الغاية في اختصار النهايةصفحات 68-75

كِتابُ قَسم الفَيء وَالغَنيمَةِ

صفحات 68-75

2230 -

فرع:

إذا كان الدَّين مؤجَّلًا، ففي قضائه أوجه ثالثُها: إن كان أجلُه ممَّا يحُلُّ في السنة المستقبلة قُضي، وإلا فلا.

2231 - فرع: السؤال مع الإبذاء (1) محرَّمٌ، ومع الحاجة جائز، والتعفُّفُ أولى، ولغير الحاجة مكروهٌ إلا في مباسطة الأصدقاء، وعند الضرورة واجبٌ عند قيام الدواعي.

2232 -

فصل في صفة الغزاة

سهمُ سبيل الله مصروفٌ إلى المطَّوِّعة 2 بالجهاد، فيُعطَون نفقة الذهاب والإياب، والإقامةِ على القتال والحصار، ويُحمل الفارس والراجل إلى محلِّ القتال، ويُعطى الفرسانُ الخيل بإجارةٍ أو إعارةٍ أو تمليكٍ إن رأى ذلك، وإن رأى شراء خيلٍ وتحبيسَها على المجاهدين فَعَلَ، ويُعطون ذلك مع الغنى.1

وهل يُعطون جميعَ النفقة، أو ما زاد بسبب السفر والجهاد؟ فيه خلافٌ كعامل القِراض.
ولا فرق بين غنيِّهم وفقيرهم، ولا شيء لأولادهم من هذا السهم، بخلاف أولاد المرتزقة.

2233 -

فرع:

إذا فُقد الفيء، وحان عطاء المرتزقة، ففي إعطائهم من هذا السهم أوجهٌ؛ أبعدُها: إن قاتلوا مانعي الزكاة أُعطوا ممَّا يُؤخذ منهم، وهذا لا يصحُّ؛ إذ لا فرق بين زكاتهم وزكاة غيرهم، فإنْ فُقدت الزكاة أَعْطَى المطَّوِّعة من مال المصالح، ولا يعطيهم من أربعة أخماس الفيء إلا إذا جعلناه للمصالح.

2234 -

فصل في صفة ابن السبيل

مَن عزم على السفر في طاعةٍ فهو من أبناء السبيل، وإنْ عزم على السفر في معصيةٍ، أو لغيرِ غرضٍ صحيحٍ -كالهائم- فلا يُعطى، وإن أُبيح السفر، وصحَّ الغرضُ، فقد قطع أبو محمَّد بإعطائه، وذكر أبو علي وصاحبُ "التقريب" فيمن يسافر إلى ماله ليتَّجر به وجهين.
ومَن قصد مجرَّد رؤية البلاد، فهذا غرضٌ صحيحٌ عند الصيدلانيِّ، وفيه احتمالٌ؛ إذ السفرُ لغير غرضٍ مكروهٌ عند كثير من الأصحاب.
والعائد إلى وطنه ابن سبيل اتِّفاقًا.
واتَّفقوا على اشتراط الحاجة، ولا عبرةَ بغناه بماله الغائب، فإنْ قَصَدَ

بلدًا، ومالُه في نصف الطريق، دُفع إليه ما يُوصله إلى ماله، ولا يُزاد عليه، هذا فيمن عزم على السفر من وطن المال، ومَن اجتاز بوطن المال؛ فإن جوَّزنا نقل الزكاة، دُفعت إليه زكاة ذلك البلد، وإن منعنا النقل فوجهان أقيسُهما: الجواز، وظاهر النصِّ: المنع.

2235 -

فرع:

إذا منعنا النقل، فحضر البلدَ غرباءُ، لم يُعطَوا على ما دلَّ عليه كلام المشايخ، ولا فرق بين الحرم وغيره، بخلاف لحم الهدي؛ فإنَّه للغرباء والقاطنين؛ نظرًا إلى حرمة البقعة؛ لأنَّا إنَّما منعنا نقل الزكاة؛ ليختصَّ أهل كلِّ قطر بزكاته، فلو صُرفت إلى الغرباء لقصدوا بلد الزكاة، وضيَّقوا على أهله، ولهذا لو سافرتِ الأصنافُ لغير نقلةٍ صُرفت إليهم حِصَصُهم أين كانوا، ولو سافر بعضُهم، وأقام مَن فيه الكفايةُ، جاز الصرفُ إلى المسافرين على الأصحِّ.
وإن فارقوا البلد جميعَ السَّنَةِ فوجهان، وإن فارقوا في آخرها، وحضروا في أوَّلها، فوجهان مرتَّبان، وإن فارقوا في معظمها، وحضروا في آخرها، جاز الصرفُ إليهم اتِّفاقًا، وإن سافروا بعد الحول جاز أيضًا، وإن سافروا لاستيطانِ موضعٍ آخر؛ فإن كان قبل الحول لم تُنقل إليهم اتِّفاقًا، وإن سافروا بعد الحول؛ فإن تعيَّنوا للزكاة وجب صرفُها إليهم، وإن لم ينحصروا جاز النقلُ إليهم على الأصحِّ.

2236 -

فصل فيمن يدَّعي أنَّه من الأصناف

إذا ادَّعى غرمًا أو كتابةً لم نقبل إلا ببيِّنة، فإن صدَّقه الغريم أو السيِّد فوجهان، فإن قبلناه؛ فلو كان الغريم غائبًا فوجهان.
ومَن ادَّعى العجز عن الكسب، وظاهِرُ بدنه مُشْعِرٌ بالقوَّة، أو ادَّعى المسكنة، أو العزمَ على السفر، قُبل قولُه، ولا يُحلَّف إن لم يُتَّهم، وإن اتُّهم فوجهان.
وقال العراقيُّون: مَن ادَّعى العجز عن الكسب؛ فإن شهد ضعفُ بِنْيَته بذلك لم يحلَّف، وإن ظهرت قوَّته وبَعُدَ عجزُه فوجهان.
وقال القفَّال: مَن ادَّعى العزم على السفر أو الغزوِ لم يحلَّف، فإن لم يغزُ، ولم يسافر، استُرِدَّ منه ما أَخذ.
وخرَّج أبو عليٍّ على تحليفه الخلافَ، فإن قلنا بالتحليف: فهو إيجابٌ، أو استحباب؟ فيه وجهان.
وقال الإمام: لا يتَّجه التحليف إلا من الولاة، فأمَّا المالك فيُحتمل ألا يحلِّف؛ اقتداءً بالسلف، ويُحتمل أن يحلِّف، كما يسمع قولُ الثقات على المغارم، ولاسيَّما عند انحصار المستحِقِّ إذا منعنا النقل.
فإنْ نكل الطالبُ عن اليمين؛ فإن أحببناها فلا أثر لنكوله، وإن أوجبناها لم يُصرف إليه شيء حتى يَحْلِفَ؛ لأنَّه لم تقم حجَّةٌ على استحقاقه، وليس هذا قضاءً بالنكول.
وحيث شُرعت اليمين فلا يجب على الدافع التحليف اتِّفاقًا، ولا يبعد

إيجابه إلا إذا أوجبنا اليمين.

2237 -

فرع:

من يفتقر إلى إقامة البيِّنة، إذا غلب على الظنِّ صدقُه ففي جواز الدفع إليه اعتمادًا على الظنِّ تردُّدٌ، وإن اتُّهم وجب القطعُ بمنع الدفع.

2238 - فرع: مَن ادَّعى حمالةً، فعُلم صدقُه بالتواتر، فللمالك أن يدفع إليه، وكذا الحاكمُ إن قلنا: يَحكُم بعلمه، وإن قلنا: لا يحكم بعلمه، ففي العلم المستَنِدِ إلى التواتر قولان؛ إذ لا تُهَمَةَ فيه، وإن استفاض تحمُّلُه، فقد منع أبو علي الدفع، وأجازه صاحب "التلخيص"، وهو أولى؛ لأنَّ أبا عليٍّ إن شَرَطَ قيام البيِّنة عند الحاكم، فهو خلافُ ما درج عليه السلف، وإن اكتفى بقول عدلين من غيرِ حضورِ الحاكم، فالاستفاضةُ فوق ذلك.

2239 -

باب كيف تفريق قسم الصدقات

اتَّفقوا على وجوب التسوية بين الأصناف، وألا يَنْقص كلُّ صنفٍ عن ثلاثة إلا العامل، ولو فاضَلَ بين آحاد كلِّ صنف جاز اتِّفاقًا، ولا يجب ذلك على الإمام في كلِّ زكاة، فإذا اجتمعت الزكواتُ عنده راعَى في جميعها ما يرعاه المالك في زكاة نفسه؛ فإنَّ الإمام تلزمُه التفرقةُ على محاويج الخطَّة، بخلافِ الآحاد.

2240 -

فصل فيمن أخذ الزكاة ثم ظهر أنَّه لا يستحقُّها

إذا دفع المالك الزكاة إلى فقيرٍ أو مسكينٍ، ثم ظهر غناهما عند الأخذ، لم تسقط الزكاة على أصحِّ القولين، وإن ظهر كفرُ الآخذ أو رقُّه لمَن لا يستحقُّ الزكاة، فطريقان: إحداهما: لا تسقط قولًا واحدًا؛ فإنَّ ذلك لا يَخْفَى غالبًا.
والثانية: فيه قولان.
وقال الإمام: متى أَمْكَنَ المالَك استردادُ ما دَفَعَ، وَجَبَ القطعُ بأنَّها لا تسقط؛ فإنَّها لو سقطت لم يملك استردادها؛ إذ لا ولاية له عليها، بخلاف الإمام، وإن تعذَّر ففيه القولان، أو الطريقان، فإن قلنا: يسقط،

فهل المقبوض دينٌ للمستحقِّين، أو للدافع؟ فيه إشكال.
ولو دفع المالك الزكاة إلى الغارم اعتمادًا على صدقه؛ فإنْ منعنا الدفع لم تسقط الزكاة، وكذلك إن جوَّزناه على الظاهر.
ولو دفع إلى المسكين بغير يمين، ورأينا التحليف، فهو كما لو دفع إلى الغارم اعتمادًا على صدقه.
ولو فرَّق الإمام الزكاة، فبان غِنَى المسكينِ، لم يضمن الإمام على الأشهر، وقيل: فيه القولان.
وإن ظهر الكفرُ أو الرقُّ فقولان، فإن قلنا: لا يضمن، برئ المالك من الزكاة، واستردَّها الإمام، وإن قلنا: يضمن، ففي براءة المالك وجهان، كالوجهين في براءته إذا أكل الإمامُ الزكاة وقلنا: لا ينعزل، والظاهر: البراءة؛ لأنَّ أيدي الولاة كأيدي الأصناف.
وحيث أوجبنا الاحتياطَ على الإمام بالحجَّة، فتركَها، وَجَبَ القطع بتغريمه؛ لأنه متصرِّف بالولاية في حق الغير، فكان مقصِّرًا بترك الاحتياط.

2241 -

فصل في الوسم

وسم الدوابِّ جائز؛ إذ صحَّ أنَّه عليه السلام وسم النَّعَم والدوابَّ في الصدقة والجزية 1، ووسم الغنم في آذانها، والإبلَ والبقرَ في أفخاذها،

وكذلك وسمُ الخيل.
ويُكره وسمُ الوجه عند الأصحاب، وحرَّمه الإمام؛ لأنه عليه السلام رأى حمارًا في وجهه وسم، فقال: "ألم يبلغكم أنِّي لعنتُ مَن وَسَم الدوابِّ في وجوهها" 1 قال الشافعي: علامةُ الصدقة: لله، وعلامةُ الجزية: صَغار 2. = الوجه وندبه في نعم الزكاة والجزية، من حديث أنس -رضي الله عنه- مرفوعًا.

جارٍ التحميل