الغاية في اختصار النهايةكتاب صلاة الكسوف

كتاب صلاة الكسوف

591 -

أجمع المسلمون على صلاة الكسوف، ولا تكرهُ في أوقات الكراهية.

وأقلُّها ركعتان؛ بأربع قومات، وأربع ركعات، والفاتحة أربع مرات.
يقرأ الفاتحةَ في القيام الأوَّل، ثمَّ يركع مطمئنًّا، ثم يعتدل ويقرأ الفاتحة، ثمَّ يركع، ثمَّ يرفع مطمئنًّا، ثمَّ يسجد سجدتين، والركعة الثانية كذلك.
وأمّا الأكمل: فقد قال الشافعيُّ: يقرأ في القيام الأوَّل (البقرة) أو قدرَها، وفي الثاني (آلَ عمرانَ) أو قدرَها، وفي الثالث (النساء) أو قدرَها، وفي الرابع (المائدةَ) أو قدرَها، وكلُّ ذلك بعد الفاتحة، ويسبِّح في الركوع الأوَّل بقدر مئة آية مقتصدة، والثاني أقصر منه قليلًا، وقرَّبه 1 في "التقريب" بثمانين آية، وفي الثالث بسبعين، وفي الرابع بخمسين، نصَّ عليهما، وغلط المزنيُّ فقدَّر الثاني بثلثي الأوَّل، ولم يتعرَّض لتطويل السجود، ونقل البويطيُّ عن الشافعيِّ أنَّ كلَّ سجود على قدر الركوع الذي قبله، وبه قطع أبو محمَّد، وذكر أبو عليِّ وجهين، وزعم أنَّ ظاهرَ المذهب أنَّه لا يُطوِّل، ولا تُطوَّل

الجلسة بين السجدتين بحال.

592 -

فصل في الزيادة في الصلاة والنقصان منها

قاعدةُ الكسوف: أنْ تطولَ الصلاةُ بطوله، وتقصرَ بقِصَره؛ فإِن طال فزاد ركوعًا ثالثًا أو رابعًا، أو انجلى في القيام الأوَّل، فاقتصر على ركعتين كسائر الصلوات، أو تحلَّل قبل انجلائه، فافتتح له صلاةً أخرى، لم يجز على الأصحِّ.

593 -

فرع:

تدرك الركعة بإِدراك الركوع الأوَّل دون الثاني، وأبعد صاحب "التقريب"، فقال: يدرك بالركوع الثاني القومةَ التي قبله، فيقوم عند التدارك، فيصلِّي ركعة بقومة وركوع، فإذا وقع ذلك في الركعة الأولى، حُسبت له الثانية؛ لأنَّه أتى بها مع الإِمام، ويُحسب له من الأولى ركعة، والقومة التي قبلها والسجدتان، فإِذا سلَّم الإِمامُ أتى بقومة وركوع، والظاهر أنَّه يأمره بالاعتدال، ثمَّ بالجلوس عنه، ويلزم على مذهبه ألَّا يسجدَ، وذلك مخالفٌ لنظم جميع الصلوات.

594 -

فصل في اجتماع الكسوف مع غيره من الصلوات

تُقدَّم صلاةُ الجنازة على صلاتي العيد والكسوف وإِن خيف فواتُهما؛

لتأكدها، وكذلك تقدم على الجمعة إِن اتَّسع وقتها، وإِن خِيف فواتُ الجمعة قُدِّمت الجنازةُ إِن خفنا تغيُّر الميت، وتُقدَّم العيد والجمعة على الكسوف إِن خِيف فواتهما، وإِن لم نخف، فقولان، ومهما قدَّمنا العيدَ على الكسوف صلَّى العيد وعقَّبه بالكسوف، ثمَّ خطب لهما خُطبتين يأتي فيهما بشعار العيد، ويذكر فيهما الكسوفَ، فإن وقعت الخطبتان بعد الزوال، فلا بأس، وإِن لم يُؤْثَر ذلك مع اتساع الوقت، وإِن اجتمعت الجمعةُ والكسوف، خطب للجمعة خاصَّة، وذكر فيها الكسوف؛ لأنَّها واجبة، فلا يُشرَّك بينها وبين النافلة، وإِن قدَّمنا الكسوفَ على الجمعة عند اتِّساع الوقت، فلا يُفرَد الكسوفُ بخطبتين، بل يُخطب للجمعة، ويُذكَر فيها الكسوف؛ إِذ لا سبيلَ إِلى توالي أربع خطب، وإِن قدَّمنا الكسوفَ على العيد صلى الكسوف وعقَّبه بالعيد، ثمّ خطب لهما خطبتين مشتركتين، ولم يأمر أحد بأربع خطب وإِن كانت غيرَ متوالية هاهنا.

595 -

فصل في الصلاة لخسوف القمر

الصلاة للخسوف كالصلاة للكسوف في جميع ما ذكرناه، ويخطب له، إِلا أنَّه يُسِرُّ في الكسوف، ويَجْهر في الخسوف، ويُحتمل أن يجهر في الكسوف، كصلاة العيد والجمعة، والجماعةُ سنَّة فيهما، وقيل: يُشترط ذلك كما في الجمعة.

596 -

فصل في التجلِّي

إِذا تجلَّى الكسوفان، أو غابت الشمس كاسفةً، أو طلعت والقمر خاسفٌ فقد فاتت الصلاةُ، فلا تقضى، ولا يفوت الخسوفُ بطلوع الفجر على الجديد، وإِن غاب القمرُ خاسفًا في الليل صلَّى، وكذلك إِن غاب بعد الفجر على الجديد، وإِن جلل الشمسَ أو القمرَ سحابٌ صلَّى، ويصلِّي في الجامع دون الصحراء، ولا يصلِّي لغيرها من الآيات؛ كالزلازل ونحوها.

597 -

باب صلاة الاستسقاء

إِذا انقطع المطرُ مع الحاجة إِليه، أو غارت العيونُ، أو انقطعت الأوديةُ، استُحبَّ للوالي أو الرجل المطاع أن يأمرَ الناسَ بالتوبة، وصوم ثلاثة أيَّام، والخروج من المظالم، وإحضار أهل القرى القريبة، ثمَّ يخرج بهم وبصبيانهم إِلى الصحراء في ثياب بذلة، وتخَشُّع، واختلف نصُّه في استحباب إِخراج البهائم.
ويُمنع أهلُ الذمة من الاختلاط بالمسلمين دون الخروج، فإذا خرج صاحبُ الأمر، نودي: الصلاةُ جامعة، وصلَّى بهم ركعتين كصلاة العيد في كل ذكر وهيئة، ويقرأ فيهما بـ (قاف) و (اقتربت)، وقال الأصحاب: يقرأ في أحدهما بـ (سورة نوح)، وذكر أبو عليٍّ أنَّ وقتها من طلوع الشمس إِلى زوالها، ولم نر هذا لغيره.
وتعيينُ يوم الخروج إِلى الوالي.
ولا يُتصوَّر قضاؤها، فإن لم يُسْقَوا، خرجوا كذلك مرارًا ما دام الجَدْبُ، ويتبع الوالي في ذلك قدْرَ الضرورة مع رعاية ما يلحق الناسَ من مشقَّة الاجتماع.
وإِن سُقُوا قبل الخروج خرجوا شكرًا لله تعالى، وطلبًا للزيادة، وأقاموا

ما ورد به الشرع وفي الصلاة تردُّد يجري مثلُه في المُخصِب إِذا خرج مستزيدًا للنعمة، ففي صلاته تردُّد.

598 -

فصل في الخطبة للاستسقاء

وينبغي أن يخطبَ بعد الصلاة خطبتين، كما يفعل في العيد، ويكثر فيهما الاستغفار، كما يكثر التكبيرَ يوم العيد، ويستقبل الناسَ في الأولى، ويُلحَّ في الدعاء في الخطبة الثانية، ويحثَّ الناس عليه، ويستقبل القبلة، ويدعو سرًّا وجهرًا، ويحوِّل رداءَه مع تحوُّله إِلى القبلة؛ تفاؤلًا بتحوُّل الحال، فيقلب أعلاه أسفلَه، ويمينَه يسارَه وظاهرَه باطنَه، واكتفى في القديم بنقل اليمين إِلى اليسار، والظاهر إِلى الباطن، واستحبَّ الشافعيُّ لكلِّ حاضر أن يُخْطِرَ بباله قربةً أخلصها لله سبحانه وتعالى، ويسأل الله السقيا عند ذلك في نفسه، كما ورد في أصحاب الغار.

599 -

فصل في نذر صلاة الاستسقاء

إِذا نذر في الجَدْب أن يصلِّي الاستسقاءَ، لزمه ذلك اتِّفاقًا، وإِن نذر المُخْصِب صلاةَ الاستسقاء لأهل الجَدْب، أو نذر الصلاةَ لمزيد السُّقْيا، ونَدَبْنا إِلى ذلك، ففي لزوم نذره تردُّد، وإِن نذر الخروجَ بالناس لم يلزمه السعيُ في ذلك، إِلَّا أن يكونَ مُطاعًا فيهم، فيلزمه.

600 -

باب تارك الصلاة

مذهب الشافعيِّ رحمه الله: أنَّ مَنْ ترك صلاةً واحدة بغير عذر، وامتنع من قضائها قُتِلَ إِذا خرج وقتُ العذر والضرورة، فيقتل في الصبح بطلوع الشمس، وفي الظهر بغروبها، وفي المغرب بطلوع الفجر، وفي إِمهاله ثلاثًا كالمرتد قولان، وقيل: لا يُقتل إِلا باثنتين، وعن الإصطخريِّ ثلاثة مذاهب: أحدها: بأربع.
والثاني: بثلاث.
والثالث: لا يقتل إِلا أن يصير التركُ عادةً.
وكلُّ ذلك إِذا امتنع من القضاء، فيقتل بالسيف كالمرتد، ويُصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، كأهل الكبائر.
وقال في "التلخيص": يُنخس بحديدة، ويُؤمر بالصلاة؛ فإِن أصرَّ كُمِّل قتله بهذا النوع، ولا يُغسل، ولا يكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُرفع نعش قبره.
ولا أصل لما ذكره.

جارٍ التحميل