الغاية في اختصار النهايةكتاب الأطعمة

كتاب الأطعمة

3733 -

يرجع في حلِّ الطعام وحُرمته إلى الكتاب والسنَّة، وكلُّ ما ورد النصُّ بإحلاله، أو استطابتْه العربُ، فهو حلال، وكلُّ ما نُصَّ على تحريمه، أو استخبثه العربُ، أو أمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله، أو نهى عن قتله، فهو حرام، وقد أمر بقتل الفواسق 1، ونهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والخطَّاف 2، فيُعرض الحيوانُ على هذه الأصول، فإن لم نجد له أصلًا فيها، فهو حلال إلى أن يظهر المحرَّم 3، فالبهائمُ أقسامٌ:

الأوَّل: الأهليَّة، ولا يحلُّ منها سوى الخيلِ والأنعام.
الثاني: الوحشُ، ويحرم منه كلُّ ذي ناب يعدو به؛ كالسَّبُع والفهد والدبِّ والفيل، ويحل الضبعُ والثعلبُ، وكذا اليَربوعُ على ظاهر المذهب، وفي السمُّور والسنجاب وابن عُرس، ونظائرها وجهان، والأكثرون على الإباحة، وابن آوى حرام عند المراوزة، وفيه للعراقيين وجهان، والهزَّة الوحشيَّة

حرامٌ إن صحَّ أنَّ أصلها إنسيٌّ، وإن صحَّ أنَّه وحشيٌّ، فوجهان.
الثالث: الطير، ويحرم منه كلُّ ذي مخلب؛ كالبازي، والشاهين، والحِدَأة، والبُغاثة 1، والنسر، والعُقاب، وكذلك الصُّرَد، وفي الهُدهد خلاف؛ إذ نصَّ الشافعيُّ على أنَّه مفديٌّ بالجزاء، والغراب إن كان أبقعَ، حرم اتِّفاقًا، وإن كان غرابَ زرع، فوجهان، وإن كان أسودَ كبيرًا، فهو كغراب الزرع، والأبقع فيه طريقان، والمعتبرون على تحريمه، ومن غربان الزرع الغُبُر، والمحْمرَّة الأرجل والمناقير.
ويحلُّ النَّعام، وأصنافُ الحمام، والزرازير، والعصافير، والجراد، وطير الماء والصَّعْوة من العصافير، وتردَّد أبو محمَّد في اللقلَق، ومال إلى إلحاقه بالكُركيِّ.
وتحرم الكلابُ، والفواسق، والحشرات كلُّها طائرُها ودارجُها، ويحل الضبُّ، وفي أمِّ حُبَيْن وجهان؛ قال أبو محمَّد: أراها ولدَ الضبَّ، ويحرم صغار الفأر وكباره، والسُّلَحْفاة والخنافس والذباب، وكذلك العظاة والصرَّارة، وأبعد مَنْ ألحق الصرَّارة بالجراد، وفي القنافذ وجهان.
والجمادُ إن كان نجسًا حرم، وإن كان طاهرًا؛ فإن لم يكن قذرًا، ولا مضرًّا حلَّ، وإن كان مضرًّا؛ كالسُّم، حَرُم إلَّا أن يوجدَ شخص لا يضرُّه، فلا يحرم عليه، وإن كان قذرًا؛ كالمنيِّ والمخاط، ونحوهما، فالمذهب تحريمُه، خلافًا لأبي زيد

3734 -

فصل في الجلَّالة

إذا ذُبح الحيوانُ الذي يأكل النجاسات، حلَّ، إلا أن يظهر النتنُ على لحمه وجلده، فيحرمان على المذهب، ويُكرهان عند العراقيين والقفَّال، فإن عُلفت الجلَّالة بطاهر، فزال نتنها، حلَّت، وإن زال النتن بالقَلْي أو الطبخ، أو زالت ريحُ الجلد (بالتتريب والتشميس) (1)، لم يطهر، وإن زال نتنُ الجلد بالدبغ، طهَر، وإن ظهر النتنُ على اللحم دون الجلد، فالظاهر تنجيسُ الجلد؛ لأنَّه جزء من اللحم، ويُحتمل أن يطهرَ بالذكاة؛ كجلد الشاة المسمومة.

3735 -

فرع:

إذا نمى الزرعُ بتزبيل الأرض، فلا أثرَ لذلك؛ لأنَّ أثرَ النجاسة لا يظهر.
1

3736 -

باب كسب الحجَّام

كسبُ الحجَّام مكروهٌ غير محرَّم، فلا ينبغي تعاطيه مع 1 القدرة على كسب آخر، وكذا الحكم في تعاطي القاذورات، وما يخالف المروءات.

3737 -

باب ما يحلُّ أكله, وما يجوز للمضطر من الميتة

إذا مات الحيوانُ، أو ذبحه مَنْ ليس من أهل الذكاة، لم يحلَّ إلَّا لمضطرٍّ (1)، وإذا وُجد في بطن الذبيحة جنينٌ؛ فإن كان على حياة مستقرَّة، لم يحلَّ إلَّا بالذكاة، وإن كان ميتًا، أو على حركة مذبوح، حَلَّ، ولم يُكره.
وقال أبو محمَّد: لو لم يحلَّ، لما جاز ذبحُ الحامل، فألزم على ذلك ذبح رَمَكَة في بطنها بغلة فحرَّمه، والذي ذكره ظاهر، وفيه احتمال.

3738 -

فصل في بيان الضرورة

لا يُباح الحرامُ بجوع مُفْرِط، ولا بالحاجة اتِّفاقًا، ويُباح بضرورة يغلب على الظنِّ إفضاؤُها إلى الموت، أو إلى مرض يُخشى منه الموت، وإن خاف مرضًا طويلًا مُفْضيًا إلى خوف الموت، فقولان، ولا يُشترط العلمُ بالإفضاء، بل تكفي غلبةُ الظن، كما تكفي في الإكراه، ولا يلزمه الصبرُ إلى أن يُشرفَ على الموت، بل يأكل في حالٍ لو أكل فيها لانتعش، فإن انتهى إلى حدٍّ لا يؤثر فيه الأكلُ، حرم الأكل، ومتى تحقَّقت الضرورةُ وجب الأكلُ، وأبعد مَنْ1

لم يوجبه.
ومن تيقَّن زوالَ ضرره (1) بشُرب الخمر، كإساغة اللقمة للغاصَّ، وجب شربُها، ولا يُخرَّج فيه الوجهُ البعيد عند الإمام، وإن لم يتيقَّن زوالَ الضرر، لم يحلَّ عند الجمهور.
وإذا انتهى العطشُ إلى الضرورة، جاز تسكينُه بالخمر (2)، وأبعد من منع ذلك؛ ظنًّا أنَّها لا تسكَّنه.

3739 -

فصل في بيان ما يُباح بالضرورة

يُباح بالضرورة الأعيانُ النجسة، وميتةُ الآدميَّ، وقتل من تعيَّن قتله؛ ليأكله؛ كالزاني المُحْصَن، وتارك الصلاة، والمرتدِّ، والحربيِّ، وكذا الحربيَّة على الظاهر، وليس له قتلُ رقيقه، ولا قتلُ معاهد، أو ذمَّيٍّ، ولا أخذُ مالهما مع ضرورتهما.
وإن قطع من لحم نفسه ما يسدُّ رمقَه؛ فإن خاف منه مثلَ ضرورته، أو أشدَّ، لم يجز، وإن لم يظهر خوفٌ، فوجهان.
ولا يقطعُ لحمَ غيره لنفسه، ولا لحمَ نفسه لمضطرٍّ آخرَ.
وله أكلُ مال الغير إن كان غائبًا، وإن حضر، فهل يُستحبُّ استئذانه أو يجب؟ فيه وجهان، فإن منعه منه، فله أن يأخذَه قهرًا، فإن تناوشا، فهلكا،12

أو أحدُهما، ضُمن المضطرُّ بالدية أو القصاص، وأُهدر مالكُ الطعام، وإن باعه منه، لزمه شراؤهُ، فإن تغالى في ثمنه، فله أن يأخذَه قهرًا عند الأئمَّة، فإن اشتراه بالثمن الغالي؛ فإن قدر على أخذه قهرًا، صحَّ البيعُ، وإن عجز، فوجهان يجريان فيما يبيعه المصادرُ لدفع الضرار، والأقيسُ: الصحَّة؛ لانتفاء حقيقة الإكراه، ولو أوجره الطعامَ كرهًا، ففي وجوب قيمته وجهان؛ لأنَّه خلَّصه من الهلاك، فأشبه العفوَ عن القصاص.

3740 -

فصل في قدر ما تبيحه الضرورةُ

للمضطرِّ أن يسدَّ رمقَه بحيث ينتهي إلى حال لو كان عليها في الابتداء، لما حلَّ له الأكلُ، وليس له أن يمتلئَ حتَّى لا يُسيغَ الطعام، وفي الزيادة على سدّ الرمق أقوالٌ: أبعدُها: تجويزُ الأكل إلى ألَّا يُطلقَ عليه اسمُ جائع.
والثاني: لا يزيدُ على سدّ الرمق إلَّا أن يكونَ بمفازة بعيدة من العمران.
والثالث: لا يزيد على سدّ الرمق، وبه قطع الإمامُ، وقال: لم ينصَّ الشافعيُّ على ثلاثة أقوال، بل وجد الأصحابُ أقوالًا مختلفة، فظنُّوها أقوالًا، وإنَّما هي اختلافُ أحوال، وقال: لا يُشترط في غلبة الظنِّ بالضرورة تحققُ أسباب الهلاك، فإن ظنَّ في أوَّل أمره 1 وقوعَ الهلاك، أو استوى الأمران، وخاف من وقوع أحدهما، جاز الأكلُ؛ فإنَّه لو منع منه، لم يأمن أن يموتَ

في انتظار غلبة الظن.
فإن انتفت هذه الأسبابُ في دوام الأكل، لم يزد على سدِّ الرمق، فإن كان بمفازة لا يملك فيها قدميه إذا سدَّ الرمق؛ فإن خاف من إقامته في البرِّية الهلاكَ بسبب من الأسباب، جاز أن يأخذَ من الميتة ما يخلِّصُه من الهلاك، ولا فرقَ بين الابتداء، والدوام، وإن لم يخف من الإقامة، وعلم أنَّه لو سدَّ الرمقَ لعاد إلى الخوف، ثمَّ لو سدَّه ثانيًا، لعاد إلى الخوف، وكذلك إلى أن تفرغ الميتةُ، ثمَّ يهلك، فإن كانت الميتةُ تزيل الخوفَ مرتين مثلًا، ولا يقلُّه، ولو أكلها في مرَّة لاستقلَّ، فله أن يأكلَها في مرَّة، وإن كانت الميتةُ تسدُّ الرمقَ مرارًا، ويفضلُ منها في المرَّة الأخيرة ما يقلُّه، وظهرت حاجتهُ إلى تكرير الأكل، وهو متوقع لحصول غَوْث، وطروق طارق، فهل يأخذ في أوَّل الأمر ما يقلُّه؟ فيه تردُّد.
وإن تكرَّر كلُه، وبقي في الكرَّة الأخيرة ما يقلُّه، فله أكلُها؛ فإنَّه لو فرَّقها، فاته الاستقلالُ، فتُحمل النصوصُ على هذه الأحوال.

3741 -

فرع:

إذا وجد طعامَ الغير، فهل يسدُّ الرمقَ، أو يشبع؛ لأنَّه مباحُ الجوهر، أو يُخرَّج على الأقوال؟ فيه ثلاثةُ طرق.
فإن وجد الميتةَ، وطعامَ الغير، فهل يأكل الميتةَ، أو طعامَ الغير، أو يتخيَّر؟ فيه ثلاثة أقوال.
فإن كان مُحْرِمًا، فوجد ميتةً وصيدًا؛ فإن جعلنا ذبيحتَه ميتةً، أكل الميتة، وحرم عليه ذبحُ الصيد، وإن أبحنا ذبيحتَه، فعلى الأوجه الثلاثة في اجتماع

الميتة وطعام الغير، وقطع الإمامُ بأنَّه يأكلُ الصيدَ، ويلتزم الجزاءَ.
وإذا أبحنا ذبيحتَه، فذبح صيدًا، ثمَّ اضطر، لم تحل له الميتةُ، وإن وجد الصيد، وطعامَ الغير؛ فإن أبحنا ذبيحتَه، فوجهان، ويتَّجه أن يُخيَّر، وإن حرَّمنا ذبيحتَه، فعلى الأوجه في اجتماع الميتة وطعام الغير؛ وإن وجد صيدًا وميتة وطعام الغير، فهل يأكل الميتةَ أو الصيدَ أو طعامَ الغير، أو يتخيَّر بينها وبين الصيد، أو بينها وبين طعام الغير، [أو بين الصيد وطعام الغير] 1، أو بين الجميع؟ فيه سبعةُ أوجه.

جارٍ التحميل