كتاب تحريم القتل وَمَن يَجِبُ عَليهِ القِصَاصُ ومن لا قصاصَ عليه
البائع، وعلى كلا الوجهين: إذا مات بعد التسليم وقبل القطع وجبت الديةُ، بخلافِ تلفِ الثمار بعد التسليم.
3234 -
باب عفو المجنيِّ عليه ثم يموت
إذا قال المالكُ لأمر نفسه لإنسان: اقْطَعْ يدي، فقطعها، فهي هدرٌ، فإن سرتْ إلى بعض الأعضاء ثم اندملت، فالسرايةُ هدرٌ.
وإن قال: اقتلني، فقتله، لم يجب القصاصُ، وفي الدية قولان:
أحدهما: تثبتُ إرثًا، فلا تجبُ ها هنا ولا يُعتبر سقوطُها من الثلث؛ لأنه منع وجوبَها بإذنه ولم يُسقِطْها بعد الوجوب، وعلى القاتل الكفَّارةُ، خلافًا لابن سريجٍ فإنه جعلها تبعًا لحقِّ العبد.
والثاني: تَثبتُ للورثة ابتداءً، فلا يؤثِّر إذنُه في حقِّ غيرِه، وعلى القاتل الكفارةُ.
وإن قطع طرفَه، فقال: عفوتُ عن أرش هذا الجُرح وقَوَدِه، فإن اندمل فلا أرشَ له ولا قودَ، وإن سرى إلى عضوٍ ووقف، وجب أرشُ السراية على الأصحِّ، إلا أن يقول: عفوت عن هذا الجُرح وعمَّا يحدثُ منه، ففي سقوط الأرش قولا الإبراءِ عمَّا وُجد سببُ وجوبه ولم يجب، وإنْ سرى إلى النفس فلا قصاصَ فيها، خلافًا لأبي الطيِّب بن سَلَمةَ.
وفي إسقاطِ أرشِ الطَّرَفِ قولا الوصيةِ للقاتل، فإن قلنا: تصح، سقط أرشُ الطَّرفِ من الثُّلث وضَمِنَ السِّراية، ولا يخرج الوجهُ الضعيفُ
فيما إذا سرى إلى عضوٍ ثم اندمل، وإن أبطلنا الوصيةَ وجب أرشُ الطَّرف وضمانُ السراية.
وإن قال: عفوتُ عن الجُرح وعمَّا يحدُثُ منه، فسرى إلى النفس، فإن أبطلنا الوصيةَ وجبت الديةُ، وإن أجزناها سقط أرشُ الطرف، وفي السراية القولان، فعلى هذا: لو قطع يدَه فقال: عفوتُ عن هذه الجناية وعمَّا يَحدُثُ منها، فسرتْ، وجبت الديةُ على قولٍ وسقطت على قولٍ، ويجب نصفُها على قولٍ، وإن قطع اليدين ثم عفا عنهما وعما يَحدُثُ منهما، وجبتِ الديةُ على قولٍ وسقطت على آخَرَ.
3235 -
فرع:
إذا وصَّى بأرش الطرف وبما يجبُ بالسراية، فإنْ أبطلنا الوصيةَ للقاتل بطلت فيهما، وإن أجزناها صحَّتْ فيهما، فإنها قابلة للتعليق بالإغرار.
3236 - فرع:
إذا جنى العبدُ تعلَّق الأرشُ برقبته، وفي تعليقه بذمَّته خلافٌ، فإن علَّقناه بذمته: فهل للمستحِقِّ فكُّ الرقبة عن التعليق مع بقاء الأرش في الذمَّة؟ فيه خلافٌ، فإنَّ التعليق بالذِّمة والرقبةِ متلازمان بخلافِ وثيقةِ الرهن مع الدَّين، وإن قال: عفوتُ عن الأرش، فإن قلنا: لا يتعلَّقُ بالذِّمة، صحَّ العفوُ؛ لأنه وصيةٌ لغير قاتلٍ، وإن علَّقناه بالذِّمة فقد خرَّجه الأصحابُ على الوصية للقاتل.
قال الإمام: إنْ أبطلنا الوصيةَ للقاتل، فينبغي أن لا ينفكَّ التعليقُ بالرقبة، ولا يخرَّج على الوجهين، فإنه لم يجرِّد قصدَه إلى الفكِّ.
3237 -
فرع:
إذا عفا عن دية الخطأ، فإن قلنا: الوجوبُ لا يلاقي الجاني، صحَّ العفوُ، وإن قلنا: يلاقيه، فإن قال: عفوتُ عن العاقلة، أو أَطْلَقَ، صحَّ العفو، وإن قال: عفوتُ عن الجاني، فإنْ قال ذلك بعد استقرار الوجوب على العاقلة لم يصحَّ العفوُ اتِّفاقًا، وإن قاله قبل الاستقرارِ، فإن قلنا بالملاقاة خُرِّج على الوصية للقاتل، وإن قلنا: لا يلاقيه، فوجهان، فإن قلنا: يصحُّ، برئتِ العاقلةُ كما يبرأ الكفيلُ ببراءة الأصيل، وتشبيهُه بالحَوالة أَوْلَى، وكذلك لو تعذَّر الأخذُ من العاقلة لم يرجع على الجاني، ولو أقرَّ بالجناية فأَكْذَبتْه العاقلةُ، أو كان ذمِّيًّا والعاقلةُ مسلمون فعُفيَ عن الأرشِ، فعلى قولي الوصية للقاتل.
3238 - فرع:
إذا قطع العبدُ يدي عبدٍ، فعَتَقَ المقطوعُ ومات بالسِّراية، فقصاصُ نفسه لورثته، وقصاصُ طَرَفهِ لسيده اتِّفاقًا، فإن عفا عن القصاص في الطَّرَف، بقي قصاصُ النفس، كما لو قطع إنسانًا وقتل آخَرَ، فعفا المقطوعُ، فلا يسقطُ قصاصُ النفس.
ولو ثبت قصاصُ النفسِ والطَّرفِ لواحدٍ، فعفا عن قصاصِ النفس، بقي قصاصُ الطَّرفِ، وإن عفا عن قصاصِ الطَّرف، بقي قصاصُ النفس على الأصحِّ.
وإنْ قَتَلَه بالإجافة وقلنا: يُجيفُه، فعفا عن قصاص النفسِ، سقطت الإجافة؛ إذ لا قصاصَ فيها على الانفراد.
ولو قطع يدَه، فعفا عن قصاصها، فسرت إلى النفس، فلا قصاصَ
فيها على المذهب، ولو قطعها فعفا عن قصاصها ثم قتله قبل الاندمال، فله القصاصُ في النفس على الأصحِّ، فإنَّ زُهوقَها لم يترتَّب على جنايةٍ معفوٍّ عنها، وأَبعدَ مَن خرَّجه على خلاف الشافعي وابن سريجٍ.
وإِن جَرَحَ جُرْحًا لا قصاصَ فيه، فأخذ منه أرشَه، ثم سرى إلى النفس، لم يسقط قصاصُها اتِّفاقًا، وفيه احتمال.
3239 -
فرع:
إذا جنى العبدُ على نفسٍ أو مالٍ، فاشتراه المستحِقُّ بالأرش، فإن كان دراهمَ معلومةً صحَّ الشراءُ، فإن ردَّه بعيبٍ عاد التعلُّق بالرقبة ولا شيء على السيد، بل يتخيَّر بين تسليمه للبيع وفدائه، وإن كان الأرشُ إبلًا معلومةً، فإنْ أجزنا بيعَ إبلِ الديةِ صحَّ الشراءُ ها هنا، وإن منعناه ثَمَّ فها هنا وجهان يجريان في المرأة إذا لزمها خَمسٌ من الإبل بالجناية، فتزوَّجها المجنيُّ عليه بها، فإنَّ مقصود هذه المعاملة السقوطُ والإبراءُ.
3240 -
خاتمة:
الالتجاءُ إلى الحرم لا يمنعُ الحدَّ والقصاصَ، وإن لاذ الجاني بشيءٍ من المساجد أُخْرِجَ منه للقصاص، وأَسْرفَ مَن أجاز القصاصَ في المسجد إذا رأى الإمامُ إقامةَ الهيبة بذلك بشرطِ أن تبْسَطَ الأنطاعُ حتى لا يتلوَّثَ المسجدُ.