الغاية في اختصار النهايةصفحات 294-333

كتاب تحريم القتل وَمَن يَجِبُ عَليهِ القِصَاصُ ومن لا قصاصَ عليه

صفحات 294-333

مات حتف أنفه؛ اعتبارًا بمَن قتله مسلمٌ في صفِّ الكفار وقلنا: لا تجبُ ديته.

3176 -

فصل في القصاص من الحامل

لا يُقتصُّ من الحامل في نفسٍ ولا طرفٍ، ولا بقطعٍ في حدٍّ، ولا تُجْلَدُ فيه حتى تضعَ الولدَ وتسقيَه اللِّبأَ وهو أولُ اللبن بعد الوضع، فإن الفقهاء زعموا أنَّ الولد لا يعيشُ دونَه، فإذا شرب اللِّبأ فوجدنا مُرْضِعًا، قُتلت أمُّه، ولا تُمهل مدةَ الرضاع اتِّفاقًا، فإن امتنعت المرضعُ قتلنا الجانيةَ وأجبرنا المرضعَ على الرضاع بالأجرة.
وإن وَجَبَ رجمُ الحامل، لم تُرجم حتى تُكْمِلَ الرضاعَ، ثم تجد مَن يكفل الولدَ بعد الرضاع، وتُحبس لأجل القصاص، ولا تُحبس لأجل الرجم على المذهب، وأَبعدَ مَن قال: تحبس، ولا يتَّجه أن يثبت الرجم بالإقرار.
وليس للحاكم أن يَحْبِسَ في دَينِ الغائب (1) إلا بالطلب، وله حبسُ القاتل عند غيبة الأولياء، فإنه يحبسُ مَن يسيءُ الأدبَ أو تُخشى غائلتُه على المسلمين، فكيف لا يحبس القاتل؟.

3177 -

فصل في قتل الحامل

إذا أذن الوالي للوليِّ في قتل الحامل، فأجهضت جنينًا، فللوليِّ والوالي أحوال:1

الأول: أن يعلما بالحمل عِلْمَ مِثْلِه أو يجهلاه، فضمانُه على الولي، أو الوالي، أو عليهما؟ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، والأكثرون على إيجابه على الولي؛ لمباشرته، والنصُّ إيجابُه على الوالي، وينزَّل الوليُّ منزلةَ الجلاد، وإيجابُه على الوليِّ إذا جهلا أولى عند أبي محمدٍ، لأنه قصَّر بترك البحث المختصِّ به.
الثانية: أن يجهلَه الوليُّ ويعلمَه الوالي، فإن علَّقنا الضمانَ بالوالي إذا عَلِمَا فها هنا أولى، وإن علَّقناه بالوليِّ ثَمَّ فها هنا وجهان يَقْرُبان من القولين في تقديم الطعام المغصوب.
الثالثة: أن يعلمَه الوليُّ ويجهلَه الوالي، فإن علَّقنا الضمانَ بالوليِّ إذا عَلِمَا فها هنا أولى، وإن علَّقناه بالوالي ثَمَّ فقد قطع الأصحابُ بتعلُّقه بالوليِّ ها هنا، وفيه وجهٌ غريبٌ.
ومتى علَّقنا الضمان بالوليِّ فهو على عاقلته، وإن علَّقناه بالوالي، فإنْ عَلِمَ حَمَلَتْه العاقلةُ، وإن جَهِلَ: فهو على العاقلة أو على بيت المال؟ فيه قولان، فإن جُعل على بيت المال: فالكفارةُ عليه أو على بيت المال؟ فيه وجهان.

3178 -

فرع:

إذا قتل الجلَّادُ مَن لا يجوزُ قتلُه، فإن لم يُعرف خطأُ الوالي فلا قودَ عليه ولا كفارةَ ولا ضمانَ، وإنْ عُلِمَ خطؤه عِلْمَ مِثْلِه كما ذكرناه في قتل الحامل، ففي تضمينه خلافٌ مرتَّبٌ على الخلاف في الولي إذا عَلِمَ بالحمل، وأولى بنفي الضمان؛ لأنه لم يَقتل لغرضِ نفسِه، وإن عُلِمَ خطأُ الإمام أو عمدُه فقد قطع الإمامُ بوجوب القود والضمان إن لم تُعلم سطوتُه عند

المخالفة وإن عُلمت ففيه الخلافُ.

3179 -

فرع:

إذا وجب القصاصُ فادَّعت الحملَ، فإن قامت البينةُ بمخايل الحمل أمهلت، وإن لم تَقُمْ بينةٌ فوجهان، ولعل مَن يَشرطُ البينةَ لا يبالي بنطفةٍ تستشعرها المرأة، ولعل مَن لا يشرط البينةَ لا يُنظرها أربعَ سنين، بل يحبسها مدةً يظهر في مثلها مخايلُ الحمل، ولو وجب القصاصُ على الحائل، فوُطِئَتْ، فلا تُقتل في هذه الصورة، وتوقَّف فيها الإمام.

3180 -

فصل فيمن قتل جماعة

مَن قتل جماعةً دفعة واحدةً أو على الترتيب، قُتل بأحدهم وللباقين الدِّياتُ، فإن اتَّفق الأولياءُ على أن يقتلوه بالجميع ثم يأخذ كلُّ واحدٍ ما تبقَّى من دية قتيله، فليس لهم ذلك اتِّفاقًا فإنْ فعلوا ذلك وقع القتلُ قصاصًا، ورجع كلُّ واحدٍ إلى بقية الدية، وأَبعدَ مَن قال بصرف القتل إلى أحدهم بالقرعة.
وقال الحَليميُّ: يقع قتلُه قصاصًا عن الكلِّ، ولا يجبُ شيٌ من الدية.
ولا يعدُّ هذا من المذهب.
وإذا وقع القتلُ مرتَّبًا بُدئ بالأول فالأول، فيتخيَّرُ وليُّ الأول بين تعجيل القصاص أو تأخيرِه، ولا يلزمُه تعجيلُه ولا أن يعفو، فإن عفا ثبت القصاصُ للثاني وصار كالأول، فإن عفا ثبت للثالث، وهكذا إلى تمام العدد.
فإن قتله المتأخِّرُ قبل عفو المتقدِّم، حصل القصاصُ ولم يَغْرمِ الديةَ

للمتقدِّم، وأبعدَ مَن قال: يغرمُها، فإنه تقويمٌ للقصاص، ويلزم منه أنَّ الأجنبيَّ إذا قتل القاتلَ أن يغرم ديةَ القتيل للأول، وليس الأمر كذلك.
وإن قتلهم معًا، فأَذِنَ الأولياءُ لأحدهم، جاز، فإن رجعوا عن الإذن وتشاجروا في الابتداء، أُقرع بينهم، فيتعيَّنُ مَن تَخْرُجُ قرعتُه، وليس لغيره القصاصُ إلا أن يعفوَ، فإن بَدَرَ مَن لم تخرج قرعتُه بالقتل، وقع قتلُه قصاصًا.

3181 -

فرع:

إذا قتل العبدُ جماعة قُتِلَ بأحدهم على المذهب، وللباقين الدياتُ في ذمَّته كالحرِّ المعسِرِ، وقيل: يُقتل بالجميع؛ إذ لا مَرْجِعَ وراء الرقبة.
وإن قتل الحرُّ جماعةً في المحاربة، فإن غلَّبنا الحدَّ قُتل بالجميع، وإن غلَّبنا القصاصَ قُتل بأحدهم وللباقين الدياتُ.
وإن قتل جماعةٌ جماعةً بحيث اشتركوا في قتل كلِّ واحدٍ منهم، فإن وقع القتلُ معًا أُقرع بينهم 1، فمَن خرجت له القرعةُ قُتِلَ الجميعُ بوليِّه 2.

3182 - فرع: إذا اقتصَّ الجاني من نفسه، فإن كان بغيرِ إذنِ المستحِقِّ لم يحصل الاستيفاءُ، وإن كان بإذنه حَصَل الاستيفاءُ على الأصحِّ، ووجهُ المنع: أن مُهْلِكَ نفسه يَخرج عن كونه نائبًا لغيره.

3183 -

فصل في حكم السراية

إذا قطع يدَ إنسان فاندملت، فقطعنا يده، فسرت إلى نفسه، كانت السرايةُ هدرًا، ولو قطع يدَه فسرت إلى نفسه، فقطعنا يدَ الجاني فسرت إلى نفسه، كانت السرايةُ قصاصًا.
ولو قطعنا يدَه بيده ثم ماتا بالسراية، فإنْ تقدَّم موتُ المجنيِّ عليه كانت السرايةُ قصاصًا، وإن تقدَّم موتُ الجاني فالجنايةُ هدرٌ أو قصاصٌ؟ فيه وجهان.
ولو قطع يدَه فسرت إلى نفسه، فقطعنا يدَه فاندملت، فللوليِّ ضربُ عنقه، فإن عفا على مالٍ ثبت نصفُ الدية؛ لأنه استوفى ما يقابل نصفَها، ولو قطع يديه (1) فسرى القطعُ إلى نفسه، فقطعنا يديه فاندملتا، فعفَا الوليُّ على الدية، لم تثبت على المذهب؛ لاستيفائه ما يقابلُها، وعلى المذهب: إذا اصطلحا عن القصاص على مالٍ، فإنْ جوَّزنا الصلحَ عن حدِّ القذف جاز الصلحُ عن الدم، وإن منعناه ثَمَّ فها هنا وجهان؛ لأنَّ الدماء متقوَّمةٌ بخلافِ الأعراض، فإن جوَّزناه فصالَحَ عنه أجنبيٌّ، لم يجز على الأصحِّ، وقيل: يجوزُ كخلع الأجنبيِّ.

3184 -

فرع:

إذا صالَحَ على مئتي بعيرٍ في غير هذه الصورة، فإن قلنا: الواجبُ أحدُ الأمرين، لم يصحَّ الصلحُ، وإن قلنا: الواجبُ القودُ، فوجهان.1

3185 -

فرع:

إذا قطع يدَ إنسانِ وقتل آخَرَ قبل القطع أو بعده، قُطِعَ ثم قُتِلَ، ولو قطع يمينَ إنسانٍ وأصبعًا من يمينِ آخَرَ، فإن تقدَّم قطعُ الأصبع قُطعت أصبعُه لصاحب الأصبع، ثم تُقطع بقيةُ يده لصاحب اليد، وإن تقدَّم قطعُ اليد قُطعت يدُه لصاحب اليد، وعليه أرشُ الأصبع لتعذُّرِ القصاص فيها، فإن الطَّرفَ يَنقصُ بنقصان بعضِه ولا تَنقصُ النفسُ بفَوَاتِ الأطراف.

3186 - فرع: ولو قطع يدَه من الكوع، فجاء آخَرُ فقطعها من المَرْفِقِ قبلَ الاندمال، فمات، وجب عليهما القصاصُ في النفس، وتُقْطَعُ يدُ الأول من الكوع، ويدُ الثاني من المَرْفِقِ وإن لم يكن لها كفٌّ، وإن كان فوجهان، أظهرُهما: أنها تقطعُ؛ لأنَّ النفس مستحَقَّةٌ ولا نظر إلى مِثْلِ ذلك.

3187 -

فصل في قتل أحد الوليين بغير إذن الآخر

إذا ترك القتيلُ ولدَيْنِ، لم يكن لأحدهما الاقتصاصُ إلا بإذنِ الآخَرِ، ويسقط قصاصُهما بعفوِ أحدهما، فإنْ قَتَلَه أحدُهما قبل عفوِ الآخر ففي وجوب القصاص عليه قولان: أحدهما: يجب كما لو قتله أجنبيٌّ.
والثاني: لا يجب، إمَّا لأنَّه شريكٌ في القصاص، أو لشبهةِ الخلاف، فإنَّ علماء المدينة يجوِّزون لأحدهما الانفرادَ بالقصاص قبل عفو الآخر وبعده؛ اعتبارًا بحدِّ القذف.

فإنْ أوجبنا القصاصَ، فاقتُصَّ منه، فدِيَةُ أبيهما على الجاني بينهما نصفين، وإن عُفي عنه فلأخيه نصفُ الدية على الجاني، ونُجْري النصفَ الذي له على أقوال القصاص إن استوت الدِّيتان، وإنْ تفاوتتا تقاصَّا في قَدْرِ التساوي.
وإن قلنا: لا يجب القصاصُ، فنصيبُ أخيه من الدية عليه، أو على الجاني؟ فيه قولان مأخذُهما المعنيان، والأقيسُ: أنه على الجاني؛ كما لو قتله أجنبيٌّ، فإنه لا يضمن للأخوين شيئًا على ما قطع به الأصحابُ، لكن الفرق: أن الأخ مستوفٍ للقصاص كما قال علماءُ المدينة، أو لأنه فوَّتَ قصاصَ أخيه بما استوفاه من قصاصِ نفسِه، بخلافِ قتل الأجنبي، فإنه ظلمٌ محضٌ لا استيفاءَ فيه، فإن جعلناه على الجاني، أُخذ من تركته ورَجَعَ ورثةُ الجاني بذلك على الأخ القاتل، وإن جعلناه على الأخ القاتل، أُخذ من تركته، وليس له طلبُه من تركة الجاني؛ لأن الأخ القاتل قد استوفَى حقَّه من القصاص، فلا يجمع بينه وبين المال.
وإن قتله بعد عفو أخيه، فإنْ عَلِمَ بالعفو فقولان مرتَّبان: إن علَّلنا باشتراكهما في القصاص فقد زالتِ الشركةُ بالعفو، وإن علَّلنا بشبهة الخلاف فهي باقيةٌ.
وإن لم يَعْلَمْ بالعفو، فإنْ لم نُوجب القصاصَ إذا عَلِمَ لم نُوجبه إذا جَهِلَ، وإن أوجبناه ثَمَّ فها هنا قولان؛ كالقولين فيمَن قَتَلَ مَن عَهِدَه مرتدًّا ثم بان أنه أسلم.

3188 -

قاعدة:

قال أبو محمدٍ: إذا اختلف العلماء في العقوبة، لم يدرأها الخلافُ،

سواءٌ كانت لله أو للعباد، وإن اختلفوا في سبب العقوبة، فإن كانت لله فالمذهبُ أنه يدرؤها الخلافُ كالحدِّ في نكاح المتعةِ، وإن كانت للعباد كالقصاصِ في مسألتنا فقولان.

3189 -

باب القصاص بغير السيف

إذا قتل إنسانًا بسببٍ فلوليِّه أن يقتله بمِثْلِه ما لم يكن فاحشةً، وله أن يضربَ عنقه، فإنَّ ضَرْبَ العنق أوحى أسبابِ القتل، فإذا قتل بتغريقٍ، أو تحريقٍ، أو إلقاءٍ من شاهق، أو وقذ، أو موالاةٍ بضربٍ بالمثقلات، أو تجويعٍ، أو تعطيش، فُعِلَ به ما قد فَعَلَ بشرطِ أن يتماثل الفعلان في القَدْرِ والزمان، فيُقتل بمثلِ نارِه التي قَتَلَ بها، وكلَّما عظُمتِ النارُ كان أَوْحَى لها، ويُضرب بمثل الآلة التي ضَرَبَ بها على عدد الضربات.
ويُردَّى مِن مِثْلِ مسافةِ تَرْدِيَتهِ وعلى صلابة مَوْقِعها، ويجوَّع كمدَّة تجويعه.
فإنْ فُعِلَ به مِثْلُ ما فَعَلَ، فلم يمت، فإن كان ضربُ العنق أهونَ عليه عُدِلَ إليه عند الجمهور، وعلى قولٍ: يستمرُّ على مِثْلِ ما فَعَلَ، وإن كان إبقاؤه في مِثْلِ ما فَعَلَ أهونَ من ضرب العنق، فإن كان الفعلُ متواصلًا كالجوع والعطش والإلقاء في النار فهل يبقى، أو تُضرب عنقُه فيه وجهان، وإن كان منقطِعًا، فإن كان ضربًا عُدِلَ إلى السيف عند الأكثرين، وأجراه أبو محمد على الخلاف.

وإن كان جَرْحًا، فإن كان ممَّا يتعلَّقُ به القصاصُ بتقديرِ الاندمالِ كقطع الأطراف عُدِلَ إلى السيف اتِّفاقًا، وإن لم يتعلَّق به القودُ كالجائف ففي العدول إلى ضرب العنق قولان، فإن قلنا: لا يجب العدول إليه، لم يزد على جوائفه على الأصح، وأَبعدَ مَن خرَّجه على الخلاف في الضربات.

3190 -

فرع:

إذا قتل ضعيفًا بضرباتٍ، يُعْلَمُ أو يُظنُّ أن الجانيَ لا يموتُ بمثلها، وقلنا: يُعدل إلى السيف إذا فُعِلَ به مِثْلُ ما فَعَلَ، عُدِلَ إلى السيف ها هنا، ولم يُفْعَلْ به مِثْلُ ما فَعَلَ، على ما قطع به الإمام، فإنه أيسرُ طريقًا في الاستيفاء.
وليس كلُّ جنايةٍ مقابَلةٍ بمثلها، ولو قَتَلَ بالِلّواط أو سَقْي الخمرِ، قُتِلَ بالسيف ولم يُفْعَلْ به مِثْلُ ما فَعَلَ، وقال الإصطخريُّ: يولَجُ في اللائط خشبةٌ بقَدْرِ الآلة، وفي الخمر يُسْقَى الماءَ.
وقال الإمام: إنْ ظننَّا أنه يهلك بتلك الآلة فَعَلْنا، وإلا فلا.

3191 - فرع: إذا قَتَلَ بالخنق جاز العدولُ إلى السيف عند أبي محمدٍ، ورمز إلى خلافه.

3192 - فرع: إذا قَتَلَ بالنار، فأُلقي في مِثْلِها وبقَدْرِ زمانها فلم يَمُتْ، فإن كان السيفُ أوحى فأراد الوليُّ أو الجاني البقاءَ في النار، لم يَجُزْ، وإنْ تَراضَيَا بذلك لم يَجُزْ على الأظهر؛ لأنَّ تحريم المُثْلةِ حقٌّ لله، وإن كان بقاؤه في النار أهونَ

بأنْ يَطولَ عناؤه بإخراجه منها، ولو بقي فيها تعجَّل هلاكُه، فهل للوليِّ أن يُخرجه لضرب عنقه، فيه وجهان، ولا يتجه الإخراجُ إلا إذا كان ضرب العنق أوحى وأسرعَ، فإن استوت المدَّتان، أو كان الإبقاءُ أَوْحَى، فلا وجه للإخراج، وقال أبو محمد: ضربُ العنق أوحَى جهاتِ القتل بكلِّ حالٍ.

3193 -

فرع:

إذا قطع يدي إنسان فسرتْ إلى نفسه، فقطعنا يديه، فطلب أن نُمهله مِثْلَ مدة السراية، لم نُجِبْه إلى ذلك، فإنْ أَمْهَلَه الوليُّ، فقال: اقتلني لأستريح أو اعفُ عنِّي، لم تلزمْه إجابتُه.

3194 -

باب القصاص في الشجاج والجراح والأسنان وغير ذلك

الجناية على الأطراف ضربان: قطعٌ يُبِينُ، وجرحٌ يشقُّ، وهو ضربان: أحدهما الشجاجُ، ومحلُّها الوجهُ والرأسُ 1، والثاني جراحُ سائر البدن، فجوائفُها لا قصاصَ فيها اتِّفاقًا، ولا فيما ينتهي إلى عظمٍ، وأمَّا ما يصلُ إلى العظم فلا قصاصَ فيه خلافًا للعراقيين، وواجبهُ الحكومةُ اتفاقًا.
وأمَّا الشجاجُ فعشرةٌ: الخارصةُ: الشاقَّةُ للجلد.
والدامية: المُسيلة للدم.
والباضعة: القاطعةُ للَّحم.
والمتلاحمة: الغائصةُ في اللحم غوصًا بالغًا.
والسِّمْحاق: التي تبقى بينها وبين العظم جلدةٌ ولا تقطعها.
والمُوْضِحةُ: الواصلةُ إلى العظم.
والهاشِمةُ: التي تهشمه.

والمنقِّلةُ: التي تكسره وتنقل القِطَعَ عن أماكنها.
والمأمومةُ والآمَّة: التي تبلغ أمَّ الرأس ولا تخرق الخريطة.
والدامغة: التي تخرق الخريطةَ فتصل إلى الدماغ، وهي مذفِّفةٌ.
ومحلُّ هذه الشجاج الرأسُ والوجهُ وقصبةُ الأنف واللَّحيان، وكلُّ ما يصل إلى الفم: فهل يثبت فيه أرشُ الجائفة (1) وحكمُها؟ فيه وجهان أجراهما أبو محمد في خرق الأجفان.

3195 -

فصل في قصاص الشجاج

يجبُ القصاص في المُوْضِحةِ اتِّفاقًا، ولا يجب في الخارصة والمنقِّلة والهاشمة، وكذا الداميةُ عند القفَّال، وتردَّد فيها أبو محمدٍ، وفي الباضعة والمتلاحمة والسِّمحاق قولان أجراهما صاحبُ "التقريب" في قَطْعِ بعض اليد والرجل من غير إبانةٍ، وهذا لا يصحُّ؛ لتناسُبِ أجزاء الرأس واختلافِ اليد والرجل في وضع العروق والأعصاب.
وإنْ قَطَعَ بعض الأذن أو بعضَ المارن من غيرِ إبانةٍ، وَجَبَ القصاصُ على الأصحِّ.1

وإذا جعلنا الجرحَ النافذَ إلى الفم جائفةً ففيه القصاصُ؛ لأنه منضبطٌ، وشبَّب بعض الأصحاب بخلافٍ.
ولا يتصور إجراءُ القصاص في المتلاحمة إلا بأن يكونَ على رأس الجاني والمجنيِّ عليه مُوْضِحتان طريتان، ليُتعرف بهما سُمْكُ اللحم، فيقع القصاصُ فيها باعتبارِ النسبة دون عمق الجرح، فإذا كان لحمُ رأس الجاني سُمْكَ شعيرةٍ ولحمُ المجنيِّ عليه سمكَ شعيرتين، وعمقُ الجناية قَدْرَ شعيرةٍ، اقتُصَّ بنصف شعيرةٍ، فإن جهلنا النسبةَ اقْتُصَّ من المستيقَنِ وتُوقِّفَ في محلِّ الشك.

3196 -

فصل في كيفية قصاص الموضحة

إذا وصلت الجراحةُ إلى العظم وجبَ القصاصُ الكاملُ، سواءٌ إن كانت صغيرةً كمغرز الإبرة، أو مستوعِبةً للرأس، بشرطِ أن لا نَزيد على مساحة الجناية ولا نتعدَّى محلَّها من الوجه أو الرأس.
ولا يُشْترطُ أن يظهر العظم للأبصار، ولا يبالَى بتفاوُتِ سمك اللَّحمين اتِّفاقًا، كما لا يُبالى بتفاوت الأعضاء في الصغير والكبير، وغَلِطَ مَن شرط تساويَ السُّمْكِ، فإنْ ضاق المحلُّ عن قَدْرِ الجناية لم يكمَّل إيضاحُ الرأس بالوجه، ولا إيضاحُ الوجه بالرأس، ويكمَّل إيضاحُ الناصية ببقية أجزاء الرأس.
فإن استوعبت الجنايةُ رأس المجنيِّ عليه، فإن كان رأسُ الجاني أصغرَ لم يكمَّل بالوجه اتِّفاقًا، بل يَرْجِعُ بجزءٍ من الأرش، وإن كان رأسُه أكبر اقْتَصَّ منه بقَدْرِ جنايته، وهل يبتدئ بالقصاص من حيث بدأ أو يتخيَّر

الجاني والمجنيُّ عليه؟ فيه ثلاثة أوجه.
ولو كان بعضُ رأسه مُوْضَحًا، وبقيتُه بقَدْرِ رأسي المجنيِّ عليه، أُوضحت بقيتُه من غير خيارٍ.
وإن أوضَحَ وهشم اقتصَّ في الموضحة وحدَها؛ لتعذُّر القصاص في كسر العظام، ولا يقتصُّ في الإيضاح وقطعِ الأطراف إلا بالحديد، سواءٌ وقعت الجنايةُ بمثقَّلٍ أو محدَّدٍ.

3197 -

فصل في تعدد الموضحة واتحادها

أرشُ الموضِحة من كلِّ ديةٍ نصفُ عشرها، ويتعدَّدُ الأرشُ بتعدُّد الإيضاح، ويتَّحدُ باتِّحاده، فيجبُ في المستوعبة للرأس مِثْلُ ما يجب في مغرز الإبرة.
فإن أوضحَه دائرةً في وسطها حاجزٌ في الظاهر والباطن، لزمه أروشٌ بعددهنَّ، وإن اتَّصَلْنَ في الظاهر دونَ الباطن اتَّحد الأرشُ على المذهب، وفيه وجهٌ، وإن اتَّصلْنَ بالعظم في الباطن دون الظاهر، فتآكلت الحواجزُ بالسراية، اتَّحد الأرشُ.
وإن أزال الحواجزَ أجنبيٌّ قبل الاندمال، فعلى الأول أروشُ مُوْضِحاته، وعلى الثاني أرشٌ كاملٌ لكلِّ حاجزٍ، وإن أزالها الأولُ قبل الاندمال، كان كمن قطع يدَ رَجُلٍ ثم قتله، فيتَّحِدُ الأرشُ عند الشافعيِّ، وعند ابن سريجٍ يتنزَّلُ منزلةَ الأجنبيِّ.

ولو أوضحَ الناصيةَ، فزادها ثانٍ ثم ثالثٌ ثم رابعٌ ثم خامسٌ، وهكذا إلى أن أكملها مئةُ جانٍ، فعلى كلِّ واحدٍ أرشٌ كامل.

3198 -

فرع:

إذا زاد المقتصُّ في الإيضاح، فإنْ تعمَّدَ وَجَبَ القودُ، وإن أخطأ فالأصحُّ وجوبُ أرشٍ كاملٍ فيما زاد؛ لأن اختلاف الحُكم كتعدُّد الجاني، وقيل: يوزَّعُ الأرشُ عليهما، ويلزمُه ما يقابل الخطأَ، وإن أوضحَ خطأً وأتمَّهُ عمدًا فلا نعرفُ خلافًا في وجوب القود.

3199 - فرع: إذا طلب القصاصَ في بعض المُوضحة ليأخُذَ أرشَ ما بقي، فهل له ذلك؟ فيه وجهان؛ لأنَّ الجرح متَّحِدٌ بخلافِ نظيرهِ في الأصابع، ولو قال: عفوتُ عن نصف الإيضاح، ففي سقوط القصاص في الجميع الوجهان: إن نظرنا إلى الاتِّحاد سقط، وإلا فلا.

3200 - فرع: قال الأصحابُ: إذا نفذ الجرحُ من الوجنة إلى الفم، ولم نجعله جائفةً، ففي جروح الوجنة أرشُ منقِّلةٍ و [زيادة] حكومة لأجل النفوذ، وفي جَرْح الخدِّ أرشُ متلاحمةٍ وزيادةُ [حكومة] 1 للنفوذ، وشرط أبو محمد أن ينقص عن أرش موضحةٍ.
ويجب الحكومةُ في الباضعة والمتلاحمة والسِّمحاق إن لم نُوجِبْ فيها

القصاصَ، وإن أوجبناه نُسِبَ أرشها إلى الموضحة وأُخذ بحسابه.

3201 -

فرع:

إذا اشترك جماعةٌ في الإيضاح في التحامُل على آلةٍ واحدةٍ حتى استوعبوا الرأسَ، فهل يجبُ على كلِّ واحدٍ أرشٌ، أو يجبُ على الجميع أرشٌ واحد؟ فيه احتمالٌ، ويحتمل أن يُوْضحَ من رأسِ كلِّ واحدٍ منهم بالحساب، لأنَّ القصاص يجري في بعض الموضحة بخلافِ اليد، ويحتمل أن يستوعِبَ رؤوسَهم بالإيضاح إذا سادتْ رأسَ المجنيِّ عليه كما تؤخذ أيديهم بيده.

3202 -

فصل في ما يجب فيه القصاص من المفاصل والأعضاء

يجبُ القصاصُ في كلِّ ما يمكنُ فيه المساواةُ من المفاصل والأعضاء، فلا يجب في فلقةٍ من الفخذ أو الساقِ، ولا في الجوائف وكسرِ العظام، ويُشترط اتِّفاقُ العضو في المحلِّ والاسم، فلا تؤخذ يسرى بيمنى، ولا خنصرٌ بإبهام، فمن المفاصل: الأناملُ، والأصابعُ، والأكُفُّ، والمرافقُ، والأكتافُ، والأفخاذُ، والرُّكب، والأقدام.
وغلط مَن منع القصاص في المرافق، ولعله نظر إلى تداخُلِ العظمين، فيجبُ طردُ ذلك في الركبتين.
ومن أعضاء القصاص: المارن 1، والأجفان، والأذنان، والشفتان،

والذَّكَر، والأُنثيان، والشُّفْران، وكذا العجيزةُ على أظهر الوجهين.

3203 -

فرع:

إذا قُطعت فلقةٌ من المارن أو الأذن أو الحشفة أو اللسان، وعُرفت نسبتُها بالجزئية إلى ما بقي، وجب فيها القودُ، ولا تُخرَّج على الخلاف في المتلاحمة لسهولة ضبطها.

3204 - فرع: إذا قطع الرِّجلَ من الحقوِ، أو اليدَ من الكتف، من غير إجافةٍ فيهما، فإنْ غلب على الظنِّ أنَّ ذلك وفاق والغالبُ من مثله الإجافةُ، فلا قود فيه، ولو قطعهما فأجافَ، وقال أهل البصر: يمكن قطعُهما مع الاقتصار على مثل تلك الإجافة، وجب قطعُهما عند الأصحاب، فإنَّ الإجافة ها هنا تبعٌ غيرُ مقصودةٍ بالقصاص، وقطع أبو محمد بنفي القصاص، إذ لا قصاصَ في الجوائف، وإن حصلت برفع الطبقات من غير تغويص حديدةٍ.

3205 -

فصل في السراية إلى اللطائف والأطراف

إذا جنى على بعضِ عضوٍ، فتآكل باقيه بالسراية، فلا قصاصَ فيما تآكَلَ، ولو زال البصرُ بالإيضاح وجب القصاصُ في البصر والإيضاح، فقيل: فيهما قولان بالنقل والتخريج، والمذهبُ الذي عليه الجمهور: تقريرُ النصَّين، فإنَّ تآكُلَ الأعضاء لا يُقْصَدُ بالسِّراية، بخلافِ اللَّطائف، فعلى هذا: إذا زال البصرُ بالإيضاح، فأوضحناه، فزال البصر، حصل القصاصُ، وإن لم يَزُلِ

البصرُ وأمكنَ إزالتُه من غير إفسادِ الحدقةِ أزلناه.
والسمعُ كالبصر عند الأصحاب، ويليهما الكلامُ عند الأصحاب، وفي العقل وبطش الأعضاء الباطشة خلاف؛ لبعدِ تناوُلها بالسِّراية، ورتَّبَ الإمام العقلَ على البطش، والبطشَ على الكلام.

3206 -

فرع:

إذا أوضحَ رجلًا فزال شعرُه وبصرُه، فأوضحناه فذهب شعرُه وبصره، حصل القصاصُ بذلك على ما نقله المزنيُّ، فمن الأصحاب مَن غلَّطه في النقل في الشَّعر؛ إذ لا قصاصَ فيه بحالٍ، وذكر آخرون قولين، وقالوا: ما يجب القصاصُ فيه بالسراية يحصلُ القصاصُ فيه بالسراية، وما لا يجبُ القصاصُ فيه بالسراية ففي حصول القصاص فيه بالسراية قولان يجريان فيما لو قطع يد إنسانٍ، فقطع المجنيُّ عليه أصبعَ الجاني، فسرتْ إلى كفِّه، ففي حصول القصاص بهذه السراية قولان.
وقطع الإمام بحصوله، فإن اليد من أعضاء القصاص، والسرايةُ منسوبةٌ إلى فعله، بخلافِ الشعر فإنَّه ليس من أعضاء القصاص.
ثم قال: الوجهُ أن يقال: كلُّ عضوٍ يجبُ فيه القصاصُ فتآكلُه بالسراية قصاصٌ 1، وكلُّ ما لا قصاصَ فيه إذا قُوبل بمثله فلا يقع الجرحُ فيه بالجرح ولا التآكُلُ بالتآكُلِ، وإن سرى الجرحُ الموجِبُ للقصاص إلى ما لا قصاصَ

فيه كالشعر ففيه الخلافُ، فإن قلنا: لا يحصل القصاصُ إذا تآكلت اليد بقطع الأصبع، كان التآكُلُ هدرًا والجاني في عهدةِ جنايته إلا قَدْرَ الأصبع، وإهدارُ يده مع التعدِّي بقطع أصبعه مُشْكِلٌ.
ويمكن أن يقال: لا أثر للتعدِّي بقطع الأصبع، فإن اليد مستحَقَّةٌ للمجنيِّ عليه، فأَشْبهَ مَن استحَقَّ النفسَ فتعدَّى بقطع الأطراف.
ولو قتل إنسانًا، فضربه الوليُّ بسوطٍ خفيفٍ، فمات، حصل القصاصُ عند الإمام؛ إذ لا يتَّجهُ ضمانُ نفس الجاني مع أنها مستحَقةٌ للوليِّ، وَيعْسُر إهدارُ دمه مع بقاء الضمان عليه، ويجب تخريجُه على مقتضَى ما ذكره الأصحابُ على القولين، فإنَّ ضرب السوط لا يُقصد به القتلُ ولا يجبُ به القصاص، كما لا يقصدُ الطرفُ بالسراية، ولو رمى الوليُّ الجاني مخطئًا حصل القصاصُ من غير محلِّ خلافٍ.

3207 -

فصل في شلل الأعضاء

يُشترط في قصاص الأعضاء أن يكون الجاني ممَّن يُقتل بالمجنيِّ عليه، وأن يستوي العضوان في الخِلْقة والسلامة، وأن تكون نسبةُ عضوِ كلِّ واحدٍ منهما كنسبة عضوِ الآخر إلى نفسه، ولا نظر إلى تفاوت البدل، فتُقْطَعُ يدُ الرجل بيد المرأة؛ لأن نسبة كلِّ واحدٍ منهما إلى النفس بالنصف.
وإن اختلفت النسبتان امتنع القصاص، فلا تؤخذ كاملةٌ بناقصةٍ ولا صحيحةٌ بشلَّاء وإن رضي الجاني بذلك؛ لحقِّ الله في الدنيا.

فإن بادر المجنيُّ عليه فقطع كاملةَ الأصابع بناقصة الأصابع، حصل القصاصُ فيما تساوَيَا فيه من الأصابع، وإن قطع الصحيحةَ بالشلَّاء، لم يحصل القصاصُ، كما لو قُتِلَ الحرُّ بالعبد أو المسلمُ بالكافر.

3208 -

فرع:

قال الفقهاء: إذا كانت يد الجاني شلَّاءَ، فإنْ خيفَ من نزفِ الدم لم تُؤخذ بالصحيحة، وإن لم يُخَفْ ذلك، فإنْ رضيَ المجنيُّ عليه بها فله قطعُها ولا أرش له اتِّفاقًا، كما لو قُتل العبدُ بالحرِّ والذميُّ بالمسلم.

3209 - فرع: وتؤخذ الشلَّاء بالشلَّاء، إلا أن يكون الشللُ في يد المجنيِّ عليه أظهرَ، فلا يجبُ القصاصُ اتِّفاقًا؛ لتفاوُت النسبتين.
وحمل الإمامُ تفاوتَ العضوين في الشلل على نضارة العضو وحُسْنِهِ وقُبحِهِ، فإن الشلل زوالُ أصلِ الحركة، وشرط فيه أبو محمدٍ زوالَ الحسِّ، وخالَفَه الإمامُ وجوَّز بقاء أصل الحسِّ، وليس الشللُ موتَ العضوِ ولا رعشتَه.

3210 - فرع: إذا تفاوتت اليدان في البطش أُخذت إحداهما بالأخرى لتَسَاوي النسبة، فتُقطع يدُ الشابِّ الأيِّد بيد الشيخ الهَرِمِ، وإن نقصَ بطشُ المجنيِّ عليه وكَمَلَ بطشُ الجاني، فإن كان ذلك بآفة قُطِعتْ يدُ الجاني وكمِّلت الدية.
وقال أبو محمد: إذا لم يبق إلا أدنى حركةٍ لم يؤخذ بها الباطشةُ.
ولا أصل لمَا قال.

وإن كان النقصُ بجنايةٍ لم تُقطع يدُ الجاني، وكذلك لا تكمَّلُ ديتُها على الأصحِّ، وشبَّه الفقهاءُ الصورتين بمَن وصل إلى حركة المذبوح بجنايةٍ أو آفةٍ ثم جُني عليه.

3211 -

فصل في زيادة الأعضاء ونقصها

ويؤخذ الزائدُ بالزائد اتِّفاقًا بشرطِ تساوي الوصفِ والمحلِّ، فإن اختلف المحلُّ فكانت إحدى الأصبعين على الخنصر، والأخرى على البهام (1)، فلا قصاص، وإن اختلفا في الصغرى والكبرى والطول والقصر، فوجهان خصَّهما الإمامُ بما لو استوت الحكومتان أو لم يكن لواحدةٍ منهما حكومةٌ، فإنَّ تفاوتَ الحكومة يقتضي تفاوتَ النسبة، ووجهُ المنع عند استواء الحكومة: أنَّ العضوين زائدان، فتعيَّن تساويهما في الصورة، بخلافِ الأعضاء الأصلية، فإنْ أجرينا الخلافَ مع تفاوت النسبة فهو جارٍ مع تفاوت الألوان وغيرِها من الأوصاف، وإن شرطنا التساويَ في النسبة فلا نظر إلى الألوان، بخلافِ تفاوت الأجرام.

3212 -

فصل في قطع اليد من المفاصل وغيرها

إذا قطع اليدَ من نصف الساعد فللمجنيِّ عليه قَطْعُ الكوع وحكومةُ نصف الساعد؛ لعجزه عن محلِّ القصاص، وليس له قطعُ الأصابع لقدرته1

على قطع الكوع، فلو قطع الجاني الكوعَ، وكانت أصابعُه ناقصةً، قُطعت يدُه وعليه أرشُ ما نقصَ، وإن نقصت أصابعُ المجنيِّ عليه لم يَقطع كوعَ الجاني، وقَطَعَ من أصابعه بعدد أصابع المجنيِّ عليه لعجزنا عن محلِّ الجناية.
ولو قَطَعه الجاني من نصف العضد أو المنكبِ، وخيفت الإجافةُ، فللمجنيِّ عليه قطعُ المَرْفقِ وحكومةُ الزيادة، وهل له تركُ المَرْفقِ وقطعُ الكوع؟ فيه وجهان، فإن قطع المرفق فله حكومةُ الساعد إن منعنا قطعَ الكوع، وإن اخترناه فوجهان.
وإن قطع الجاني المَرْفِقَ لم يكن للمجنيِّ عليه قطعُ الكوع، بل لو قنع بأنملةٍ واحدةٍ عن جميع اليد لم نُجِبْه إلى ذلك، فإنَّا لا نَعْدِلُ عن محلِّ القصاص مع الإمكان، فإنْ قَطَعَ الكوعَ فقد أساء، وسقط حقُّه من قطع المَرْفقِ وحكومةِ الساعد على ما ذكره الأصحاب.

3213 -

فصل في شلل بعض الأصابع

إذا قطع يدَ إنسان ولكلِّ واحدٍ منهما أصبعان شلَّاوان 1، فإن اتفقتا قُطعت يدُ الجاني، وإن اختلفتا لم تُقطع يدُه، وإن اختصَّ 2 شللُ الأصبعين بيد الجاني، فالمجنيُّ عليه مخيَّر بين أن يقطع يده ولا أرش له، وبين أن يقطع أصابعه الثلاث ويرجعَ بأرشِ أصبعيه، وهل يسقط ما يقابل الأصابعَ

المقطوعةَ من حكومةِ الكفِّ؟ فيه وجهان، فإن أسقطناه سقط ما يقابلُ الأصبعين من الحكومة، وكذا إن لم نُسْقِطْه على الأصحِّ، فإن الحكومة مجانِسةٌ للدِّية، بخلافِ القصاص.
وإن اخْتصَّ شللُ الأصبعين بيد المجنيِّ عليه، لم نقطع يدَ الجاني، وله قطعُ الأصابع السليمة وحكومةُ الشلَّاوين، وفي حكومة ما يقابل السليمةَ من الكفِّ الوجهان، وأما ما يقابل الشلَّاوين فإنْ لم نُدْرجه تحت ديةِ السليمة لم يندرج تحت حكومة الشلَّاوين، وكذا إذا أدرجناه على الأصحِّ، فإنَّ الدية أصلٌ، فجاز أن تُستتبع، بخلاف الحكومة.

3214 -

فرع:

إذا اختصَّت يدُ الجاني بأصبعٍ زائدةٍ لم تُقطع يده، فإن طلب المجنيُّ عليه ديةَ الأصابع الخمسِ فلا حكومةَ للكفِّ، وكذا إن طلب ديةَ بعضهنَّ على الأظهر، وإن اقتصَّ في الخمس فلا حكومةَ للكفّ على الأظهر؛ كوقوع القصاص في الجميع، وإن اقتصَّ في بعضهنَّ، فوجهان مرتِّبان، فإنَّ جميع الأصابع تَستتبعُ ما لا يَستتبعُه البعضُ، وكذلك تندرجُ حكومةُ الكفِّ تحت دية الأصابع، وفي اندراج البعض تحت بعضِ الأصابع الخلافُ.

3215 -

فصل في تعجيل القصاص والمال قبل الاندمال

إذا قطع أطراف إنسانٍ فله القصاصُ على الفور، وأَبْعدَ مَن أخَّره إلى الاندمال، ولو قطعه في الشتاء، فطلب أن يقتصَّ في حَمارَّة القيظ، وقد يَغْلِبُ

على الظنِّ هلاكُه بذلك، فله التعجيلُ عند القفَّال، وإن قطع أعضاءه وتخلَّل بين كلِّ عضوين اندمالٌ، فله أن يقطع أعضاءه على الولاء.
قلت: إذا غلب على الظنِّ هلاكُه بالولاء أو بالقصاص في القيظ، أو كان الجاني مُدْنفًا ضعيفَ القوى، فينبغي أن يؤخَّر القصاصُ، فإنَّا نُسقِطُه في اليد الشلَّاء إذا خيفَ نزفُ الدم، وفي الكتف والفخذ إذا خيفتِ الإجافةُ، فكان تأخيرُه ها هنا بالجواز أولى من إسقاطه.
ثم وإن طلب تعجيل المال قبل الاندمال، فالنصُّ أنه لا يعجَّلُ، ولو جنى على مكاتَبه عجَّل على النصِّ، وفي النصَّين طريقان: أصحهما: في التعجيل أقوال: أحدها: لا يُعجَّل شيءٌ، إذ لا نأمن أنْ يشاركه غيرُه فيموتَ بالجراحات.
والثاني: نعجِّل ديات الجميع، فإنْ مات بالسراية استرجعنا ما زاد على الدية.
الثالث وهو الأظهر: تعجيلُ دية النفس فما دونها.
والطريقة الثانية: تقرير النصِّ والتفرقةُ بالتشوُّفِ إلى العتق، وهل يختصُّ ذلك بما يحصِّلُ العتق؟ فيه وجهان، فإن قلنا به كان فيما عداه بمثابة الأحرار.

3216 -

فرع:

إذا كان الجراحُ موجبًا للحكومة لم تعجَّل قبل الاندمال، وأبعدَ مَن قال: تعجَّلُ أقلَّ ما يُمكن من الحكومة.

3217 -

فصل في تعليق الجناية لمن له ستُّ أصابع

إذا قطع يد إنسانٍ ولأحدهما ستُّ أصابع، فلها حالان: إحداهما: أن يُعرف أن السادسة زائدةٌ، فإن كانت يدَ المجنيِّ عليه قُطِعَتْ يدُ الجاني، فيلزمه حكومةُ الزائدة، وإن كانت على يد الجاني، فإن مالت عن منابت الأصليات، فلا حكومةَ للكفِّ على الأظهر، أو كانت على منابتها وأَمْكَنَ قطعُ الأصليات دونها، قطعت الأصليات ولا حكومة للكفِّ على الأظهر، وإن أدَّى قطعُ بعض الأصليات إلى فساد الزائدة لم يُقطع ما يؤدي إلى فسادها.
الثانية: أن تلتبس السادسةُ بالأصليات، فلها حالان: إحداهما: أن يَحكُمَ أهلُ الخبرة بأنَّ السادسة أصليةٌ، وأن الطبيعة قسَّمت مادةَ الأصابع على الستِّ مع تساوي العمل والقوة، فيجب القصاصُ اتِّفاقًا، فإن كانت على يد المجنيِّ عليه، قُطعت يد الجاني ولَزِمَهُ أرشُ السادسة، وإن كانت على يد الجاني، قُطع من أصابعه خمسٌ متوالياتٌ ولزمه سُدسُ دية المجنيِّ عليه، ويُحطُّ منه شيءٌ بالاجتهاد، فإنَّ الخمس التي قُطعت منه مشابهةٌ لخمسٍ من معتدل الخلقة.
الثانية: أن يجهل أهلُ الخبرة كونَ السادسة أصليةً أو زائدةً، فإن كانت على يد الجاني لم تُقطع من الكوع، ولا يُقطع شيء من أصابعه اتِّفاقًا خوفًا من أخذ الزائد بالأصليِّ، فإن بدر المجنيُّ عليه فقطع خمسًا، فقد استوفى حقَّه ولا أرشَ له؛ لجوازِ أنْ يكون قد استوفى خمسًا أصلياتٍ، ولا حكومةَ

للكفِّ على الأظهر.

3218 -

فصل في زيادة الأنامل

إذا كان لأصبع الجاني أربعُ أناملَ، فللأنملة الزائدة حالان: الأولى: أن لا يزيد أصبُعها على طول الأصابع، فإنْ قَطَعَ أنملةَ معتدِلٍ قُطعت أنملتُه ولزمه ما بينَ الثلث والربع من دية الأصبع، وإنْ قَطَعَ أنملتين قُطعت أنملتيه ولزمه سدسُ دية الأصبع، وإن قطع أصبعًا اقتصرنا على قطع أصبعه، فإنَّ أربعة الأرباع معادِلةٌ لثلاثة الأثلاث، وأَبعدَ مَن منع ذلك مع موافقته على أن في كلِّ أنملةٍ ربعَ ديةِ الأصبع.
وإن قطع المعتدِلُ أنملةً من الأربع، لم تقطع أنملتُه، وإن قطع أنملتين قُطعت أنملتُه وأُخِذَ منه سدسُ دية الأصبع، وإن قطع ثلاثةً قُطعت أنملتاه ولزمه نصفُ سُدُسِ ديةِ الأصبع، فإن قطع الأربعَ اكتفى بأصبعه.
والحال الثانية: أن يزيد طولُ أصبعها على سائر الأصابع، فالأنملةُ الرابعة كالأصبع السادسة، فإن ظهرت زيادتُها بضَعْفٍ أو استحشافٍ، لم تُقطَعْ بأصبعٍ معتدلةٍ، وفيها ديةُ أصبعٍ وحكومةٌ لأجل الأنملة، وإن ساوت سائر الأنامل في القوة والعمل، فالأناملُ الأربعُ كالأصابع الأربع التي قَسَّمتْها المادةُ الأصليةُ ستةَ أقسام، ففي كلِّ أنملةٍ ربعُ ديةِ أصبعٍ وزيادةٌ؛ كما يجب في إحدى الأصابع الستِّ سدسُ دية اليد وزيادةٌ، وتؤخذ أنملتُه بأنملةِ المعتدِلِ، ولا يؤخَذُ أصبعُه بأصبع معتدلٍ، بل يُقطَعُ منها ثلاثُ أناملَ ويَرْجِعُ المعتدِلِ بزيادةٍ.

وإن كان للأصبع ثلاثُ أنامل متساويةٌ في القوة والعمل، ولكنها أقصرُ من بقية الأصابع، ففيها أرشٌ كاملٌ، وإن كانت أطولَ منهنَّ فالوجهُ إن يُزاد شيء لأجل الطول.
وإن كان لأصبعه المساويةِ لسائر أصابعه أنملتان، فلا نَقْلَ في هذه الصورة، والأظهرُ: أنَّ في كلِّ أنملةٍ نصفَ ديةِ الأصبعِ، ويحتمل أن يُحكم بنقصان أنملةٍ.
وإن لم يكن للأصبع مفصلٌ فالظاهرُ عند الإمام تنقيصُ ديتها لفوات منفعة الانثناء بالقبض والاحتواء.

3219 -

فصل في كفين على ساعد وأنملتين على أصبع ورجلين على ساق

إذا كان على رأس أصبعٍ أنملتان إحداهما مستديرةٌ عاملةٌ والأخرى زائدةٌ مائلةٌ، ففي المستديرة أرشُ أنملةٍ، وفي الزائدة حكومةٌ، وتؤخذ المستديرةُ بأنملةِ المعتدلِ، ولا شيءَ له، وكذلك تؤخَذُ بها أنملةُ المعتدلِ.
وإن لم تتميَّز إحداهما عن الأخرى لاستوائهما في الانتصاب والعملِ، فهما كالأصابع الستِّ الأصلية، فلا نقطعُ أنملةَ المعتدل بإحداهما وإن قطعها المعتدلُ قُطعت أنملتُه وعليه حكومةٌ لزيادة الخلقة، ولا تُقطعان بأنملةِ المعتدلِ، بل تُقطع إحداهما مع زيادة أرشٍ، ويجبُ تنقيصُ الأرش عند الإمام عن نصف أرشِ الأنملة المعتدلةِ، والخيرةُ في تعيين الأنملة المقطوعة إلى الجاني عند الإمام، لأنه مستحِقٌّ لإحداهما على سبيل البَدَلِ.

وإن كان على رأس الأنملة الوسطى عظمٌ عليه الأنملتان، فإن لم يكن لواحدةٍ منهما مَفْصِلٌ فلا قصاصَ؛ لتعذَّره في العظام، وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما مفصلٌ، فهذه أصبعٌ ذاتُ خمسِ أنامل انقسمت عُلياهن باثنتين.
وحكمُ قدمين على ساقٍ، وكفَّين على معصمٍ، كحكم أنملتين على أصبعٍ إن استوتا، ففيهما نصفُ الدية وزيادةٌ كما أن في الأنملتين ثلثَ ديةِ الأصبع وزيادةً.

3220 -

فصل في أخذ المال عند تعذر القصاص

إذا ثبت القصاصُ لمجنونٍ لم يَجُزْ لوليِّه أن يقتصَّ، وله أخذُ المال على النصِّ، وفيه قولٌ مخرَّجٌ، وعلى النصِّ: لو أخذه فأفاق المجنونُ ففي ردِّه وثبوتِ القصاص خلافٌ مشهورٌ.
ولو قطع من إنسانٍ أنملةَ مسبِّحته العليا، وقطع من آخر أنملةَ مسبحته الوسطى ولا عليا للثاني، لم يقتصَّ صاحبُ الوسطى حتى تسقط عُليا الجاني بقصاصٍ أو غيرِه، فله القصاصُ حينئذٍ، فإن عفا مع بقاء عُليا الجاني، أخذ أرشَ الوسطى، وإن لم يَعْفُ ففي أخذِ الأرش للحيلولة وجهان، فإن أخذه فسقطت العليا: فهل له أن يردَّه ويطلبَ القصاص؟ فيه وجهان؟ وإن أخذه من غيرِ عفوٍ ففي سقوط القصاص وجهان بناهما الإمامُ على الخلاف في طلب المال، وقال: إن لم يثبت الطلبُ سقط القصاصُ بأَخْذِ المال.
وإن عفا صاحبُ العليا التحقتْ هذه الصورةُ بمسألة المجنون، فإنَّ

زوال العليا لا أمدَ له، فأَشْبهَ الجنونَ، وإن لم يعفُ فينبغي أن ترتَّبَ على مسألة الجنون، فإن الظاهر من صاحب العليا الاستيفاءُ، وليس زوالُ الجنون كذلك.
وإن وجب القصاصُ لصبيٍّ، أو وجب على حاملٍ، لم يُؤخَذِ المالُ للحيلولة؛ لأنَّ الأمد معلومٌ بخلافِ الجنون وزوالِ العُلْيا، وقال أبو بكر: ينبغي أن يخرَّج على الخلاف في الأنملة.

3221 -

فرع:

إذا قطع الأنملة الوسطى ممَّن لا عليا له، فزالت أنملةُ الجاني العليا، فقد تردَّد القفَّال في ثبوت القصاص، بخلافِ المسألة السابقة، فإنَّ استحقاق العليا بمثابة قطعها، بخلافِ الحمل، فإنه عارضٌ على الخلقة، فلم يمنع القصاص بعد الوضع.
ولو قطع يدًا شلَّاء فشلَّتْ يدُه بعد ذلك، لم يجب القصاصُ، إذ لا عبرة بالمكافأة بعد الجناية، كما لو قَتَلَ الحرُّ الذمِّيُّ عبدًا ذمِّيًّا ثم نقض العهدَ وأُرِقَّ، وقد تردَّد القفَّالُ في مسألة الشَّلل ثم قَطَعَ بنفي القصاص.

3222 -

فصل في إبانة الأذن أو بعضها

إذا أبان قطعةً من الأذن نُسبت إلى ما بقي، فإن كانت نصفًا أو ثلثًا اقتصَّ بمثل تلك النسبة اتِّفاقًا، وإن قطع البعضَ ولم يُبِنْه وجبَ القصاصُ على الأصحِّ، فإن التصقتْ فأبانها آخَرُ، اقتصَّ منه عند القفَّال.
ولو قطعها الجاني إلا جِلْدةً، فقد قطع الأصحابُ بأنَّا نقطعُ أذنه إلا

جلدةً، فإن التحمت أيجب إزالتها (1)، وإن قُطعت بعد ذلك وَجَبَ القصاصُ بقطعها.
وإن أبانها، فالتحمت في حرارة الدَّم، وجب إزالتُها لأجل الصلاة إن لم يَخَفْ، وإن خاف فوجهان؛ لأنها نجسةٌ على رأيٍ، أو لأنَّ الدم قد ثبت له حكمُ النجاسة بظهوره، فوجبتْ إزالتُه، فإنْ أوجبنا إزالتَها لم يجب القصاصُ بقطعها، وإن لم نوجِبْ إزالتها، فقطَعَها إنسانٌ، فسَرَتْ إلى النفس، وجب القصاصُ في النفس عند المحقِّقين، ويُحْتَمَلُ أن يُجعل الخلافُ في وجوب الإزالة شبهةً في درء القصاص، كما لو بادر أحدُ الوليين فقتل الجانيَ.

3223 -

فرع:

للعراقيين: تؤخَذُ الأذنُ الصحيحةُ بالمثقوبة إن لم يَشِنْها الثقبُ، ولا تؤخَذُ صحيحةٌ بمخرومةٍ قد زال بعضها بالخرم، بل يُقطع منها بقَدْرِ ما يتساويا فيه على الأصحِّ، وتؤخَذُ هذه المخرومةُ بالصحيحة مع قسطِ الأرش، وإن شان الخرمُ الأذنَ ولم يَزُلْ بعضُها، فلا يؤخَذُ بها صحيحةٌ عند العراقيين، وخالفهم الإمامُ، ولم يُجْروا ذلك في بقية الأعضاء، ولعلهم ظنُّوا أن الغرض الأظهر من الأُذن الجمالُ، ولذلك قالوا بقطع اليد السليمة الأظفارِ 2؛ لأنَّ البطش هو الغرضُ الأظهرُ، وقال الشافعي: لا تؤخَذُ يدٌ1

ذاتُ أظفارٍ بيدٍ ليس لها أظفارٌ.
واستبعده الإمام، وقال: يلزمُ عليه أن لا تكمَّلَ الدية في يدٍ ليس لها أظفارٌ، ولا يتَّجهُ استبعادُه.

3224 -

فصل في الاختلاف في شلل الأعضاء

إذا جنى على عضوٍ وادَّعى شَلَلَه من أصلِ خِلْقَتِهِ، فالقولُ قولُه في نفي الدية والقصاصِ، وذكر بعضُهم قولًا ضعيفًا: أن القولَ قولُ المجنيِّ عليه.
وإن ادَّعى شللًا طارئًا، فقولان يجريان فيمَن قدَّ ملفوفًا وادَّعى أنه كان ميتًا، وأبعدَ مَن فرَّق بين الملفوف في ثياب الأحياء والملفوفِ في صورةِ الأكفان.
وإن كان العضو باطنًا فطريقان: إحداهما: أنه كالعضو الظاهر.
والثانية: فيه القولان سواءٌ اتَّفقا على أصل السلامة أو اختلفا في ذلك.
فإن تنازعا في وجاء الأُنثيين، فعلى الخلافِ في الأعضاء الظاهرة، وإن ادَّعى، عليه بقطع الذَّكَرِ والأُنثيين، فاعترف بقطع أحدهما، فالقولُ قولُه، وكذلك لو أنكر وجودَ العضوِ من أصل الخلقة، أو اعترفَ 1 بأنه كان فبان [بسبب آخر] 2، فإنه إذا أنكر وجوده كان منكرًا لأصل الجناية.
فأمَّا العضوُ الباطنُ فقد رمزوا فيه إلى وجهين: أظهرهما: أنه الذي يُعتاد سترُه للمروءة.

والثاني: العورةُ التي يجبُ سترُها عن الأعين.

3225 -

فصل في الجناية على الأنف المجذوم

يؤخَذُ الأنفُ الصحيحُ بالمجذوم وما بقيتْ فيه حياةٌ وإن اسودَّ ويئس من بروئه، وكذلك حكمُ سائر الأمراض، بخلافِ شللِ اليد فإنه يُسْقِطُ منفعتَها ولا تَسقُطُ منفعةُ الأنف بالجذام، ولهذا ذكروا في تكميل الدية في الأنف المستخشِفِ والأذنِ المستخشِفَةِ وجهين، والاستخشافُ: موتُ العضو.
ولا يؤخذ أنفٌ صحيحٌ بأنفٍ سقط بعضُه بجذامٍ أو غيرِه، وإن سقط من أنف الجاني والمجنيِّ عليه جزءان متساويان في النسبة والمحلِّ، أو سقط من أيديهما أصبعان متساويتان، وجب القصاصُ فيما بقي، سواءٌ كان السقوطُ بجنايةٍ أو جذامٍ، أو سقط من الجاني بجنايةٍ، ومن المجنيِّ عليه بجذامٍ.

3226 -

فرع:

لا يختلفُ حكمُ العضوِ بسقوطِ منفعةٍ في غيرِه وإن كان طريقًا إليها، فيؤخَذُ أنفُ المدرِك وأذنُ السميع بأنفِ الأخشم وأذنِ الأصمِّ.
وقال الأئمة: الخصيتان بالنسبة إلى المنيِّ كالأذنِ بالنسبة إلى السمع، فإنْ كَسَرَ فقارَ إنسانٍ فأبطل المشيَ والماء، وجب ديتان على الأصحّ، فإنَّ الماء لا يختصُّ بالفقار.

3227 -

فصل فيمن طلب الجانيَ إخراج اليمين فأخرج اليسار

نقدِّم على ذلك: أنَّ مَن قال لإنسان: أبِحْني يدك، أو: أخرجها أَقْطَعها، أو: مكِّني من قطعها، فأخرجها، فقطعها، فلا ضمان على القاطع، وإن قَصَدَ قطع يد إنسانٍ، وحرَّمنا الاستسلام، فسكت من غير دهشٍ و [... ] 1، ففي إلحاقِ السكوت بالإباحة وجهان.
وإن طاوعت المرأةُ على الزنا: فهل يسقطُ مهرها للإباحة، أو لعَدَمِ حُرمة الوطء؟ فيه خلافٌ مبنيٌّ عليه الخلاف في مهر الأمة الزانية.
فإذا قال المقتصُّ للجاني: أَخْرِجْ يمينك، فأخرج اليسارَ، فقطعها، فللجاني أحوال: الأولى: أن يقول: قصدتُ الإباحةَ، فيُسأل القاطعُ عن قصده، فإن قال: قصدتُ الاستباحةَ، فلا خلافَ في بقاء القصاص في اليمين وإهدارِ اليسار، وبهذا يسقطُ قولُ مَن شَرَطَ التلفُّظ في تقديم الطعام للضِّيفان.
وإن قال القاطعُ: دهشتُ، فلا قصاصَ في اليسار، وفي سقوط قصاصِ اليمينِ خلافٌ، وقطع القاضي بالسقوط، وهذا الخلافُ مرتَّبٌ على الخلاف فيما إذا أحضر الجاني الديةَ، وسأل الوليَّ أن يأخذَها ويعفوَ عن القصاص، ففي سقوط القصاص بمجرَّد أخذِها خلافٌ، فإنَّ أَخْذَ الديةِ عن القصاص جائزٌ، ولا يجوزُ أن يعتاض عن اليمين باليسار.
وإن قال: علمتُ أنها لا تُؤخذ عن اليسار، ولكن جعلتُها عوضًا من

تلقاءِ نفسي، فلا قصاصَ في اليسار، ولا يسقطُ قصاصُ اليمين عند القاضي، وخرَّجه الإمامُ على الخلاف، وجَعَلَه أولى بالإسقاط.
الحال الثانية: للجاني أن يقول: دهشتُ، فيراجَعُ القاطعُ، فإن قال: دهشتُ، أو قال: علمُت وتعمَّدْتُ قَطْعَ اليسار، فلا يَسقطُ قصاصُ اليمين، ويجبُ القصاصُ في اليسار، وإن قال: ظننتُ أنها تُجزئُ عن اليمين، أو علمتُ أنها لا تُجزئ فجعلتُها عوضًا من تلقاءِ نفسي، فلا قصاصَ في اليسار وفي قصاص اليمنى الخلافُ السابق، والوجهُ إيجابُ دية اليسار، وإن قال: ظننتُ المُخْرَجَ يمينًا 1 فلا يسقطُ قصاصُها، وفي قصاص اليسار قولان طردهما الإمامُ فيما إذا قال: ظننتُ أن اليسار تُجزئ عن اليمين، وأصلهما القولان فيمَن قتل مَن يظنُّه قاتلَ أبيه.
الحال الثالثة: للجاني أن يقول: قصدتُ بالإخراج إيقاعَها عن اليمين، فيراجَعُ القاطعُ، فإن قال: ظننتُ أنها تُجزئ عن اليمين، فقصاصُ اليمين على الخلاف، وأولى بالسقوط؛ لأنَّ اتِّفاقَ القصدين كمعاوضةٍ فاسدةٍ، فإن أسقطنا القصاصَ فالوجهُ القطعُ بإيجاب الدِّية، فإنه لم يقصد الإباحةَ بالإخراج، ولا قصاصَ في اليسار إن أسقطنا قصاصَ اليمين، وكذا إن لم نُسْقِطْه على الأصحِّ، فإنه سلِّط على القطع، وإن قال: ظننتُ المُخْرَجَ يمينًا، فلا قصاص في اليسار اتِّفاقًا، وفي ضمان ديتها للعراقيين وجهان.
وحيث حكمنا ببقاءِ القصاصِ في اليمين، فليس استيفاؤها في الحال؛ خوفًا من الهلاك، مع أنَّ أحد الجرحين غيرُ مستَحقٍّ، وعلى قولٍ مخرَّج: له

الاستيفاءُ في الحال، ولو قطع أطراف إنسانٍ والَيْنا عليه بالقطع، فإنْ غلبَ على الظنِّ أنه يهلكُ بالموالاة فلا نظر إلى ذلك على المذهب، وأَبعدَ مَن مَنَعَ الموالاةَ، وقد ذكرتُ أشكال هذا فيما تقدَّم.

3228 -

فرع:

إذا قال الجلَّادُ للسارق: أخرِجْ يمينك أقطعها، فأخرج اليسارَ، فقطعها، وقالا: دهشنا، أو قال السارق: ظننتُ أنها تُجزئ عن اليمين، سقط قطعُ اليمين على النصِّ، وخرِّج قولٌ بعيدٌ: أنه لا يسقطُ، لكن لا تُقْطَعُ حتى تندمِلَ اليسار اتِّفاقًا، وإن قال: علمتُ أنها لا تُجزئ عن اليمين فغالطْتُ الجلادَ، فقال الجلاد: غلطْتُ، ففيه القولان، وأولى ببقاء القطع في اليمين، وإن قالا: تعمَّدْنا، فالوجهُ بقاءُ قطع اليمين، ويبقى النظر في قصاص اليسار لأجل البذل.
ولا يُجزئ الاستبدالُ في حدود الله تعالى مع التعمُّدِ، ومَن استحقَّ قصاصَ طرفٍ، فقطَعَه خطأً، حصل القصاصُ.

3229 -

فصل في القتل المستند إلى ظنون كاذبة

إذا تعمَّدَ القتلَ على ظنٍّ لو تحقَّق لَمَا وجبَ القصاصُ، فظهر كذبُ الظنِّ، فله أحوالٌ: الأولى: أن يَحْرُمَ القتلُ ويَبعدَ الظن، مثل أن يَقْتُلَ مَن يظنُّ أنه قاتِلُ أبيه ثم يظهر حياةُ أبيه، أو يقتلَ مَن يظنُّه مرتدًّا فيظهرَ أنه لم يرتدَّ، فيجب القصاصُ اتِّفاقًا والديةُ في ماله لبعدِ ظنِّه.

الثانية: أن يَجُوزَ القتلُ في ظاهر الأمر أو يجبَ، مثلَ أن يقتل رجلًا مع أهل الحرب على زيِّهم في دار الإسلام أو دارِ الحرب؛ ظنًّا أنه منهم، فيظهرَ أنه أسيرٌ مسلمٌ، فلا قصاصَ عليه لعذره، وفي الدية قولان، فإن قلنا: تجب، فهي على القاتل، أو على عاقلته؟ فيه قولان، أو رمى إلى صفِّ الكفار فمرق السهم فأصاب مسلمًا وراء الصفِّ، فهذا قتيلُ السهم الغَرْب، فلا ديةَ فيه ولا قصاصَ، وتجب الكفارةُ اتِّفاقًا.
الثالثة: أن يَحْرُمَ القتل ولا يَبْعُدَ الظنُّ، كما لو قتل في دارِ الإسلام رجلًا على زيِّ أهل الحرب يظنُّ أنه دخل خفيةً، أو قتل في دار الإسلام أو دار الحرب مَن يظنُّه قاتلَ أبيه، فظهر خلافُه، أو قتل مَن عَهِدَه مرتدًّا فظهر أنه أسلم، فيجب الضمانُ، وفي القصاص قولان، فإن أوجبناه فالديةُ على الجاني، وإن لم نُوجبه فطريقان: إحداهما: أنها على الجاني.
والثانية: فيها القولان.
الرابعة: أن يَحْرُمَ القتلُ على وجهٍ لو تَحقَّقَ الظنُّ لمَا حلَّ القتلُ في نفس الأمر، مثل أن يقتل مَن عَهِدَه عبدًا أو ذمِّيًا بناءً على أنه لا يُقتل به، فيظهرَ الحريةُ والإسلامُ، فيجب الضمانُ، وفي القصاص قولان مرتَّبان على القولين فيمَن عَهِدَه مرتدًّا أو ظنَّ أنه حربيٌّ دخل دار الإسلام، وأولى بوجوب القصاص ممَّن ظنَّه حربيًّا، وفيهما مع مَن ظنَّه مرتدًّا وجهان: أحدهما: أنهما أولى بوجوب القصاص لعصمتهما وإهدارِ المرتدِّ.
والثاني: المرتدُّ أولى منهما، لبُعْدِ الظنِّ فيه، إذ يَبْعدُ إبقاؤه على

الردَّة في دار الإسلام.
واختلف المحققون في هذه الصور: فقال بعضُهم: إنْ وقع التوافُقُ فيها على الظنِّ ففيها التفصيلُ والخلافُ السابق.
وقال بعضُهم: إن اتَّفقا على وقوعِ الظنِّ أثَّر، وإنما الخلافُ إذا اختلفا فيه، إذ لا يُمْكِنُ معرفتُه إلا من جهة الظانِّ.

3230 -

فصل في الاختلاف في سراية القصاص

إذا قطع يدي رجل أو رجليه ومات، فاختلف الجاني والوارثُ، فلهما أحوال: الأولى: أن يقول الجاني: مات بالسِّراية فلك ديةٌ، ويقول الوارثُ: مات بعد الاندمال فلي ديتان، فإن طال الزمانُ إلى حدٍّ يَغْلُبُ في مثله الاندمالُ، فيصدَّقُ الوارثُ بيمينه اتِّفاقًا، وإن قَصُرَ الزمانُ فإنْ عُلِمَ أنه لا يقعُ في مثله الاندمالُ فالقولُ قولُ الجاني بغيرِ يمينٍ، وإن غَلَبَ على الظنِّ أنه لا يقعُ فيه الاندمالُ صدِّق الجاني بيمينه اتِّفاقًا.
الثانية: أن يقول الجاني: مات بالسِّراية، فيقول الوارث: بل مات بسببٍ طارٍ كالريح والتردِّي من مكانٍ عالٍ، فإن أمكنتِ السرايةُ والاندمالُ، أو أمكنتِ السرايةُ وتعذَّر الاندمالُ، فهل يصدَّقُ الوارثُ بيمينه من غيرِ أن يَثْبُتَ السببُ؟ فيه لصاحبِ "التقريب" تردُّدٌ واحتمالٌ.

وقال الصيدلانيُّ: إن عيَّن السببَ ففيه تردُّدُ صاحب "التقريب"، وإن ادَّعى السببَ ولم يعيِّنه لم يُقبل قولُه؛ لأن ترك التعيين مُشْعِرٌ بعدم السبب.
وإن كان الاندمالُ ممكنًا، فظاهرُ كلام الصيدلانيِّ التخريجُ على تردُّدِ صاحب "التقريب".
الثالثة: أن يقول الوارثُ: مات بالسراية فلي القصاصُ في النفس، فيقولَ الجاني: مات بعد الاندمال، فإن طال الزمان على الشرط السابق فالقولُ قولُ الجاني، وإن قصُر على الشرط المقدَّم فالقولُ قولُ الوارث، وإن قال الجاني: مات بسببٍ طارٍ، فإن عيَّنه ففيه تردُّدُ صاحب "التقريب"، وإن لم يعيِّنه ففيه كلامُ الصيدلانيّ، وحيث صدِّق مدَّعي الاندمال في الدية أو القصاص، فقامت البيِّنةُ أنَّ المجنيَّ عليه لم يزل زَمِنًا ضَمِنًا لِمَا به، فالقولُ (1) قولُ منكرِ الاندمال.

3231 -

فصل في رفع الحاجز بين الموضحتين

إذا أوضحَ موضِحَتين، فزالَ الحاجز بينهما، فقال الجاني: زال بالسِّراية فلك أرشُ مُوْضحةٍ، وقال المشجوج: بل أزاله غيرك، ففيه تردُّدُ صاحب "التقريب"، فإن جعلنا القولَ قولَ المشجوج وجب أرشانِ لا غير، فإن قال الجاني: أنا رفعتُ الحاجز، فقال المشجوج: بل أنا رفعتُه، وجب القطعُ1

بتصديق المشجوج؛ لأن السبب مذكورٌ من الجانبين وقد اعترف بموضحتين، فإن قال الجاني: أنا رفعته قبل الاندمال، فقال المشجوج: بل بعد الاندمال، فإنْ قَصُرَ الزمانُ اتَّحد الأرشُ، وإن طال وَجَبَ أرشان، وفي الثالث وجهان.

3232 -

فرع:

إذا قال جنيتُ وأنا مجنون، فقال: بل كنتَ عاقلًا، فهو كالقاذف إذا ادَّعى الجنون حالَ القذف، فإن أقاما بيِّنتين: فهل تقدَّمُ بينةُ الجنون، أو يتعارضان؟ فيه وجهان فإنْ قلنا بالتعارضِ والتهاتُر فهو كاختلافهما في الجنون من غير بيِّنةٍ.

3233 -

خاتمة:

ينبغي للإمام أن يُحْضِرَ موضعَ القصاص عَدْلَينِ خبيرينِ بمجاري الأحوال يتفقدان حديدةَ القِصَاص، فإن خَشِيا أن تكونَ مسمومةً بدَّلاها بما لا تُهَمةَ فيه.
وينبغي للإمام أن يَرْزُقَ مَن يستوفي الحدودَ والقصاصَ من سهم المصالح العامة إنِ اتَّسع المالُ، وإن ضاق فأجرةُ القصاص على الجاني، وأَبعدَ مَن جعلها على بيت المال، وأجرةُ الحدِّ على المحدود، أو على بيت المال؟ فيه وجهان مشهوران، فإنَّ القصاص واجبٌ على الجاني، والحدَّ لا يجبُ على المحدود، ولذلك لا يلزمُه إظهارُ موجب الحدِّ، ولو هرب لسقط الحدُّ، ومأخذُ الخلاف في القصاص: أنَّ الواجبَ تحصيلُ القطع، أو التمكينُ من القطع؟ كما في تسليم الثمار.
وشبَّهه الإمام بالخلاف في مؤنة قطع الثمار إذا جعلناها من ضمان

جارٍ التحميل