كِتَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْي
كِتَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْي
3417 -
للبغاة أحكامٌ تختصُّ بهم؛ إمَّا لأجل رعيتهم، وإمَّا لأجل فيأتهم إلى طاعة الإمام، والبغاة: طائفة تخرجُ عن طاعة الإمام، وتفارق الجماعة، ولا تثبت أحكامُ البغاة إلَّا بشروط:
أحدُهما: أن يكونَ لهم تأويلٌ مُخَيِّل لا يعرفون بطلانَه، فإن كان مظنونَ البطلان عندنا، تثبت الأحكامُ، وإن علمنا بطلانَه، ففي ثبوت الأحكام خلافٌ بين الأصوليّين.
الثاني: الشوكة، وهي عَددٌ يمكن مقاومتهُ لجند الإمام، ويجب القطع بأنَّ الشوكةَ لا تتحقَّق إلَّا بمقدم يتبع، فإن قلَّ عددُهم، وكانوا من الأبطال المشهورين الذين يقاومون الجمعَ الكثيرَ بقواهم، حصلت الشوكةُ اتِّفاقًا.
الثالث: أن ينصبوا إمامًا يصدر عنه توليةُ الولاة، والحكَّام، وهو شرطٌ عند الجمهور، والأصحُّ عند العراقييِّن أنَّه لا يُشترط، وشرط العراقيُّون أن يكونوا بطرف لا يحيط بهم جندُ الإمام، وهذا يرجع إلى تحقُّق الشوكة، فلو أحاط بهم الجندُ من الجوانب مع إمكان المقاومة، فالشوكةُ حاصلة عند الإمام، وإن قلُّوا بحيث لا يُقاومون، فتحصَّنوا ببعض الحُصون، ففي إقامة ذلك مقام الشوكة وجهان، وقال الإمام: لا يثبت هاهنا حكمُ البغاة إلَّا أن يكونَ الحصنُ على فوهة الطريق بحيث يحيطون بمن وراءهم في القطر من
لرعايا الكثيرة.
3418 -
فصل في تنفيذ أحكام البغاة
إذا ولَّوا قاضيًا، فحكم بما يوافق الشرعَ، أو استوفوا الحدود، أو خُمُسَ الفيء، والغنائم، والزكاةَ، والجزيةَ، والخراجَ، وأموالَ المصالح، صحَّ جميعُ ذلك، فإن صرفوه في جهاته، صحَّ صرفه، وأربعة أخماس الغنائم تختصُّ بأربابها، لا تعلُّق لها بالولاة، وإن صرفوا أربعةَ أخماس الفيء إلى جند الإمام، صحَّ، وإن صرفوها إلى جندهم، ففيه خلافٌ طرده بعض المحققين فيما ينفقونه على أنفسهم؛ لما في تنفيذه من إعانتهم على بغيهم.
فإن وجدت الشوكةُ دون التأويل، أو التأويلُ دون الشوكة، لم يثبت شيءٌ من هذه الأحكام، فإن حكَّم الخصمان مَنْ يحكم بينهما من البغاة، ففي صحَّة التحكيم خلافٌ مشهور، وقال الإمامُ: إذا وُجدت الشوكة وانتفى التأويل، أو قلنا: لا يُشترط نصبُ إمام يصدر عنه توليةُ الولاة، والحكام، فحكم الرعيَّة في ذلك كحكمهم إذا شغَر الزمان عمَّن يصلح للإمامة.
3419 -
فصل في كيفية قتال البغاة
يجب رعايةُ التدريج في قتال البغاة، فيبعث إليهم الإمامُ رسولًا عاقلًا فطنًا؛ ليسألَهم ماذا تنقمون، فإن ذكروا شبهةً أزاحها، ولا يألوهم نُصْحًا، ويأمرهم بالعَوْد إلى الطاعة؛ لتتَّحدَ كلمةُ الإسلام، فإن أبوا آذنهم بالحرب،
ولا يحلُّ أن يفاجئهم؛ فإنَّ قتالهم كدفع الصائل اتِّفاقًا في الاقتصار على الأهون فالأهون، فإن أمكن الدفعُ بالقول، لم يعدل عنه، وإن أمكن باليد، لم يشهر السلاح، ولا يقف على أن يطلبونا، بل نسير إليهم؛ دفعًا لهم عن مكانهم، فإن اندفعوا طلبناهم ردًّا إلى الطاعة، أو فَلًّا لشوكتهم.
3420 -
فصل فيما يتلفه أهل العدل والبغاة
إذا أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى نفسًا أو مالًا؛ فإن أتلفته في حال القتال، ولم يكن من ضرورة القتال، أو أتلفته في غير حال القتال، وجب الضمانُ اتفاقًا، ويجب على كلِّ واحدة منهما أن تردَّ ما حصل بيدها من مال الطائفة الأخرى، وكذلك يضمن البغاةُ ما أتلفوه بالبيات، وشَنِّ الغارات.
وإن كان الإتلافُ من ضرورة القتال، لم يضمنه أهلُ العدل، وكذلك البغاةُ على أصحِّ القولين، فإن قلنا: لا يُضمن المالُ، فلا قصاصَ، ولا ديةَ للنفوس، وفي الكفَّارة وجهان، وإن قلنا: يُضمن المال، وجبت الديةُ، والكفَّارة، وفي القصاص وجهان، فإن أوجبناه، فالديةُ مغلَّظة على الجاني، وإن لم نوجبه، فهل يلزمهُ ديةٌ حالَّة مغلَّظة؟ فيه قولان، فإن قلنا: لا تلزمه، وجبت على العاقلة مؤجَّلة مغلَّظة، وأبعد مَنْ خفَّفها وأجَّلَها.
3421 -
فصل فيمَنْ يقاتله الإمامُ من المسلمين
مَن امتنع مِنْ أداء حقٍّ للإمام استيفاؤُه؛ كالحدود، والزكاة، وغيرهما،
أو لزمه غرمٌ، أو قصاص، فطلبه المستحِقُّ، فامتنع؛ فإن لم تكن له منعةٌ، أُخذ منه قهرًا، فإن منع ذلك طائفة؛ فإن لم يكن لهم شوكةٌ ومَنَعةٌ، ولم يمكن أخذه إلَّا بالقتال، قُوتلوا، ويلزمهم ضمانُ ما يتلفونه بالقتال من الأنفس والأموال بالغُرْم، والكفَّارة، والدية، والقصاصِ سواءٌ كان لهم تأويل، أو لم يكن، وإن كانت لهم شوكةٌ؛ فإن كان لهم تأويلٌ معتَبَر، فهم بغاة؛ إذ لا يُشترط على الأصحِّ أن يكونَ لهم إمامٌ، وإن لم يكن تأويل، ففي الضمان طريقان:
إحداهما: الوجوبُ.
والثانية - وهي ظاهر النصِّ -: فيه القولان.
وإن كان للمرتدِّين شوكة، ففي أضمان، 1 ما يتلفونه بالقتال قولان، رتَّبهما بعضُهم على القولين في البغاة؛ تشبيهًا لهم بأهل الحرب، وهذا لا يصحُّ؛ إذ لا خلافَ أنَّهم يضمنون ما يتلفونه بغير القتال، فينقدح فيهم طريقان.
إحداهما: إيجابُ الضمان.
والثانية: فيه القولان، والحاصل: أنَّا نجوِّز القتالَ بالامتناع من الطاعة، ونثُبت أحكامَ البغاة بالشوكة، والتاويلُ إن كان لهم إمام، وكذا إن لم يكن على الأصحِّ، ويجري الخلافُ في التضمين بمجرَّد الشوكة؛ حثًا لهم على الإذعان، وإن انتفت الشوكةُ، وتحقَّق التأويلُ، قطعنا بوجوب الضمان.
3422 -
فرع:
يحرم التعريضُ بسبِّ الإمام، فمَنْ صرَّح بسَبِّه، عُزِّر بقدر سوء أدبه، وإن عرَّض فوجهان.
3423 - فرع: الظاهر أنَّ الخوارجَ لا يكفرون، فإذا أظهروا رأيَهم وأكفروا الإمامَ وأتباعَه، فالأصحُّ أنَّهم كالمرتدِّين؛ إذ لا عبرةَ بتأويل الفريقين، وأبعد مَن جعل تأويلَهم كتأويل البغاة، فأثبت لهم أحكامَ البغاة.
3424 -
فصل في حكم قتال البغاة
يقاتل الإمامُ البغاةَ إلى أن يطيعوا أو تَنْفَلَّ شوكتُهم، وتسقط عُدَّتهم، ومتى ظهرت معصيتُهم، واستعدادُهم للقتال سِرْنا إليهم، فإذا صاففناهم؛ بدأناهم بالقتال، وغلط من قال: إذا تصاففنا؛ فإن قصدونا دفعناهم كالصائل، وهذا باطل؛ فإنَّ القصدَ بقتالهم دفعُهم عن العصيان، والاستعداد له بالقتال، ولا يحلُّ لنا القتلُ إن أمكن الأَسْر، ولا التذفيفُ إن أمكن الإثخان، ولا ضبط إذا التحمت الفئتان، وكذلك حكم المكاوحة 1 في الصيال، ولا يُذفَّف على جريحهم، ولا يُتبع أفرادهم إذا انهزموا إلَّا أن يتحرفوا للقتال، وإن انهزم الجمع تحت الراية من غير انفلال، تبعناهم، ولا ننكأ فيهم بالسلاح، وإن تفرَّقوا بحيث لا يُتوقَّع اجتماعُهم تركناهم، وإن تحيَّزوا، أو تحيَّز بعضُهم إلى فئة قريبة اتَّبعناهم؛ فإن كانوا أفرادًا أخذناهم، وأسرناهم، وهل يُتَّبع الآحادُ
إذا تحيَّزوا إلى فئة بعيدة؟ فيه وجهان يجريان فيما إذا تفرَّقوا مع الانفلال، ولا ننكأ في مُنْهزمٍ بالسلاح؛ إلَّا المتحرِّفَ للقتال.
3425 -
فرع:
إذا خرجت طائفةٌ عن الطاعة، وقتلوا والي الإمام، قُتل قاتلُه قصاصًا، وقيل: يتحتَّم قتلُه؛ كقاطع الطريق، وخصَّه الإمامُ على بُعْدِه بمَنْ خرج عن الطاعة، واستعدَّ للخلاف.
3426 -
فصل في حكم الأسرى
ولا يُقتل أسيرُهم صَبْرًا، بل يحبس، فإن تاب أو رجع البغاةُ إلى الطاعة، وهو مصِرٌّ أطلقناه، فإن انقضت نوبة من القتال، ولم تزل شوكتُهم، وكنَّا على اتباعهم وانتظار كرَّتِهم، لم نطلق الأسرى، وأبعد مَنْ قال: يُطلَقون إذا انقضت نوبةٌ من نُوَب القتال، وإن تحيَّزوا إلى فئة قريبة أو بعيدة، لم نطلق الأسرى إن تحيَّزوا تحت الراية مع اتحاد الكلمة، وإن تفلَّلوا أفرادًا، فوجهان.
ولو وقع النساءُ تحت أيدينا، وجب إطلاقهنَّ، وقال أبو إسحاق: يُحبسن؛ كسرًا لقلوب البغاة، وحثًّا لهم على الإذعان، وحكم الخيل، والعبيد والأسلحة حكمُ الأسرى، ونردُّ عليهم ما أخذناه 1 من سائر الأموال، والمراهقون كالعبيد إن قاتلوا، وكالنساء إن لم يبلغوا حدَّ القتال.
3427 -
فصل في استعانة البغاة بأهل الحرب
إذا استعان البغاةُ علينا بأهل الحرب لم يثبت للكفَّار الأمانُ في حقِّنا؛ لأنَّه مخالف للشرع، وفي ثبوته في حقِّ البغاة وجهان؛ فإن قلنا: لا يثبت، لم يجز لهم اغتيالُهم، وعليهم أن يلحقوهم بمأمنهم؛ لثبوت عُلْقة الأمان، وحكمهم معنا كحكم أهل الحرب إذا انفردوا بقتالنا، فيُتبع المدبِرُ، ويذفَّف على الجريح (1)، وتُغنم الأموال، ولا يضمنون ما يتلفون علينا، وألحقهم القاضي بالبغاة، وهذا غلطٌ؛ إذ لا أمانَ لهم علينا، ولا عُلْقَة أمان؛ فإن أمان الآحاد لا ينفذ إذا خالف الشرعَ، ولا ينفذ من أحكام البغاة إلَّا ما وافق الشرع، وأمانُهم لأهل الحرب على أن يقاتلونا مُحرَّم بالشرع.
3428 -
فرع:
إذا أسرنا طائفةً من أهل الحرب، فقالوا: ظننَّاكم بغاةً أو كفَّارًا، وظنَنَّا جواز قتالكم إذا استعان بنا أصحابكم؛ فإن أمكن صدقُهم، فالأظهر أنَّهم يعاملون معاملةَ البغاة، فيُبلَّغون المأمن، ولا يُقتلون في حال الانهزام، وقيل: لا أثر لظنِّهم، فيُقتلون حيث يُثقفون.
3429 -
فصل في استعانة البغاة بأهل الذمَّة
ونقدِّم على ذلك ذكرَ ما تنتقضُ به الذمَّة، وهو أقسام:1
الأوَّل: أن ينبذوا إلينا العهدَ، فينتقض، ولا يُجبرون على الوفاء به اتِّفَاقًا، ويُبلَّغون المأمن، ولا يُتعرَّض للنساء، والذراري، والأموال.
والمأمن: مكانٌ يقطنه أهلُ نجدة من الكفَّار، فإن قاتلونا 1 بعد النبذ، فلا قصاصَ عليهم، ولا يبعد إيجابهُ؛ لأنَّ الأمانَ باقٍ في حقِّنا، فلا يبعدُ إبقاؤه في حقهم.
الثاني: أن يمتنعوا من التزام الأحكام، ويفضي ذلك إلى القتال، فينتقض عهدُهم اتِّقاقًا، والمذهبُ: جوازُ الاغتيال، فإن خافوا الهلاكَ، فطلبوا عقد الذمَّة، وجبت إجابتُهم اتِّفَاقًا.
الثالث: أن يأتوا بجرائمَ عظيمةٍ في حقِّ آحاد المسلمين؛ كالقتل، والجراح، فيؤاخذون بموجب تلك الجرائم اتِّفَاقًا، وفي انتقاض العهد قولان؛ فإن قلنا: ينتقض، ففي تبليغ المأمن قولان، فإذا قاتلونا مع البغاة، فلهم أحوال:
الأول: أن يقولوا: عرفنا أنَّكم على الحقِّ، وأردنا أن ننكأَ فيكم بالقتال، فينتقض العهد، ويصيرون 2 كأهل الحرب في جميع الأحكام، فلا يبلَّغون المأمن، ولا يضمنون ما يتلفون، وتُغنم نساؤهم، وأموالُهم وأطفالهم.
الثانية: أن يقولوا: أُحضرنا مكرَهين؛ فإن أمكن صدقُهم، لم ينتقض العهدُ، ويقاتلون قتالَ البغاة.
الثالثة: أن يقولوا: ظنَّنا أنَّكم بغاة، أو كفَّار؛ فإن أمكن صدقُهم، ففي
انتقاض العهد قولان، فإن قلنا: ينتقضُ، ففي تبلُّغ المأمن قولان مرتِّبان على القولين في جنايتهم على أهل الإسلام، وأولى بالتبليغ؛ لعُذْرهم، فإن شرط عليهم الإمامُ في عقد الذمَّة أَلَّا يقاتلوه، فقاتلوه عن جهل، ففي انتفاض العهد وجهان؛ لأنَّ الشَرطَ محمولٌ على العَمْد دون الجهل.
الرابعة: أن يقولوا: عرفنا أنَّكم على الحقِّ، وظنَنَّا أن المسلمين إذا تفرَّقوا، أو استعانت بنا إحدى الطائفتين، لزمنا الذَّبُّ عن الناحية التي نحن ساكنوها، فينتقض العهدُ، وأبعد مَنْ طرد القولين.
ومهما انتقض عهدُهم إذا تعمَّدوا، وانتفى عذرُهم، فلا خلافَ في قتلهم منهزمين، وإسقاطِ الضمان عمَّا يتلفونه بعد إظهار القتال، وأمَّا صُوَرُ العُذْر والجهل؛ فإن قلنا بانتقاض العهد فيهنَّ؛ فإن قلنا: لا يُبلَّغون المأمن، ذُفِّف على جرحاهم 1، وقُتلوا في الإقبال والإدبار، وإن قلنا: يُبلَّغون المأمن، ففي قتلهم منهزمين وجهان، والمذهب: أنَّهم يضمنون ما يتلفون بالقتال، وفيه وجه لا يصحُّ؛ إذ كيف يبقى الأمانُ في حقِّنا، ولا يبقى في حقهم؛ فإن قلنا: لا ينتقضُ العهدُ في صور العذر والجهل، فالذمَّة بحالها، فيقاتلون قتالَ البغاة، فلا يتبع منهزِمُهم، ولا يذفَّف على جريحهم، ويضمنون ما يتلفونه بالقتال اتِّفَاقًا، ويجب عليهم القصاصُ إن أوجبناه على البغاة، وإن لم نوجبه، فوجهان.
3430 -
فصل فيمَنْ يستعين بهم الإمامُ
إذا رأى الإمامُ رأيَ الشافعيِّ، فلا يستعينُ على البغاة بمَنْ يخالفه في كيفيَّة القتال، ولا بمَنْ يرى قتلَ مُدْبرهم؛ كالحنفَيَّة، ولا بأحد من الكفَّار، كما لا يحلُّ له أن يتَّخذ جلَّادًا كافرًا؛ ليحدَّ المسلمين، ولا يقاتلهم بالأسباب المصطلمة؛ كالسيل، والمجانيق، وإضرام النار، فإن قاتلونا بذلك قاتلناهم، فإن أحاطوا بنا، وعلمنا أنَّهم يمَعون بنا؛ إن لم نفعل ذلك، فعلناه، كما يجوز مثلُ ذلك في الصائل إذا لم يندفع إلَّا به، فإن تحصَّنوا بحصن لا يمكن أخذُه إلَّا بالأسباب المُصطلمة، لم يجز إن كان فيهم رعايا تصيبهم هذه الأسبابُ، وإن لم يكن سوى الجندِ، ولا يمكن فتحُ السُّور؛ لأنَّهم يقاتلون عنه، لم يجز نصبُها عند الإمام، بل يُحاصَرون، ويُضيَّقَ عليهم؛ لأنَّ إبقاءَهم مع العصيان أصلحُ من الاستئصال.
3431 -
فروعٌ شتى:
الأوَّل: ينفذ حكمُ قاضيهم إذا وافىَ إجماعًا، أو محلًّا يسوغُ فيه الاجتهادُ، فإن ورد علينا كتابُه بما حكم به، لزمنا إمضاؤه، واستيفاء الحقِّ لصاحبه، وإن سمع البيِّنة، ولم يحكم، ففي العمل به قولان طردهما بعضُهم فيما حكم به؛ لما فيه من إعانتهم على بَغْيهم؛ إذ ليس لنا إعانتهم على إقامة مناصب القضاة، والولاة، ولو فُرِّقَ بين ما يتعلَّق بالرعايا والأجناد، لكان متَّجهًا.
الثاني: تُقبل شهادةُ البغاة، ولا تُقبل شهادةُ الخطِّابيَّة الذين يكفِّرون بالكذب، ويجيزون الشهادةَ بما يخبرهم به أحدُهم.
الثالث: إذا قُتل الباغي غُسِّل، وصُلِّي عليه، وفي العادل قولان.
الرابع: يُكره للعادل أن يتعمَّد قتلَ قريبه الباغي، وتشتدُّ الكراهة إذا كان مَحْرَمًا، وليس لنا أن نستعملَ ما نظفر به من دوابِّ البغاة، وسلاحهم.
3432 -
باب حكم المرتدِّ
إذا صدرت كلمةُ الردَّة من غير المكلَّف؛ كالصبيِّ، والمجنون فلا حكمَ لها، وإن صدرت من مكلَّف، أُجبر على الإسلام بالسيف، فإن أصرَّ، ضُربت عنقُه وإن كان عبدًا، أو امرأة.
وفي ردَّة السَّكران وعَوْده إلى الإسلام قولان، ومن يَعُدُّ ما عليه دون ماله صحَّح ردَّته، ولم يصحِّح عَوْدَه إلى الإسلام.
3433 -
فرع:
قال الشافعيُّ: إذا صحَّحنا ردَّة السكران، فينبغي ألَّا يُقتل حتَّى يفيق، ثمَّ يُعرض عليه الإسلامُ؛ فإن أسلم وهو سكران، فإن قلنا: لا يصحُّ، فلا أثرَ له، وإن قلنا: يصحُّ، عُرض عليه الإسلامُ بعد الإفاقة، فإن قتله قاتل، ضَمِنه؛ فإنَّه مستقلٌّ بالإسلام، وأبعد مَنْ خرَّجه على القولين فيمَنْ قتل اللقيطَ المحكومَ بإسلامه بأحد أبويه بعد ولادته؛ تعليلًا بأنَّ إسلامَه حُكْمِيٌّ كإسلام اللقيط، ويقرب هذا في الصاحي إذا ارتدَّ ثمَّ أسلم في السكر، وهو بعيد بكلِّ حال؛ لأنَّا قد حكمنا بالإسلام.
3434 - فرع: يُقتل الساحرُ إن كان ما سَحَر به كفرًا، والأفعالُ الدالَّة على الكفر ردَّة
بمثابة الأقوال، فمن تواضَعَ للصنم تواضعَ العبادةِ، كفر، والحق الأصوليُّون بذلك ما يتضَمَّن استهانةً عظيمةً؛ كطرح المصحف في الأماكن القَذِرة، وغلط مَنْ قال: لا يكفر بمجرَّد الأفعال.
3435 -
فصل في توبة المرتدِّ
تصحُّ التوبة من كلِّ كفر 1، وتصحُّ التوبةُ وإن تكرَّرت الردَّة مرارًا كثيرة، وغلط أبو إسحاق فقال: لا تصحُّ إلَّا في الكَرَّة الأولى.
وتصحُّ توبة الزنديق البائح بمذهب الباطنية، وبوجوب التقيَّة وإن حُمل عليها بالسيف، كما يصحُّ إسلامُ الحربيِّ والمرتدِّ تحت السيف مع غلبة الظنِّ بأنَّ إسلامَهُما للتقيَّة.
وقال أبو إسحاق: إن حُمل عليها، لم تصحَّ، وإن وُجد في الخلوة متندِّمًا معظِّمًا للإسلام، وظهر بالقرائن أنَّ غرضَه الرجوعُ إلى الحقِّ، صحَّت توبتُه.
وينبغي أن تُعرضَ التوبةُ على المرتدِّ، وفي إمهاله ثلاثةَ أيَّام قولان؛ فإن قلنا: يُمهل، لم يُمنع الطعامَ والشراب، وقال الإمامُ: القولان في وجوب الاستتابة، فإن قلنا: لا يجبُ، فالإمهال حرامٌ أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان، وإن قلنا: لا يُمهل، ففي وجوب الاستتابة تردُّد للإمام، وعلى كلِّ مذهبٍ: لو قُتل عَقيب الردَّة، أو في مدَّة الإمهال، فهو هدر، ويُعزَّر القاتل؛ لافتئاتِه على الإمام، ومتى وجب قتلهُ، فطلب المناظرة؛ لإزالة ما عَرَض له من الشبهة،
ففي وجوب إجابته وجهان، فإن قلنا: لا يجب، فطريقه أن يظهرَ الإسلام، ثم يباحث العلماء.
3436 -
فصل في مال المرتدِّ
من ارتدَّ وله مال، ففي زوال ملكه عنه أقوالٌ، ثالثها: الوقفُ، فإن أصرَّ حتَّى مات، تبيَّن زوالُه بالردِّة، وإن أسلم، تبيَّن أنَّه لم يزل؛ فإن قلنا: يزول بنفس الردَّة، لم تنفذ تصرُّفاته المفتقرة إلى ثبوت الملك، لكن تُقضى الديون التي وجبت قبل الردَّة اتِّفاقًا، ولا تنفك رهونُه ونفقتُه من ذلك المال اتِّفاقًا، وكذلك نفقةُ أقاربه، خلافًا للإصطخري، فإن أتلف شيئًا، احتُمل تخريجه على الخلاف في نفقة الأقارب، وإن اكتسب شيئًا من المباح؛ كالصيد، والحطب، ثبت الملكُ، والقياس: أن يثبتَ في الابتداء لأهل الفَيْء، كما تثبت اكسابُ العبد لسيِّده، ويجب أن يُخرَّج شراؤه واتِّهابه، على شراء العبد واتِّهابه بغير إذن السيد.
ومتى أسلم عاد ملكُه، كما يعود الملكُ بانقلاب الخمر خَلًّا، وملكُ البيضة المَذِرة بمصيرها فَرْخًا، والجلدِ النجس بالدباغ.
وإن قلنا: لا يزول ملكُه، فللحاكم أن يحجرَ عليه، وهل يصير محجورًا عليه بنفس الردَّة، أو يقف الحجرُ على ضرب الحاكم؟ فيه خلاف كما في السَّفَه الطارئ، فإن أثبتناه بنفس الردَّة، أو ضربه السلطانُ، فهو كحجر السفه، أو الفَلَس؟ فيه وجهان؛ وإن قلنا: لا يثبت بالردَّة، فالمذهب تنفيذ تصرُّفه قبل
الحجر، وأبعد مَنْ ألحقه بتصرُّف المريض، فإنَّه بالإشراف على القتل كمن قُدِّم للقصاص، فإن قلنا: لا ينفذ، لم يختصَّ ذلك بالثلث، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّه يقدر على دفع القتل بالإسلام، بخلاف من قُدِّمَ للقصاص.
وإن قلنا بالوقف، فالحجرُ على ما تقدَّم، فإن تصرَّف قبل الحجر، لم ينفذ منه ما لا يقبل الوقفَ، ويُوقف ما يقبل الوقفَ على الإسلام، فإن أسلم تبيَّن صحَّةُ تصرُّفه، وإن هلك على الردَّة تبيَّن البطلان، وما اختُلف في قبوله للوقف خُرِّج هاهنا على الخلاف.
3437 -
فرع:
لا يرث المرتدُّ مرتدًّا، ولا مسلمًا، ولا كافرًا، ولا يرثه أحدٌ من الناس.
3438 -
فصل في الشهادة بالردَّة
إذا شهد عدلان بالردَّة، فكذبهما المشهودُ عليه، وقال: لم أرتدَّ، لم يُسمع منه، وانقطع نكاحهُ قبل الدخول، وأُلزم بتجديد الإسلام، ثمَّ لا يعود نكاحُه بإسلامه.
وإن قال: كنت 1 مكرهًا، فللشاهدين حالان:
إحداهما: أن يشهدا بالردَّة، ولا يتعرَّضا للفظه، فالقول قولُه مع يمينه إن صدَّقته قرائنُ الأحوال، والقرائنُ مثلُ أن يحيطَ به جمعٌ من الكفَّار يظهر من مثلهم الاستشعار، وإن لم تصدِّقه القرائنُ، لم يُقبل قولُه على المذهب،
وعليه أن يجدِّدَ الإسلام.
الثانية: أن يقولا: لفظ بالردَّة، فيُقبل قولُه في الإكراه عند أبي محمَّد؛ لأنَّه لم يكذبهما، والحزم: أن يجدِّد الإسلام، فإن قُتل قبل أن يجدِّده، ففي إهداره قولان، فإن قلنا: لا يُهدر، ضُمن بالدية والقصاص، وقال الإمام: إن حلف على الإكراه، وجب الضمانُ، وإن لم يدَّعِ الإكراهَ، ولم يحلف، ففيه القولان.
3439 -
فرع:
تثبت الردَّة بالشهادة المفصلة، وكذا المُطْلَقة على الأصحِّ.
3440 - فرع: مات مسلمٌ عن ابنين، فقال أحدُهما: مات كافرًا، وقال الآخر: بل مات مسلمًا، فلمدَّعي الإسلام نصفُ الميراث، والنصفُ الآخر لأهل الفَيْء إن فصل الولدُ كفرًا لا شكَّ فيه، وإن لم يَزِدْ على قوله: مات كافرًا، فهل يكون نصيبُه له، أو لأهل الفيء، أو يوقف؟ فيه أقوالٌ أقيسُها آخرها، فإن قلنا بالوقف، ففصل ما يكون مثلُه كفرًا، صُرف نصيبه إلى أهل الفَيْء، وإن لم يفصل استمرَّ الوقف إلى أن يفصل.
3441 - فرع: قال العراقيُّون، وصاحب "التقريب": إذا أكره الكفرةُ 1 الأسيرَ على الردَّة، فلفظ بها، لم نحكم بكفره، ولا ينقطعُ الإرثُ بينه وبين أهل الإسلام،
فإن رجع إلينا، عُرض عليه الإسلامُ، فإن لم يلفظ به، حُكم بردَّته من حين تلفظ بها؛ فإنَّ المكرهَ إذا خطر له اختيارُ ما أُكْره عليه، سقط عنه حكمُ الإكراه، ويُحتمل ألَّا يُحكمَ بكفره، كما لا يكفر المسلمُ إذا امتنع من تجديد كلمة الإسلام.
3442 -
فرع:
قال العراقيُّون: إذا ارتدَّ الأسيرُ مختارًا، ثمَّ صلَّى في دار الحرب، كانت صلاتُه إسلامًا، وقياسُ المراوزة أَلَّا يُحكمَ بإسلامه، كما لو صلَّى في دار الإسلام؛ فإنَّ الكافرَ إذا صلَّى في ديارنا، لم تكن صلاتُه إسلامًا، ويلزم العراقيِّين طردُ ما ذكروه في الحربيِّ إذا صلَّى في دار الحرب.
3443 -
فصل في أولاد المرتدِّين
لا يتغيَّر حكم المرتدِّ باللحوق بدار الحرب وإن كان امرأةً، فإن ظفرنا به، ضربنا عنقَه، ولا تُسبى نساؤُهم المرتدَّات، وأمَّا أولادهم، وأحفادهم: فمن حَصَل العلوقُ به في الإسلام، أو ارتدَّ أحدُ أبويه وهو جنين، فهو مسلم، ومن علقت به مرتدَّة من مرتد، فهو مرتدٌّ أو كافر أَصْليٌّ، أو مسلم؟ فيه ثلاثةُ أقوال؛ فإن جعلناه مسلمًا، أو مرتدًّا، لم يجز سَبْيُه كآبائه، وإن جعلناه كالكافر الأصلى، ألحق به في جميع الأحكام، فيُسبى، ويُسْتَرَق، ويُقَرُّ بالجزية إذا بلغ.
3444 - فرع: إذا نبذ الذمِّيُّ ذمَّته والمعاهدُ عهدَه، وتركا أولادهما في دار الإسلام،
ولحقا بدار الحرب، فحكمُ العهد باقٍ على الأولاد، فإذا بلغوا؛ فإن بذلوا الجزية، قُبلت، وإن أبوا، أُلحقوا بالمأمن، ولا يُلزمون بالجزية.