردِّ إلى الثلث وجهان:
أحدهما: ننقص من المدَّة، فتصير جملةُ العين مستحَقَّةَ المنفعة في بعض المدَّة.
والثاني: ننقص من المنفعة، ونكمل المدَّة، فإذا وَفَى الثلثُ باستحقاق منفعة بعض العبد في جميع المدَّة رُدَّت الوصيَّة إلى ذلك البعض في جميع المدَّة، واختاره أبو عليٍّ من جهةِ أنَّ نقص المدَّة مختلفُ الأجرة، فيؤدّي ذلك إلى جهالةٍ لا يمكن ضبطُها.
ويُحتمل أن يقال: إن جوَّزنا بيع الرقبة ففيه الوجهان، وإن منعناه فالظاهر ردُّ الوصيَّة إلى بعض الرقبة؛ ليتصرَّف الوارث فيما بقي.
وإن كانت المنفعة مؤبَّدةً، فالأصحُّ منعُ البيع، فلا يتَّجه إلا تبعيض الوصيَّة على الرقبة؛ إذ لا يمكن تبعيض المدّة، فتكون الوصيَّة ببعض الرقبة في جملة المدَّة.
2061 -
فرع:
إذا أوصى بمنفعة عبد سنةً، ولا مال له سواه؛ فإن قلنا: تخرج قيمته من الثلث، فمقتضى تفريعه: أن تصحَّ الوصيَّة في ثلثه، وترتفع عن ثلثيه، فإذا انقضت السنة عاد جميعه إلى الورثة، فلا تقع الوصيَّة ثلثًا، وبهذا يبطل القول باعتبار القيمة من الثلث.
2062 -
فصل في نفقة العبد الموصى بمنافعه
أَمَّا نفقةُ العبد الموصَى بمنافعه، وكسوتُه، وفطرتُه، وكلُّ مؤنةٍ تجب
للرقيق على السيِّد، فهي هاهنا على الوارث، وأَبعدَ مَن جعلها على الموصَى له، وخصَّ الإمام هذا الوجه بالمنفعة المؤبَّدة؛ تشبيهًا بالنكاح، فلا يجري في المؤقَّتة؛ لأنَّ التأقيت كالإجارة، ونفقةُ المأجور على المؤجِّر.
وأبعدَ بعض العراقيِّين، فجعل ذلك في كسب العبد، وجَعَلَ ما فَضَلَ عن النفقة للموصَى له، فإن لم يكن كسبٌ ففي بيت المال، ولو قيل: إن لم يكن كسب فهي على الموصَى له أو على الوارث، لم يبعد.
2063 -
فصل في الجناية على العبد الموصَى بمنافعه
إذا قُتل العبد قتلًا ماليًّا ففي قيمته أوجه:
أحدها: تكون للوارث.
وأبعدها: أنَّها للموصَى له.
وثالثها: يُشترى بها عبدٌ تكونُ منافعه للموصَى له، ورقبتُه للوارث.
والرابع: يُقوَّم مسلوبَ المنافع، ومع المنافع، فيُصرَف ما بين القيمتين إلى الموصَى له، والباقي إلى الوارث، وهو بعيدٌ أيضًا.
فإن جعلناها للموصَى له، فينبغي ألا يجري ذلك عند تأقيت المنافع، وأن يختصَّ بقولنا باعتبار القيمة من الثلث.
وإن قُتل قَتْلَ قودٍ فالقودُ للوارث، وأبعدَ مَن جعله للموصَى له إذا جعلنا القيمة له، وهذا لا يصحُّ؛ لاختصاص القصاص بالمالك، وقد يملك القيمة مَن لا يملك القود، كما يستحقُّها المرتهن إذا قُتل المرهون.
2064 -
فرع:
إذا قُطعت يد العبد ففي أرشها أوجهٌ:
أحدها: أنَّه للوارث.
والثاني: ما يقابل المنافع للموصَى له، وما يقابل الرقبة للوارث.
والثالث: يوزَّع الأرش على ما نقص من المنفعة وقيمة الرقبة، فما خصَّ كل واحدٍ منهما صُرف إلى مستحقِّه.
وإذا اعتبرنا نقص القيمة وجب أن يُنسب النقص إليه وهو مسلوبُ المنافع، ولا صائر إلى صرف جميع الأرش إلى الموصَى له.
2065 -
فصل في جناية العبد الموصَى بمنافعه
إذا جنى العبد جنايةً ماليَّةً لم يَلزم الوارثَ فداؤه، فإن بِيع في الجناية بطل مِلْكُ الرقبة والمنافع، وإن فداه الوارث استمرَّ حقُّ الموصَى له، وإن فداه الموصَى له عند امتناع الوارث؛ فإن قبل المستحِقُّ الفداء فذاك، وإن لم يقبله ففي إجباره وجهان يجريان في فداء المرتهن عند امتناع الراهن، ووجه الإجبار: توفير حقِّهما عليهما، ولعلَّ الأجبار في الرهن أولى؛ لأنَّ بدل الرقبة مصروفٌ إلى المرتهن اتّفاقًا.
2066 -
فصل فيما يملكه الموصَى له من المنافع
يملك الموصَى له بالمنافع منافعَ العبد، وأجور حرفته، وكلَّ كسب
يحصل بعمله، كالصيد والحشيش والحطب، وكلَّ عملٍ يقف على إذن السيِّد، وفي نوادر الاكساب كالهبات وجهان يجريان في كل ما لا يُعدُّ من الأعمال؛ فإنَّ أقوال العبد لا تقف على إذن السيِّد، ويملك منافع البُضْعِ عند العراقيِّين، وهو خلافُ قياس المراوزة وما قَطَعَ به الإمام، وقال: إذا أوصَى بالمنافع خُصِّص ذلك بما يُملك بالإجارة أو يُباح بالإعارة، ولو أوصَى بمنافع البضع على الخصوص فلا وجه لصحَّة وصيَّته.
قلت: الانتفاع بكلِّ شيء على حسب ما يليق به، واستحقاقُ بدل الشيء من جملة منافعه، وقد يَستحِقُّ بَدَلَ البُضع مَن لا يَحِلُّ له البُضع، كمن وُطئت أخته التي يملكها بشبهة.
2067 -
فرع:
ولد الأمة للوارث على الأصحِّ، وأبعدَ مَن جعله للموصَى له، فإن جعلناه للوارث فالأصحُّ أنّ منافعه له، وأبعدَ مَن جعلها للموصَى له؛ فإنَّ الولد لا يتبع أمَّه في مثل ذلك.
2068 -
فصل في وطء الجارية الموصَى بمنافعها
لا يحلُّ وطؤها للوارث ولا للموصَى له اتِّفاقًا وإن جعلنا المهر له، وأَبعدَ مَن أحلَّ وطأها للوارث؛ لأنَّ الحبَل يَنقُصها في الحال، ويعرِّضها للهلاك في المآل، وخصَّه الإمام بمن يُؤمَن حبَلُها، كما ذكرناه في وطء الراهن.
فإن وطئها الوارث لم يُحَدَّ، فإن جعلنا حقَّ البضع للموصَى له استحقَّ المهر، وإلا فلا.
وإن وطئها الموصى له؛ فإن جعلنا له حقَّ البضع فلا حدَّ عليه ولا مهر، وإن لم نجعل ذلك له؛ فإن وطئ لم يُحدَّ، وعليه المهر للوارث، وإن وطئ بغير شبهة لم يُحدَّ عند العراقيِّين؛ لاستحقاقه لمنافع البضع، وألحق الإمام وطأَه بوطء المرتهن.
2069 -
فصل فيما يملكه الموصَى له من التصرُّفات
حقُ اليد للموصَى له، وله الإجارةُ والإعارةُ، وفي المسافرة به وجهان، فإن وطئ لم يثبت استيلاده وإن درأنا عنه الحدَّ والمهرَ وجعلنا القيمة له عند القتل، والولد حرٌّ إن جعلناه له إذا كان رقيقا.
ولا يسافر به (1) الوارث، وإن أولدها ثبت استيلاده (2)، واستمرَّ حقُّ الموصَى له على المنافع.
2070 -
فرع:
إذا مات الموصَى له كانت المنافعُ لوارثه على الأصحِّ، وأَبْعدَ مَن جعلها لورثة الموصي.
12
2071 -
فصل في نكاح الموصَى بمنافعه
لا تتزوَّج الأمة الموصَى بمنافعها إلا باذن الوارثِ والموصَى له اتّفاقًا؛ لأن النكاح ينقص المنفعة وقيمة الرقبة، ووليُّها الوارثُ دون الموصَى له، ولا يتزوَّج العبد إلا بإذنهما، وقيل: لا يُشترط إذنُ الوارث؛ إذ لا عبرة بتأثير الوطء في قوَّة العبد؛ فإنَّه لا ينضبط، ولذلك لا يَحجر السيّد على عبده في قلَّة الوطء وكثرته، ولا يكلِّفه الاقتصاد فيه، بل يُرْجَعُ في ذلك إلى شهوة العبد وميل نفسه، كما لا يُحجر عليه في تقليل الأكل وتكثيره.
2072 -
فصل في عتق العبد الموصَى بمنافعه
إذا أعتقه الوارث عتق إن جوَّزنا بيعه، وإن منعناه عتق عند المعظم، وبقي استحقاق المنافع مع الحرِّيَّة، فإن كانت مؤبَّدةً لم تنقطع بالعتق اتّفاقًا، فإن اختار العبد إبطال المنافع لم يكن له ذلك، وفيه احتمال مأخوذ من إبطال العبدِ المأجورِ الاجارةَ بعد العتق، ونفقتُه بعد العتق على الموصَى له إن جعلناها عليه في حال الرقّ، وإن جعلناها على الوارث سقطت بالإعتاق.
وإن أعتق عن الكفَّارة لم يجز على الأصحّ؛ لعجزه عن الكسب لنفسه، وفي كتابته وكتابة العبد المأجور وجهان طردهما الإمام في كتابة العاجز بالزَّمانة، فإن قلنا: لا تصحُّ كتابته، فأوصَى بمنفعة عبد، ثمَّ كاتبه، كان رجوعًا عن الوصية.
2073 -
فصل فيمن أوصى لإنسان بشيء معلوم كلَّ سنة
إذا أوصى لرجل كلَّ سنة بدينار، ولم تُقدَّر السنينُ ولا الدنانيرُ، صحَّت الوصيَّة في السنة الأول بدينار، وفيما يُستقبل من السنين قولان:
أحدهما: البطلان؛ لعسر الأمر.
والثاني، وهو الأصحُّ: أنَّها تصحُّ، فينفذ تصرُّفُ الوارث في ثلثي التركة، وفي الثلث وجهان:
أحدهما: الصحَّة؛ لأنَّا نشكُّ في استحقاق الوصيَّة في الاستقبال.
والثاني: لا يصحُّ، فيُوقف الثلث، ويُصرف إلى الموصَى له كلَّ سنة دينار.
فإن استُوفي الثلث في حياته فذاك، وإن بقي منه شيء صُرف إلى ورثته في كلِّ سنة دينارٌ، ويُحتمل في هذا، وفي ثمار الأشجار الموصَى بها، إلا يورَثا عن الموصَى له بهما، والتوريثُ أَوْجَهُ، كما تورث المنافع عن الموصَى له بها على المذهب الأصحِّ، فإن قلنا: ينفذ تصرُّف الوارث، فإنْ تصرَّفَ لزمه أن يدفع إلى الموصَى له كلَّ سنة دينارًا؛ كما لو اقتسم الورثةُ التركة، ثمَّ ظهرت وصيَّةٌ، وفي هذا نظر؛ فإنَّا إن نقضنا التصرُّف عند ظهور الوصيَّة فلا فرق، فظاهر كلام صاحب "التقريب": أنَّه لا يُنقض تصرُّف الوارث.
ولو أوصى بما ذكرناه، وبوصايا أُخَرَ، وُزِّع الثلث على دينار السنة الأول، وعلى الوصايا، ولا تُوقف الوصايا لأجل ما سيجب من الدنانير في الاستقبال، فكلَّما انقضت سنةٌ ضارَبَ صاحبُ الدنانير أربابَ الوصايا
بدينار، واستردَّ منهم ما يقتضيه الحساب، وهذا ظاهر إذا قيَّد الدنانير بحياة الموصَى له، وإن أطلق، وقلنا: يورَثُ عنه بقيَّة الدنانير، ففيه إشكال؛ لعسر المضاربة بما لا يتناهى؛ فإنَّ الوارث إن ردَّ الوصيَّة فيما زاد على الثلث، فإن نسبة المضاربة إلى الثلث عند الردّ كنسبتها عند الإجازة، فيُحتمل أن يضارب بقَدْرِ ثلث التركة، وتبطل الوصيَّة بما زاد على الثلث، ويُحتمل أن يضارب بجميع التركة، كانَّه أوصَى له بها فرُدَّت وصيِّته إلى الثلث، فتقع المضاربة شيئًا فشيئًا، ويُحتمل أن يوقف له الثلث أو جميعُ التركة بحكم المضاربة.
2074 -
فرع:
إذا قال: أعطوه كلَّ سنة دينارًا إلى عشرين سنة، فهل تُوقَفُ العشرون في معارضة الوصايا؟ فيه وجهان.
ولو أوصى لإنسان بما لا يتناهى من الدنانير، انقدح إبطال الوصيَّة؛ لوقوعها بما لا يمكن، واحتُمل أن تُجعل وصيَّةً بجميع المال.
2075 -
فصل فيمن أوصى برأس من رقيقه
إذا قال: أعطوه رأسًا من رقيقي، ولم ينوِ رأسًا معيَّنًا، أجزأه الذَّكَرُ والأنثى والخنثى، وأَبعدَ مَن مَنَعَ من إعطاء الخنثى؛ فإنَّه لو قال: أرقَّائي أحرار، فلا وجه لاخراج الخنثى منهم إن أخرجه صاحب ذلك الوجه، وإن أجازه فلا فرق بين الصورتين.
فإن لم يكن له رقيق عند الوصيَّة وعند الموت، بطلت وصيَّته، وإن
ملكهم عند الموت، ولم يملكهم عند الإيصاء، صحَّ الإيصاء على المذهب، وأَبعدَ مَن مَنَعه.
ولو أوصى مَن لا يملك شيئًا بثلث ماله، فملك مالًا عند الموت، صحَّت وصيَّته على المذهب، وأَبعدَ مَن مَنَعَ.
ولو قال من لا يملك إلا درهمًا: أوصيتُ بثلث مالي، فمَلَكَ عند الموت مالًا جمًّا، نفذت الوصيَّةُ في ثلثه اتِّفاقًا.
وإن كان له أرقَّاءُ عند الإيصاء، ثمَّ ملك آخَرِينَ عند الموت، فللوارث الإخراجُ من الأَوَّلينَ أو الآخِرينَ.
وإن قال: أعطوه رأسًا من رقيقي، فلم يملك سوى عبدٍ، فمات عنه، تعيَّن للوصيَّة، وإن ملك جماعةً، فماتوا إلا واحدًا، تعيَّن للوصيَّة اتِّفاقًا.
2076 -
فرع:
للوارث أن يدفع عبدًا معيَّنًا هو أخسُّ العبيد قَدْرًا، فإن قال الموصَى له: لم يُرِد الموصي هذا العبد، قلنا له: هو مندرج في عموم اللفظ، فإن قال: نوى الموصي عبدًا معيَّنًا، لم تُسمع دعواه حتى يعيَّن العبد المنويَّ، فإذا عيَّنه كان القول قولَ الوارث مع يمينه.
وإن قال: اشتروا عبدًا من مالي، وأعطُوه إيَّاه، أجزأه المَعيبُ، وأبعدَ مَن منع تعليلًا بأنَّ الوصيَّة إذا قُيَّدت بالشراء فالشراءُ يقتضي السلامةَ من العيب.
2077 - فرع: إذا مات الرقيق قبل موت الموصِي، أو بعد موته وقبل القبول، أو
قُتلوا في حياة الموصِي، بطلت الوصيَّة، وإن قُتلوا بعد الموت وقَبْلَ القبول، كانت قيمتهم كرقابهم، فيدفع الوارث أيَّتَها شاء، سواءٌ قلنا: تُملك بالموت أو بالقبول فقَبِلَ، أو قلنا: تُملك مع القبول؛ لأنَّ حقَّه في القبول لازم، والحقُّ اللازم يجوز انتقاله إلى بدل العين.
ولو قُتلوا إلا واحدًا تعيَّن للوصيّة عند العراقييِّن، وعند المراوزة يتخيَّر الوارث بينه وبين قيمةِ مَن شاء من القتلى.
وإن أوصى بعبد معيَّن، فقُتل قبل موت الموصي، كانت قيمتُه لورثة الموصِي، وإن قُتل بعد موته وقبل القبول، فقَبِلَه الموصى له، كانت قيمتُه له.
2078 -
فرع:
إذا قال: أعطوه رقيقًا من مالي، أو: أوصيت له بعبدٍ من مالي، ولا رقيق له عند الوصيَّة ولا عند الموت، اشتُري له عبدٌ من الثلث، وكذلك إن مات عن أرقًّاء على المذهب، وأَبعدَ مَن قال: يتعيَّن في أرقَّائه، ولا يُعدُّ هذا من المذهب.
2079 -
فصل في الوصيَّة بالشاة وغيرها من الحيوانات
إذا أوصى بشاة أجزأته الضانيةُ والماعزة اتِّفاقًا، ويُجزئه الكبشُ والتيس، والذَّكر والأنثى والسَّخْلة، فيُخرج الوارثُ أيَّ ذلك شاء، وأَبعدَ مَن شَرَطَ الذكورةَ، ومَن قال: لا تجزئُ السخلة.
فإن كان له شاة فماتت أو قُتلت، أو قُتل بعض شياهه، أو أَخرج الوارث
مَعِيبةً، أو قال: شاةً من غنمي، فحكمُ ذلك كحكم الوصيَّة بالرقيق.
وإن أوصَى ببعيرٍ أجزأه الفصيلُ على الأصحِّ، ولا تُجزئُ الناقة على النصِّ، وتُجزئ على قولِ مخرَّج؛ تعليلًا بأنَّ البعير في اللغة كالإنسان في بني آدم يقع على المذكور والإناث.
وإن أوصى ببقرة أو بغلة ففي إجزاء الذكر خلاف.
وإن أوصى بكلبٍ لم تجز الأنثى اتفاقًا.
والضابط: أنَّ ما لا تأنيث فيه، ويُميَّز مفردُه عن جميعه بالهاء، كالنخلة والثمرة والجوزة واللوزة، فالذَّكر منه بالهاء واحدٌ من الجنس، ولا عبرة بذكور النخل وإناثه، وأما ما يُذكَّر ويُؤنَّث على الحقيقة فضربان:
أحدهما: ما تميَّز أنثاه عن ذَكَره بالهاء، فإنْ ذُكِرت فيه الهاء، كالكلبة والحمارة، لم يَجُزْ فيه الذَّكَر، وإنْ ذُكِر بغيرها لم تجز فيه الأنثى، كالكلب والحمار.
الثاني: ما لم يثبت في اللغة التفرقة بين ذكوره وإناثه بالهاء ثبوتًا منقولًا، وهو ضربان:
أحدهما: ما يُفهم منه قصد الإفراد، كالشاة، فتعمُّ الجنسَ على الأصحِّ.
الثاني: ما لا يَبْعُدُ فيه قصدُ التأنيث، كالبغلة والبقرة، ففيه الخلاف.
2080 -
فرع:
إذا أوصى بدابَّة اختصَّ بالخيل والحمُر والبغال، فإن كان ببلدٍ لا يفهم أهله من لفظ الدابَّة إلا الفرسَ أو الحمار، فهل يُحمل على عُرفهم، أو على الأجناس الثلاثة؟ فيه خلاف.
ولو أوصى بدراهم فالأظهر: أنَّ الوصيَّة كالإقرار، ولا يَبْعُدُ حملُ الوصيَّة على الدراهم الجارية في المعاملات.
2081 -
فصل في الوصيَّة بما لا يتموَّل كالكلب والخمر
تصحُّ الوصيَّة بكلِّ ما يُورث إذا انتفع به الموصَى له انتفاعَ الوارث؛ احترازًا من حدِّ القذف والقصاص، فتصحُّ الوصيَّة بالأعيان النجسة المنتفَعِ بها، أو المهيَّأةِ للمصير إلى الانتفاعِ، كالخمرة المحترمة، والزِّبْلِ، والجلد القابل للدباغ، فإن وصَّى بكلب لم يصحَّ إلا فيما يجوز اقتناؤه، فإذا قال: أوصيتُ بكلب من كلابي، صحَّ إن كان له كلاب، وإن قال: بكلبٍ من مالي، لم يصحَّ إلا أن يكون له كلاب.
وإن أوصى بكلبٍ أو كلاب؛ فإن لم يخلِّف سواها، ففي كيفيَّة خروجها من ثلثه أوجه:
أحدها: الاعتبار بعددها.
والثاني: بقيمتها عند مَن يرى لها قيمة.
والثالث: باعتبار منافعها، وهو قريب من اعتبار قيمتها.
وإن خلَّف مالًا قليلًا، كالدانِقِ، صحَّت وصيَّته بجميع الكلاب؛ إذ لا ماليَّة لها، وأَبعدَ مَن قال: لا يصحُّ إلا بثلثها؛ فإنها لا تُجانس الأموال.
2082 -
فرع:
إذا أوصى بخمرٍ محترمةٍ وكلبٍ وجِلْدٍ لم يُدبغ، فالعبرة بقيمتها عند مَن
يعتبر القيمة، ولا عبرة بمنافعها؛ لعدم التجانس، وأبعدَ مَن اعتبر بعددها.
2083 -
فصل في الوصيَّة بالعود والطبل والملاهي
الطبل يُطلق على طبل الحجّ، وطبل الحرب، وجُوْنةِ العطار، ويجوز بيع ذلك والوصيَّةُ به.
ويُطلق على طبل اللهو، وهي الكونة التي يضرب بها المخنَّثون، وحكمُها حكمُ المعازف؛ فإن أوجبنا كسرها إلى حدٍّ يُسْقِطُ اسمَها، لم يصحَّ بيعها اتِّفاقًا، ولا عبرة بما يبقى من رُضَاضها بتقديرِ كسرها اتِّفاقًا، وإن جاز بيعُه بعد الرضِّ.
ولو أشار إلى بَرْبَطٍ أو كُوبَةٍ 1، وقال: بعتك هذا، ولم يذكر اسمه، أو قال: أوصيت لك بهذا، لم يصحَّ البيعُ ولا الوصيةُ، ولا يستحقُّ الموصى له شيئًا من رُضاضهما؛ فِطامًا للناس عن التصرُّف في هذه الآلات، وإقامةً لشعار الدين.
ولو أوصى بطبلٍ لو غُيِّر التغييرَ المشروعَ لبقي اسمُ الطبل، صحَّ الإيصاءُ اتِّفاقًا.
ولو أوصى بمرضَّض العود أو الطبل، وجب القطع بالصحَّة، وفي نظيره من البيع لا يصحُّ؛ لأنَّ الوصيَّة تقبل التعليق، فكأنَّه قال: رضُّوه،
وادفعوه إليه.
وإذا اكتفينا بنزع أوتار البَرْبَطِ، فقال: بعتك هذا دون أوتاره، فهو قريب من بيع ذراعٍ من خشبةٍ يُقصَدُ للحطب.
2084 -
فرع:
إذا باع ملاهيَ من فضة، أو باع إناء فضَّة، وحرَّمنا استصناعَه، ففي صحَّة بيعه احتمال؛ نظرًا إلى المقصود الأظهر، بخلاف الملهاة المتَّخذة من جوهرٍ خسيس؛ فإنَّ المقصود منها الصنعةُ، وهي مستحقَّة الإزالة.
ولو أوصَى بعود من عيدانه، حُمل على عود الخشب، كالعصا ونحوها، ولا يُحمل على البَرْبَطِ؛ فإنَّ الوصيَّة إذا تردَّدت بين الصحَّة والفساد حُملت على الصحَّة، وإن تردَّدت بين القليل والكثير حُملت على القليل.
وإن أوصَى بقوس من ماله، أو من قسيِّه، حُمل على العربيِّ والعجميِّ، وقوسِ الحُسبان، والحُسبان: سهامٌ تُسمَّى: النيازك 1، يُرمى بها على قسيِّ المعجم، ولا يُحمل على قوس النَّدْف، ولا على الجُلَاهِقِ اتِّفاقًا، وهو قوس البندق، فإن كان بناحيةٍ لا يُعرف بها إلا أحد هذه القسِيِّ: فهل يُحمل على الأنواع المذكورة، أو على قسيِّ الناحية؟ فيه خلاف كالخلاف في نظيره من الدابَّة.
ولو أوصَى بقوس معيَّنة عليها وترٌ، لم يدخل الوتر في الوصيَّة على أقيس الوجهين، ويجب طردُ الخلاف في بيع قوس عليها وترٌ، فإن لم يكن عليها وتر، أو أوصى بأن يُشترى له قوس، ويُسلَّم إليه، فلا يمكن تخيُّل الخلاف في استحقاق الوتر.
وإن قال: أعطوه قوسًا من قسيِّي، وله جُلَاهق، أو قوسُ ندْفٍ، حُمل عليه.
وإن قال: أعطوه قوسًا، وله قوسُ ندف أو جُلاهق، فالوصيَّةُ بقوس الرمي دون الجُلاهق وقوسِ الندف.
وإن قال: أعطوه عودًا من القسيِّ، فالوصيَّة بالعربيِّ، لا عودِ وقوسِ المعجم المركَّب (1) من الخشب وغيره.
2085 -
فصل في الوصيَّة لجمع لا ينحصر
إذا أوصَى لجماعة؛ فإن كانوا معيَّنين وجب استيعابهم والتسويةُ بينهم، وإن أوصَى لموصوفين يَبْعدُ إمكانُ حصرِهم؛ فإن كانت صفاتهم عارضةً غيرَ لازمة، كالفقراء والغارمين والمساكين والمكاتَبِينَ، لم يجب استيابهم، ولا التسويةُ بينهم، ويجوز الاقتصار على ثلاثةٍ منهم، ويجوز الزيادة عليهم، ولا يجوز أن ينقص عن ثلاثة، والرجوعُ في ذلك إلى نظر الوصيِّ؛ فإن رأى أن يصرف المعظم إلى أحد الثلاثة، ويجعلَ للآخَرَينَ قدْرًا نزرًا فله ذلك،1
وإن كانت صفاتهم لازمةً، كالعلَويَّة مثلًا، فهل يلحق بالصفة العارضة، أو تبطل الوصيَّة؛ فيه قولان.
2086 -
فرع:
إذا أوصى للرقاب دُفع إلى ثلاثة من المكاتبين فما زاد، فإن دفعه لاثنين: فهل يغرم للثالث الثلثَ، أو أقلَّ ما يُتموَّل؟ فيه وجهان، ويلزمه دفع المغروم إلى الحاكم؛ ليبرأَ منه، ثم يستنيبه الحاكم في دفعه إلى الثالث.
2087 -
فصل فيمن أوصى بشراء عبيد يعتقون عنه
إذا وصَّى بذلك؛ فإن أَمْكَنَ شراءُ ثلاثة أَعْبُدٍ أخِسَّاءَ بالقَدْرِ 1 الموصَى به تعيَّن شراؤهم، وإن أَمْكَنَ شراء عبدين، وفضلت فضلةٌ، فهي لورثته عند المراوزة، وقال العراقِيُّون: يُشترى بها شِقصٌ من عبد ثالث.
وإن وَجَدَ بذلك نفيسين، ووجد خسيسين وبعضَ ثالث، فأيُّهما يجب؟ فيه للعراقيّين وجهان، وعند المراوزة: يجب شراء النفيس، ولو اشترى الشقصَ لم يقع عن الوصيَّة؛ لأنَّ الوصيَّة قد بطلت فيما فَضَلَ؛ إذ لا يقع عليه اسم عبد.
2088 - فرع: إذا وصَّى بشراء عبد وإعتاقه، فأنفذ الوارثُ وصيَّته، ثم ظهر دَين مستغرِقٌ، فإن اشتراه بعين التركة تبيَّن بطلان العتق والشراء، فيأخذ البائع
عبده، ويُصرفُ الثَّمن في الدَّين، وإن اشتراه في الذمَّة وقع العتق والشراء عن الوارث.
2089 -
فصل في الوصيَّة بالحجِّ
من مات وعليه حجٌّ أو زكاة؛ فإن أوصَى بذلك وجب إخراجُ الزكاة، وأجرةِ حجِّه من الميقات من رأس ماله، وكذلك إن لم يوصِ به على المذهب، وانفرد أبو محمَّد بنقل قولٍ بعيد: أنَّه لا يُخْرَجُ عنه ما لم يوصِ، وأنَّه إن أوصى حُسِب من ثلثه.
وإن لزمته كفَّارة أو حجٌّ منذور؛ فإن التزم ذلك في مرض موته حُسِب من الثلث اتّفاقًا، وإن التزمه في الصحَّة فقولان:
أحدهما: يُحسب من رأس المال.
والثاني: يُحسب من الثلث إن أوصى، وإن لم يوصِ فهل يُحسب من الثلث، أو يسقط؛ فيه خلاف.
ويصحُّ الإيصاء بحجِّ التطوُّع على الأصحّ، وفي تقديمه على سائر الوصايا طريقان:
إحداهما: قولان:
أصحُّهما: أنَّه لا يُقدَّم إلا أن ينصَّ على تقديمه.
والثاني: يُقدَّم بأجرة المثل، ولا يُقدِّم بالزيادة عليها اتِّفاقًا، وأبعدَ مَن قدَّم الزيادة؛ فإنَّ سبب تقديم الحجِّ قوَّتُه، أو معنىً يختصُّ به، ولا وجود
لذلك في الأجرة.
والطريقة الثانية، وعليها التعويل: أنَّه لا يُقدَّم إلَّا أن ينذر في الصحَّة حجًّا، ونحكم باعتباره من الثلث، ففي تقديمه قولان، بل لو أوصى بالحجِّ، وأوصى لإنسانٍ بمال: فهل يُقدَّم المال، أو الحجُّ، أو يستويان؟ فيه ثلاثة أقوال كالزكاة مع الدين، ولو أوصى بصدقة وحجٍّ لم يُقدَّم على هذه الطريقة، وفي تقديمه على الطريقة الأول قولان.
ولو لزمه حجُّ الإسلام، فأوصى بوصايا، ثم قال: أحِجُّوا عنِّي حجَّ الإسلام؛ فإن قال: من الثلث، وجبت المضاربة بين الحجِّ والوصايا، فإن لم تفِ حصَّة المضاربة بالحجّ أكُملت الأجرة من رأس المال.
وإن قال: أوصيت أن تُحِجّوا عنِّي رجلًا، فهل يضاربُ به الوصايا، أو يُحسب من رأس المال؟ فيه وجهان.
وإن قال: أوصيتُ أن تحِجُّوا عنّي، وأن تتصدَّقوا وتُعتِقوا، فوجهان مرتَّبان؛ لأنَّه قُربةٌ بما يُحسب من الثلث.
وإن قال: أحِجُّوا عنِّي، فوجهان مرتَّبان، والأظهر: أنَّه يُحسب من رأس المال؛ فإنَّه لم يأتِ بلفظ الوصيَّة، ولم يَقْرنه بما يُحسب من الثلث، وكذلك الوصيَّة بكلِّ حقٍّ يُحسب من رأس المال في محلِّ الخلاف والوفاق حرفًا بحرف.
2090 -
فرع:
إذا أطلق الوصيَّة بحجّ التطوُّع فوجهان: أحدهما: يُحمل على حجَّةٍ من بلده؛ اعتبارًا بالعرف.
والأظهر: حملُه على الميقاتيَّة؛ تنزيلًا على الأقل؛ فإنَّ مَن أوصى بمالٍ حُمل على أقلِّ ما يُتموَّل.
ولو قال في حجِّ الإسلام: أحِجّوا عنِّي من ثلثي، فالمضاربةُ بحجَّةِ ميقاتية، أو من دويرة أهله؟ فيه وجهان.
وإن قال: أحِجُّوا عنِّي حجَّ الإسلام، فالحجَّةُ من الميقات.
2091 -
فرع:
إذا قدَّمنا حجَّ التطوُّع على الوصايا، فقال مَن عليه فرضُ الإسلام: أحِجُّوا عنِّي من ثلُثِي، قُدِّم حجّ الإسلام على الوصايا، فإن لم يفضل من الثلث شيء بطلت الوصايا، وإن فضل شيءٌ يُضارِب فيه أرباب الوصايا، وقيل: تتضارب الوصايا وحجُّ الإسلام، إلا أن ينصَّ على تقديمه.
2092 -
فصل في قبول الوصايا وردِّها
لا خلاف أنَّ الإيجاب والقبول ركنٌ في الوصايا، وأنَّها لا تفتقر إلى الجواب في الحال، ولا حكم لردِّها وقبولها قبل موت الموصي، ويصحُّ الردُّ بعد الموت وقَبْلَ القبول.
ومتى عَلِمَ الموصَى له بالوصيَّة فله القبولُ على الفور وعلى التراخي.
والإيجاب: كلُّ كلمة ناصَّة على التمليك، كقوله: أوصيتُ له بكذا، أو: جعلتُ له كذا، أو: أعطوه كذا، أو: سلِّموه إليه، وإن قال: عيَّنت له كذا، فليس بإيصاء عند الإمام إلا أن يَقْصد به الإيصاءَ فالظاهرُ عنده: أنَّ
الوصيَّة تصحُّ بالكناية مع النية؛ لقبولها التعليق بالأغرار (1).
وإن قال: وهبته كذا، ورام الإيصاء فوجهان.
وإن ذكر صريح الإقرار، مثل أن قال: هذا العبد لفلان، وقصد حملَه على الإيصاء، لم يُقبل إلا أن يَقرن به ما يُخرجه عن الإقرار، كقوله: هذا العبد له من مالي، ففي انعقاد الوصيَّة بذلك تردُّدٌ واحتمالٌ.
2093 -
فصل فيما يُملك به الموصَى به
إذا وصَّى لإنسانٍ بشيء، ففيما يملكه به أقوال:
أبعدُها: يملكه عقيب القبول، كسائر التمليكات، وهل يكون الملك قبل القبول للموصي أو لوارثه؟ فيه وجهان.
والثاني: يُملك بالموت ملكًا جائزًا، فإنْ قَبِلَ لَزِمَ المِلْكُ، وإن ردَّ انقطع الملك بعد ثبوته.
والثالث، وهو أعدلُها: أنَّ المِلْكَ موقوف، فإن قبل تبيَّن أنَّه مَلَكَ من حين الموت مِلْكًا مستقرًا لازمًا، وإن ردَّ تبيَّن أنَّه لم يملك.
وعلى هذه الأقوال فروع:
الأوَّل: إذا حدثت فوائد بين موت الموصي وبين القبول، كالكسب والأجرة والنتاج والثمرة ومهر الوطء بالشبهة:
فإن قلنا: يملك بالموت، فالفوائد له إن قَبِلَ؛ لأنَّها حصلت في مِلْكٍ1
استقرَّ عليه في آخِرِ الأمر، وإنْ ردَّ رجع الملك في الموصَى به إلى الوارث، فتُقضى منه ديونُ الموصِي، وتنفذ وصاياه، وفي رجوع الفوائد إلى الوارث وجهان كالوجهين في رجوع فوائد المبيع إلى البائع إذا فسخ المشتري في مدَّة الخيار، وقلنا: إنَّ المِلْكَ للمشتري، ورجوعُها إلى الوارث أولى من رجوعها إلى البائع؛ فإنَّ الموصَى له لم يَصْدُر منه اختيار، بخلافِ المشتري؛ فإنَّه قَبِلَ العقدَ فاستند مِلْكُ الفوائد إلى اختياره.
وإن قلنا بالوقف؛ فإن ردَّ تبيَّن ثبوتُ الملك بفوائده للوارث، وإن قَبِلَ تبيَّن أنَّه مَلَكَ ذلك من حين الموت مِلْكًا لازمًا مستقرًا، وكذلك القولُ في سائر أحكام الملك على قول الوقف.
وإن قلنا: يملك بالقبول؛ فإن ردَّ فلا شيء له، فإن جعلنا المِلْكَ قَبْلَ القبول للميِّت، قُضيت ديونُه ووصاياه من الموصَى به ومن فوائده، وإن جعلنا المِلْكَ للوارث، كان حكم الفوائد كحكم فوائد سائر التركات، ولا تُقضَى الديونُ من فوائد التركات على المذهب، وقيل: إنَّ حكم الفوائد كحكم التركة، ولا يتَّجه إلا إذا جعلنا الدَّين مانعًا من ملك التركة.
وإن قَبِلَ، فهل يستحقُّ الزوائد الحاصلة قبل قبوله؟ فيه وجهان ذكرناهما في فوائد المبيع في زمان الخيار.
والضابط: أنَّ الملك الجائز إذا ثبت بجهة؛ فإن استقرَّ عليها فالفوائد لها، وإن استقرَّ على جهة أخرى فوجهان، فإن قلنا: لا حقَّ له في الزوائد، فهي للميت أو للوارث؟ فيه وجهان.
الثاني: المغارم والمؤن - كالنفقات وزكاة الفطر - إذا وجبت بين الموت
والقبول، فتلزم الموصَى له إن قَبِلَ وقلنا: تُملك بالموت، أو قلنا بالوقف، وإن ردَّ لم تَلزمه على الأقوال الثلاثة اتِّفَاقًا؛ فإنَّا وإن قلنا: تُملك بالموت، كان إلزامه بالزوائد أهونَ من إلزامه بالمغارم.
وإذا مسَّت الحاجة إلى النفقة، عُرض عليه القبولُ والردُّ، ولا يُلزم بواحد منهما، فإن قال: لا أقبل ولا أردُّ، اتَّجه أن يُلزم بالنفقة، كمن طلَّق إحدى امرأتيه إبهامًا، وامتنع من البيان، فإنْ ردَّ الوصيَّة بعد إلزامه بالنفقة لم يرجع بما أنفق، كما لا يرجع الزوج المطلِّق بما أنفق اتِّفاقًا.
فإن كان الموصَى له غائبًا، وقلنا: تُملك بالموت، فالنفقةُ من كسب العبد، فإن لم يكن فمن بيت المال، فإنْ حضر وقَبِلَ الوصيَّة رُجِعَ عليه بالنفقة، كما لو أنفق الإمامُ على عبدٍ لغائبٍ عند الحاجة، فإنَّه يرجع عليه بذلك، وإن ردَّ الوصيَّة لمَّا بلغه الخبرُ، فلا يرجع بيتُ المال على أحد، ويُحتمل أن يرجع على الوارث إن رددنا الزوائد إليه، أو على الموصَى له إن بقَّينا الزوائد عليه.
وإن قلنا بالوقف؛ فإن قَبِلَ ثبتت هذه الأحكام، وإن ردَّ تعَلَّقت بالوارث.
الثالث: إذا أوصى لإنسان بمن يَعْتِقُ عليه:
فإن قلنا بالوقف؛ فإن قَبِلَ تبيَّن أنَّه عَتَقَ بالموت، وإن ردَّ تبيَّن أنَّه لم يعتق.
وإن قلنا: يملك بالموت، فردَّ أو قَبِلَ، ففي حصول العتق بالموت وجهان، فإن قلنا: لا يحصل؛ فإن قَبِلَ عتق حينئذٍ، وإن قلنا: يعتق، فردَّ، لم يصحَّ ردُّه.
وإن قلنا: يملك بالقبول، عتق بالقبول عتقًا مستقرًّا.
وإن وصَّى لأجنبيٍّ بمن يَعْتِقُ على وارث الموصي؛ فإن قَبِلَ الوصيَّة لم يعتق على الوارث اتِّفاقًا، سواءٌ جُعل الملك قَبْلَ القبول للميِّت أو للوارث، وإن ردَّ الوصيَّة لم يَبْعُدْ إسناد العتق إلى ما تقدَّم.
الرابع: إذا وصَّى لرجل بزوجته:
فإن قلنا: يملك بالموت، انفسخ النكاح سواءٌ قَبِلَ أو ردَّ؛ فإنَّ المِلْكَ الضعيف يقطع النكاح؛ لتضادِّهما.
وإن قلنا بالوقف، فإن قَبِلَ تبيَّن انفساخ النكاح، وإن ردَّ تبيَّن أنَّه لم ينفسخ.
وإن قلنا: يملك بالقبول، لم ينفسخ النكاح حتى يقبل.
ولو أوصى لإنسان بزوجةِ وارثِ الموصِي؛ فإن قلنا: يَمْلكُ بالقبول، لم ينفسخ النكاح إن بقَّينا الملك على الميِّت، وإن نقلناه إلى الوارث فوجهان؛ لأنَّه ملكٌ ضعيفٌ تقديريٌّ، وإن ردَّ الوصيَّة؛ فإن قلنا بالانفساخ إذا قَبِلَ، انفسخ إذا ردَّ، وإن قلنا: لا ينفسخ إذا قَبِلَ، فالأظهر هاهنا: إسنادُ الفسخ إلى الموت، وقيل: ينفسخ من حين الردِّ.
2094 -
فصل في موت الموصَى له قبل القبول والردِّ
إذا مات الموصي، ثم مات الموصَى له قَبْلَ القبول والردِّ، ثبت لوارثه الخيارُ بين القبول والردِّ؛ لأنَّ الإيصاء أثبت له حقَّ التملُّك، فانتقل ذلك الحقُّ إلى الوارث.
فإن قلنا بالوقف كان قبولُ وارثه وردُّه كقبول الموصَى له وردِّه، فإن ردَّ تبيَّن أنَّ الملك لم يحصل، وإن قَبِلَ تبيَّن أنَّ المِلْكَ حصل بالموت للموصَى له، ثمّ انتقل عنه إرثًا إلى القابل.
وإن قلنا: يملك بالموت، كان قبولُ وارث الموصَى له وردّه كقبول الموصَى له وردِّه من غير فرقٍ.
وإن قلنا: يملك بالقبول؛ فإن ردَّ وارثُه الوصيَّة ارتفع حكمها، وإن قبل فوجهان:
أحدهما: يملكه الموصَى له قبيل موته بألطف زمان، ثم يورَثُ عنه، فإن كان الموصَى به ممَّن يَعْتِقُ على الموصَى له، تبيَّن أنَّه عَتَقَ عليه من رأس المال.
والثاني: يحصل الملكُ مع قبول الوارث، وفي كيفيَّة حصوله وجهان:
أحدهما: يحصل للموصَى له وهو ميِّت، فيرثه القابل عنه، وتُقضى منه ديونه ووصاياه، ولا يَعْتِقُ على الموصَى له؛ لأنَّ مِلْكَه مقدَّر بعد موته.
والثاني: يحصل الملك للوارث؛ إذ يبعد إثباتُ الملك ابتداء لميِّت، ولأنَّه ورث منه حقَّ التملُّك، فأشبهَ إرثَه لحقِّ الشفعة، فلا يَعْتِقُ على الموصَى له، ولا على وارثه، وهل يُجعل تركة للموصَى له تُقضَى منه ديونه ووصاياه؛ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنَّه المقصود بالإيصاء، فصار كمن نصب شبكةً، فوقع فيها صيدٌ بعد موته، فالمذهب: أنَّه تركة له، بخلاف المأخوذ بالشفعة؛ فإنَّه مأخوذ بعوض.
والثاني: لا يكون تركةً كالمأخوذ بالشفعة.
وقيل: لا يكون الصيد تركة؛ إذ يَبْعُدُ أن يدخل في ملك الميت ثم يُوْرَثَ عنه، وإن قيل بذلك في الوصيَّة؛ فإنَّ الموصَى له مقصودٌ بالإيصاء.
2095 - فرع:
إذا وصَّى بأمة لزوجها الحرِّ، فعلقت منه بين الموت والقبول؛ فإن قلنا: يملكها بالموت، عَتَقَ الولدُ، وثبت الاستيلادُ.
ونقل المزنيُّ: أنَّ الولد يعتق، ولا يثبت الاستيلاد حتَّى تلد بعد القبول بستَّة أشهر فما زاد؛ لأنَّ الوطء بعد القبول وَطْءُ مِلْكٍ، وقبله وطءُ نكاح.
وهذا غلطٌ من المزني؛ لأنَّه تفريع على قولين متناقضين، ولا يجوز تأويله بأنَّه
فرعٌ
على قولٍ بوقف الملك على القبول، وعلى أنَّ الفوائد للموصَى له؛ فإنَّه وجهٌ بعيد، وقولُ القبول قول ضعيف كلَّما ذكره الشافعيّ زيَّفه.
فإن مات الموصَى له، فقَبِلَ وارثُه؛ فإن قلنا بالوقف، أو بأنَّه يُملك بالموت، أو قلنا: يُملك بالقبول مستندًا إلى ما قبيل موت الموصَى له، عتق الأولاد.
2096 - فرع: إذا وصَّى لرجل بولده، فمات الموصَى له، فقَبِلَ وارثُه، وقلنا: يعتق؛ فإن أدَّى توريثُ الولد إلى حجب القابل فلا إرث للولد، مثل أن يوصيَ لرجل بولده، فيموت، فقَبِلَ الوصيَّةَ عمُّ الولد، وإن لم يؤدِّ إلى حجبه، مثل أن يوصيَ له بولد وله ولد آخر، فقَبِلَ ذلك الولدُ الوصيَّة، فلا إرث للعتيق على
الأظهر، وقيل: يرث، وينبغي أن يُخرَّج ذلك على قول الوقف، أو قولِ حصول الِملْكِ بالموت.
2097 -
فصل فيمن أوصى بعين فاستُحِقَّ بعضها
إذا وصَّى بعبد أو دار، فظهر أنَّ ثلثيها مستحَقَّان؛ فإنْ لم يخلِّف سوى ثلثها، ورُدَّت الوصيَّة 1، صحَّت في ثلث الثلث، وإن خلَّف مالًا يُخْرِجُ بسببه ثلث العين من ثلثه 2، صحَّت وصيّته بثلثها، وقال أبو ثور وبعض السلف: لا يصحُّ إلا في ثلث الثلث.
ولو قال مَن يملك نصف عبدٍ لأجنبيٍّ: بعتك نصف العبد، فهل يختصُّ البيع بنصفه، أو يَشيع في النصفين؟ فيه وجهان، أوجهُهما: أنَّه يختصُّ بنصفه، فإن قلنا بالإشاعة خُرِّج على تفريق الصفقة.
وإن وقع نظير ذلك في الوصيَّة اختصَّت الوصيَّة بنصفه وإن قلنا بإشاعة البيع؛ فإن الوصيَّة إذا تردَّدت بين الصحَّة والفساد حُملت على الصحّة، بخلاف البيع؛ فإنَّه لو أوصى بطبل، وله طبلُ لهو وطبلُ حربٍ، حُمل على طبل الحرب، ولو أحضر الطبلين، وقال: بعتك أحدَهما، لم يُحمل على طبل الحرب، وقال ابن سريج: إذا قلنا بإشاعة البيع نُزِّلت الوصيَّة على الإشاعة، إلَّا أنَّها لا تبطل بالتفريق، بخلافِ البيع، فإنَّه يبطل ببطلان بعضه.
2098 -
فائدة:
إذا نُقلت الوصايا المطلقة التي لا ينحصر مستحِقُّوها - كالفقراء والمساكين وأبناء السبيل - عن بلد الموصي؛ فإن جوَّزنا نقل الزكوات جاز نقلها، وإن منعناه فوجهان، والأكثرون على المنع.
2099 -
فصل فيمن أوصى بدار فاختلَّت وانهدمت
إذا وصَّى بدار دخل في الوصيَّة ما يدخل فيها لو باعها وفاقًا وخلافًا، فإن انهدمت أو انهدم بعضها في حياة الموصي، ففي انفساخ الوصيَّة في أنقاضها وجهان، فإن قلنا: لا تنفسخ؛ فلو انهدمت بعد موت الموصي وقَبْلَ القبول؛ فإن قلنا بالوقف، أو قلنا تُملك بالموت، كانت الأنقاض للموصَى له، وإن قلنا: تُملك بالقبول، ففي الانفساخ في الأنقاض خلافٌ مرتِّب على انهدامها قبل الموت، وأولى بألا تنفسخ؛ لدخول وقت إمكان القبول.
2100 -
فرع:
أجزاءُ الدار المبيعةِ: كعينٍ مبيعة، أو كوصفٍ للمبيع؟ فيه وجهان يجريان في كلِّ جزء متقوِّم من أجزائها، كسقوفها، فإن أوصى بدارٍ، وزاد في بنائها، لم يكن رجوعًا، فإن جُعلت أجزاء الدار كصفاتها دخلت الزيادة في الوصيَّة؛ اعتبارًا بِبُسُوق النخل 1، وكبر الغلمان، وإن جعلناها كعينٍ مبيعةٍ، لم تدخل.
وقطع الإمام بأنَّها لا تدخل وإن جُعلت كالصفات؛ فإنَّ البائع لو زاد أبنية الدار المبيعة قبل القبض، فلا نعلم خلافًا أنَّ للمشتري نزعَ الزيادة، وإلزامَ البائع بالنزع، ولو باع خشبةً من سقف الدار، وأَمْكَنَ نقلُها من غير تغييرٍ ظاهرٍ لِمَا اتَّصل بها من الأعيان، صحَّ البيع اتّفاقًا، وما يُمكن إفرادُه بالبيع لا يجوز أن يُجعل صفةً تحقيقًا.
2101 -
فصل في كيفيَّة توزيع الثلث على الوصايا
إذا ضاق الثلث عن الوصايا، مثل أن أوصى لزيدٍ بعشرة، ولعمرٍو بعشرة، ولخالدٍ بخمسةٍ، والتركةُ ستُّون درهمًا، فالطريق في ذلك ونظائره: أن نضبط قَدْرَ الثلث ومقدار الوصايا، ثم يُنسب الثلث إلى الوصايا، ويُنفَّذ من كلِّ وصيَّة مثل تلك النسبة، فإذا نسبتَ العشرين إلى خمسة وعشرين كانت أربعةَ أخماسها، فلخالد أربعةٌ، ولصاحبيه ثمانيةٌ ثمانيةٌ.
ويحصل الغرض أيضًا بأن نسب بعض الوصايا إلى بعض، وتجعلَها سهامًا على أقلِّ ما معك، فتجعل لخالد سهمًا، ولصاحبيه سهمين سهمين، وتجعل العشرين خمسة أسهم، فيضربون بالخمسة في العشرين؛ لخالد جزءٌ من عشرين، وهو خمسُها، ولكلِّ واحد من صاحبيه جزءان من عشرين، وهو خمساها.
فإن شرط أن يُقدَّم خالد بوصيِّته على عمرو، أُخذ من عمرٍو ما يكمل الخمسة، فيكون لخالد خمسةٌ، ولعمرو سبعةٌ، ولزيد ثمانيةٌ.
2102 -
فصل فيمن ملك من يعتق عليه في مرض موته
إذا اشترى مَنْ يَعْتِقُ عليه في مرض موته عَتَقَ من ثلثه، فإنْ ضاق الثلثُ عتق منه بقَدْرِ الثلث اتِّفاقًا.
وإن ورثه في مرض موته مَلَكَه، وعَتَقَ من رأس المال اتِّفاقًا.
وإنْ قَبِلَه في هبةٍ أو وصيَّةٍ، فالأصحُّ: أنَّهُ من رأس المال، وقيل: يُحسب من الثلث.
وإن اشتراه بثمنِ المثل فالوجه: أن يُحسب من الثلث، فإن كان عليه دين مستغرِقٌ لم يَعْتِقْ.
وإن كانت قيمته ألفًا، فاشتراه بخمسِ مئة، فإن جُعل الموهوبُ من الثلث فلا إشكال، وإن جُعل من رأس المال كان حكم الخمسِ مئة التي حُوبي بها حكمَ الموهوب.
ومتى اشتراه بقيمته، فلم يعتق لوجود الدَّين، فالمذهب: صحَّة الشراء، وصرفُه في الدين، وقيل: لا يصحُّ مهما أفضى الأمر إلى ردِّ العتق.
ومتى عتق من الثلث لم يرث، ومتى عتق من رأس المال، ورث على الأصحِّ.
2103 -
فرع:
إذا نُكحت المريضة بأقل من مهر المثل صحَّ النكاح، فإن كان الزوج لا يرثها - كالرقيق والمسلِم مع الذميَّة - صحَّت المحاباة، ولم تُحسب من الثلث؛ لأنَ منافع البُضْع لا تبقى للورثة، وإن كان الزوج وارثًا صحَّت