الغاية في اختصار النهايةصفحات 466-4

وشرط الأصحاب العدالةَ في وكيل الوكيل، ومودَع المودَع إذا أراد السفر.

2147 -

فصل في تغيُّر حال الوصيِّ

ينعزل الوصيُّ بكلِّ ما يُثبِت عليه الولاية كالجنون، وكذا بالفسق على الأظهر، ولا يعود نظره بزوالهما.
وإن فسق الخليفة لم ينعزل على الأصحِّ، وإن فسق القضاة أو الولاة فوجهان.
والأصحُّ: أنَّ القبول معتبَر في الوصيَّة، ساقطٌ في الوكالة، وقيل: الوصيَّة كالوكالة.
وإذا قَبِلَ الوصيَّة فله عزلُ نفسه متى شاء.
ومَن أوصى بشيء، أو ترك أطفالًا ولم يوصِ، أو أوصى فانعزل وصيُّه، لزم الحاكمَ أن ينصب مَن يقوم بذلك بشرطِ أن يتَّصف بصفات الأوصياء.
فإن عجز الناظر عن بعض ما فُوِّض إليه؛ فإن كان نائبًا عن الحاكم، فله أن يعزله، وأن يضمَّ إليه من يُعِيْنه، وإن كان وصيًّا لم ينعزل بذلك، ولم يملك الحاكم عزلَه، بل يضمُّ إليه مَن يُعينه.

2148 -

فصل فيمن يوصي ويوصى عليه

لا تصحُّ الوصيَّة إلا على مَن يتولَّاه الموصي في الحياة، فلا يصحُّ

إيصاء الأخ على أخيه، وفي الأمِّ عند عدم الأب خلافٌ مبنيٌّ على ولايتها المال.
وإن أوصى إلى أجنبيٍّ بشيء من البرِّ صحَّ مع استقلال الورثة، ولا اعتراض على الوصيِّ فيما يوافق الشرع ممَّا فُوِّض إليه من الجهات العامَّة؛ كالفقراء، وبناء المساجد.
ولا معنى للإيصاء بردِّ الغصب والوديعة؛ فإنَّ للمالك أَخْذَهما بغير إذن الوصيِّ.
ولا يكاد يظهر أثر الوصية للمعيَّنينَ (1)، ولا سيَّما بالأعيان المعيَّنة؛ فإنَّهم يأخذونها بغير إذنٍ، وإنْ أوصى بعتق عبد معيَّن لم يَعْتِقْ حتَّى يُعْتِقَه الوصيُّ.
وإن وصَّى بتجهيزه وتكفينه، ولم يعيِّن مالًا ولا يومًا، أو أوصى بقضاء دينه، أو بردِّ المغصوب، فافتقر إلى مؤونة، فأراد الوارث أداء ذلك من ماله، وتوفيرَ التركة، لم يملك الوصيُّ منعَه منه، وإن أراد أن يبيع من التركة ما يصرفُه في ذلك بنفسه، وأراد الوصيُّ أن يتعاطى ذلك، فأيُّهما أحقُّ؟ فيه وجهان.

2149 -

فصل في الوصيّة إلى اثنين

إذا أوصى ببرٍّ أو على أطفاله إلى اثنين على أن يستقلَّ كلُّ واحد منهما، جاز، فإن وصَّى للفقراء؛ فأيُّهما سبق إلى الصرف نفذ تصرُّفه.1

وإن عيَّن أحدُهما طائفةً منهم، وعيَّن الآخرُ غيرَهم، فاجتمعا، وتنازعا، فهل يفرِّقها الحاكم على مَن شاء، أو يُقْرِع بينهما؟ فيه وجهان.
وإن وصَّى إليهما على الاجتماع، أو أطلق، لم ينفذ شيء من التصرُّف إلَّا بالاجتماع، فإن وصَّى بعتق عبد معيَّن، فلا بدَّ أن يجتمعا على عتقه، ولا يُشرط في الاجتماع تلفُّظُ كلِّ واحد منهما بالإيجاب أو القبول، بل إذا صدر التصرُّف عن رأيهما، وباشره أحدهما بإذن الآخر، نفذ اتِّفاقًا.
ولهما توكيلُ مَن يتصرَّف بحضورهما ورأيهما، وإن وكَّلا من يتصرَّف من غير مراجعة لم يصحَّ؛ لأنّهما جعلا التصرُّف لواحد على خلاف شرط الموصي، ولا يُشترط اجتماعُهما فيما لا تتعلَّق به الوصيّة، كردِّ المغصوب.

2150 -

فصل في اختلافهما في حفظ المال

إذا تنازعا في حفظ المال؛ فإن كانا بمسكَنٍ واحد حفِظاه على العادة في مثله، وإن اختلف مسكنهما فالنصُّ ومذهبُ الجمهور: أنَّه يُقسم، فيحفظ كلُّ واحد نصفَه، فإن لم يقبل القسمة؛ فإن دفعاه إلى عدْل جاز، وإن امتنعا فالأصحُّ: أنَّ الحاكم يدفعه إلى عدل، وقيل: يُدفع إلى أحدهما بالقرعة، ولا فرقَ بين أن يَثبت تصرُّفُهما على الاستقلال أو الاشتراك.
وقيل: لا يُقسم في صورة الاشتراك، بل يقول الحاكم: إن اتِّفقتما على الحفظ، وإلا دفعناه إلى مَن يحفظه، فإن امتنعا سلَّمه الحاكم إلى عدل، وأَبعدَ مَن أوجب التسليم إلى عدلين، ولا فرقَ بين أن يقبل القسمة وألا يقبلها.

2151 -

فرع:

لو أذن أحدهما للآخر [أن] ينفرد بالحفظ أو التصرُّف لم يجز، بخلافِ إذنه في التصرُّف الصادر عن رأيهما، فإنَّه يقع بحضورهما، أو في غَيبةٍ قريبةٍ لا ينقطع الرأي بمثلها.

2152 - فرع: إذا مات أحد المشتركَيْنِ في النظر، أو فسَقَ، أقام الحاكم مقامه، فإن رأى التفويضَ إلى الآخر باجتهاده؛ ليكون وصيًّا ونائبًا عنه، فوجهان، وإن ماتا أو فسقا، فنصب عدلين جاز، وفي عدل واحد الوجهان، اختيار الإمام الجواز؛ فإنَّهما إذا خرجا عن الوصيَّة صار كما لو مات من غير إيصاء.

2153 -

فصل في وصيِّ الوصيِّ

ليس للوصيِّ أن يوصيَ فيما هو وصيٌّ فيه، فإن أذن له الموصي في ذلك فقولان.
ولو قال: مَن أوصيتَ إليه فهو وصيِّي، جاز على الأصحِّ، وقيل: فيه القولان.
والإيصاء قابلٌ للتعليق، فإذا قال: أنت وصيِّي حتّى يبلغَ هذا الصبيُّ رشيدًا، أو حتى يَقْدَمَ زيد، فهو الوصيُّ، صحَّ قولًا واحدًا.

2154 -

فروع متفرِّقة:

الأوّل: في الوصيّة إلى الأجانب مع وجود الجدِّ وأهليَّته وجهان،

وإن أوصى ببرٍّ صحَّ مع وجود الجدِّ وجهًا واحدًا.
الثاني: إذا ضاقت التركة عن الديون، فأوصى بتقديم بعض الغرماء بدَينه، لم يصحَّ، وإن قدَّمه في مرض موته، ففي ردِّ الزائد على المحاصَّة وجهان.
ولو ضمن المريضُ دَينًا لأجنبيٍّ على وارثه لم يصحَّ، وفي عكسه وجهان.
هذا في الضمان المقتضي للرجوع على المضمون عنه 1. الثالث: إذا قال: ضع ثلثي حيث شئت، أو: أنَّى شئت، لم يملك وضعَه في نفسه، ولا في وارث الموصي، فإن أعطى الوارثَ شيئًا من ذلك، استردَّه ووضعه حيث شاء، وقيل: لا يستردُّه؛ لأنَّه قد وضعه حيث شاء، فانقلب إرثًا.
الرابع: إذا قال: أوصيتُ بثلثي لرجل عيَّنتُه للوصيِّ، فإذا عيَّنه لكم فصدِّقوه، فعيَّنه لهم، لم يلزمهم تصديقُه؛ لأنَّه ألزمهم تصديقَ مَن يجوز كذبُه، فإن شهد له الوصيُّ وحلف، استحقَّ.
الخامس: إذا أبطلنا إقرار المريض للوارث، فكان له على وارثه دينٌ قد ضمنه أجنبيٌّ، فأقرَّ بقبضه من الوارث، لم يبرأ الوارث، وفي الأجنبيِّ وجهان، ولو كان الدَّين على الأجنبيِّ، والوارث ضامن، فأقرَّ بالقبض من الأجنبيِّ برئ، وفي الوارث وجهان، وقال في "التقريب": إذا قلنا: لا يبرأ

الوارث هاهنا، فينبغي ألَّا يبرأَ الأجنبيُّ؛ إذ يستحيل مطالبةُ الكفيل مع براءة الأصيل.
السادس: إذا أبطلنا الوصيَّة للقاتل، فأوصى لزيد بألف، ولعمرو بمثله، وخلَّف ابنين، فأقام أحدهما بيِّنةً أنَّ زيدًا قتل أباه، وأقام الآخرُ بيِّنةً أنَّ عمرًا قتله، ففيه أقوال: أحدها: تنفيذ الوصيَّين؛ بناءً على تساقُط البيِّنتين.
والثاني: يستحقُّ كلُّ واحد نصفَ الدية على الذي ادَّعى أنَّه القاتل، ويبرأ عما بحصَّته من الوصيَّة، وللموصَى له حصَّتُه من الوصيَّة على الذي لم يدَّع عليه.
والثالث: يلزمهما الدية، وتبطل الوصيَّتان، ويُجعلان كالمشتركَيْنِ في القتل، ولا أصل لهذا.
السابع: إذا نفذ حاكم الذمَّةِ وقفًا على كنيسة، ورُفع إلينا، لم نُمضِه؛ إذ لا وقْعَ لأحكامهم، وقال في "التقريب": يُحتمل ألا يُنقض، كما لا يُنقض بيع الخمر إذا تقابضوا.
الثامن لصاحب التقريب: إذا قال لأَمته: إذا متُّ فأنتِ حرَّة على ألا تتزوَّجي، أو: فأنت حرَّة إن دمتِ على الإسلام، فلا تَعْتِقُ حتَّى تقبل بعد الموت؛ فإن قبلت عتقت، ولزمها قيمتُها، وهذا بعيد في شرط البقاء على الإسلام؛ لبُعد مقابَلته بالمال، بخلاف التعزُّب؛ فإنَّه تعطيلٌ لحقِّ الاستمتاع، فينبغي ألا تجب القيمة ولا يُشرطَ القبول في شرط البقاء على الإسلام؛ لأنَّه شرطٌ محْضٌ، وعلى هذا: لو قصد دوامَها على الإسلام إلى موتها فينبغي

ألا تَعْتِقَ حتَّى تموت مسلمةً، فيتبيَّنَ أنَّها عَتَقَتْ عند وجود الشرط، وكذا لو علَّق التعزُّب بلفظ (إنْ) (1)، فينبغي ألا تَعْتِقَ إلا بالتعزُّب في جميع العمر، فإن نكحت نكاحًا صحيحًا بأن أنَّها لم تعتق.

2155 -

فرع:

زوائد الموصَى به -كالولد وغيرِه- بعد الموت وقَبْلَ القبول للموصَى له على قول، وللورثة على آخر؛ فإن كان على الموصي دينٌ، لم يُقضَ من الزوائد إلا على قول الإصطخريِّ؛ فإنَّه جعل للزوائد حكم التركة.
التاسع: أوصى بعبد قيمتُه عشرةٌ، وخلَّف عشرين غائبةً، فلا يُسلَّم إلى الموصَى له سوى ثلثِ العبد، ولا ينفذ تصرُّف الورثة في ثلثي العبد، وفي تصرُّف الموصَى له في ثلثه وجهان، قال الإمام: هذا إذا كان المال الغائب لا يمكن الوصول إليه لخوفٍ أو غيره؛ إذ لا يجوز بيعه؛ للعجز عنه، فأمَّا إن تيسَّر الوصول إليه عُرفًا لأَمْنِ الطريق، فالتصرُّفُ فيه نافذٌ، وزكاتُه واجبةٌ، وفي وجوب تعجيلها خلاف، فإن أوجبنا التعجيل فلا حكم لهذه الغَيبة، وإن لم نوجبه احتمِل ألا يُسلَّم إليه إلا ثلث العبد، وينفذ تصرُّفه فيه كما ينفذ تصرُّف الورثة في العشرين الغائبة.

2156 -

فصل في الوصيَّة بالحجِّ

إذا قال: أحِجُّوا عنِّي زيدًا حجَّ الإسلام بمئة، وهي أجرةُ المثل،1

صرفناها إلى زيد؛ فإن وُجِد من يحجُّ بأقلَّ منها، وامتنع زيدٌ أن يحجَّ إلا بالمئة، فلا يُجاب إلى ذلك عند المُعْظَمِ؛ فإنَّ الوصية لا تصحُّ إلا بتبرُّعٍ، ولا تبرُّعَ هاهنا، فأَشبهَ ما لو أوصى ألا تُباع تركتُه في قضاء دينه إلا من فلان، وإن كانت المئة أكثرَ من أجرة المثل صُرفت إليه إن احتمل الثلث الزيادة، وكان زيد أجنبيًّا، فإن امتنع أُحِجَّ غيرُه بأجرة المثل، أو أقلَّ، وإن كان ذلك في حجِّ تطوُّع حُسبت المئة من الثلث، فإن امتنع زيد من الحجِّ لم تبطل الوصيَّة على الأصحِّ، وقيل: تبطل، كما لو أوصى بشراء عبدِ زيد وإعتاقِه، فامتنع زيد من بيعه، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المقصودَ نفعُ ذلك العبد، وتحصيلُ الحجِّ، وإن كان وارثًا فالزائدُ على أجرة المثل وصيَّةٌ لوارث، فإن امتنع أُحِجَّ غيرُه بأجرة المثل.
وإن قال: أحِجُّوا عنِّي بمئة، ولم يعيِّن مَن يحجُّ، فالوصيُّ يعيِّن الحاجَّ، وفي سقوط ما زاد على أجرة المثل وجهان.

الغاية في اختصار النهاية

تأليف سلطان العلماء العز بن عبد السلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (المتوفى سنة 660 هجرية)

تحقيق إياد خالد الطباع

[المجلد الخامس]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْغَايَة فِي اخْتِصَار النِّهَايَة (5)

طبعة خَاصَّة الْكتاب طبع على نَفَقَة وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية وَهُوَ يوزع مجَّانا وَلَا يجوز بَيْعه turathuna@islam.gov.qa إدارة الشؤون الإسلامية ص. ب: 422

الطبعة الأولى 1437 هـ - 2016 م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار النَّوَادِر

قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لبنان - بيروت ص. ب: 14/ 4462 هَاتِف: 009611652528 فاكس: 009611652529 E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com

جارٍ التحميل