غير مَحْرميَّةٍ، ولا عصوبةٍ خلافٌ، فإذا تنازع النساء في الحضانة، فلا خلافَ في تقديم الأمِّ، ثمّ أمَّهاتِها الوارثات؛ القربى فالقربى، ولا خلافَ في تقديم أمَّهات الأب الوارثات والأخواتِ والخالاتِ على العمَّات، وفي تقديم أمَّهات الأب على الأخوات والخالات قولان:
أحدهما، وهو الجديد: تقديم القربى فالقربى من أمَّهات الأب، ثم الأختُ للأبوين، ثم الأختُ للأب، ثم الأختُ للأمِّ، ثم الخالةُ للأبوين، ثم الخالةُ للأب، ثم الخالةُ للأمِّ، وقيل: تُقدَّم الأختُ للأمِّ على الأختِ للأب، وتُقدَّم الخالةُ للأمِّ على الخالة للأب، ثم العمَّةُ للأبوين، ثم للأب، ثم للأمِّ.
والثاني، وهو القديم: تُقدَّم الخالةُ للأبوين، ثم الخالةُ للأب، ثم الخالةُ للأمِّ على الأخوات، ثم على أمَّهات الأب (1)، ثمّ يتَّجه طردُ الخلاف في تقديم الأخت للأمِّ على الأخت للأب، وتقديمِ الخالة للأمِّ على الخالة للأب.
3101 -
فرع:
كلُّ جدَّة تُدْلي بذَكَرٍ بين أُنثيين؛ كأمِّ أبي الأمِّ، فيها ثلاثةُ أوجهٍ:1
أحدها، وهو ظاهر النصِّ: لا حضانةَ لها.
والثاني، وهو القياس: أنَّها تلي الجدَّات الوارثات، وتتقدَّم على كلِّ متأخِّرةٍ عن الجدَّات لولادتها ومَحْرَميَّتها.
والثالث: تؤخَّر عن العمَّات.
فإن لم يوجد أحدٌ ممَّن ذكرنا، ففي ثبوت الحضانة لبنات الإخوة، وبناتِ الأخوات، وبناتِ الخالات والعمَّات، خلافٌ، وقال بعضهم: تقدَّم بناتُ الإخوة والأخوات على العمَّات، وتُقدَّم العمَّاتُ على بنات الخالات، وتُقدَّمُ الخالاتُ على بناتِ العمَّات، ولم يُفرَّع ذلك على القديم والجديد.
وقال الإمام: إذا أسقطنا الجدَّة التي لا ترثُ فلا حضانةَ لبنات العمَّاتِ، وبنات الخالات.
3102 -
فرع:
إذا اتَّحدت الجهةُ وجبَ تقديمُ الأقرب فالأقرب، وإن اختلفت فبَعيدُ الجهة المقدَّمة أولى من قريبِ الجهة المؤخَّرة، فيُقدَّم ابن ابنِ الأخ على العمِّ، وتُقدَّم الجدَّة البُعْدَى إذا أَدْلَتْ بمحضِ الإناث على القُرْبَى إذا أدلت بمحض الذكور.
3103 - فرع: إذا غاب مستحِقُّ الحضانة انتقلت إلى مَن بَعْدَه، ولا تنتقلُ إلى السلطان، خلافًا لبعض أئمَّة الخلاف، فإنَّ الحضانة إذا ثبتت للسلطان لم يَجُزْ له الاستعانةُ عليها بالأجانب مع وجود الأقارب.
3104 -
فصل في ازدحام الرجال على الحضانة
إذا ازدحم الرجالُ على الحضانة قُدِّم الأقربُ فالأقربُ، فتُقدَّم العصباتُ المحارمُ، ثم العصباتُ الذين ليسوا بمحارِمَ، ثم المحارمُ الذين ليسوا بعصبات، والرجالُ أربعةُ أنواعٍ:
الأوّل: العَصَبات المحارم، فيُقدَّم الأبُ، ثم آباؤه الوارثون، ثم يترتَّبون كترتيبهم في الإرث، فيُقدَّم الأخ للأبوين، ثم الأخُ للأب، ثم ابن الأخِ للأبوين، ثم ابن الأخِ للأب، ثم العمُّ للأبوين، ثم العمُّ للأب.
الثاني: عَصَباتٌ ليسوا بمحارِمَ، كبني الأعمام، فلهم حضانةُ الطفل والصغيرةِ التي لا تُشتَهَى، يُقدَّم الأقربُ منهم فالأقربُ، كما في الإرث.
3105 -
فرع:
إذا اجتمع ابن العمِّ، والأخ للأمِّ، فأيُّهما أولى؟ فيه وجهان، ولعل الأظهر تقديمُ الأخ.
الثالث: مَحْرمٌ ليس بعصبةٍ، ولا وارثٍ، كالخالِ، والعمِّ للأمِّ، وبني الأخوات، وأبي الأمِّ، ففي ثبوت الحضانة لهم وجهان، فإن قلنا: لا تثبت، استُحبَّ للسلطان التسليمُ إليهم.
الرابع: قريبٌ ليس بعصبةٍ، ولا مَحْرمٍ، كابنِ الخال، فإنْ لم نُثبتِ الحضانة لأبيه فلا حضانةَ له، وإن أثبتناها لأبيه فلا حضانةَ له على المذهب، وفيه شيءٌ بعيد، وفي بنات الخال والخالة لأجل الأنوثة وجهان.
3106 - فرع: إذا اتَّحدت الجهةُ في الذكور قُدِّم الأقربُ فالأقربُ، وإن اختلفت قُدِّم
بعيدُ الجهة المقدَّمةِ على قريب الجهة المؤخَّرة، فيُقدَّم العمُّ على ابنه، وابنُ ابنِ الأخ على العمِّ.
3107 -
فصل في ازدحام الرجال والنساء على الحضانة
إذا تنازع الرجالُ والنساء في الحضانة قُدِّمت الأمُّ، ثم أمَّهاتها، على الأب والجدِّ اتِّفاقًا، ويُقدَّم الأب على أمَّهاته؛ لإدلائهنَّ به، وقيل: يُقدَّمن عليه؛ للأنوثة، فإن قدَّمناه عليهن قدِّم على الأخوات، وإن قدَّمناهنَّ ففيه مع الأخوات أوجهٌ؛ ثالثها: يُقدَّم على الأخت للأب دون الأخت للأبوين والأخت للأمِّ، فإن قلنا: يُقدَّم على الأخوات، قُدِّم على الخالات، وإن قلنا: لا يُقدَّم على الأخوات، ففيه مع الخالات وجهان.
هذا إن قلنا بالجديد، وإن قلنا بالقديم جرى الخلافُ بعكس ما تقدَّم.
ولا خلافَ في تقديم الأب على العمِّات، وتُقدَّم أمُّ الأب على الجدِّ الأعلى اتِّفاقًا، وتُقدَّم الجدَّاتُ من جهة الأب، أو من جهة الأمِّ، على جميع الرجال، فتُقدَّم أمُّ الأب، وأمُّ أبي الأب، على الأخ للأبوين.
وإذا اجتمع النساء والرجالُ على حواشي النسب؛ فإن استووا في الدرجة والقُرب والإرث، قُدِّم النساء، فتُقذَم الأختُ على الأخ، فإنْ قَرُبَ الذَّكَر وبَعُدَتِ الأنثى فأيُّهما أولى؟ فيه وجهان يجريان فيما لو كان الذَّكَر في جهةٍ مقدَّمة، والأنثى في جهةٍ مؤخَّرةٍ، كالأخ مع الخالة، وأمَّا الرجال الذين لا عُصوبة لهم ولا إرث، كالعمِّ للأمِّ، والخالِ، فإنَّا نُقدِّرهم إناثًا، ويُقدَّم أَوْلاهم بتقدير الأنوثة.
3108 -
فرع:
إذا قدَّمنا الخالة على الأب، فميَّز الطفلُ، خُيِّر بينها وبين الأب على الأظهر.
3109 -
فصل في تدافع الحضانة ومن تلزمه
إذا تدافع الأقاربُ الحضانةَ، وجبت على مَن تلزمُه النفقةُ؛ لأنَّها جزءٌ منها، فإذا امتنعت الأمُّ وجبت الحضانةُ على الأب، فإن لم تكن وجبت على الأمِّ، ولا تجبُ على حواشي النسب، كالأخ والعمِّ؛ لأنَّها تتبع النفقةَ من غير استثناءٍ، فإن طلبت الأمُّ أجرة الحضانة كان كطلبها أجرةَ الرضاع، فإنْ تمكَّن الأبُ من الحضانة: فهل يُلحق ذلك بوجود متبرِّعة بالرضاع؟ فيه خلافٌ، وهل يتنزَّل عَناؤه في الحضانة منزلةَ وجودِ حاضنةٍ بأجرة؟ فيه احتمالٌ، ولعل الأظهر إلحاقُ عَنائه بالأجرة.
3110 - فرع: إذا تزوَّجت الأمّ، أو جُنَّت، أو فَسَقَتْ، انتقلت الحضانةُ إلى أمِّها دون الأب، وكذا إذا امتنعت على أقيس الوجهين.
3111 - فرع:
لا حضانة لمن فيه جزءٌ من الرقِّ، فإن أيسر ببعضِهِ الحرِّ: فهل يلزمُه كمالُ نفقةِ القريب، أو يتوزَّع على الرقِّ والحرية؟ فيه احتمالٌ.
وحضانةُ الرقيق لمالكه دون أمِّه وأبيه، فإن كان بعضُ الطفل حرًّا،
وبعضُه رقيقًا، ثبتت الحضانةُ لأمِّه ومالكه، فإنْ تراضَيَا بحضانة أحدهما، أو بالمهايأة، جاز، وإن تشاحَّا سلَّمه الحاكمُ إلى حاضنةٍ، وأجرتُها على مَن تلزمهُ النفقة.
3112 -
باب نفقة المماليك
يجب للمملوك من الكسوة والنفقة كفايتُه إلا أن يستقلَّ بالكتابة، وفي تفاوت الكسوة بتفاوت الرقيق أوجهٌ، ثالثها: التسويةُ بين العبيد، والتفاوتُ في الإماء اللاتي يَصْلحْن للتسرِّي.
ولا يجوزُ إلباسُه ما يضرُّ به، كالثوب الخشن الذي يلاقي البشرة، ولا يلزمُه إلباسُ ما يفيد البدن تنعُّمًا وترفُّهًا، وليس له أن يقتصر على ستر عورة العبد وإن كان لا يتضرَّر بالحَرِّ والبرد؛ لِمَا في ذلك من الإهانة والإذلال.
3113 -
فرع:
قال عليه السلام: "إذا كَفى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ؛ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، فَليُجْلِسْهُ مَعَهُ، فإِنْ أَبَى فَليُرَوِّغْ لَهُ لُقْمَةً فَلْيُنَاوِلْهَا إِيَّاهُ" 1 ويختصُّ ذلك بمَن
تولَّى الطعام على الوجه المذكور، وفيه أقوال:
أحدها: يُستحبُّ.
والثاني: يجب الترويغُ، والإجلاسُ أفضلُ.
والثالث: يجبُ أحدُ الأمرين.
وينبغي أن تكون اللقمةُ مُشْبِعةً بالترويغ بحيث تسدُّ مسدًّا، وتردُّ نهَمًا وقرمًا، فإنَّ الصغيرة تَهِيج الشهوةَ، فيزداد الضرر.
3114 -
فصل في الرضاع والفطام
المذهب: أنَّ زوج الحرَّة لا يجوزُ له أن يَحُولَ بينها وبين ولدها، إلا أن يتعذَّر الجمعُ بين الرضاع والاستمتاع، فله ضمُّه إلى مُرْضع أخرى، ولا تُمنعُ الأمُّ منه في الغفلات والفترات، وإذا لم يستمتع بالأمة فليس له أن يَحُولَ بينها وبين ولدها، ولا يكلِّفها إرضاع غيره، وإن أراد الاستمتاعَ بها فهي كالحرَّة عند الإمام.
3115 -
فرع:
قال الأئمَّة: لا حقَّ للأمة في فطام ولدها، فإنَّها لا تملك المطالبة بحقوقه، وأمَّا ولد الحرَّة؛ فإنْ تضرَّر بالفطام في الحولين، أو بعد الحولين، لم يَجُزْ فطامُه حتى يزول تضرُّرُه، وإن غلب على الظنِّ أنَّه لا يتضرَّر بالفطام في الحولين، لم يَجُزْ إلا باتفاقِ الأبوين، فإن طلب الأبُ الفطام، فامتنعت الأمُّ، لزم الأبَ مؤونةُ الرضاع إلى تمام الحولين.
وقال الإمام: إن لم يتضرَّر بالفطام، ولها عن الرضاع، فلا يبعدُ إسقاطُ مؤونة الرضاع.
3116 -
فرع:
على السيِّد نفقةُ المستولَدةِ، ونفقةُ أولادها من النكاح والسِّفاح، وله أن يستكسِبَ العبدَ بشرطِ ألا يكلِّفه ما لا يُطيق، وإنْ وظَّف عليه خَراجًا يكتسبُه كلَّ يومٍ فلا حُكْمَ لتوظيفه، وعلى العبد ألا يقصِّر في الكسب، وإن جَعَلَ نفقتَه من الخراج جاز، وإن نَقَصَ الخراجُ عن النفقة لزم السيِّدَ الإتمامُ، وقال عمر بن الخطاب 1: "لا تكلِّفوا الصغير الكسبَ فيسرقَ، والأمةَ غيرَ ذات الصنعة، فتكتسبَ بفرجها"، فيجب رعايةُ ما ذكره عمر 2.
3117 -
باب نفقة الدوابِّ
يجب على مالك الحيوان المحترم القيامُ بعَلفه وسَقْيه، وأن يَقِيَه المعاطبَ إلا فيما جوَّزه الشرع، وإن خاف هلاكَها بالعطش سقاها وتيمَّم، ولا يحلبُ من لبنها ما يُخشى منه هلاكُ أولادها، ولا يحمِّلها إلا ما يليق بها على الاقتصاد المعتاد في مثلها، فإنْ أسامَها فلم يكفِها السومُ لزمه إتمامُ كفايتها، ومتى ظهر لوليِّ الأمر إضرارُه بها كلَّفه بيعَها، أو القيامَ بحقِّها وكفايتِها، والأصحُّ جوازُ غصب عَلَفِها والخيطِ لجُرحها إذا عجز عن ذلك، والله أعلم.