كِتابُ الخُلع
2526 -
الخلع صحيح بالإجماع، ولا يُشترط فيه خوفُ نزاعٍ.
وهو طلاقٌ، أو فسخ؟ فيه قولان مأخذُهما: أنَّ النكاح هل يقبلُ الفسخ بالتراضي؟
والأصحُّ، وبه الفتوى: أنَّه طلاق، وبه قال عليٌّ وعمر وعثمان.
والقديم: أنَّه فسخ، وبه قال ابن عباس.
ولا يرتدُّ به العِوَضُ المسمَّى، بخلافِ الإقالة وسائرِ الفسوخ، فإنْ جُعل فسخًا لم يصحَّ مع الأجنبيِّ، ولم ينقص به العدد، ولا يحتاج إلى المحلِّل.
2527 -
فصل في الخلع على مال
إذا تخالعا على مالٍ بلفظ الخُلْع؛ فإن جُعل فسخًا فهو صريحٌ اتِّفاقًا، وكذلك لفظُ الفسخ على الأصحِّ، وفي لفظ الافتداء في الخلع، والفكِّ في العتق، والإمساكِ في الرجعة، وجهان.
والضابط: أنَّ ما ورد به الشرعُ متكرِّرًا فهو صريحٌ اتِّفاقًا وإن لم يَشِعْ في العرف، كلفظ الطلاق والسَّراح والفراق، وما ورد به القرآن مرَّةً واحدة، أو شاع في العُرف ولم يَرِدْ به القرآن، ففيه وجهان.
ولو نوى بالخلع الطلاقَ فالمذهبُ نفوذُ الفسخ؛ لأنَّه صريحٌ فيه، وأَبعدَ مَن نفَّذ الطلاق.
ولو ملك فسخَ النكاح بسببٍ من الأسباب، فأتى بلفظ الفسخ ونوى به الطلاق، فقد قطع القاضي بوقوع الطلاق؛ فإنَّ لفظ الفسخ لا يختصُّ بالنكاح، فأشبهَ ما لو قال: أنتِ عليَّ حرامٌ، ونوى الطلاق، ويحتمل أن ينفذ الفسخُ دون الطلاق.
هذا كلُّه إن جُعل فسخًا، وإن جُعل طلاقًا، فأصحُّ القولين: أنَّه كنايةٌ في الطلاق، واختلفوا في مأخذ القولين، فأَبعدَ مَن بناهما على أنَّ ذكر المال هل يُلحقُ الكناياتِ بالصرائح؟ والأصحُّ الذي عليه الجمهور: بناؤهما على أنَّ ما شاع في العرف لأمرٍ هل يُلحَقُ بالصرائح؟ فعلى هذا ينحصرُ صريحُ الطلاق في السَّراح والطلاق والفراق، ومعانيها بجميع اللغات، وهو ظاهرُ المذهب.
وإن جُعل الشائعُ صريحًا فالخُلْعُ صريحٌ في الطلاق، وهذا هو الأصحُّ.
2528 -
فصل في التخالع بغير مال
إذا أتيا بلفظ الخلع، ولم يتعرَّضا للمال؛ فإن جعلناه طلاقًا، وأخذنا الصريح من الشياع، ففي وجوب المال قولان يجريان فيمَن قارَضَ أو ساقى، ولم يذكر سهم العامل، فإن لم نوجب المالَ نفذ الطلاقُ رجعيًّا إن قَبِلَتْ، وكذلك إن لم تقبل على الأظهر، وعلَّة اشتراط القبول: أنَّ قوله:
خالعْتُكِ، مفاعَلةٌ تقتضي الفعل من الجانبين، وقياسُه: أنَّه لو قال: خَلَعْتُكِ فلا حاجة إلى القبول، وخصَّه الإمام بما إذا نوى التماسَ الجواب، وقال: إنْ لم ينوِ التماسَ جوابها طُلِّقت من غير قبولٍ.
وإن أخذنا الصريحَ من ذكر المال فلفظُ الخلع هاهنا كنايةٌ، وفي اقتضائه المالَ الوجهان، فإنْ نَوَيا الطلاقَ، وقلنا: يقتضي المال، بانت، ولزمها مهر المثل، وإن قلنا: لا يقتضيه؛ فإن لم ينو المال طُلِّقت طلقةً رجعيَّةً، وإن نوياه ففي ثبوته وجهان، فإن أثبتناه بانت اتِّفاقًا، وإن لم نُثبته وقعت طلقة رجعيّة، ويحتمل ألا تطلق؛ فإنَّه لم ينوِ الطلاق إلا بمالٍ.
وإن جُعل فسخًا؛ فإن قلنا باقتضاء المال - وهو الأصحُّ - بانت، ولزمها مهرُ المثل، وإن قلنا: لا يقتضيه، لغا كلامُه عند الأصحاب؛ إذ لا يصحُّ الخلع إلا بعوضٍ، وقال الإمام: ينبغي أن يصحَّ، ويقع الخلاف في وجوب العوض، كما في نكاح التفويض.
فيحصل في الخُلع من غير ذكر المال أوجهٌ:
أحدها: لا تطلق.
والثاني: تطلق طلقةً رجعيّةً.
والثالث: تتبيَّن إمَّا بالفسخ أو الطلاق، وعليها مهرُ المثل.
2529 -
فرع:
إذا قالت: طلِّقني بألفٍ، فقال: خالعتكِ 1 به؛ فإن جُعل فسخًا فالنكاحُ
بحاله، وإن جُعل صريحًا في الطلاق أو كنايةً، فنواه، بانت، ولزمها الألف.
وإن قالت: خالعني بألف، فقال: طلَّقتك به؛ فإن جُعل فسخًا، ففي وقوع الطلاق وجهان، فإن أوقعناه لزمها الألف.
2530 -
فرع:
لا يلحق المختلعةَ في العِدَّة خلعٌ ولا طلاقٌ، ويقع الطلاقُ في عِدَّة الرجعة، وكذا الخلعُ على أصحِّ القولين، وقال أبو على: إن خلعها بالطلقة الثالثة صحَّ قولًا واحدًا.
2531 - فرع: إذا جعلنا الخلع طلاقًا، فخلع ثلاثًا، افتقر إلى المحلِّل، وإن جُعل فسخًا لم يفتقر إلى محلِّلٍ، وكذلك سائرُ الفسوخ.
2532 -
فصل في الخلع بشرط الرجعة
إذا خلعها بمالٍ بصريحِ الطلاق، أو كنايته مع النيَّة، وشَرَطَ أنَّ له الرجعة فقولان:
أقيسهما: أنَّها تَبينُ بمهر المثل.
والثاني: تقع طلقةً رجعيَّة.
ولو طلَّقها بمالٍ على أنَّه مهما بدا لها أن تستردَّه فاستردَّته فله الرجعةُ، فقد خرَّجه بعضهم على القولين، والنصُّ - وعليه المُعْظَم -: أنَّها تبينُ بمهر المثل؛ فإنَّه نجَّز البينونة، وشَرطَ تدارُكَها بالرجعة.
ولو قال: أعتق عبدك عنِّي بألف على أنَّ لك الولاء، فأجابه، عَتَقَ عن المستدعي، ولزمه الألفُ، وله الولاءُ.
وقيل: يقع العتق عن المالك، ولا شيء على الطالب؛ لأنَّ الاستدعاء بطل بالشرط، فنفذ العتق عن المالك.
2533 -
باب ما يقع من الطلاق وما لا يقع
إذا علَّق الطلاقَ بصفةٍ، فبانت الزوجةُ بسبب من الأسباب، ثم نكحها، فوُجدت الصفة؛ فإن لم يَسْتوفِ عدد الطلاق في النكاح الأوَّل طلقت على القديم، وفي الجديد قولان، وإن استوفى العدد لم تَطْلُقْ على الجديد، وفي القديم قولان؛ أبعدُهما: وقوعُ الطلاق، والعتقُ في ذلك كالطلاق، فإذا علَّقه بصفة، ثم زال مِلْكُه عن العبد زوالًا لازمًا، ثم ملكه، فوُجدت الصفة، ففيه القولان.
ولو أعتقه بعد التعليق فلَحِقَ بدار الحرب، ثم استُرقَّ، وجوَّزنا ذلك، فمَلَكَه ثم وُجدت الصفة، لم يَعتِقْ على الجديد، وفي القديم قولان.
2534 -
فرع:
إذا وُجدت الصفة في حال البينونة، ثم في النكاح الثاني، لم تَطْلُقْ، خلافًا للإصطخريِّ، وإن وُجدت في البينونة، ولم يُتصوَّر وجودُها في النكاح الثاني، فلا تَطْلُق بوفاق الإصطخريِّ.
ولو قال: إذا بنتِ، فتزوَّجتُك، فدخلْتِ الدار، فأنت طالق، فأبانها، ثم تزوَّجها، فدخلت الدار في النكاح الثاني، لم تَطْلُق، وأبعدَ من خرَّجه على الخلاف.
2535 -
فرع:
لو ملك ثلاثًا، فعلَّق إحداهنَّ بصفةٍ، ثم قال: نجَّزتُ الطلقةَ المعلَّقة، تنجَّزت طلقة، فإن قلنا: لا ينحلّ التعليق بتنجيز الثلاث، لم ينحلَّ هاهنا، وإن قلنا: ينحلُّ ثَمَّ، فهاهنا وجهان.
ولو علَّق إحداهنَّ، ونجَّز واحدةً مُطْلَقةً، لم ينحلَّ التعليق اتّفاقًا.
2536 -
فصل في تعليق الطلاق بالسنين
إذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا في كل سنةٍ طلقةً، رُوجع؛ فإن زعم أنَّه أراد سنة منكَّرة طَلَقتْ واحدةً في الحال، فإن راجع، أو امتدَّت العدَّة إلى انقضاء اثني عشر شهرًا كوامِلَ، وقعت الثانيةُ، فإن راجع، أو طالت العِدَّة اثني عشر شهرًا، وقعت الثالثة، فتقع الثلاثُ في أربعةٍ وعشرين شهرًا، ولحظةٍ تقع فيها الطلقةُ الثالثة.
وإنْ بانت قبل انقضاء السنة الأولى فله حالان:
إحداهما: أن يتزوَّجها، ويُكْمِلَ اثني عشر شهرًا من حين التعليق، فعلى الخلاف في عود الحنث.
الثانية: ألا يتزوَّجها حتى تنقضيَ السنةُ الثانية، فتنحلَّ اليمينُ المعلَّقة بها بوفاق الأصطخريِّ، فإن نكحها بعد أن مضى من أوّل السنة الثالثة ما تقع فيه الطلقة الثالثة؛ فإن قلنا بعود الحِنْثِ طلقت عقيبَ النكاح، كما لو قال: أنت طالق غدًا، ثم أبانها، ومضى صدرُ النهار في البينونة فنكحها، فإنَّها
تَطْلُقُ عقيبَ النكاح.
وإن قال: أردتُ السنة العربية، طَلَقتْ واحدةً في الحال، والثانيةَ كما 1 أهلَّ المحرَّم، وقد تقع الطلقتان في لحظةٍ بأنْ يبقى من السنة لحظةٌ، فتقعَ فيها طلقةٌ، وتتعقَّبَها الثانيةُ في أول السنة الثانية.
وإن قال: لم أقصد شيئًا، فهل تُحملُ على السنة العربيّة، أو على المنكَّرة؟ فيه وجهان.
ولو قال في أثناء اليوم: أنت طالقٌ في كلِّ يومٍ طلقة، طَلَقَتْ واحدةً في الحال، والثانيةَ كما طلع فجرُ اليوم الثاني، فإن قال: أردتُ يومًا منكَّرًا، دُيِّن، وفي قبوله ظاهرًا وجهان، وإنْ أطلق، حُمل على المعرَّف اتِّفاقًا؛ لشدَّة ظهوره فيه، بخلافِ لفظ السنة.
ولو قال: أجَّرتكَ داري ثلاثَ سنين، أو: ثلاثةَ أيّام، فابتداؤها من حين العقد.
2537 -
باب الطلاق قبل النكاح
إذا قال لامرأة: إن تزوَّجتُك فأنت طالق، أو قال: كلُّ امرأة أتزوَّجُها فهي طالق، لم يقع الطلاق بعد النكاح إلا على قولٍ قديمٍ انفرد بنقله في "التقريب".
ولو قال الرقيقُ لزوجته: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ ثلاثًا، فدخلت بعد العتق، لم تقع الثالثةُ على أقيس الوجهين.
ولو قال لأمته الحائل: كلُّ ولدٍ تَلِدينه فهو حرٌّ، ففي عتق الأولاد وجهان، والأولى بالنفوذ 1 من الطلقة الثالثة في حقِّ العبد، فإن قلنا: يقع العتق، أو الطلاق، لم يُشترط إضافتهما في التعليق إلى حال الملك.
ولو قال: إن شفاني الله فلله عليَّ أن أُعتق عبدًا، أو: أُعتق عبدًا إنْ مَلَكْتُه، فشُفي لزمه النذرُ؟ لأنَّه إيجابٌ في الذمَّة.
ولو قال: فلله عليّ أن أُعتق عبدَ زيدٍ هذا إن مَلَكْتُه، فوجهان؛ لإضافته إلى العين.
ولو أوصى مَن لا يملكُ شيئًا بعبدٍ، صحَّ على المذهب.
ولو قال: إن ملكتُ عبدَ فلان فقد أوصيتُ به، فوجهان؛ فإن صحَّحنا النذر والوصيَّة مع إضافتهما إلى العين فشرطُه: أن يُقيَّد بالمِلْكِ، مثلَ أن يقول: إذا مَلَكْتُه فقد أوصيتُ به، أو: فلله عليَّ أن أُعتقه، فإن قال: وصَّيت بهذا العبد، أو: لله عليَّ أن أُعتق هذا العبد، لم يصحَّ.
وإن قال: إن تزوَّجت فلانةَ فقد وكَّلتُكَ بطلاقها، لم تصحَّ الوكالة عند الإمام.
وإن قال: وكَّلتك ببيع عبدِ فلانٍ إذا مَلَكْتُه، وبطلاقِ فلانةَ إذا تزوَّجتُها، فملك وتزوَّج، ففي صحَّة الوكالة وجهان، وقطع الإمام بالبطلان.
2538 -
باب مخاطبة المرأة بما يلزمها من الخلع وما لا يلزمها
قال الأئمَّة: إذا جُعل الخلع فسخًا لم يدخله التعليق، وكان فسخًا بمالٍ جديدٍ، ولا يُنزَّل على العوض المسمَّى في النكاح، بخلافِ غيره من الفسوخ، وإن جُعل طلاقًا، أو طلَّقها على مالٍ، فهو من جانبها معاوضة نازعةٌ إلى الجعالة، ومن جانبه طلاقٌ بعوضٍ يَنْزِعُ إلى المعاوضات تارةً، وإلى التعليق أخرى، أو إلى التعليق والمعاوضة إذا تركَّب منهما، فإن عقد بلفظ المعاوضة أُعطي حكمَها في تواصل القبول والإيجاب، واتِّفاقهما، وجوازِ رجوعِ الموجِبِ قبلَ القبول، وإن عُلِّق؛ فإنْ بَعُدَ عن غرض المعاوضة فلا رجوعَ له بعد التعليق، ولا يُشترط اتِّصال الشرط بالتعليق، وإن قَرُبَ من غرض المعاوضة، فقال: إن أعطيتيني ألفًا فأنت طالق، لم يملك الرجوع؛ نظرًا إلى التعليق.
ويُشترط أن يتَّصل الشرطُ بالتعليق كاتِّصال القبول بالإيجاب، وأبعدَ مَن لم يشرط الاتِّصال، وجعله كالتعليق بدخولِ الدار، فإذا قال: طلَّقتكِ بألفٍ، أو: أنتِ طالقٌ على ألفٍ، فلابدَّ من الاتَّصال، وله الرجوعُ قبل القبول، وإن قال: طلَّقتك ثلاثًا بألفٍ، فقَبِلَتْ واحدةً بثُلُثِ الألفِ، لم تَطلُقْ، كما لو باع عبدًا بألفٍ، فقَبِلَ المشتري ثُلُثه بثلثِ الألف.
وإن قال: متى أعطيتنِي، أو: متى ما أعطيتنِي، أو: متى ضَمِنْتِ لي، أو: متى ما ضمِنْتِ لي، ألفًا فأنتِ طالق، لم يملك الرجوع، ولا يُشترط القبول اللفظيُّ، ولا الاتِّصالُ الفعليُّ.
وإن قال: إن أعطيتِني، لم يملك الرجوع، ولا يُشترط القبولُ اللفظيُّ، ويُشترطُ التواصُلُ على المذهب.
ويجوز التعليقُ من جانبها، مثلَ أن تقول: إن طلَّقتني فلك ألفٌ، كما يقول الجاعل في الجعالة: إن رددتَ عبدي فلك ألفٌ.
وإن سألتْ ثلاثًا بألفٍ، فطلَّق واحدةً، استحقَّ ثلثَ الألف، كما تقول: إن رددتَ عبيدي الثلاثةَ فلك ألفٌ، فإنَّه يستحقُّ ما يخصُّ الواحد إذا أفرده بالرد، ولها أن ترجع قبل قبوله، وإن أتت بصيغة التعليق.
وإن قالت: متى طلَّقتني فلك ألفٌ؛ فإن طلَّق في الحال استَحَقَّ الألف، وإن أخَّر طَلَقَتْ، ولم يستحقَّ شيئًا، بخلافِ نظيره في الجعالة؛ إذ لا يمكن تعجيلُ مقصودها، والزوجُ قادرٌ على تعجيل الطلاق.
وكلُّ ما ذكرناه في الطلاق على مالٍ فهو ثابتٌ في العتق على المال، فهو من جانب السيّد تعليقٌ ومعاوضةٌ، ومن جانب العبد معاملةٌ نازِعةٌ إلى الجعالة، ولا نعني بذلك الكتابةَ، بل قولَ السيد: أعتقتكَ على ألفٍ، وقول العبد: أعتقني على ألف.
2539 -
فصل في الصِّلات
إذا قالت: طلِّقني بألفٍ، أو: على ألف، فقال: طلقتُك، أو: أنتِ
طالقٌ، بانت، واستُحقَّ المسمَّى وإنْ لم يَذكرِ الألفَ؛ كما في البيع.
فإن قال: قصدتُ بذلك ابتداءَ الطلاق دون الجواب، فالقولُ قولُه مع يمينه، وله الرجعةُ.
وإن قال: بعتكَ هذا بألفٍ، فقال: اشتريتُ، وقال: لم أقصد الجواب، ففيه احتمالٌ؛ إذ لا يستقلُّ، بخلافِ الطلاق.
ولو قالت المرأة: لم يقصد الجواب، فالقولُ قولُه؛ إذ الشرطُ ألا يُقْصَدَ الابتداء، ولا يُشْتَرَطُ قصدُ الجواب، ولا يَبعدُ اشتراطُه، حتى لو لم يقصده نفذ الطلاق رجعيًّا.
ولو قالت: طلِّقني ثلاثًا ولك ألفٌ، أو: ولك عليَّ ألف، فأجاب، استَحقَّ الألف على المذهب.
وفيه وجهٌ: أنَّه لا يستحِقُّ شيئًا، ولا ينبغي أن يطَّرد في قولها: ولك عليَّ ألف.
وإن قال: طلَّقتكِ بألفٍ، أو: على ألفٍ، لم تَطْلُق حتى تَقْبلَ، فيلزمُها الألف.
وإن قال: طلَّقتك، أو أنت طالق، ولي عليكِ ألفٌ، أو وعليكِ ألفٌ، طلقت طلقةً رجعية اتِّفاقًا؛ فإنَّه مستقلٌّ بالطلاق، فلا ترتبطُ بالمال إلا بلفظٍ صريحٍ، بخلافِ سؤالها؛ فإنَّه لا يفيدُ شيئًا بمجرَّده، فإنْ زعم أنَّه أراد بذلك ما يريده بقوله: أنتِ طالقٌ بألفٍ، لم يُقبل عند أئمَّة المذهب، وقيل: إن تصادقا فوجهان، وإن أكذَبته؛ فإن قلنا: لا أثر للتصادق، فلا فائدة في اختلافهما، وإن اعتبرنا التصادق، حلفت على نفي العلم بإرادته الربطَ بالمال.
وإن قال: أنتِ طالقٌ على أنَّ لي عليكِ ألفًا، رُوجع؛ فإن قال: قصدتُ اشتراطَ ضمانها للألف، قُبِلَ؛ فإنَّ الشرط إذا تعقَّبَ الطلاقَ صار معلَّقًا به، ثم يتردَّد ضمانُها المشروطُ بين أن يُحمل على قوله: إن ضمنتِ لي، أو على قوله: متى ضمنتِ لي، والأشبهُ حملُه على: إن ضمنتِ لي، وإن قال: أردتُ بذلك أنَّها طالقٌ بألفٍ، أو: على ألفٍ، لم يُقبل عند صاحب "التقريب"، ودلَّ كلام غيره على القبول.
وإن قال: إن بعتَني عبدَكَ فلك ألفُ درهم، لم يصحَّ، وإن قال: بعنيه على ألفٍ درهم، صحَّ، وإن قال: بعنيه ولك عليَّ ألفُ درهم، فوجهان.
2540 -
فصل في الخلع بالكنايات
إذا تخالعا بشيءٍ من ألفاظ الكناية، فالنصُّ الأصحُّ: أنَّها لا تصير صريحةً بذكر المال، سواءٌ جُعل الخُلعُ فسخًا أو طلاقًا، وأَبعدَ مَن جعلها صرائحَ على قول الفسخ دون قول الطلاق.
فعلى الأصحِّ: إذا قالت: خالِعْني بألفٍ، فقال: خَلَعْتُكِ عليه؛ فإن نَوَيا الطلاق بانت، ولزمها الألف، وإن نوى أحدُهما دون الآخر، لم تطلق؛ لأنَّ الطلاق عُلِّق بالتزامها مع كونها من أهل الالتزام، بخلاف السفيهة.
وإن قالت: خالِعْني بالف، ولم تنوِ شيئًا، فقال: خالعتُك، ونوى الطلاقَ، ولم يذكُرِ الألفَ، لم تطلق، وأَبعدَ مَن أَوْقَعَ طلقةً رجعيَّةً.
ولو قال: أنتِ طالقٌ، وزعم أنَّه علَّق بصفةٍ، دُيِّن على الأصحّ،
ولا يُقبل في الظاهر اتِّفاقًا.
ولو قال: أنتِ بائنٌ، وزعم أنَّه نوى طلاقًا معلَّقًا بصفةٍ، ففي قبوله في الظاهر احتمالٌ في فحوى كلامهم.
ولو قالت: خالِعْني، ولم تنو الطلاقَ، ولم تذكر المالَ، فقال: خالعتُك، وزعم أنَّه نوى الطلاق؛ فإن جُعِلَ لفظُ الخُلع مقتضيًا للمال فهو كما لو ذكر المال، وإن قلنا: لا يقتضيه، طَلَقَتْ على الظاهر؛ فإنَّ استدعاءها الطلاق بمثابة قبولها له.
2541 -
فرع:
إذا قالت: طلِّقني بألف، فأتى بكنايةٍ، وزعم أنَّه نوى الطلاق، بانت، ولزمها الألفُ، وقال ابن خيران: لا تَطْلُقُ؛ لِمَا لها من القصد في الصريح؛ فإنَّه قد يَكْذِبُ في الإخبار عن نيَّة الكناية، وهذا باطلٌ؛ فإنَّه قد ينوي بلفظ الطلاق الحَلَّ من الوَثَاق.
2542 - فرع:
إذا ادَّعى أنَّه لم ينوِ، فالقولُ قولُه مع يمينه، وإن قال: نوينا، فقالت: لم أنوِ، بانت بإقراره، ولا شيء عليها.
وإن ادَّعى أنَه رجع قبل قبولها، لم يُقبل على ما قطع به الإمام، فإن ادَّعى علمَها برجوعه حلَّفها، وإن ادَّعت أنَّها رجعت عن استدعاء الطلاق فالقولُ قوله، وعليها المسمَّى في الحكم، وتحلفه إن ادَّعت عِلْمَه.
2543 -
فصل في الخلع بألف مجهول
إذا خلعها بعوضٍ، فقَبِلَتْ بغيره، لم تَطْلُقْ، كما لو خلع بدرهمٍ، فقبلت بدينارٍ؛ إذ يُشترطُ توافُقُ القبول والإيجاب.
وإن خلع بمُجْمَلٍ، فقال: خلعتُك بشيء، أو: بألفِ شيءٍ، فقبلت، بانت، ووجب مهرُ المِثْلِ، وإن نويا بذلك شيئًا معينًا لم يثبت.
وإن قال: خلعتك بألف، أو: بألف درهمٍ، وفي البلد نقودٌ مختلفةٌ لا غالب فيها، بانت؛ فإن اتَّفقا على أنَّهما أو أحدَهما لم ينوِ شيئًا، وجب مهر المثل، وإن اتَّفقا على أنَّهما قصدا بذلك نوعًا، أو جنسًا، صحَّ الخلع به عند المعظَم، ولو وقع مثلُ ذلك في المعاوضات لم تصحَّ، وقال الإمام: لا يصحُّ الخلع به كالمعاوضات.
وقال أبو محمد: لا يصحُّ إلا أن يتواطآ على ذلك، وطَرَدَه في سائر المعاوضات.
وقال: لو اتَّفقا على التواضع، فقال الزوج: قصدنا الدراهم التي تواضَعْنا عليها، فقالت: قصدتُ أنا الفلوس، فوجهان:
أحدهما: يتحالفان، فيجبُ مهر المثل.
والثاني: القولُ قولها، فإنْ حلفت وجبَ مهرُ المثل.
ويُحتمل تخريجُ ما قال على مهر السرِّ والعلانية، لكنَّ الفرق أنَّهما هاهنا اتَّفقا على بيانٍ مجمَلٍ، وثَمَّ اتّفقا على تغييرِ اللُّغةِ.
وعلى قول المعظَم: إذا قال: قصدتُ الدراهم، فقالت: قصدتُ أنا
الفلوس؛ فإنْ لم يدَّع كلُّ واحدٍ على الآخر شيئًا فلا تحالُفَ اتِّفاقًا، ويجب مهرُ المثل.
وإن قالت: أردنا الفلوس، وأنت تعلَمُ، فقال: بل أرْدنا الدراهم، وأنت تعلمين، تحالفا، ووجب مهرُ المثل، وأَبْعدَ مَن أوجبه بغير يمينٍ؛ تعليلًا بأنَّ التحالُفَ يجري في صفات العقود دون النيَّات.
وإن قال: أردتُ الدراهم، وأنت تعلمين، فقالت: أردتُ الفلوس، وأنت تعلم، تحالفا عند القاضي، وحمل القاضي (1) كلامه على إرادة الصورة السابقة، وأنَّه تساهَلَ في العبارة.
وإن اتَّفقا على اختلاف القصدين بانت في الظاهر والباطن، ولا شيء عليها؛ لاعترافه ببطلان الالتزام.
ولو قال: أردتُ الدراهم، وأردتِ الفلوسَ، فقالت: بل أردنا الدراهم، أو قالت: بل أردنا الفلوس، بانت، ووجب مهرُ المثل عند القاضي، ولا وجه لِمَا قال؛ لاعتراف الزوج ببطلان الالتزام؛ فإنَّ اللفظ لو وقع كذلك لم تطلق، وللقاضي أن يقول: لا أثر للنيَّة إلا أن يقع من الجانبين، بخلاف اللفظ.
2544 -
فصل في خلع الأجنبيِّ
أجمع العلماء على أنَّ مَن سأل رجلًا تطليقَ زوجته على مالٍ، فأجابه،1
صحَّ، ولزمه المالُ، وإن وكَّلت المرأة في الخُلع، أو وكَّلها أجنبيٌّ في اختلاع نفسها بمال الموكِّل صحَّ اتِّفاقًا، فإنْ خلعها بتوكيلها؛ فإن لم يصدِّقه الزوجُ على الوكالة لزمه العِوَضُ، وإن أضاف العوضَ حين الخلع إليها لم يطالب بشيء، وإن أطلق طُولب على المذهب.
وإن اختلف الزوجان، فقال الزوج: طلَّقتكِ بألفٍ عليكِ، فقالت: إنَّما قبلتُ الخلع عن فلانٍ، فالقولُ قولها، فإنْ حلفت فلا شيءَ عليها، ولا على الأجنبيِّ؛ لاعترافِ الزوج ببراءته.
وإن قال: خلعتُك بألفٍ التزمتيه، فقالت: إنَّما قبلتُ الخلع عن فلان، فوجهان:
أحدهما: يتحالفان، وهو المنصوص.
والثاني: يجب مهر المثل، ولا تحالُفَ، وهذا لا يصحُّ؛ لإنكارها أصل الالتزام، والقياس: أنَّها تَبينُ، ولا تحالُفَ، ولا يلزمُها شيء، كما لو قال: طلقتكِ أمس فقبلْتِ، فأنكرت؛ فإنَّها تَبينُ، ولا شيءَ عليها، ولم أر هذا لأحدٍ من المعتبَرين.
ولو أطلقتِ الالتزام، ثم قالت: إنَّما أردتُ ما يؤدِّيه موكِّلي فلانٌ: فالقولُ قولُه، أو قولُها، أو يتحالفان؟ فيه ثلاثةُ أقوال مذكورةٌ في "التقريب"، وقال الإمام: إن علَّقنا العهدة بالوكيل لزمها المال، ولا أثر لهذا الاختلاف، وإن لم نعلِّقها به، فلا وجه لِمَا ذكره من الخلاف.
وإن اعترف بالتوكيل، ونازع في النيَّة، فهذا محلُّ الاحتمال، والوجه: قبولُ قولها؛ لأنَّها أعرفُ بنيَّتها، وإن قال: تخالَعْنا على ألفِ فَلْسٍ، فقالت:
بل على ألف درهم، بانت، وتحالفا.
وحيث أجرينا التحالُفَ، فتحالفا، وجب مهرُ المثل، وحيث قلنا: يصحُّ الخلع، وجب المسمَّى.
وإن قال: خلعتك على ألفٍ ولم أشرط أن يضمنه فلانٌ، فقالت: بل شرطتَ ذلك، لزمها الألفُ، ولا أثر لهذا الاختلاف.
2545 -
فصل في تعليق الخلع على مشيئتها
يُشترط في اتِّصال الإيجاب بالقبول ألا يمضيَ زمانٌ يُشْعِرُ بإضراب القابل عن الجواب، فإن مضى ما يُشعر بالإضراب لم يصحَّ القبول، وإن كان القابل مفكِّرًا في المصلحة ورعاية الصواب؛ فإن تخلَّل بين الإيجاب والقبول كلامٌ بقَدْرِ الزمن القصير لم يضرَّ إلا على وجه بعيد، وإن طال الفصل مع اتِّحاد المجلس بطل القبول اتِّفاقًا، وإن قصر، ففارق المجلس مفارقةً قاطعةً لخيار المجلس، لم يبطل القبولُ على الأصحِّ.
وإن قال: متى ضمنتِ لي، أو: متى ما ضمنتِ لي، أو: مهما ضمنتِ لي، أو: أيَّ وقتٍ ضمنتِ لي، ألفًا فانت طالق، بانت بالضمان على الفور، أو التراخي.
وإن قال: إن أعطيتِ، أو: إن ضمنتِ، أو: إذا أعطيتني ألفًا، فأنت طالقٌ، فهو على الفور.
وإن قال: إن شئتِ فأنتِ طالقٌ، فهو على الفور اتِّفاقًا؛ لدلالة العرف عليه.
وإن قالت: أشاء أن تطلِّقني، فقال: أنت طالقٌ إن شئتِ، فلابدَّ من مشيئتها بعد التعليق؛ إذ الشرطُ لا يتعلَّق إلا بالمستقبل.
ولو دخلتِ الدارَ، فقال: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدار، فلابدَّ من دخولٍ آخر، إلّا أن يقول: إن كنتِ دخلتِ الدار.
وإن قال: أنت طالقٌ على ألفٍ إن شئتِ، فقالت: شئتُ، صحَّ الخلعُ على الأصحِّ، وإن قالت: قبلتُ، لم تَطْلُق على الأصحِّ، وإن قالت: قبلتُ وشئتُ، أو: شئتُ وقبلتُ، صحَّ اتِّفاقًا، فإن قلنا: نكتفي بمشيئتها، لم يملك الرجوع، وإن شرطنا الجمع بين المشيئة والقبول، ففي الرجوع قبلَهما وجهان.
وإن قالت: طلِّقني واحدةً بألفٍ، فقال: أنت طالقٌ بألفٍ إن شئتِ، لم يصحَّ الجواب، وكان كما لو ابتدأ بقوله: أنت طالقٌ بألفٍ إن شئتِ.
وإن قالت: طلِّقني بألفٍ، فقال: أنت طالقٌ، ولم يذكر الألفَ، صحَّ الخلع به.
ولو قالت: طلِّقني بألف، فقال: أنتِ طالقٌ إن شئتِ، فقالت: شئتُ، وقع الطلاق رجعيًّا؛ لبطلان الاستدعاء.
ولو قال: بعتكَ هذا بالفٍ إن شئتَ، لم يصحَّ.
2546 -
فصل في التعليق بإعطاء الدراهم مع اختلاف النقد
إذا قال: إن أعطيتِني ألفَ درهم فأنتِ طالقٌ، فأتت بالألف المشروط خالصًا مسكوكًا وازنًا، بانت بوضعه بين يديه، ومَلَكَه وإن لم يأخذه بيده،
ولا تَطْلُقُ بناقص الوزن.
فإن كان ببلدٍ يَغْلُب جريانُ النقص فيه، ففي قبول التفسير به وجهان كالإقرار، وقطع الإمام بقبوله هاهنا؛ لِمَا فيه من توسيع الطلاق.
وإن كان في دراهم البلد دراهمُ معدودةٌ غالية تزيد على زنة الوازنة، ففي قبول التفسير بها وجهان، بوفاق الإمام، وإن فسَّر بها الإقرار قُبل.
وإن أقرَّ بألفِ درهمٍ، أو علَّق بها الطلاق، ثمّ فسَّر بمغشوشٍ غالبٍ في محلِّ الطلاق والإقرارِ، قُبل في الطلاق، وفي الإقرار وجهان.
وإن اختلفت النقود في الشكل والنقش، وغلب صنفٌ منها، حُملت المعاملات عليه (1)، ولا يُحمل عليه التعليقُ ولا الإقرارُ، بل يكفيه ألفٌ من أيِّ نقدٍ كان، فإنْ نَقَصَ وزنُ الغالبة حُملت المعاملةُ عليها عند المعظَم، وقيل: لا تُحمل؛ فإنَّ الدرهم صريحٌ في الوازن، والعرفُ لا يؤثِّر في تغيير الصريح، وإن فسَّر بها التعليق أو الإقرار، ففي قبوله الوجهان، وقطع الإمام بالقبول في التعليق.
والمغشوشةُ كالناقصة في التعليق والإقرار، ويجوزُ التعامل بالمغشوشة إن عُلِمَ قَدْرُ نقرتها، وإن جُهِلَ؛ فإن لم تكن جاريةً لم يصحَّ، وكذا الجاريةُ على الأصحِّ.
2547 -
فرع:
قال الإمام: إذا غلبت المغشوشة طُولب المقرُّ بالخالصة؛ فإن فسَّر1
بها فعلى الخلاف، ويُحتمل أن يُراجَع؛ فإن قال: لم أُرِدْ 1 شيئًا، حُمل على الغالب في المعاملات.
ولو علَّق الطلاق، أو العتاق، ثمَّ فسَّر بالمغشوشة مع غلبتها، فقد قطع الإمامُ بتصديقه، وإن أطلق حُمل على الخالصة الوازنة إلّا على وجهٍ بعيدٍ.
2548 -
فرع:
قال الأصحاب: إذا كان في البلد دراهمُ خالصةٌ وازنةٌ مختلفةٌ في اللِّين والخشونة، والرداءةِ والجودة، فأعطته ألفًا من الغالب، بانت ومَلَكَه، وإن أعطته من غير الغالب بانت، ولم يَمْلِكْه، وعليها إبدالُه بالغالب اتِّفاقا، وإن تراضيا به بدلًا عن الغالب صحَّ؛ لأنَّ التفاوت بينهما تفاوتُ صفةٍ، وهذا مُشْكِلٌ؛ لأنَّ المعطَى إن كان هو المشروطَ وجب أن يملكه، وإن كان غيرَ المشروط وجب ألا يقع الطلاق؛ لانتفاءِ شرطه.
وفي النصِّ ما يدلُّ على أنَّا لا نرجع إلى الغالب؛ فإنَّه قال: إذا أتت بالخالصة الوازنة طلِّقت للاسم؛ فإن كانت معيبةً وجب الإبدال، وفيه إشكالٌ أيضًا.
وقد قيل: يجب مهرُ المثل، ولا يملك الألفَ وإن كان وازنًا خالصًا غالبًا؛ فإنَّ المعاطاة لا تَصْلُحُ للتمليك من غير إلزامٍ والتزامِ عقدٍ.
2549 - فرع: إذا غلبت النقص، أو المغشوشة؛ فإن حملنا اللفظ عليها وجب ألا تَطْلُقَ
بإعطاء غيرها، وهذا بعيدٌ إلّا أنَّه مستند إلى ما حُكي عن بعض الأصحاب.
2550 -
فرع:
إذا أعطت ألفًا من التبر أو الأواني، لم تطلُق؛ إذ النقرةُ لا تُسمَّى دراهم حتى تُطبع، وإن أعطت درهمًا خسروانيًا زِنتُه ألفٌ، فقد تقدَّم ذلك في الإقرار.
2551 - فرع: إذا أعطت الخالصة، وذقلنا: لا يقع الطلاق إلا بها، فكانت الغالبةُ مغشوشةً، وجب على مقتضَى ما ذكروه إبدالُها بالمغشوشة، وهو مُشْكِلٌ.
2552 - فرع: إذا وقع الإعطاء بعد انقضاء زمن القبول لم تَطْلُق اتّفاقًا، وأَبعدَ مَن لم يشرط الاتّصال، كما في التعليق بدخول الدار.
2553 - فرع:
إذا علق الطلاق بإعطاء ألف، أو ضمانه، طَلَقت بإعطاء ألفين، أو ضمانهما، ويلزمهما 1 أحدُ هما.
ولو قال: خالعتكِ بألف، فقبلت بألفين، لم تَطْلُقْ.
2554 - فرع: إذا علَّق الطلاق بضمان ألفِ درهمٍ أو إعطائها بالألفاظِ المقتضيةِ للفور والتراخي، كـ (متى) و (متى ما)، فأعطته ألفًا من الغالب على الفور أو
التراخي، دخل في مِلْكِه قهرًا، وليس له ردُّه، ولا لها استردادُه، وعلى الوجه البعيد: يجب مهرُ المثل.
وإن ضمنت ألفًا من الغالب لزمها، وعلى الوجه البعيد: يجب مهر المثل، وإن أطلقت الضمان، أو قيَّدته بغير الغالب، بانت، ولزمها ألفٌ من الغالب، وإيجابُ مهر المثل هاهنا أوجهُ.
وإن استقصى وصفَ الدراهم التي علَّق بضمانها أو إعطائها، فأعطت ما وصف، أو ضمنته، وجب القطعُ باستحقاقه، وعلى الوجه البعيد: يجب مهرُ المثل في صورة الضمان والإعطاء؛ لأنَّ الضمان ليس بقبولِ عقدٍ.
2555 -
فرع:
إذا علَّق الطلاق بإقباضِ ألفٍ، فالمذهبُ أنَّه كالتعليق بدخول الدار، فإذا وضعتْه بين يديه على الفور، أو التراخي، طَلَقْت طلاقًا رجعيًّا وإن لم يقبضه بيده، وإن أكرهها على إقباضه فقولان، وأَبعدَ مَن جعل التعليقَ بالإقباض كالتعليق بالإعطاء.
وإذا علَّق بالإعطاء، ثم أكرهها عليه، لم تَطْلُقْ.
وإن قال: إن قبضتُ من مالِكِ ألفًا فأنتِ طالقٌ، فقبضه قهرًا، طَلَقَتِ اتِّفاقًا، وإن اكرِهَ على القبض فقولان.
2556 -
فصل فيمن سألت ثلاثًا فأجيبت إلى واحدة
إذا قالت: طلِّقني ثلاثًا بألفٍ، أو: على ألف، أو: ولك ألفٌ، أو:
ولك عليَّ ألفٌ، فطلَّق واحدة، استحقَّ ثلثَ الألف سواءٌ ذَكَرَ العِوَضَ، أو لم يذكره.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا بألف، فقبِلَتْ واحدةً بثلثِ الألف، لم تطلق.
وإن لم يبق له سوى طلقةٍ، فسألته ثلاثًا بألفٍ، فطلَّق واحدةً فله الألفُ عند الشافعيِّ، وثلثُ الألف عند المزنيِّ.
وقال أبو إسحاق المَرْوزيُّ: إن عَلِمَتْ أنَّه لم يبق له سوى الواحدةِ فله الألفُ، وإن ظنَّت بقاء الثلاث فله ثُلُثُ الألف.
ولو بقي له طلقتان، فسألت ثلاثًا بألف؛ فإن طلَّق واحدةًا ستحقَّ الثلث عند الشافعيِّ والمزنيِّ، وقال المروزيُّ: إن كانت جاهلة فله الثلثُ، وإن كانت عالمةً فله النصفً.
وإن طلَّق الطلقتين الباقيتين استحقَّ الألف عند الشافعيّ، وثُلُثيه عند المزنيِّ، وقال المروزيُّ: إن كانت جاهلةً فله الثلثان، وإن كانت عالمةً فله الألفُ.
فالشافعيُّ يوجب كمالَ العوض إذا حصَّل البينونة الكبرى، وتُوزَّع على العدد الذي سألته إن لم يحصِّل البينونة الكبرى.
والمزنيُّ يوزِّع على العدد المسؤول بكلّ حال.
والمروزيُّ يوزّع على العدد في صورة الجهل، وفي صورة العلم يقابل العِوَضَ بمعلومها، ومذهبُه بعيد.
ولم يُلْحِقْ أحدٌ تخريج المزنيّ بالمذهب إلا أبو عليٍّ.
ولو سألتْ عشر طلقات بألفٍ، فعلى النصِّ: يستحقُّ العُشرَ بطلقةٍ،
والخُمسَ بطلقتين، والجميعَ بالثلاث.
وأمّا المزنيُّ فمذهبُه المشهور: أنّه يستحقَّ العُشْرَ بواحدةٍ، والخُمس باثنتين، وثلاثةَ الأعشار بالثلاث، وقيل: إنَّه لا يوزَّع إلّا على العدد الشرعيِّ.
وعلى قول المروزيِّ: يستحقُّ الألف في صورة العلم، وإنْ جهلتِ استحقاقَه لأكثرَ من الثلاث - لحداثة عهدها بالإسلام - يوزَّع على العدد المسؤول، وأبعدَ مَن تصرَّف على مذهبه، وقال: لا نظر إلى جهلها بما زاد على الثلاث.
وأبعد مَن قال: مهما بقي له واحدةٌ، أو اثنتان (1)، فسألته ثلاثًا، فحصَّل الحرمةَ الكبرى، فلا تستحقُّ سوى مهرِ المثل؛ تعليلًا بمخالفة القبول للإيجاب.
2557 -
فصل فيمن سألت ثلاثًا فطلِّقت بعضَها مجانًا
إذا قالت: طلِّقني ثلاثًا بألف، فله أحوال:
الأولى: أن يقول: أنت طالقٌ واحدةً بألفٍ، واثنتين مجَّانًا، فعلى قول المعتبرين: لا يقع سوى الطلقةِ الأولى بثلث الألف، وقال الإمام: تقع الأخريان دون الأولى؛ لمخالفة القبول للإيجاب في الأولى.
الثانية: أن يقول: طلَّقتك واحدة بثلث الألف، واثنتين مجَّانًا، فلا تقع سوى واحدةٍ بثلثِ الألف.1
الثالثة: أن يقول: أنت طالقٌ واحدةٌ مجَّانًا، واثنتين بثلثي الألف، فتقع الثلاث اتِّفاقًا، فإن جوَّزنا خلع الرجعيَّة استحقَّ ثلثي الألف، وإن منعناه لم يستحقَّ شيئًا.
وإن قال للسفيهة: أنت طالقٌ على ألفٍ، لم تطلق حتى تقبل، فإذا قبلت وقع الطلاق رجعيًّا اتِّفاقًا، وكذلك إذا منعنا خلع الرجعيّة، فقال: أنتِ طالقٌ بالف، وهذا كما لو قال للرشيدة: أنت طالقٌ على زقِّ خمر، فإنَّها تَطْلُقُ بالقبول، ولا يلزمُها الخمرُ المقبول.
الرابعة: أن يطلِّق واحدةً مخانًا، واثنتين بالألف، فالوجه: القطعُ باستحقاق الألف؛ لتحصيل الحرمة الكبرى، فإن قلنا بقول المزنيِّ أو المروزيِّ في إحدى الحالين، انقدح ألا تقع الطلقتان؛ لمخالفةِ القبولِ للإيجاب، بخلاف الحال الأولى؛ فإنَّه طلَّق واحدةً مع علمه بأنَّ الحرمة الكبرى لا تحصل، فاتَّجه ما ذكره الإمام.
2558 -
فصل فيمن سُئل طلقةً فزاد عليها
إذا قالت: طلِّقني واحدةً بألفٍ، فله أحوال:
الأولى: أن يقول: أنت طالقٌ ثلاثا، ولا يذكر الألف، فتقع الثلاث، ويستحقُّ الألف.
الثانية: أن يقول: أنت طالقٌ ثلاثا بألفٍ، أو: على ألف، فالمذهب: وقوع الثلاث، واستحقاقُ الألف.
وقيل: تقعُ الثلاث، وَيَستحقُّ ثلثَ الألف، وقيل: لا تقع إلا واحدةٌ؛ لاتِّفاقهما عليها، وكِلاَ الوجهين بعيد.
الثالثة: أن يقول: أنت طالقٌ واحدةً بثلث الألف، فلا تَطْلُقُ؛ لاختلاف الإيجاب والقبول، كما لو باع بألفٍ، فقَبِلَ المشتري بألفين.
الرابعة: أن يقول: أنت طالقٌ ثنتين بألفٍ، فلا نصَّ للأصحاب في هذه الصورة، وقياسُهم: القطع بوقوعهما، وينقدح ألّا يستحقَّ شيئًا.
2559 -
فرع:
إذا بقيت له طلقةٌ، فسألته طلقتين بألفٍ، وفرَّعنا على النصِّ، فطلَّق طلقتين؛ فإن قال: أنت طالقٌ طلقتين بالألف، استحقَّ الألف على الأصحِّ؛ لحصول البينونة الكبرى، وأَبعدَ مَن قال: يستحقُّ خمسَ مئةٍ.
وإن قال: أنت طالق طلقتين؛ الثانية منهما بألف، أو نوى ذلك، فلا يستحقُّ شيئًا.
وإن قال: أُولاهما بألفٍ، أو نوى ذلك، استحقَّ الألف، وإن لم يذكر ذلك، ولم ينوِه استحقَّ الألف على الأصحِّ.
وقيل: لا شيء له.
2560 - فرع: إذا ملك الثلاث، فسألته واحدةً بألفٍ، فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ ثم طالق، فنراجعه؛ فإنْ قَصَدَ مقابَلةَ الأولى بالألف لم يقع سواها، وإن قصد إيقاعَ الأولى مجَّانًا، والثانيةَ بالألف؛ فإن جؤَزنا خُلْعَ الرجعيَّة وقعت
الأولى مجَّانًا، والثانيةُ بالألف، ولم تقع الثالثة، وإن منعنا خلعَها طَلَقت ثلاثًا، ولا شيء له، وإن قصد إيقاع الأولى والثانيةِ مجَّانًا، ومقابَلَة الثالثة بالألف، طَلَقت ثلاثًا، فإن جوَّزنا خلع الرجعيَّة استحقَّ الألف، وإلا فلا شيء له، وقال أبو عليٍّ: يصحُّ خلع الرجعيَّة بالثالثة قولًا واحدًا.
2561 -
فرع:
إذا بقيت طلقةٌ، فقالت: طلِّقني ثلاثًا بألف؛ واحدة تُنَجِّزُ الحرمةَ، واثنتين في ذمَّتك إذا تزوَّجْتني، أو قالت: طلِّقني واحدة، وعلَّق طلقتين على أن تتزوَّجني، ولك ألفٌ، فأجابها، بانت، وفيما يلزمُها طرق:
إحداهنَّ للمراوزة: يجبُ مهر المثل.
والثانية للإمام: تجب الألفُ، كما في المسألة التي خالف فيها المزنيُّ والمروزيُّ.
والثالثة للعراقيِّين وصاحب "التقريب": البناءُ على تفريق الصفقة؛ إذ قابَلتِ الألفَ بما يجوز، وما لا يجوز؛ فإنَّ التزامَ الطلاق في الذمَّة وتعليقَه قبل النكاح لا يصحُّ، فإنْ أفسدنا الصفقة وجب مهرُ المثل، وإن فرَّقناها فلها الخيار، فإن فسخت وجب مهر المثل، وإن أجازت فهل تجيز بالألف، أو بثُلُثِهِ؛ فيه قولان؛ فإن الطلقات في حكم التوزيع متساويةٌ اتِّفاقًا.
ولو شرطت تعليق الطلقتين، أو التزامَهما في الذمَّة، فأجاب إلى المنجَّزة، ولم يتعرَّض للتعليق والالتزامِ في الذمَّة، لزمها المسمَّى عند الإمام، ومهرُ المثل عند المراوزة، ويُحتمل أن تقع الطلقة بغير عوضِ.
2562 -
فصل في الخلع على كفالة الولد ورضاعه
إذا تخالعا على رضاع ولدهما، وكفالته عشر سنين، وذُكِرَ قَدْرُ الطعام في كلِّ يوم، ووصفُه ووصفُ الكسوة بالأوصافِ المعتبرةِ، فقد جمع عقدين مختلفي الحكم، وأسلم في جنسين إلى أجل، وأجناسٍ إلى آجالٍ، والأصحُّ: الصحّة في الجميع؛ فإنْ أَعْوزَ الصبيَّ شيءٌ فهو على الأب، وإن فضل عنه فهو لأبيه، فإن ماتت بعد انقضاء الرضاع حلَّت الأعواضُ المؤجَّلة، وانفسختِ الإجارةُ فيما بقي من الأعمال، ولا ينفسخ فيما مضى على الأصحِّ، وكذلك لا ينفسخُ في الأعيان على الأصحِّ وإن اتّحدت الصفقة؛ لاختلافِ الحكم والجنس والقصد، فإن قلنا: ينفسخ، فهل يرجع بالقيمة، أو بقسط من مهر المثل؛ فيه قولان.
وإن مات الولد؛ فإن قلنا: تنفسخ الإجارة لو كان الرضيع أجنبيًّا، انفسخت هاهنا، وإن قلنا: لا تنفسخ ثَمّ، فهاهنا قولان، وإن أبطلنا هذه العقود فطريقان:
إحداهما: يجب مهرُ المثل قولًا واحدًا.
والثانية: قولان:
أحدهما: يجب مهر المثل.
والثاني: بدل هذه الأعواض.
2563 -
فصل فيمن فوَّض إلى زوجته الطلاق بمال
إذا قال: طلِّقي نفسَك إن ضمنتِ لي ألفًا، فضمِنَتْ وطَلَّقَتْ، لزمها الألفُ بشرطِ أن يتَّصل الطلاقُ بالضمان، ولا يُشترط ترتيبهما، فإن قالت: طلَّقتُ نفسي وضمنتُ، أو: ضمِنْتُ وطلَّقت، صحَّ، ولا يلزمها الألفُ في الصورتين إلا مع وقوع الطلاق، ويُشترط اتِّصال الطلاق والضمان بالتفويض إن جعلناه تمليكًا، وكذا إن جُعل توكيلًا على الأصحِّ؛ لأجل المال، وقيل: لا يُشترط كما لو قال لأجنبيّ: طلّق زوجتي إن ضمِنْتَ لي ألفًا؛ فإن ذلك على التراخي، وإن قال: طلَّقي نفسك متى ضمنتِ لي ألفًا، فمقتضاه التأخيرُ عن التفويض، دون التفرقة بين الطلاق والضمان.
2564 -
فصل في التعليق بإعطاء المجهول والخمر والميتة والمغصوب
إذا قال: إن أَعْطَيْتِني عبدًا فأنت طالقٌ، بانت بإعطاء السليم والمعيب، ووجب مهرُ المثل اتِّفاقًا، وفي المغصوب وجهان:
أحدهما: لا تَطْلُق، وهو قولُ المعظم، وبه قطع المحقّقون.
والثاني: تطلق، وعليها مهرُ المثل.
وعلى الأصحِّ: لو قال: إن أعطيتيني زقَّ خمرٍ فأنت طالقٌ، فأعطته خمرًا مغصوبة محترمة، ففي وقوع الطلاق تردُّدٌ؛ إذ لا يُتصوَّر تملُّكها، بخلاف العبد.
وإن قال: إن أَعْطَيْتِني هذا العبدَ فأنت طالق، بانت بإعطائه، ومَلَكه، فإن ظهر استحقاقُه ففي وقوع الطلاق وجهان، فإن أوقعناه: فالواجبُ قيمةُ العبد، أو مهرُ المثل؟ فيه قولان.
وإن قال: إن أَعْطَيْتِني هذا العبد المغصوبَ فأنت طالق، فإن قلنا: يقع إذا لم يذكر الغصب، فهاهنا أولى، وإن قلنا: لا يقع ثَمَّ، فهاهنا وجهان، فإن أوقعناه وجب مهرُ المثل قولًا واحدًا عند الصيدلانيِّ والقاضي، وفيه القولان عند الأصحاب.
وقيل: يقع الطلاق إذا عُلِّق بالمغصوب، أو الخمر المعيَّنة، أو المطلَّقة رجعيًّا، وهو بعيدٌ في الحكاية، متَّجهٌ في القياس.
والتعليقُ بإعطاء الميتة كالتعليق بإعطاء الخمر اتِّفاقًا؛ للانتفاع بها في الضرورات، وإطعام الجوارح.
وإن قال: إن أَعْطَيتِني هذا الحرَّ، فوقوعُ الطلاق على الخلاف، فإن أوقعناه فالظاهر: أنَّه رجعيٌّ، وقيل: بائن، وفيما يستحقُّه الطريقان.
2565 -
فصل في الخلع بالأعواض الفاسدة بالإيجاب والقبول واختلاع الأب بنتَه الصغيرةَ
إذا تخالَعَا بالإيجاب والقبول، مثل أن قال: خلعتكِ على عبد، فقَبِلَتْ، بانت بالقبول، ووجب مهرُ المثل، إلّا أن تكون سفيهةً، فيقع الطلاق رجعيًّا.
ولو قال للصغيرة: أنت طالقٌ على ألف، فقبلت، لم تطلق على المذهب، وأَبعدَ مَن خرَّجه على الخلاف فيما لو علَّق بمشيئتها، فشاءت.
وإذا تخالعا على معيَّنٍ، فبان مستحَقًّا، فالطلاقُ واقعٌ اتِّفاقًا؛ لابتنائه على القبول.
ومتى فسد المسمَّى؛ فإن أمكن إثباتُ الماليَّة بانت، وإن تعذَّر إثباتُها بأن تكونَ المرأة سفيهةً، أو رجعيّةً، ومنعنا خُلْعَها، نفذ الطلاق رجعيًّا؛ لابتنائه على صورة الإيجاب والقبول، فلو قال أبو الصغيرة: اخلعها بهذا العبد، فأجابه؛ فإن كان للأب صحَّ الخلع به، وإن كان لها؛ فإن ظنَّه الزوجُ للأب بانت، وعلى الأب قيمتُه، أو مهرُ المثل؟ فيه قولان، وإن صرَّح الأبُ بأنَّه للبنت وقع الطلاقُ رجعيًّا عند الأصحاب، وإن لم يصرِّح بذلك، ولكن عَلِمَه الزوج، طَلَقَتْ، وفي البينونة وجهان، فإن قلنا: تَبينُ، فهل تلزمُه القيمة، أو مهر المثل؟ فيه قولان.
وقد قالوا: لو قال لزوجته: خالعتك على هذا العبد المغصوب، فقبلت، بانت، وفيما يلزمُها القولان.
والفرق بينه وبين اختلاع الأب مع إضافته المِلْكَ إلى البنت عَسِرٌ، فلذلك صار كثير من الأئمَّة إلى أنَّ الطلاق المعلَّق بالمغصوب والخمرِ والميتةِ والخنزير رجعيٌّ، فإن كان ما ذكروه قولًا، وجب تخريجُ مسألة الأب والاختلاعِ بالمغصوبِ على قولين في كون الطلاق رجعيًّا.
وفرَّق الإمام: بأنَّها إذا اختلعت بالمغصوب فقد أضافت الالتزامَ إلى نفسها، بخلافِ اختلاعِ الأب بمالها؛ فإنَّه لم يلتزم شيئًا.
ولو خلعها الأبُ عن نفسه بمالها بانت، ولزمَه العوض، كاختلاع الرشيدة بالمغصوب.
ولو قال: طلِّق بنتي، وأنت بريءٌ من صَدَاقها، أو: على أنَّك بريء من صداقها، فإنْ جعلنا له العفوَ عن الصداق صحَّ، وإن منعناه فالأصحُّ نفوذه رجعيًّا.
وفي "التقريب" وجهٌ: أنَّها لا تطلق، ولم يَطْردْه في الاختلاع بعبدها، والأصحُّ: أنَّه لا فرق بينهما إذا ظهر أنَّه قَصَدَ التصرُّف عنها.
ولو قال الأجنبيُّ: وكَّلتْني زوجتُك في اختلاعها بألفٍ، فقال الزوج بانيًا على ذلك: خَلَعْتُها بألفٍ، فقال: قبلتُ عنها، وكان كاذبًا في التوكيل، لم تطلق؛ فإنَّه لم يُضِفْه إلى نفسه، ولم يَصْدُّق في قوله.
ولو اختلع ابنته بعبدها مطلقًا، ثم اختلفا، فادَّعى الزوج أنَّه خلعها بعبدها عن نفسه، فالظاهر تصديقُ الأب، ويشهدُ له إضافتُه العِوَضَ إلى مالها.
وإن قال: خالِعْها، وقد ضمنتُ براءَتَك عن الصداق، فأجاب، فالمذهب: وقوعُ الطلاق، وهل يجب على الأب شيءٌ؛ فيه أوجهٌ؛ ثالثها: إن أراد ضمان عين البراءة لم يلزمه شيءٌ، وإن أراد التأديةَ عنه إذا غَرِم، أو طُولب، لزمه.
هذا كلُّه في التخالعُ بالإيجاب والقبول، أو الاستدعاءِ والإجابة.
فإن قال الزوج: إن برئتُ عن صَدَاقها فهي طالق، لم تَطْلُقْ إلا بالبراءة.
والضابط لخُلْع الإيجاب والقبول: أنَّ وقوع الطلاق فيه مبنيٌّ على صحَّة القبول خلافًا ووفاقًا، وثبوتُ الماليّة يبتني على كون القابل من أهل الالتزام، فالخلافُ في ثبوت الماليَّة مع وقوع الطلاق مبنيٌّ على الخلاف في صحَّة القبول والالتزام، ولا يخفى ما يصحُّ من الأعواض، وما يفسد.
وإن علَّق الطلاق فوقوعُه مبنيٌّ على تحقُّق الصفة؛ فإن اقتضت تمليكًا بانت إن أمكن التمليك، وإن تعذَّر، مثلَ أن قال للسفيهة: إن أَعْطَيْتِني ألفًا فأنتِ طالق، فلا تَطْلُق بالإعطاء عند الإمام.
2566 -
فصل في ردِّ العوض بالعيب والخُلْف وما يُضمن به إذا تلف
لا فرق بين بدل الخلع في يد الزوجة، وبين الصداق في يد الزوج، ففيما يُضمن به قولان.
وإذا تخالعا بالإيجاب والقبول، فله ردُّ العوض بالعيب، وفيما يرجع به الخلافُ المذكور في ردِّ الصَّداق بالعيب.
وإذا تخالعا بالقبول والإيجاب، وشَرَطَا صفةً، فاختَلفَتْ؛ فإن كان العوضُ في الذمَّة بانت بالقبول، ولزمها تسليمُ الموصوف، فإن كان العوضُ ثوبًا هَرَويًّا، فبان مَرْويًّا ردَّه، وطالب بالمستحَقِّ، وإن كان معيَّنًا مثل أن قال: خالعتُكِ على هذا الثوبِ المرويِّ، أو: بشرطِ أنَّه مرويٌّ، طَلَقَتْ بالقبول اتِّفاقًا وإن أُخلفت صفتُه، كما لو قال: خالعتُكِ على هذا الخلَّ،
فبان خمرًا، أو: على هذا العبد، فبان حرًّا، فإذا بان الثوب هرويًّا تخيَّر بين الردِّ والإمساك، فإن ردَّ فهل يرجع بمهر المثل، أو بقيمة الثوب المرويِّ؟ فيه قولان.
وإن أُخلف الجنس، فظهر كتَّانًا، ففي صحَّة الخلع وجهان، فإن صحَّحناه تخيَّر بين الردّ والأمساك، وإن تخالعا على عبدٍ موصوفٍ، فسلَّمت أمةً، لم يملك إمساكها.
والضابط: أنَّ ما لا يجوز الاعتياضُ عنه - كالمسلَم فيه - يجوز أخذُ المعيب فيه عن السليم، ولا يؤخذ جنسٌ عن جنسٍ، وفي النوع عن النوع وجهان.
وإذا جوَّزنا الاعتياض عن الثمن، فما جاز أخذُه في السَّلَم جاز أخذُه في الثمن وفاقًا وخلافًا، وما امتنع أخذُه في السَّلَم جاز أخذُه في الثمن بعقدِ معاوضةٍ وفاقًا وخلافًا.
وإن أُخلفت الصفات في الأعيان صحَّ العقد، وثبت الخيار.
وإن أُخلف الجنسُ فوجهان يجريان في الخلع وسائر المعاوضات، إلّا أنَّها تَبِينُ في الخلع لأَجْلِ القبول، وتتخيَّر إن قلنا بالصحَّة، وإن قلنا بالبطلان: فهل يجب مهر المثل، أو قيمةُ الثوب لو كان كما وصفه؟ فيه قولان.
2567 -
فرع:
إذا كان الخلع بلفظ التعليق، مثل أن قال: إن أَعطيْتِنِي ثوبًا مرويًّا فأنت طالقٌ، فلا تَطْلُقُ إلا بإعطاء المرويِّ، والتعليقُ بالثوب المجهول
كالتعليق بالعبد المجهول.
وإن علَّق بإعطاء ثوبٍ وَصَفَه بصفاتِ السَّلَم، بانت بإعطائه ومَلَكه، وإن أحضرته ناقصًا عن الوصف، لم تَطلُق وإن رضي به الزوج.
وإن علَّق ووصف وأشار، فقال: إن أعطيْتِنِي هذا الثوب، وهو هرويٌّ، فكان مرويًّا، لم تطلق بإعطائه، وإن قال: إن أعطيْتِنِي هذا الثوب الهرويَّ، فكان مرويًّا، فوجهان.
2568 -
فصل في سؤال طلاقٍ في الذمَّة بمالٍ حالٍّ
إذا قالت: طلِّقني غدًا، أو: بعد شهر، ولك ألفٌ، فطلَّق في ذلك الوقت على وَفْقِ الاستدعاء؛ فإنْ قَصَدَ الإجابةَ بانت، ولزمها مهرُ المثل قولًا واحدًا؛ فإنَّ القولين لا يجريان إلا إذا حصل الفساد من المسمَّى، ولها أن ترجع قبل الطلاق سواءٌ قالت: طلِّقني غدًا بألفٍ، أو: إن طلَّقتني غدًا فلك ألفٌ؛ فإنْ لم يَشْعُرِ الزوج بالرجوع نفذ الطلاق رجعيًّا وإن قصد الإجابة، ويُحتمل التخريج على عزل الوكيل، وإن قصد الابتداء بالطلاق نفذ رجعيًّا، والظاهر: قبولُ قوله في الحكم، بخلافِ ما لو سألت طلقةً بألفٍ، فقال: أنت طالقٌ، متَّصلًا، وزعم أنَّه قصد الابتداء؛ فإنَّه لا يُقبل في الحكم، ولعلّ هذا سهوٌ من الإمام، فإنَّه قد تقدَّم أنَّ ذلك مقبولٌ منه، وإن قال: قصدتُ الإجابة مع علمي بفساد المسمَّى، بانت، ووجب مهرُ المثل؛ لأنَّه قصد الماليّة، وقال القاضي: يقع الطلاق رجعيًّا، ولا وجه لِمَا قال.
ولا يستحقُّ شيئًا حتى يطلِّق؛ إذ لا يُتصوَّر تقدُّم الطلاق على وجوب المال، ولا وجوبُ المال على الطلاق، وإن طلَّق بعد الغد لم يستحقَّ شيئًا اتِّفاقًا، وإن طلَّق في الحال ففي استحقاقه احتمالٌ.
2569 -
فرع:
إذا قالت: خذ منِّي ألف درهم، وأنت مخيَّرٌ في طلاقي إلى شهرٍ؛ فإن قدَّمْتَه أو أخَّرْتَه في الشهر فلك الألفُ، فحُكْمُ هذا عند الأصحاب كحكم المسألة السابقة في جميع التفاصيل، وتفرقةُ القاضي بين الجهل بفساد المسمَّى والعلمِ به، وقد تقدَّم أنَّها لو قالت: متى طلَّقتني فلك ألفٌ، أنَّه لا يُستحقُّ الألف إلا بالطلاق على الفور، ولا فرق بين قولها: متى، وبين تخييرها في تأخير الطلاق وتعجيله، فيجب تخريجُ المسألتين على قولين، فإن طلَّق على الفور في الصورتين ففي استحقاق المسمَّى قولان، وإن أخَّر: فهل يجب مهرُ المثل، أو لا يجب شيءٌ؟ فيه قولان، وقد رمز في "التقريب" إلى حكاية ذلك عن تصرُّفات ابن سُريجٍ.
2570 -
فصل في مقابلة تعليق الطلاق بالمال
إذا قال: أنت طالق غدًا على ألف، فقَبِلَتْ، أو قالت: علِّق طلاقي على الغد ولك ألفٌ، فأجاب، بانت، وهل يجبُ المسمَّى، أو مهرُ المثل؟ فيه وجهان.
وأبعدَ مَن قال: إن ابتدأ الزوجُ بذلك وجب المسمَّى، وإن ابتدأت وجب مهر المثل.
وأبعدُ منه مَن قال: لا تطلق، ولو قال: يقع الطلاق رجعيًّا لكان أقربَ.
وليس لها أن ترجع هاهنا؛ لأنَّ الطلاق قد تعلَّق تعلُّقًا لا يمكن رفعُه، ولا يثبت المالُ قبل تحقُّق الصفة اتِّفاقًا إذ يستحيلُ ثبوتُ المال قبل وقوع الطلاق.
2571 -
فرع:
إذا قالت: طلِّقني بألفٍ طلقةً تحرِّمني إلى شهر، ثم يزول التحريم، بانت، ووجب مهر المثل، واستمرَّ التحريم.
ولو قالت: طلِّق نصفي، أو: يدي، فالظاهر: وجوبُ مهر المثل، وفيه تردُّدٌ واحتمال، وأولى بوجوب المسمَّى إذا علَّلنا وقوع الطلاق بأنَّ اليد عبارةٌ عن الجملة.
2572 -
فصل في جمع امرأتين في الخلع
إذا خلع زوجتيه بألفٍ بانتا، وفي وجوب المسمَّى قولان، فإن قلنا: لا يجب، فعلى كلِّ واحدةٍ مهرُ مِثْلِها، وإن أوجبناه فالأصحُّ توزيعُه على مهور الأمثال، وفيه قولٌ: أنَّه يُوزَّع على الرؤوس، فإن صحَّ هذا القولُ وجب القطعُ بصحَّة الخلع.
ولو ملك على كلِّ واحدةٍ ثلاثَ طلقات، فقال: طلَّقتكِ يا زينب واحدةً، وطلَّقتكِ يا عَمْرةُ ثنتين بألفٍ، وقلنا بالتوزيع على الرؤوس، فالظاهر: أنَّ على زينب ثلثَ الألف، وعلى عمرة الثلثين 1؛ فإنَّ العوض