الغاية في اختصار النهايةصفحات 25-67

كِتابُ قَسم الفَيء وَالغَنيمَةِ

صفحات 25-67

كِتابُ قَسم الفَيء وَالغَنيمَةِ

2183 -

للولاة التصرُّفُ في الأموال العامَّة، كالفيء والغنيمة والزكوات، ولهم التصرُّفُ في الأموال الخاصَّة بالنظر على المحجور عليه، وبتوفيرِ الحقوق على أربابها عند امتناع مَن هي عليه أو غَيبته، ولا يتصرَّفون لغائبٍ بالنظر والعطيَّة 1، بل بحفظ ماله عن الضياع، وضياعُه تلفُه، أو اختلالُ معظمه، فأمَّا اختلالٌ لا يسري، ولا يؤدِّي إلى تلف المعظم، فليس بضياعٍ عند أكثر العلماء.

وله بيعُ الحيوان بالاختلال؛ حفظًا لروحه، كما يبيعه بحضور المالك إذا امتنع من علْفه، وإنَّما يتصرَّف إذا ظهر الضياع، وطالت الغيبة، وعسُرت المراجعةُ قبل وقوع الضياع، ولا يملك البيعَ إنْ أَمْكَنه الحفظُ بالإيجار، وإن لم يُمْكِنْ باع حينئذٍ.
والمنافعُ بمثابة المال المُشْرفِ على الهلاك، يحفظها بالإجارة عند طول الغيبة، وإن قربت الغيبة لم يملك ذلك عند أحد من العلماء.
ولو غاب المالك، ونهى عن بيع أمواله وإن أشرفت على الضياع، لم

يَجُزِ البيع عند الإمام؛ لأنَّ للمطلَق (1) التصرُّفَ في ماله بما شاء على وفق الشرع، فلا يَلزمُه عمارةُ ملكه، ولا حفظُ أمواله، وله تعريضُها للضَّياع.
وقال العلماء: كلُّ مالٍ ظهر اليأس من معرفة مالكه فللإمام صرفُه في المصالح وإن لم يُشْرِفْ على الضَّياع.

2184 -

فصل في مصارف الفيء

الغنيمة: ما أُخذ من الكفّار بالقتال، وأربعةُ أخماسها للغانمين، وخُمسُها للمصالح العامَّة، وذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
والفيء: ما أُخذ منهم بغير قتال، كالجزية، والخراج المصروف جزيةً، وتركةِ المرتدِّ ومَن لا وارث له من أهل الذمَّة، وما هربوا عنه خوفًا من المسلمين.
ولو همَّ الجيش بغزو ناحيةٍ، فهربوا منهم عن أموالهم؛ فإن هربوا قبل بروز الجيش فأموالُهم فيء، وكذا إن هربوا بعد البروز على الأصحِّ، وأَبعدَ مَن جعلها غنيمةً، وقاس ذلك بما لو هربوا بعد تواقف الصفَّين من غير شهرِ سلاحٍ، ولا يُشترط في هذا الوجه دخولُ الجيش إلى دار الحرب.
وفي مصرف الفيء أقوال: القديم: أنَّ مَصْرِفَ الفيء كلِّه كمصرِفِ خُمس الغنائم.1

والثاني: يُصرف خُمسه إلى مصارف خمس الغنائم، وفي أربعة أخماسه قولان: أشهرهما وأظهرهما: أنَّه للمرتزقة، وهم: الجندُ المرتَّبون في الديوان.
والثاني: لمصالح المسلمين العامَّة، يُبدأ بالأهمِّ، فالأهمِّ، وأهمُّها 1 جندُ الإسلام.
والثالث: لا يُخمَّس إلا ما هربوا عنه فزعًا، وفي أربعة أخماسه القولان، وما عدا ذلك ممَّا لم يهربوا عنه فمصروفٌ إلى الخُمس، ولا يملكه الجند، وفي الجزية على هذا القول وجهان، لأنَّ الجند لا يستحقُّون إلا ما حَصَلَ بإرعابهم 2، والجزية إنَّما بُذلت للخوف والإرعاب، فأَشبهت ما هربوا عنه رعبًا.
والقول الثاني هو الجديد الصحيحُ، والأوّلُ مرجوعٌ عنه.

2185 -

باب الأنفال

مَن قتل كافرًا مُقْبِلًا على القتال، أو أثخنه بإزالة بطشه وامتناعه، استحقَّ سَلَبَه إن كان من أهل السهمان، وإن كان من أهل الرضخ فوجهان.
ولو قتل بعد قطع يديه أو رجليه فطريقان: إحداهما: قولان؛ لاختلاف النصِّ، وأصحُّهما: أنَّ القطع إن أبطل قتاله فالسَّلَبُ للقاطع، وإن لم يَبْطِلْه فالسَّلَبُ للقاتل.
ولو جُرح جراحاتٍ تهلكه بعد أيام، ولم تمنع قتالَه في الحال، فليس بإثخان.
ولو صُرع بضربة أبطلت قتالَه في الحال، ولو تُرك لرجعت إليه قوَّة القتال، فليس بإثخانٍ عند الإمام.
ولو هزمنا الكفَّار فلا سَلَبَ لمَن قتلهم في الانهزام.
ولو هرب الكافر من بأس قِرْنه، فلحقه فقتله، فالسَّلَبُ له على المذهب، ولو قتله آخرُ في هروبه، فلا سَلَبَ لواحدٍ منهما عند الإمام.
والمنهزم: مَن فارق المعترَك مصرًّا على الفِرار؛ على ما سنذكره في هزيمة الإسلام، وليس التردُّدُ بين الميمنة والميسرة والقلب بانهزام.

2186 -

فصل في بيان السلب

السَّلَب: جميع 1 ملابسِ القتيل، وملابسِ فرسه، وكلُّ ما يحمله ويتَّصل به من جُنَّة وسلاح، كالسيوف والرماح، وكذلك مركوبُه وجميعُ ما عليه من مركب، وسرجٍ، وأسلحةٍ، كالسيف الذي تحت الركاب، دون مُخيَّمه ورَحْله، وما على فرسه أو جَنيبته 2 من عَيْبةٍ فيها نفقةٌ أو ثيابٌ، وفي الخاتم والهميان والجنيبة وجهان؛ فإن جعلنا الجنيبة سَلَبًا ففيما عليها من السلاح تردُّدٌ؛ فإن كان معه جنيبتان لم يستحقَّ الثالثة، وفي الثانية الوجهان؛ فإن قلنا: يستحقُّ إحداهما، فالتعيينُ إليه، أو إلى القرعة، أو إلى الوالي؟ فيه احتمال؛ فإن جُعل إلى الوالي لم يعيِّنها تشهِّيًا، بل يبني الأمرَ على النظر في الغَناء، وما يقتضيه الحالُ، كما نفعل في الأنفال.
وإن اعتادت طائفة أن يُجنِّبوا أكثر من جنيبة فلا يستحقُّ ما زاد على العادة، وفيما وافق العادة الوجهان.
ولو حمل الفارس أكثر من السلاح المعتاد فهو قريب من الهميان.
ولو كان في عنقه طوقُ ذهب أو فضةٍ فهو سَلَبٌ، وأَبعدَ مَن قال: إن كان للزينة فليس بسلَبٍ، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه وقاية وإن كان فيه رِيبةٌ، فأشبه ما لو كان المغفر من أحد التبريْنِ.
والمنطقةُ من السَّلب على الأصحِّ، ومَن منع ذلك لزمه طَرْدُه في كلِّ

ما لا يحتاج إليه، كأحد اللَّبَبَيْنِ (1)، وغرة اللِّجام، وما يتعلَّق بالزينة، كالأطراف من الفضة والمعاليق وغيرها، ولا وجه لذلك.
ولو قاتل راجلًا آخذًا بفرسه، فالفرس من السلب عند الأصحاب، ولا يبعد أن يُلحق بالجنيبة.

2187 -

فرع:

لو أُسر كافرٌ، فالإمامُ مخيَّر بين قتله، وإرقاقه، والمنِّ عليه، والفداء، ولا اعتراض لآسره؛ فإنْ منَّ عليه أو قتله لم يغرم للآسِر شيئًا، وإن فداه لم يستحقَّ فداءَه على الظاهر، وإن أرقَّه ففي استحقاقه لرقبته وجهان.
وإن كان القتيل عبدًا استحقَّ سَلَبه اتِّفاقًا، وفي الصبيِّ والمرأة احتمال، وفي تخميس الأسلاب وجهان.

2188 -

فصل في التنفيل

ليس للإمام أن ينفِّل أحدًا بالتشهِّي والاحتكام 2، بل يتَّبع في ذلك الرأيَ والاجتهاد؛ لأنَّ التنفيل شُرع للتحريض على ارتكاب الأخطار، فإذا قال للسريِّة: نفَّلتكم الثلث أو الربع؛ بحيث لا يُخمَّس عليكم، أو نفَّل البَدْأة والرجعة ما يراه على حسب عنايتهم، جاز، وله أن يسوِّيَ بين البدأة والرجعة، وله تفضيلُ إحداهما على الأخرى على حسب الخطر والأعمال.1

والبَدْأة: سريَّة تتقدَّم الجيش إلى دار الحرب.
والرجعة: سريَّة تتأخَّر في دار الحرب.
وإن رأى من المصلحة أن يقول لعامَّة الجند، أو للأبطال: مَن أخذ شيئًا فهو له؛ فوجهان.
ولو جعل للسريَّة كلَّ ما تغنمه، فوجهان رتَّبهما الإمام على قوله للجند: مَن أخذ شيئًا فهو له، فإن نفَّل السرايا أو البدأة والرجعة بعد حيازة الغنائم، أو قال للجند: من أخذ شيئًا فهو له، فلا يجوز ذلك بعد الحيازة على ظاهر كلام الأصحاب.
ويجوز تنفيل النصف فما دونه، فإن نفَّل المعظمَ احتُمل تخريجه على تخصيص السريَّة بجميع ما تغنم، وحيث أجزنا التنفيل أو التفضيل ففي وجوب جبره للجند وجهان، فإن أوجبنا الجبر تخيَّر الإمام بين أن يترك النفل لأربابه ويعوِّض الجند من مال المصالح، وبين أن ينزعه للجند ويعوِّض أربابه من مال المصالح.
وقيل: إنَّ محلَّ الأنفال كمحلِّ الأرضاخ، وهي من أصل الغنيمة، أو من أربعة أخماسها، أو من مال المصالح؟ فيه ثلاثة أوجه.

2189 -

فرع:

لو دعت الحاجة إلى الترجُّل، وكان قتالُ الراجل أشدَّ وأنجع من قتال الفارس، فأراد التسوية بينه وبين الفارس في السهام، أو أراد تفضيله على الفارس، لم يجز، كما لا يجوزُ تفضيل المقاتل على القائم في الصفِّ.

2190 -

فصل فيما يُفعل بالأسرى

يجب تخميس الغنائم، وقسمةُ أربعة أخماسها على الغانمين، ولا فرق بين المنقول والعَقار، والذراري والنسوان؛ فإنْ حُزنا شيئًا من ذلك فانتزعوه قبل نجاز القتال لم يُحكم بأنَّا ملكناه ثم انتزعوه؛ فإنَّ المِلك لا يثبت إلا بانتهاء القتال، وتولِّي الكفَّار.
وترِقُّ المرأة والصبيُّ والمجنون بالحِيازة وانتهاء الحرب، وليس للإمام قتلُهم، ولا قتلُ العبد.
ولا يرقُّ الحرُّ البالغ بالحيازة اتِّفاقًا، بل يتخيَّر الإمام فيه بين المنِّ، والفداء، والقتل، والإرقاق، وله المخالفةُ بين الأسرى في هذه الأحكام، ولا يفعل ذلك تحكُّمًا، بل يلزمه أن يتَّبع فيه وجه الرأي.
ومَن أَشْكَلَ بلوغُه؛ فإنْ أنبتَ فله قتلُه، وإن لم يُنبِت ألحقه بالذرِّيَّة.
فإن اختار فداء الأسرى أو إرقاقَهم؛ فإنْ أَسَرهم جميعُ الجند فرِقابُهم ومال الفداء مغنمٌ اتِّفاقًا، ولو أسرهم الآحادُ ففي رقابهم ومال الفداء خلافٌ سبقَ، وإن جعلنا رقاب من أسَرَهم الأجنادُ مغنمًا خُمِّست، ويُحتمل ألا تُخمَّس إذا جعلنا الرقاب للآحاد، ومنعنا تخميس الأسلاب، لكنَّ الظاهر التخميسُ؛ فإنَّ التخصيص لا يثبت إلا إذا انفرد المخصَّص بصرفٍ (1) من الغَناء.

2191 -

فرع:

إذا أسلم الأسير حرُم قتلُه، ولم يرقَّ بالإسلام على الأصحِّ، فيتخيَّر1

فيه بين الإرقاق والمنِّ والفداء، وليس له إرقاقُ المرتدِّ؛ إذ لا عاصمَ له بحال، ويتخيَّر في الوثنيِّ بين الخصال الأربع؛ فإن أرقَّه حرم قتلُه، وقال الإصطخريُّ: ليس له الإرقاق.

2192 -

فرع:

إذا بذل الأسير الجزية وهو من أهلها، فقد أَبعدَ مَن أوجب إطلاقَه، وقبولَ جزيته، والأصحُّ بقاء الخيار في الإرقاق والمنِّ والفداء، وكذا القتلُ على أقيس الوجهين، فإن منعنا قتله، فرأى الإمام المصلحةَ في الإرقاق أرقَّه، وإن رأى المصلحة في الفداء، فامتنع لم يُجْبِرْه، ولزمه قبولُ الجزية إذا كان إرقاقُه مفسدةً بأن يصيرَ كَلًّا على المسلمين بزَمانةِ أو غيرِها.

2193 - فرع: إذا قتل الأسيرَ مسلمٌ قبل تخيُّر الإمام أثمَ، وعُزِّر، ولم يضمن؛ لعدم العاصم.

2194 -

فصل في الإرضاخ

1 لا يُسهم إلا لحرٍّ بالغٍ معدودٍ من أهل القتال وإن قلَّ غَناؤه، وضَعُفَ

أثرُه، ويُرضخ للعبد والمريض الذي لا حراك به، كذلك للصبيِّ والمرأة إن أعانا الجند بحراسةٍ، أو خدمةٍ، أو تهيئةِ طعامٍ، أو غيرِ ذلك، وإن لم يُنتفع بهما فوجهان يجريان فيمن لم يبلغ حدَّ النفع من الصبيان.
ويُرضَخ لذمِّيٍّ إن لم يُنهَ عن الحضور، وإن نُهيَ فوجهان [فيجوز أن يقال: لا يستحقون الرضخ لمخالفتهم، ويجوز أن يقال: يستحقونه؛ فإن] 1 حقوق المغانم لا تختلف بالوفاق والخلاف.
وفي نساء الذمَّة وأطفالهم أوجه: أحدها: لا يُرضَخ لهم إلا أن ينفعوا.
والثاني: أنَّهم كأطفال المسلمين.
والثالث: لا يُرضخ لهم بحال؛ لأنّا نتيمَّن 2 بنساء المسلمين وأطفالهم، بخلاف الكفَّار.
وليس للمخذِّل رضخٌ ولا سهمٌ ولا سلَب اتِّفاقًا، وعلى الإمام صرفُه قهرًا إذا علم به، والمخذِّل: هو الذي يُرْعِبُ القلوب، ويكسرها بالأراجيف، ساعيًا في تفريق الكلمة، والحثِّ على الانهزام.
ويُخْرَجُ الرضخ من أصل الغنيمة كالمؤَن، أو من مال المصالح، أو من أربعة الأخماس؛ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أصحُّها آخرُها.

2195 -

فرع:

إذا لم يشهد الوقعة سوى أهلِ الرضخ، ففي تخميس ما يغنمونه وجهان، فإن خمَّسناه صُرف إليهم أربعةُ أخماسه، وأبعدَ مَن قال: يرضخ لهم الإمام ما يراه، ود صرف الباقي في المصالح.

2196 - فرع: إذا رُضخ للعبد، ثمّ عتق بعد الحيازة والقسمة، فالرضخُ لسيِّده، وإن عتق في أثناء القتال ففيه احتمال.
وإذا أُفرِز الخُمس وجب الإقراعُ بينه وبين أربعة الأخماس؛ لِمَا في الأعيان من الأغراض.
وإذا أراد القسمة؛ فإن جعلنا الإرضاخ من أصل الغنيمة، أخرجها وفاضَلَ بين أهلها على ما يقتضيه الرأي، ثمّ يخمِّس الباقي، وتُقسم أربعة أخماسه على الغانمين؛ فإن كانوا رجالًا أو ركبانًا قسمها بينهم بالسويَّة، وإن كانوا رجالًا وركبانًا أعطى الراجل سهمًا، والفارسَ ثلاثةً؛ سهم له، وسهمان لفرسه، ولا فرق بين الواقف في الصفِّ وبين مباشر القتال.
ولا يُسهَم لغير الخيل، كالحُمُر والفيَلة والإبل والبغال، ولا يُسهم إلا لفرس واحد، وأَبعدَ مَن أسهم لفرسين.
ويَمنع الإمام من حضور فرس رازح لا حِراك به، كما يَمنع من مصادمة القتال بغير سلاح؛ فإن حضر به، وركبه فقولان، وإن لم يمكن ركوبه، أو أحضر مهرًا لا يمكن ركوبه، لم يُسهم له.

وإن جعلنا الإرضاخ من أربعة الأخماس قدَّرها على التفاوت، ولا يبلغ بأعلاها سهمَ راجل؛ فإن كان فيهم فارسٌ جُعل له ثلاثةُ أرضاخ ينقص كلُّ واحد منها عن السهم، فإذا كان الجيش ألفَ فارس وألفَ راجل، جَعَلَ السهام أربعةَ آلاف، ونَظَرَ في قَدْرِ الأرضاخ، فجَعَلَها سهامًا، وزادها على أربعة آلاف، فإذا بلغت الأرضاخ قدرَ مئة وخمسين سهمًا قسم على أربعة آلاف ومئة وخمسين، وأفرز ما يخصُّ الأرضاخ لأربابه على تفاوتهم، ثمّ قسم الباقي بين أهل السهام.

2197 -

فصل في موت الغازي وفرسه

إذا نفق الفرس قبل القتال، لم يُسهم له وإن كان في دار الحرب، وإن نفق في أثناء القتال ففيه أقوال؛ ثالثها: إن نفق بعد حيازة المغنم أُسهِم له، وإلا فلا.
ولم يفرِّق الأصحاب بين أن يموت بسبب القتال أو بغيره.
وإن مات الغازي في أثناء القتال لم يُسهَم له اتِّفاقا، وإن مرض مرضًا لا يمنع القتال أُسهم له، وإن منع القتال؛ فإن رجونا زوالَه قبل انقضاء الحرب، فزال قبل انقضائها، أُسهم له، وإنْ لم يَزُلْ حتى انقضت الحرب ففي إلحاقه بما لا يُرجى زوالُه احتمال، وإن لم يُرجَ زوالُه إلا بعد أيام، أو كان مزمنًا غيرَ مرجوِّ الزوال، فقولان.
والجنونُ كالمرض أو الموت؟ فيه طريقان، ففرَّق بعضهم بأنَّ المريض

يُنتفَع برأيه، بخلاف المجنون، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ المرض لو استمرَّ من أول القتال إلى آخره لمَا ثبت السهم.
ومن حضر القتال وبه مرضٌ مزمن، أو ركب في الصفِّ غيرَ متمكِّنٍ من القتال، استحقَّ الرضخ دون السهم؛ فإنَّ الواقف إنَّما يستحقُّ إذا كان بحيث يتأتَّى منه القتال، ولو ترجَّل وترك الفرس قريبًا منه ليركبَه عند الحاجة، استحقَّ سهمَه، ولو ترجَّلوا في مضيقٍ، وأَبْعَدوا عن الخيل لإيغالهم في القتال، فوجهان.

2198 -

فصل في سهم الأجير والتاجر والأسير

مَن جرَّد قصْدَ الجهاد استحقَّ السهم بحضور الصفِّ وإن لم يقاتل، ومَن لم يجرِّد القصد، كمن استُؤجر مدَّة للخدمة، وسياسةِ الدوابِّ، وضربِ الأخبية، وغيرِ ذلك من الأعمال؛ فإذا حضر الصفَّ، أو قاتل، ففيه طريقان، أظهرهما: إن لم يقاتل لم يُسهم له، وإن قاتل فأقوال: أحدها: يستحقُّ الأجرةَ والسهمَ.
والثاني: الأجرةَ دون السهمِ.
والثالث: لا يُسهم له إلا أن يُسقط الأجرة.
وقد أجاز الأصحاب للإمام أن يستأجر مَن يجاهد مِن مال المَصالح، وإن استأجر الآحادُ لذلك فوجهان، وفي إلحاق هذا الأجيرِ بالمستأجَر لسياسة الدوابِّ طريقان:

إحداهما: لا يُسهم له قولًا واحدًا.
والثانية: تخريجه على الخلاف.
وإن استؤجر ليغزوَ عن المستأجِر لم يصحَّ، فإن أتى بالعمل لم يستحقَّ الأجرة، وفي السهم قولان مرتَّبان على أجير الإمام، وأولى بالإسهام، فإن قضينا باستحقاقِ الأجرة والسهمِ فشرطُه ألا يعطِّل شيئًا من أعمال الإجارة مع مُلابَسة القتال، فإن عطَّل شيئًا من ذلك سقطت أجرته، واستحقَّ السهم.
وإن قلنا: لا يُسهم له إلا بإسقاط الأجرة، فهل يسقط في حال القتال، أو مِن حين خرج إلى انقضاء القتال، أو من حين دخل دار الحرب؟ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أبعدُها آخِرُها، ونعني بحال القتال: الوقوفَ في الصفِّ مع مباشرة القتال في بعض الأحوال.
والتاجر إنْ قاتَلَ استحقَّ، وإلا فقولان.
وإن أَفْلَتَ منهم أسيرٌ مسلم؛ فإن قاتل استحقَّ، وإلا فقولان؛ لأنَّ غرضه ظاهرٌ في الإفلات.
وإن أسلم أحدهم، وأَفْلَتَ إلينا، استحقَّ بالوقوف في الصفِّ كغيره من الغزاة.
وإن جاء الأسير بعد القتال فلا سهم له عند الجمهور، ومَن ذكر قولًا في استحقاقه فقد أخطأ، ولعلَّه يختصُّ بمَن كان معهم مطلقًا وأفلتَ على قربٍ من انقضاء القتال، وهو خطأٌ بكلِّ حال.
فهذه طريقةُ الجمهور في هؤلاء.

وقال بعض الأصحاب؛ في كلِّ مسألة قلنا فيها: إن لم يقاتل لم يُسهم له، وإن قاتل فأقوال؛ فإن قلنا: يُسهم للمقاتل، ففي الواقف قولان، وكلُّ مسألة قلنا: إن قاتل استحقَّ، وإن لم يقاتل ففيه خلاف؛ فإن قاتل ففيه قولان.
فإن قلنا: لا يُسهم لأحد من هؤلاء، رُضخ له على ظاهر المذهب، وقيل: لا يُرضخ.
قال الصيدلانيُّ: كأنَّ الخلاف في هذه الصور مبنيٌّ على الخلاف في وجوب النيَّة في الجهاد، فإن قلنا: لا تجب، لم يَبْعد الإسهام لمن لم يقاتل، وإن أوجبناها فعلى التفصيل والخلاف.

2199 -

فصل في لحوق المدد

الغنيمة لمن حضر الوقعة، ولا يختصُّ بها آخِذوها، ولو تفرَّقوا في مواضع بحيث يتأتَّى منهم التناصُرُ، فهو كاجتماعهم في معرك واحد.
وإن لحق مددٌ بعد الحيازة وانقضاءِ الحرب، لم يُشْرَكوا في الغنائم، وإن لحقوا في أثناء القتال وقبل الحيازة، يشاركوا، وإن لحقوا بعد الحيازة، وقبل انقضاء القتال، يشاركوا على أصحِّ القولين؛ لأنَّ الحيازة في القتال عُرضةٌ للاسترداد، فلا أثر لها.
وتصحُّ القسمة في دار الحرب، ولا يَبْعُدُ أن يكون أولى؛ لأنَّها أطيبُ للقلوب، وأنفى للغلول، وأخفُّ للحمل.

وإن اقتسموا مع قيام الحرب لم يصحَّ عند الأصحاب، وخرَّجه الإمام على القولين في لحوق المدد بعد الحيازة وقبل انقضاء القتال.

2200 -

فصل في اشتراك الجند والسرايا

إذا بعث الإمام سريَّة من معظم الجند، فغَنِمَتْ، أو غَنِمَ الجندُ شيئًا، أو بعث سريَّتين إلى جهتين، فغنمتا، أو غنم الجند؛ فإن اتَّحدت الغزوة، وصدرت عن رأي واحد، وأَمْكَنَتْهم الإغاثةُ والتناصُرُ فالكلُّ شركاءُ فيما يختصُّ بعضُهم باغتنامه، وأَبعدَ مَن قال: لا تُشارِكُ إحدى السريَّتين الأخرى.
وإن لم تتَّحد الغزوة، ولم يُمْكن التناصُرُ، فلا شركة، ويختصُّ كلُّ فريق بما يغنمه.
وإن تعذَّر الغوث واتِّحدت الغزوة، أو أمكن الغوثُ ولم تتَّحد الغزوة، فوجهان مأخذُهما: أنَّ سبب الاشتراك: إمكانُ الغوث، أو الاتِّحاد؟ ويُرجَع في حدِّ الغوث إلى أهل الخبرة، وضابطه: ما لو استفزَّت إحدى الطائفتين الأخرى لأدركتها قبل الاصطلام، ولا يُشترط الإدراك في الحال.
والمراد باتِّحاد الغزوة: أن يبرز الجيش عن رأيٍ واحدٍ، فيبثَّ السرايا في نواحي القطر المطلوب؛ ليفرِّق بهم جمهور الأعداء، أو ليحفظوا مراصدَ الطرف، أو يحاصروا قلاعًا على ممرِّهم، فهذه غزوةٌ واحدة.
وإن بَعُدَتِ السرايا بحيث لا يلحقُهم غوثُ الجيش، ولا يفعل الأمير

ذلك إلا إذا بعُد أن يتحامل جيش الكفَّار على السرايا، فهذه غزوة واحدة؛ لصدَرها عن رأيٍ واحد.
وإن كان الجند في البلد؛ فإن تعذَّرت الإغاثة بسبب البعد، أو لعدم تأهُّب الجند، فلا مشاركة؛ لتعذُّر الغوث، وإنَّهم لا يُعدُّون من أهل الغزوة، وإن أمكنت الإغاثةُ فوجهان مأخذهما المعنيان، وحيث اعتبرنا الغوث، فتعذر لبعد المسافة، أو لعدم التأهُّب مع قرب المسافة، فلا شركة.
وغَلِطَ من قال: إن كان الجند في دار الإسلام فلا شركة، وإن كانوا في دار الحرب اشتركوا.

2201 -

فرع:

إذا كان [المدد] 1 على حدٍّ لو استغاث بهم الجند لأغاثوهم، ولكنَّهم لم يشعروا بهم؛ فإذا لحقوا بعد الحيازة وتقضِّي القتال فلا شركة لهم اتِّفاقًا؛ إذ لا يمكن الاستغاثةُ بهم مع الجهل، ولم يصدروا عن رأيٍ واحد.

2202 -

باب تفريق الخمس

يُقسم خمسُ الفيء والغنيمة على خمسة أسهم، وللشافعيِّ قول غريبٌ: أنَّه يسقط سهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتُقسم على أربعة، ولا تفريعَ عليه.
السهم الأوَّل: سهمُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يُصرف في المصالح العامّة، ولا يُصرف إلى الخليفة، خلافًا لبعض العلماء، ورمز بعض الأصحاب إلى موافقته.
الثاني: سهم ذوي القربى، وهم كلُّ منتسِبٍ بأبيه إلى بني هاشم، أو بني المطَّلِب، ولا عبرة بالانتساب بالأمَّهات؛ فإنَّ النسب إلى الآباء، واتَّفقوا على تسوية الغنيِّ بالفقير، وعلى أنَّ للذَّكَرِ مثلُ حظِّ الأنثيين، ويشترك الأبناء والآباء والأحفاد والأجداد.
الثالث: سهم اليتامى، وهم كلُّ صغيرٍ مات أبوه من المسلمين، ويستوي فيه الذَّكَرُ والأنثى، وفي اشتراط الفقر وجهان، ولا يختصُّ بأولاد المرتزقة 1، خلافا للقفَّال.
الرابع: المساكين.

والخامس: ابن السبيل.
وسيأتي وصفها في قَسْمِ الصَّدقات، ويُشترط في ابن السبيل الحاجةُ، كما في الزكاة، وأبعدَ مَن لم يشرطها.
وتُصرف هذه الأسهمُ إلى جميع مَن يوجد من هؤلاء في خطَّة الإسلام، ولا يُترك منهم أحد.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا يجبُ هذا، بل يُصرف كلُّ خُمسٍ إلى أهل القطر الذي أُخذ فيه الخُمس.
فإن أراد بهذا صرْفه إليهم مع حرمان غيرهم من أهل الأقطار، فقد خالف النصَّ، وقولَ الجمهور، وإن أراد تخصيصَ كلِّ قطرٍ بما يحصل فيه، وإن خلا قطرٌ أُعطوا نصيبَهم من حيث يراه الإمام، فلا ينبغي أن يُختلف في هذا.
وللمالك صرفُ الزكاة إلى ثلاثةٍ من كلِّ صنف، ولا يلزمُه التعميم، بخلاف الإمام؛ فإنَّه ناظرٌ للكلِّ، ولو ضاع منهم واحد لنُسب إلى تفريطه، فإن اجتمعت الزكاة عنده، وجوَّزنا النقل، لزمه التعميمُ كما ذكرناه في الأخماس، ولينصِّب في كلِّ قطرٍ أمينًا خبيرًا يضبط أعداد المستحِقين، ويتِّخذ شجراتٍ جامعةٍ لأنساب ذوي القربى؛ فإن حصل ما لا يسدُّ حاجاتهم، احتمل أن يسوِّي بينهم، واحتمل أن يفاضِل على قَدْرِ الحاجات، فإن حصل ما لا يمكن بسطُه على الخطَّة قدَّم الأحوجَ فالأحوجَ؛ إذ لا يجوز التأخير، ولا التحكُّمُ بالتعيين، ومَن شَرَطْنا حاجتَه -كاليتيم وابن السبيل- أُعطوا على قَدْرِ حاجاتهم، ولا يسوَّى بينهم، ولا يزاد على حاجاتهم.
ومَن ادَّعى الاستحقاق قُبِل قولُه إن ادَّعى المسكنة، وفي تحليفه

خلافٌ يأتي في قَسْمِ الصدقات، ولا يُعطَى مدَّعي القرابة حتى يَثْبُتَ نسبه، أو يستفيض، ولا اليتيمُ حتَّى يتحقَّق صِغَرُه وموتُ أبيه.

2203 -

باب تفريق أربعة أخماس الفيء

ويتعرَّف الإمام ما يحتاج إليه المرتزِقُ 1؛ من مؤونته، ومؤونة عياله، ومركوبه، وسلاحِه، ودفعِ حاجةِ ما يتَّصل به، فإذا ثبت عنده قَدْرُ الحاجات أعطى كلَّ واحد بقدر حاجته.
ولا يُكفى المرتزق مؤونة عبيدٍ لا يَصْلُحون لخدمة ولا لقتالٍ، ولا عبيد الزينة، وإن كان مخدومًا لم يُكْفَ إلا مؤونة خادمٍ واحد عند الأصحاب، وإن كان له أربع زوجات كُفيَ مؤنتَهنَّ على النصِّ، وأَبعدَ مَن قال: لا يُزاد على واحدة.
وإن اتَّخذ عبيدًا يصلحون للقتال؛ ليقاتلوا عند الحاجة، لم تجب مؤونتهم على النصِّ، وقيل: تجب، وهو الأصحُّ عند الإمام.

وعلى النصِّ: للإمام أن يأمر المرتزِقَ باتِّخاذ عبيدِ لذلك، ويُكْفَى مؤونتَهم من الفيء.
وله إقامة أحرارِ للنجدة يرقبون 1 في الديوان على ما يقتضيه رأيه.
ولو زَمِنَ عنده عبدٌ قديم الصحبة لم يضايَق في كفايته عند الإمام.
ويتعهَّد الإمام الأحوال في كلِّ نوبة؛ لاختلاف الأسعار والأحوال، وكلَّما كبر الغلام زاد في نصيبه، ويدفع إلى كلِّ واحد قدر الحاجة وإن كان غنيًّا.
ولا يفضِّل أحدًا بشيء من المناقب، كالعلم والتقوى والتقرُّب من المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، هذا رأي أبي بكر، وبه قطع الشافعيُّ، وفضَّل عمرُ بالمناقب، وهو قولٌ مخرَّجٌ للشافعيِّ عند اتِّساع المال، وقال أبو محمد: التصرُّف في ذلك يقارب التصرُّف في حدِّ الخمر.
وهل يجب تمليك أبناء المرتزقة ما يخصُّهم من ذلك؟ فيه قولان، فإن ملَّكْناهم ففي البنات خلاف؛ فإن ملَّكناهم فالأكثرون على أنَّا لا نملِّك الزوجات.
ولو مات المرتزق عن ذرِّيَّة لا تصلح للقتال، ففي وجوب كفايتهم وجهان، فإن فضل من الفيء شيء عن المرتزقة، ففي صرفه إليهم قولان مأخذهما: أنَّهم هل يملكون الفيء أم لا؛ فإن قلنا: يملكونه، صُرف الباقي إليهم بالسويَّة، ولا نظرَ إلى الحاجات؛ لأنَّا قد كفيناها، ولا حقَّ للذرِّية

فيما فضل عن الحاجة، وفيه احتمال، وإن قلنا: لا يملكونه، صُرف في المصالح؛ يُبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ من أمر الحصون والثغور، وإعدادِ الكُرَاع والسلاح، وجميعِ آلات القتال قصدًا ودفعًا، ومن المصالح أرزاقُ القضاة وولاةِ الأحداث، وهم الشرَطُ.

2204 -

فرع:

توظيف العطايا إلى رأي الإمام؛ إن شاء جعلها مُسانَهةً، وإن شاء جعلها مشاهرةً.
ومَن مات من المرتزقة بعد انقضاء المدَّة، وجمعِ المال، وُرِث عنه نصيبُه، وإن مات بعد الجمع وقبل انقضاء المدَّة فقولان؛ لتردُّده بين الإجارة والجعالة، وأَبعدَ مَن بَنَى ذلك على موت الذمِّيِّ في أثناء الحول.

2205 - فرع: إذا أعرض المرتزقُ عن حصَّته بعد انقضاء المدَّة، لم تسقط على الظاهر، بخلاف سهمه من الغنائم.

2206 - فرع: على المرتزقة المسارعةُ إلى الغزو إذا دعاهم الإمام من غير معارَضةٍ، ويُغزي كلَّ فرقة فيما يليهم، ولو أمر المُطَّوِّعة بقتالٍ غيرِ متعيِّنٍ فلا يَحْرمُ أمرُه بذلك، فإن حرُم ففي وجوب الطاعة وجهان.
ولو صرف شيئًا من فاضل الفيء إلى المطَّوِّعة، لم يجز إلا إذا جعلناه للمصالح، وفَقَد كفايتَهم من الزكاة، وإن اتَّسع الفيء للمرتزقة لم يُعطَوا من

سهم المطَّوَّعة من الزكاة، فإنْ عُدِم الفيء، واتَّصفوا بصفات الاستحقاق، ففي جواز الصرف إليهم وجهان.

2207 -

فصل فيما يُصرف فيه مال المصالح وما يدَّخره الإمام

إذا أراد الإمام ادِّخار شيء من مال المصالح لمهمِّ يتوقَّعه، ففيه أوجه: أحدها، وهو المشهور من المذهب: أنَّه لا يدَّخر شيئًا ما وجد مصرفًا، فإن لم يجد فله أن ينشئ المساجد والرباطات على ما يراه، فإن نزلت نازلةٌ استعان بأُولي الثروة من المسلمين.
والثاني: له ذلك، بل هو أولى من كثيرٍ من المصالح.
والثالث: لا يدَّخر من مال المصالح الناجزة شيئًا، بل يدَّخر ما ذكرنا أنَّه يُصرف إلى الربُط والمساجد.

2208 -

باب ما لم يُوجَف عليه من الأرضين بخيل ولا ركاب

إذا كان في الفيء عقار، كالأراضي والمساكن والدور، فالمذهب: أنَّها لا تُقسم، بل يُصرف خمس ارتفاقها (1) إلى مصارف الخمس، والباقي إلى مصارف أربعة الأخماس، وذهب طائفةٌ إلى أنَّها تُقسم كالمنقولات، وقال آخرون: للإمام أن يقسمَها، وله أن ينفقها على مصارفها.

2209 -

فصل في تعريف العرفاء ووضع الديوان

حسُن للإمام أن يضع ديوانًا يُثبت فيه أسماء الجند، وينصبَ صاحبَ جيش ليقيم نقيبًا 2، ويقيم كل نقيب عرفاءَ، تحت رايةِ كلِّ عريفٍ جماعةٌ تُعرف أسماؤهم؛ ليتيسَّر جمعُهم لأخذ أرزاقهم، أو لبعث طائفةٍ منهم في الغزوات.
وينبغي أن يبدأ في الديوان بالأقرب فالأقرب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثمَّ1

بقريشٍ، ثم بالأنصار، ثم بسائر الناس، هكذا فعل عمر، فجعل العبّاسَ رأسَ الديوان، وبدأ ببني هاشم وبني المطَّلِب، وقدَّم أحد البطنين على الآخر بالسنِّ، وكان هاشم والمطَّلب وعبدُ شمس ونوفلٌ أولادَ عبد مناف، فقدَّم عبدَ شمس؛ لأنَّه أخو المطَّلب لأبويه، ولأنَّ عثمان منهم، ثم نوفلًا؛ لأنَّه أخو المطَّلب لأبيه، وكان عبدُ العزَّى وعبدُ الدار وعبد مناف أولادَ قصيٍّ، فقدَّم عبدَ العزى؛ لأنَّ خديجة والزبير منهم، ولحضورهم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة حلفَ المطيَّبينَ الذين تعاقدوا على نصر المظلوم، وألَّا يُعِزُّوا بمكَّة ظالمًا، ثمَّ بعبد الدار، ثم بزهرة بن كلاب عمِّ عبد منافٍ، ثمَّ قدَّم تَيْمًا على مخزومٍ لأجل أبي بكرٍ، ثم أردف بمخزومٍ لأنَّ مخزوم بن يقظة بن مُرَّة وتيمًا هما أخوا كلاب بن مرَّة، فلمَّا انتهى إلى بني عديِّ بن كعب بن لؤيٍّ أخي مرَّةَ وسهمٍ وجُمَحَ، خلط عديًّا بجمح، وقدَّمهما على سهمٍ، وكان ينبغي أن يقدِّم عديًّا على جُمح؛ لمكانه، ومكان حفصة، فلم يفعل، ثمَّ أردف بعامر بن لؤيٍّ أخي كعب بن لؤيٍّ قبيلةِ أبي عبيدة بن الجرَّاح، فلمَّا انتهى إلى معاوية جعل الحارث بنَ فهرٍ بين أسد بن عبد العزَّى وبين نوفلٍ، وقدَّمهم على سائر قريشٍ سوى عبد منافٍ، فلمَّا فرغ من قريش أردف بالأنصار، ثم وضع العرب على الترتيب، ثم أردف بالعجم.

2210 -

فصل في الغلول

لا يجوز تحريقُ رحْلِ الغالِّ إن كان الوالي عدلًا، وكذا إن كان جائرًا عند المُعْظَم، وقال في "التلخيص": يُحرَّق، إلا أن يكون فيه مصحفٌ، فيُباع

ويُتصدَّق بثمنه، وإن تيسَّر إخراج المصحف، وإحراقُ المتاع؛ لحديثٍ ضعيفٍ ورد فيه 1، ولو صحَّ لكان منسوخًا؛ إذ لم يَعمل به الخلفاء.
وكان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يصطفي من جميع المغنم ما شاء، وهل يُحسب الصَّفِيَّ من خُمسِ الخمس؟ فيه وجهان.

مُخْتَصَرُ قَسْم الصَّدقاتِ

مُخْتَصَرُ قَسْم الصَّدقاتِ

2211 -

للمالك أن يدفع زكاة أمواله الباطنة والظاهرة إلى الإمام، وله تفريقُ زكاة الباطنة، وكذا الظاهرةُ على الجديد، وعلى القديم: يلزمُه دفعها إلى الإمام، وإن فرَّقها بنفسه لم تُجْزِه.

والأموال الظاهرة: هي المواشي، والمعشَّرات، والمعادن إن جعلنا واجبَها زكاةً.
والباطنة: هي النقود، وأموال التجارة.
وفي الركاز والفطرة وجهان.

2212 -

فصل في نقل الزكاة عن وطن المال

وهو جائزٌ في القديم ممنوعٌ في الجديد، والاعتبارُ بوطن المال في ون وطن المالك؛ فإن منعنا النقل ففي الوصايا المطلَقة والكفَّارات والنذور المطلَقة وجهان.
وأمَّا زكاة الفطر؛ فإن جُعلت لثلاثةٍ من المساكين فهي كالكفَّارة، وإن جُعلت للأصناف: فهل يُعتبر ببلد المالك، أو ببلد المال؟ فيه وجهان، فإن اعتبرناها ببلد المال، فكان ببلدٍ والمالكُ في غيره؛ فإنْ فَضَلَ معه قَدْرُ

الفطرة أخرجها ببلده دون بلد المال.

2213 -

فصل في التفريع على منع النقل

إذا منعنا النقل ففي جريانه في حقِّ الإمام احتمالٌ، وإن نقل المالك فقد أساء، وفي الإجزاء قولان، والأكثرون على منعه، فإن قلنا: يُجزئ، عَصَى، وبَرِئ، وقال الإمام: لا يَبْعُدُ القولُ بالكراهة.
ولو كثرت زكاة إنسان؛ بحيث لو وزَّعها على الأصناف لقاربت الكفاف، وليس في الناحية غيره؛ فإن وزَّعها على الجميع أدَّى فرضَ كفايةٍ وفرضَ عينٍ، ولو خصَّ بها ثلاثةً من كلِّ صنف عَصَى، وبَرِئَ.
والمذهب: أنَّ مَن توطَّن بلدًا أو قريةً فليس له النقل إلى قريةٍ قريبةٍ يترخَّصُ المسافر بالبروز إليها، وقيل: له أن ينقل إلى ما دون مسافة القصر، ومَن توطَّن البادية جاز له النقل إلى ما دون مسافة القصر على الأصحِّ، وقيل: إنَّه كالقرويِّ.
وإذا فُقد بعض الأصناف من وطن المال؛ فإنْ جوَّزنا النقل مع وجودهم وجب النقلُ هاهنا إلى مَن فُقد منهم، وإنْ منعنا النقل مع وجودهم فهاهنا قولان؛ فإنْ منعناه؛ فإن كانوا دون مسافة القصر لزم النقلُ إلى الأقرب فالأقرب اتِّفاقًا، وكذا إن كانوا فوق مسافة القصر على الأصحّ، وأَبعدَ مَن أجاز النقلَ إلى حيث شاء.
وإن وجد من كلِّ صنف واحدًا أو اثنين؛ فإن جوَّزنا النقل إذا فُقد

بعض الأصناف فهذا أولى، وإلا فقولان.

2214 -

فرع:

مَن لا يستوطِنُ مكانًا، ومالُه معه، فله النقلُ إلى جميع أقطار الأرض، وقيل: الأولى أن يفرِّق الزكاةَ حيث وَجَبت، ولا يلزمُه ذلك اتِّفاقًا.
ولو تردَّد في إقليم فسيحٍ لا يتعدَّاه، فله النقلُ عنه على الظاهر عند الإمام.
ولو كانت ماشيتُه في قريتين لا يتعدَّاهما شتاءً ولا صيفًا؛ فإن لم يكن بينهما مسافةُ القصر لم يَنقل عنهما عند الإمام، وإن كان بينهما مسافةُ القصر فهو كالتردُّد في الإقليم الفسيح.

2215 - فرع: إذا احتاج الساعي في نقل الزكاة إلى مؤونةٍ فله إخراجُها من الزكاة اتِّفاقًا، وإن فُقدت الأصناف، وجوَّزنا للمالك النقلَ، فلا تلزمُه المؤونةُ على الأصحّ، وفي إخراجها من الزكاة تردُّد للإمام، ومال إلى المنع، وخيَّر المالكَ بين التبرُّع بالمؤونة، وبين الصبر إلى وجود الأصناف، وقال: يلزمُه التفريقُ حيث لا مؤونةَ، ولا يُنزَّل في التخلية منزلةَ المودع، وذكر العراقيُّون أنَّ مؤونة كيَّال العُشْر على المالك على الأصحِّ.

2216 - فرع: إذا كان أهلُ البادية غيرَ مستقرِّين، ومعهم الأصنافُ يطوفون معهم، فالظاهرُ وجوبُ الصرف إليهم، وفيه احتمالٌ.

2217 -

فصل في صفة الفقراء والمساكين

يجب صرف الزكاة إلى مَن يوجد من الأصناف المذكورة في كتاب الله، ويستحقُّ الزكاة بحاجة أخذها إلينا، أو بحاجتنا إليه.
فالفقير: مَن لا يملكُ وراء الضرورة في الملبس شيئًا، كالخادم والمسكن وغير ذلك، ولا يقدر على اكتساب الكفاية، ولا بعضِ الكفاية، وفي اشتراط التعفُّفِ عن السؤال اختلافُ نصٍّ؛ لأنَّه نوعٌ من الاكتساب، وفي اشتراطِ الزَّمانة خلافٌ؛ فإنْ شُرطت لم يُشْرَطِ العمى على الأصحِّ.
والمسكين: مَن يملك ما لا يفي بالكفاية، أو يقدر على اكتساب بعض الكفاية، ولا يُحسب عليه مسكنُه اللائقُ به، ولا خادمُه الذي يتضرَّر بفقده -لضعفه، أو ضعفِ بصره- إذا لم يكن نفيسًا، وإن كان مخدومًا للمروءة والمنصب، فقد ألحقه بعضهم بالمكفِّر كفَارةً مرتَّبة، ولا يمتنع الفرقُ بينهما.
ولا يجوز صرفُ سهم المساكين إلى الفقراء؛ لأنَّهما متى ذُكرا في وصيَّة أو غيرِها وجب الصرفُ إليهما، وإن ذُكر أحدهما جاز الصرف إلى الآخر.

2218 -

فرع:

إذا دفع الزكاة إلى عبد المسكين بإذنه أجزأت، وبغير إذنه خلافٌ كالخلاف في قبول الهبة، ولو دفعها إلى عبدِ مَن لا يستحقُّها لم تُجزِه؛ إذ لا بدَّ في الزكاة من تمليكٍ محقَقٍ، ولذلك لا يُدفع سهم المساكين إلى المكاتَب؛ لضعفِ مِلْكه.
ولو قال السيّد لعبده: ملَّكتك ما تحصِّله بالاصطياد، أو الاحتطاب،

فحصَّل شيئًا من ذلك، لم يملكه وإن قلنا: إنَّه يملك بالتمليك؛ لأنَّ هذا تمليكٌ للأسباب.
ولو كان الفقير أو المسكين صغيرًا، دُفعت الزكاة إلى الناظر في أمره، أو ينصِّب الحاكم من يقبِضها له، وإن دُفعت إليه لم تُجْزِ.

2219 -

فرع:

إذا دفع الزكاة إلى مَن تلزمه نفقتُه من الأقارب؛ فإن كان بسبب الغرم ونحوه أجزأه، وإن كان بسبب الفقر والمسكنة لم تُجزئه؛ لأنَّه إسقاط دَينَيْنِ بمالٍ واحد.
ولا يدفع سهمَ المساكينِ إلى مَن يكتفي بغلَّةِ وقفٍ عليه.
وفي المكْفِيِّ بنفقة القريب وجهان، وفي المزوَّجة وجهان مرتَّبان، ولا فرق بين الزوج وغيره، وهي أولى بالمنع من المكفيِّ بنفقة القريب؛ فإنَّ نفقتها لا تسقط بالغِنَى، فأَشبهتْ ريعَ الوقف.
فإن قلنا: لا يُصرف إليها شيء لاستغنائها بالنفقة؛ فلو نشزت لم ندفع إليها شيئًا، إلا أن تنشز في غيبة الزوج، وتعودَ إلى الطاعة، ففي الدفع إليها قبل بلوغ الخبر إلى زوجها احتمالٌ.
وإن سافرت بإذنه في غرضها، وقلنا: تسقط نفقتها، دُفع إليها في السفر من سهم المساكين إن جوَّزنا نقل الزكاة، وفيه احتمال.

2220 - فرع: إذا اجتمع في شخصٍ واحدٍ سببان أو أسبابٌ يَسْتَحِقُّ بمثلها الزكاةَ،

لم يَستحقَّ إلا بأحدها على المذهب، وقيل: يستحقُّ بالجميع، وقيل: إن غرم المسكين لمصلحة الغير أخذ بالغرم والمسكنة، وإن غرم لمصلحة نفسه لم يأخذ إلا بأحدهما.

2221 -

فصل فيما يُصرف إلى الفقير والمسكين

يُدفع إلى المسكين قدرُ الكفاية؛ فإن كان محترِفًا دُفع إليه ما يحصِّل به آلاتِ حرفته، وإن لم يُحْسِنْ سوى التجارةِ، ولم يتأتَّ تحصيلُ الكفاية إلا بألف درهم، دُفع إليه ألفٌ، وتُعتبر أدنى مراتبِ الكفاية عند الإمام، وإن لم يُحْسِنْ شيئًا، فقد قال أبو محمد: يُدفع إليه نفقةُ العمر باعتبارِ أغلب الأعمار، وقال الإمام: إن قُدِر على إقامة مَن يتَّجر له فعلى ما ذكرناه في التاجر، وإن عُجز عن ذلك لم نَزِدْه على كفاية سنةٍ.
وإذا دُفع إلى الفقير بعضُ كفايته، لم يَجُزْ لغير الدافع أن يعطيَه من سهم الفقراء، وله إعطاؤه من سهم المساكين، ولو دفع إلى الفقير قدر الكفاية جاز على الأشبه، فإن أراد الدافعُ إكمالها من سهم الفقراء؛ فإن كانت من زكاة الحول المستقبَل لم تُكمَل إلا من سهم المساكين، ولو كانت من زكاة ذلك الحول، ففي إكمالها من سهم الفقراء مع اتِّحاد الدافع تردُّدٌ، هذا كلُّه إذا بقي ما أخذه الفقير بيده.

2222 -

فرع:

الزكاةُ وصدقةُ التطوُّع حرامٌ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتَحرْمُ الزكاة على

بني هاشمِ وبني المطَّلب، وفي صدقة التطوُّع وجهان، والصدقةُ المنذورةُ كالزكاة أو التطوُّع؟ فيه خلافٌ، فلو قَدِمَ الفيءُ، واتَّصفوا باستحقاق الزكاة، لم يُدفع إليهم عند الجمهور، خلافًا للإصطخريِّ، ويُصرف إليهم سهم العامل على الأصحِّ.

2223 -

فصل في صفة العامل

العاملون: هم الجُباة، والكُتَّاب، والحُسَّاب، ومَن لابدَّ من استعماله، وليس لهم سوى أجرةِ المِثْلِ اتّفاقًا، وتُوزَّع عليهم على قَدْر أعمالهم.
ولا حقَّ للخليفة، ولا لولاة الأقاليم في ذلك، وحقُّ الخليفة في مال المَصالح إنْ لم يتطوَّع بالعمل، وكان أبو بكر وعمر يأخذان منه قدْرًا نزرًا، ثم ردَّا ما أخذاه في آخر أعمارهما.
فإنْ فَضَلَ ثُمُنُ الزكاة عن أجرة المثل رُدَّ على الأصناف، وإن نقص كُمِّل على أصحِّ القولين، وهل يُكمَّل من الزكاة أو من مال المصالح؟ فيه اختلافُ نصٍّ، فقيل: قولان، وقيل: إن بُدئ بالزكاة كُمِّل من المصالح، ولم تُنقص القسمة، وإن بُدئ به كُمِّل من الزكاة، قال الإمام: إنَّما يَقْرُبُ هذا إذا اتَّفق الأمر كذلك، والرأي: ألا يُدفع لأحدٍ شيءٌ حتَى تُعرف مقادير السهام.

2224 -

فرع:

للإمام أن يدفع نصيب العامل من مال المصالح، ويوفِّرَ الزكاة على

الأصناف، وفي فحوى كلامِهم ما يدلُّ على أنَّ منْعَهم من الزكاة بالكلِّيّة لا يجوز، والمذهب الأوَّل.

2225 -

فصل في صفة المؤلَّفة قلوبهم

وهم أربعة أقسام: الأوَّل: كفَرةٌ يُرجى إسلامهم، فلا يُعطَون من الزكاة، وفي إعطائهم من مال المصالح قولان.
الثاني: قوم من الأشراف حديثٌ عهدُهم بالإسلام، ونيَّتُهم فيه ضعيفةٌ، ولو أُعطوا لثبتوا، وثبت أتباعهم، ففي إعطائهم قولان، فإن أعطيناهم؛ فمن الزكاة أو من مال المَصالح؛ فيه عند العراقيّين قولان، وستأتي طريقة صاحب "التقريب".
الثالث: طائفةٌ يجاورون الكفَّار في أطراف الإسلام، لو أُعطوا لكفَونا مؤونة الجهاد، ولو جُهِّز إلى مجاوريهم جيشٌ لعظمت المؤونة، فيُعطون اتِّفاقًا.
الرابع: قومٌ على الأطراف، لو أُعطوا جبَوا الزكاة ممَّن يليهم، ولو بُعثت السُّعاةُ لعظمت المؤونة، فيُعطون اتِّفاقًا.
ومن أين يُعطى هذان القسمان؟ فيه أربعة أقوال: أحدها: من مال المَصالح.
والثاني: من سهم المؤلَّفة من الزكاة.

والثالث: من سهم سبيل الله.
والرابع: من سهم المؤلَّفة وسهمِ سبيل الله، واختلفوا في هذا القول، فخرَّجه بعضهم على الخلاف في الإعطاء بالأسباب، وقيل: يأخذون بالسببين وجهًا واحدًا؛ لاحتياجنا إليهم.
وفي "التقريب" قولٌ: أنَّ للإمام أن يجمع للأشراف والواقفين على الأطراف بين مال المصالح، وسهم المؤلَّفة، وسهم سبيل الله، ولا يلزمُه ذلك على الأصحِّ، وإعطاء الذين يَجْبون الزكاة من مال المصالح متَّجهٌ، ويَبعُدُ إعطاؤهم من سهم المؤلَّفة، ولا وجه لإعطائهم من مال الغزاة.

2226 -

فصل في صفة الرقاب

وهم المكاتَبون 1، والمُكاتَبُ كالغارم يُعطَى قدرَ النجوم إن لم يكن بيده وفاءٌ، فإن كان معه ثمان مئةٍ، والنجومُ ألفٌ، أُعطي مئتان لا غير، وفي إعطائه النجمَ المؤجَّلَ وجهان، ولا يقف الدفعُ إليه على إذن السيِّد، وإن دُفع إلى السيِّد برضا المُكاتب جاز، وإن دُفع إليه بغير رضاه لم يُجْزِ عن الزكاة؛ فإنَّ المكاتب هو الأصلُ في القبض، ولذلك يتخيَّر بين أن يدفع الزكاة إلى السيِّد، وبين أن ينفقها، ويعطيَه من الكسب.

2227 -

فصل في ردِّ المكاتب ما أخذ عند التعجيز والإعتاق

إذا قبض السيِّد النجومَ من الزكاة، فعَتَقَ المكاتَبُ بقبضها، أو قَبَضَ بعضَها، ثم أعتقه، أو أبرأه، أو أدَّى عنه أجنبيٌّ، فقد وقعت الزكاة موقعها.
وإن كانت الزكاة بيد المكاتب، فأعتقه السيِّد، أو أبرأه، أو أدَّى عنه أجنبيٌّ، فطريقان: إحداهما: يردُّها إن كانت باقية، وإن كانت تالفةً ففي غرمها وجهان.
والثاني: لا يضمنها إن كانت تالفةً، وإن كانت باقيةً ففي ردِّها وجهان.
وإن عجَّزه قبل أخذ الزكاة، وجب الردَّ والغرمُ اتِّفاقًا، فإنْ تلفت في يده بعد التعجيز تعلَّق الغرم برقبته كالعارية، بخلافِ المبيع.
وإن عجَّزه السيِّد بعد أن قبض منه الزكاة، فقد قطع أبو محمد بالردِّ والتغريم، وذكر الصيدلانيُّ في الردِّ طريقين: إحداهما: القطع بأنْ لا ردَّ.
والثانية: وجهان.
وفي الغرم خلافٌ مرتَّب على الردِّ، وأَوْلَى بألا يغرم.

2228 -

فصل في صفة الغارمين

الغارم ضربان: ضرب غرم لغرضٍ مباح، كنفقته، ونفقة عياله، فيُقضى دينُه إن كان مُعْسرًا، وأَبعدَ مَن قال: يُقضَى مع الغِنَى، ويُحتمل ألا يُقضَى إلا دَينُ مسكينٍ، أو دينُ مَن لا يملك سوى الكفافِ، أو دينُ المعسِرِ

القادرِ على كسب الكفاف، فأمَّا القضاء مطلقًا مع الغِنَى ففيه بُعْدٌ.

2229 -

فرع:

إذا استدان استدانةً صحيحة قاصدًا صرفَ ذلك في معصيةٍ، أو في تبذيرٍ يُحجَر بمثله، فلا يُقضَى دينُه إن كان مصرًّا، وإن تاب فوجهان، وفي التبذير المباح احتمالٌ للإمام.
ولو استدان لمعصيةٍ، ثم صرفه في طاعة، قُضي.
وإن استدان، ولم ينوِ معصية، ثم صرفه في المعصية، قُضي دَينه إن عرفنا صدقَه، ولا يُقبل قوله في ذلك، ويُحتمل ألا يُقضى وإنْ عُلم صدقه.
الثاني: مَن استدان لغرضِ الغير؛ فإنْ تحمَّل حَمالةً لإخمادِ ثائرةٍ في دمٍ، ولولا تحمُّلُه لثارت الفتنة، فيُقضى دَينُه إن كان مُعْسِرَا، أو غنيًّا بالمنقول والعَقار، وإن كان غنيًّا بالنقد، فقولان أفقهُهُما القضاءُ.
وإن كانت الفتنةُ في إتلاف مال؛ فإن كان غنيًّا بالنقد لم يُقضَ، وإن كان غنيًّا بالعَقار فقولان.
وإن تحمَّل دَينَ معاملةٍ من غير فتنةٍ؛ فإنْ كان الأصيلُ غنيًّا يتيسَّر أداؤه للدَّين لم يُقضَ دينُ الكفيل، وإن كانا معسرَيْنِ، قُضي دينُ الكفيل على المذهب، ودلَّ كلام بعضهم على أنَّه لا يُقضى، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ إعانة المسلم لا تتقاعد عن استدانته لنفسه فيما لا تُرْهِق إليه الحاجة، ولا سرف فيه.
وإن أعسر الأصيلُ وأيسر الكفيل فهل يُلحق بحَمالةِ الدم، أو إتلافِ المال، أو باستدانة الإنسان لغرضِ نفسه؟ فيه ثلاث طرق.

جارٍ التحميل