الغاية في اختصار النهايةصفحات 118-157

الذمِّيَّة من أبيها, ولكن يقبله من السلطان، ويلزمه ألا يحكم في أنكحتهم بنفقة ولا صداق.
وهذا قريبٌ من خرق الإجماع، فإن

ْ فرَّع

نا على المذهب، فكان الكافرُ فاسقًا في دينه، خُرِّجت ولايته على ولاية الفاسق، وإن لم يَثبت فسقُه في دينه فهو كالمسلم المستور، ولا خلاف في ولايته، وقد أطبق الخلقُ على معاملة أولياء الأطفال وإن لم تظهر عدالتُهم عند الحُكَّام.

2288 - فرع: إذا شغر القطر عن السلطان، فأراد المسلمُ التزوُّج بذمِّيَّة لا وليَّ لها، فليس له قبولُ نكاحها من حاكم الكفَّار، وأشار في "التقريب" إلى جواز ذلك، ولا وجه لِمَا ذكره.

2289 - فرع: إذا أراد المسلم تزويج أمته الكافرة بحرٍّ كافر، أو عبدٍ مسلم، فهذا مبنيٌّ على أنَّ الأمة الكافرة: هل يَحْرمُ نكاحُها على المسلم والكافر؟ فيه قولان: أحدهما وهو المنصوص: تحريم نكاحها على جميع العالَم؛ كالمرتدَّة والوثنيَّة، فعلى هذا: ليس له تزويجُها.
والثاني، وهو مخرَّج: أنَّها تحلُّ للعبد المسلم والحرِّ الكافر، فعلى هذا: هل يملك المسلمُ تزويجَها مع اختلافِ الدين؟ فيه وجهان، هذا في الكتابيَّة، وفي تزويج المسلم أَمتَه المجوسيَّهَ بمجوسيٍّ وجهان مرتَّبان، وأولى بالمنع عند الأصحاب؛ لأنَّها لا تحلُّ للمالك.

ولا وجه لهذا الترتيب عند الإِمام؛ فإنَّ التزويج بالمِلْكِ لا يقف على الحِلِّ للمالك، ولهذا لو مَلَكَ أختَه من نسب أو رضاع، لَزَوَّجها وجهًا واحدًا، ومَن شَبَّبَ بمنع ذلك لم يُعتدَّ بقوله.
ولو زوَّج الكافر أمتَه المسلمةَ ففيه الوجهان.

2290 -

فرع:

إذا أجبرنا العبد على النكاح، فكان كافرًا والسيِّدُ مسلمًا، فهل يَمنعُ اختلافُ دينهما من الإجبار؟ فيه الوجهان، فإن منعناه فقد قال الإِمام: يتزوَّج العبد بإذن المالك وإن لم يكن أهلًا لتزويجه، كما يتزوَّج العبد بإذن مولاته وإن لم تكن أهلًا للتزويج، ولا يقف ذلك على إذن أوليائها.

2291 -

فصل في تزوُّج الوليِّ بمَوْليَّته

إذا كان الزوج وليًّا للزوجة، كابن العمِّ، والمعتِق، والوالي، والحاكم، فليس له أن يتولَّى طرفي العقد، ولا أن يوكِّل في الإيجاب، وفي الإِمام الأعظم وجهان أقيسهما: المنع، فإن أراد الحاكم التزوُّج بمَوْليَّته فوَّض الأمر إلى حاكم أو مُحكَّم، وإن أراد الوليُّ الخاصُّ ذلك فوَّضه إلى مَن في درجته، فإن لم يكن فإلى الحاكم، ولا خلاف أنَّ الإِمام يرفع إلى الحكَّام، فيحلف، وتُقام عليه البيِّنات.
وللأب والجدِّ تعاطي طرفي البيع والشراء من طفله، أو من أحد طفليه للآخَرِ، وفي اكتفائه بأحد شقَّي البيع وجهان.

وفي تولِّي الجدِّ طرفي النكاح على حافديه وجهان، فإن أجزناه: فهل يلزمه الإتيانُ بالطرفين، أم يُخرَّج على الوجهين كالبيع؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يتولَّاهما، فوكَّل في أحدهما وتعاطَى الآخَر فوجهان، فإن منعناه رُفع الأمر إلى الحاكم ليتولَّى أحد الطرفين، وهل يتخيَّر الحاكم فيما يتولَّاه من الطرفين، أو يكون ذلك إلى رأي الجدِّ؟ فيه احتمالٌ، والأولى: تخيير الحكَّام.

2292 -

فرع:

لا يصحُّ التوكُّل في طرفي النكاح على المذهب، وقيل: يصحُّ كالتوكُّل في طرفي الاختلاع.

2293 -

فصل فيمن يزوِّجها اثنان وأشكلَ السابق منهما

إذا أَذِنتْ لأخويها في التزويج، ولم تعيِّن الزوج، وأجزنا ذلك، فزوَّجَها كلُّ واحد منهما بزوج؛ فإن عُلم وقوعُ النكاحين معًا بطلا، وإن تقدَّم أحدهما وعرفناه صحَّ، فإن وطئها الزوجُ الثاني بجهالةٍ لزمه مهرُ المِثْلِ، والنكاحُ للأوَّل.
وانْ أَشْكَلَ: هل وقع العقدان معًا، أو تلاحَقَا؟ فإن توقَّعنا البيانَ وجب البحثُ على حسب الإمكان، وإن يئسنا من البيان، وتصادقوا على الإشكال، فللعقدين أحوال: إحداها 1: أن يُمْكِنَ تساوقُهما وتلاحقُهما: فهل يبطل العقد، أو

يُفسخ لاحتمال التلاحُقِ؟ فيه وجهان.
ولو أشكل على امرأة: هل تزوَّجتْ أم لا؟ لم يلزمها التسبُّبُ إلى فسخ النكاح، فإن أثبتنا الفسخ ففيمن يتعاطاه أوجه: أحدها: لا يتعاطاه إلا حاكم، أو محكَّمٌ إن جوَّزنا التحكيم.
والثاني: تستبدُّ به المرأة من غير رفعٍ إلى الحاكم كما يفسخ بالجَبِّ.
والثالث 1: تستبدُّ به المرأة وكلٌّ واحد من الزوجين.
ولم يشرط أحدٌ اتِّفَاقَهم على الفسخ، وإن طلَّق الزوجان فلا حاجة إلى فسخِ أحدٍ.
الثانية: أن يُعْرَفَ التلاحُقُ، ولا يتعيَّنَ السابق، فهل يُلحق بالحال الأولى، أو يقف النكاح أبدًا؟ فيه قولان، وفي نظيره في الجُمعتين طريقان: إحداهما: القطع بصحَّة السابقة، فيصلُّون الظهر؛ إذ لا يمكن فسخُ الصلاة بعد انقضائها، بخلافِ النكاح؛ فإنَّه قائم يقبل الفسخ.
والثانية: فيها القولان.
الثالثة: أن يُعرف التلاحقُ، ويتعيَّنَ السابق، ثم يُشكل، فالمذهب: الوقفُ أبدًا، وأَغْرَبَ مَن خرَّجه على القولين.
فإن قلنا بالوقف فلا نطالبُ واحدًا منهما بشيء من المهر، وهل تطالب كلَّ واحد بنصف النفقة؟ فيه احتمال، والظاهر: أنَّها لا تطالِبُ.
هذا إذا تصادَقوا على الإشكال، فأمَّا إذا ادَّعى كلُّ واحدٍ أنَّه السابق؛

فإن ادَّعيا على الوليِّ لم تُسمع دعواهما إن لم [يكن] 1 مجبِرًا، وإن كان مجبِرًا فوجهان يجريان في كلِّ مجبِرٍ يُدَّعى عليه الإنكاح، والأقيس: أنَّها لا تُسمع؛ إذ لا حقَّ على الوليِّ، وليس المدَّعى به في يده، ووجهُ السماع: أنَّه مقبولُ الإقرار.
وإن ادَّعى أحدهما على الآخر لم يُسمع، خلافًا للصيدلانيِّ؛ إذ لا حقَّ لأحدهما على الآخر، والدعوى تختصُّ بمن يُسْتحَقُّ عليه المدَّعَى به، ولا وجه لقول الصيدلانيِّ إن أمكنت الدعوى على المرأة، وإن تعذَّرت الدعوى عليها؛ لاعترافهم بأنَّها لا تعرف السابق، فهذا موضع الخلاف، فإن سمعنا دعواهما انقدح أن يُقْرِعَ الحاكم بينهما في البداية بالتحليف، واحتُمل أن يبدأ بمن شاء، فإن حلفا، أو نكلا، كان كما لو تصادقوا على الإشكال، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قُضي للحالف.
وإن ادَّعيا ابتداءً على المرأة فلهما حالان: إحداهما: أن يدَّعي كلُّ واحد أنَّه السابق بالعقد، فلا بدَّ من دعوى عِلْمِها بالسبق؛ ليقع الإنكار واليمين على حَسَبه، فإن أقرَّت للمتقدِّم بالدعوى أنَّه سبق بالعقد سُلِّمت إليه، فإن أقرَّت بعد ذلك للآخر لم تُسلَّم إليه، وهل تغرم له؟ فيه قولان، فإن غرَّمناها لزمها ما يلزمُ شهودَ الطلاق إذا رجعوا، وإن لم تعترف للآخر ففي تحليفها له قولان.
وإن قلنا: تغرم له لو أقرَّت، حلفت له، وإلا فلا، فإن قلنا: تحلف،

فحلفت، انقطعت الخصومة، وإن نكلت عُرضت اليمين على الثاني، فإنْ نكل كان نكولُه كحلفها، وإن حلف: فهل تُسلَّم إليه، ويبطل نكاح الأوّل؟ فيه قولان مأخذُهما: أنَّ يمين الردِّ: كالبيِّنة أو الإقرار؟ والأصحُّ: أنَّها كالإقرار، فإن قلنا: تُسلَّم إلى الثاني، فينبغي أن تحلف وإن قلنا: لا يلزمُها الغرم؛ لِمَا في التحليف من فائدة إثبات الثكاح.
وإن قالت: لا علم لي بالسابق منكما؛ فإنْ حضرا معًا، ورضيا بيمينٍ واحدة على نفي العلم، حلفت يمينًا واحدة، وإن حضر الأول، وأَحْلفها، ثم حضر الآخر، فهل له تحليفُها مرةً أخرى؟ فيه وجهان يجريان في كلِّ شخصين يدَّعيان على شخصٍ شيئًا متِّحدًا.
فإنْ نكلت عن يمين السابق منهما حلف أنّه السابقُ بالعقد، ولا يحلف على أنَّها عالمةٌ بذلك عند المحقِّقين؛ لأنَّ ذلك إنَّما شُرط في حقِّها؛ ليرتبط به إنكارُها وحَلِفُها.
فإن حلفت لهما فالأصحُّ: أنَّهما يتداعيان ويحتلفان؛ لأنَّ الدعوى قد تعلَّقت بالمرأة، فلم يفد شيئًا، بخلاف تداعيهما قبل الدعوى على المرأة، وأبعدَ مَن رمز إلى أنَّ الخصومة تنقضي بحلفها.
ولو نكلت لمَّا رضيا بيمينها كان نكولها كحَلِفِها.
ولو قالت لمَّا ادعى الأول: لستَ السابقَ بالعقد، فهذا إقرارٌ للثاني، وقد تقدَّم حكمُ إقرارها لأحدهما.
الثانية: أن يدَّعي كلُّ واحد منهما زوجيَّة مُطْلَقةً، ولا يضيفها إلى العقد، ففي سماع دعواه خلاف يجري في الإقرار المطلق بالنكاح، والأصحُّ:

سماع الدعوى، ونفوذُ الإقرار، وقيل: لا تصحُّ الدعوى والإقرارُ إلا أن يُضافا إلى العقد، ثم يجب ذكرُ شروطه على أحد القولين، فإن سمعنا الدعوى المطلقة فلا نسمع منها الجواب بنفي العلم، بل تبتُّ الجواب، وتحلف على حسبه، وأجاز لها الأصحابُ الحلف على البتِّ وإن لم تعرف حقيقة الحال.
وهذا يشبُه ما لو ادَّعى على رجل: أنَّ مورِّثك أتلف عليَّ ألفًا، فله الحلفُ على نفي العلم.
ولو قال: يلزمك أن تسلِّم إليَّ ألفًا من التركة، حلف على البتِّ.
وإن قلنا: لا تُسمع الدعوى المُطْلَقةُ بالنكاح، فلا بدَّ من الإضافة إلى العقد، والتقييدِ بعلمها، كما سبق فيما إذا ادَّعيا عليها العقد والسبق.

2294 -

فصل في بيان الكفاءة

لا يُعتبر التكافؤ في جميع الفضائل والرذائل، وإنَّما يُعتبر في خمسة: النسب، والحرِّية، والبراءة من الفسق، ومن الحِرَف الدنيئة 1، والعيوب المُثْبِتة للخيار.
فلا تُزوَّج الحرَّة برقيقٍ وإن كان أفضلَ العالَمِ عقلًا ونبلًا.
وكذلك لا تُزوَّج السليمةُ بمَعيبٍ وإن حاز الفضائل.
وتُعتبر البراءةُ من الفسق في الخاطب وفي 2 أنسابه، ولا نظر إلى

تفاوت الناس في الصلاح، ولا فرق بين المستور والعدل.
ويُعتبر النسب من ثلاثة أوجه: أحدها: الانتسابُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والانتماءُ إلى أَرومته.
والثاني: الانتماءُ إلى العلماء الذين هم عصامُ الدِّين، وقوامُ الشرع.
الثالث: الانتساب إلى المشهورين بالصلاح، الذين صاروا أعلامًا في التفرُّد، الذين لا يُنسَون على تناسخ الدهر، فمَن لم يبلغ هذا المبلغَ فلا عبرة بالانتساب إليه، ولا بما يَعتدُّ به أبناء الدنيا من أنساب عظمائهم؛ فإنَّ جمهورهم ظلمةٌ استولوا على الرقاب، وإنَّما يُعظَّمون رغبةً أو رهبةً، والشرعُ بائحٌ بحطِّ مراتبهم في الدِّين.
وقد تُجبَر بعض هذه الخصال ببعض، ولا جابر للرقِّ، ولا للعيب، وكذلك لا يعارَض الانتساب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالانتساب إلى العلماء والصلحاء.
ولو انحطَّ نسب الزوج عن نسب الزوجة، ولكنَّه ظهر صلاحُه بحيث يتميَّز به عن أضرابه، ففي معارضته لنسب الزوجة خلافٌ، وإن لم يبلغ صلاحُه إلى هذا الحدِّ لم يعارِض نسبَ الزوجة.
والحِرفُ الدنيئة: كلُّ ما دلَّت ملابستُه على انحطاط المروءة، وسقوطِ النفس، كملابَسةِ القاذورات على ما سنذكره في (كتاب الشهادات)، ولا يمتنع أن تؤثِّر هذه الحرفُ في الأنساب، والحرفُ الدنيئةُ ونقائضُها 1 تعارِضُ

الصلاح اتِّفاقًا, ولا تُعارِضُ الأنساب بإجماعِ الأصحاب.
ولا عبرة بالقبح والجمال عند أحد من الأصحاب، ولا عبرة باليسار على الأصحِّ، وحمل الإِمام هذا الخلاف على المسكنة، ومِلْكِ البلاع.

2295 -

فصل في التزويج بغير الكفء

خصال الكفاءة ضربان: أحدهما: ما يُعتبر في تزويج البنت والابن، وهو البراءةُ من الرقِّ والبَرَصِ والجُذَامِ والجنون، وكذلك الجَبُّ في تزويج البنتِ، والرَّتَقُ والقرَن في تزويج الابن.
الثاني: سائر الخصال تُعتبر في تزويج البنت دون الابن؛ إذ لا عار في تزويج الخسيسة، بخلافِ تزوُّج الخسيس، وأبعدَ مَن اعتبر ذلك في حقِّ الابن.

2296 -

فرع:

إذا زوَّج ابنتَه المَعِيبةَ بمَعِيبٍ؛ فإن اختلف جنسُ العيب، مثلَ أن زوَّج الجذماء بأبرص، لم يجز اتِّفاقَا، وإن اتَّحد، مثل أن زوَّج البرصاء بأبرص، فوجهان.

2297 - فرع: إذا زوَّج السليمةَ بمَعيبٍ ففي صحَّة النكاح قولان لا شكَّ في جريانهما في سائر الخصال، والمذهب: أنَّه لا يصحُّ، فإن قلنا: يصحُّ، ففي ثبوت

الخيار للبنت بعد بلوغها وجهان، وفي تخيُّر الأب وجهان أطلقهما العراقيون، وخصَّهما الإِمام بحال الجهل.
ولو اشترى للطفل عبدًا مَعيبًا بثمنِ مِثْلِه، فلا خيارَ له بعد بلوغه، ولم يتعرَّض الأصحاب لإثبات الخيار في سائر الخصال، وخرَّج الإِمام في الكلِّ أوجُهًا؛ ثالثها: إثباتٌ الخيار بالعيب دون سائر الخصال؛ فإنَّ ما ليس بعيبٍ لا يَصْلُحُ لإثبات الخيار.

2298 -

فرع:

إذا منعنا التزويج بغير الكُفء بَطَلَ العقدُ إن علم الأبُ بعدم الكفاءة، وكذلك إن جهل عند الإِمام؛ فإنَّ الجهل بشروط العقد لا أثر له، كما لو باع الوليُّ أو الوكيل بما يحسبان أنَّه ثمن المثل، فظهر الغبن، ولا يثبت الخيار بالغبن في الأثمان، ويثبت بالعيوب وإن ساوى المَعيبُ أضعاف الثمن.
ولو غُبن الوليُّ في البيع أو الشراء، لم يملك إجازة العقد، وكذلك لو غُبن الوكيلُ في البيع أو الشراء لم يملك المالكُ الإجازةَ، وأبعدَ من قال: يملكها في الشراء.

2299 - فرع: إذا أذنت في كفءٍ، ولم تعيِّنه، وجوَّزنا ذلك، فزوَّجها بغير كفءٍ، لم يصحَّ؛ لأنَّ الغبن في الكفاءة كالغبن في الماليَّة، وإن أذنت في معيَّنٍ، فظهر غبنُه، ثبت لها الخيار، وإن ظهر انحطاطُ نسبه فلا خيار لها على المذهب.

2300 -

فصل في تزويج الأمة

ليس للمالك تزويجُ الأمَةِ بمعيبٍ إلا أن ترضى، فإنْ أجبرها على ذلك، أو كانت صغيرةً لا يُعتبر رضاها, لم يصحَّ الإنكاحُ، ولا يُعتدُّ يقول مَن جوَّز إجبارها على ذلك، ولم يُثبِت الخيارَ.
ولو أذنت في معيَّنٍ، فزوَّجها منه، فظهر عيبُه، ثبت لها الخيار، وليس للمالك منعُها من الإجازة.
وللمالك بيعُها من المَعيبِ، وهل لها منعُه من التمكين؟ فيه وجهان.
ويزوِّج أمةَ المرأة أولياؤها بإذنها دون إذن الأمة، وقال صاحب "التلخيص": يزوِّجها السلطان؛ إذ لا نسب بينها وبين الأولياء، ولا مِلْكَ لهم، ويجب طردُ هذا في العتيقة، واتَّفق الأصحاب على تغليطه.
ولا يكتفي الأخ بصُماتِ أخته في تزويج أمتها اتِّفاقًا، وقال الإِمام: إذا كان الوليُّ أخًا، والمالكةُ رشيدةً، فالتزويجُ دائرٌ بينه وبين السلطان، كما ذكرناه في تزويج المجنونة؛ فإنَّ تزويج السلطان مقيَّد بمَحَالِّ الاحتياج.
ولو زوَّج الوليُّ رقيق الطفل، ففي جوازه أوجهٌ، ثالثها: الجواز في الإماء دون العبيد، فعلى هذا: يزوِّج أمة البنت الصغيرة، ولا يزوِّج أمة البكر الرشيدة إلا بإذنها؛ إذ لا ولاية له على مالها، وإن كان النظر في مال الطفل للسلطان فالقياسُ أنَّه في تزويج الإماء بمثابة الوليِّ.

2301 -

فرع:

الأمة حلالٌ للزوج في عموم الأوقات وإن قُدِّم السيِّد عليه في

الاستخدام، فإن استمتع بها أثناء الاستخدام، أو تَرَكَ السيِّد حقَّه من الخدمة، فالاستمتاعُ بها مباحٌ.
ولو كان لها حرفةٌ يمكنُها الاحترافُ بها عند الزوج، فطلب أن تُسلَّم إليه نهارًا لتحترف عنده، لم يُجِبْه إلى ذلك عند الجمهور، خلافًا لأبي إسحاق.
ولو أراد السيِّد استخدامَها بغير تلك الحرفة، فلا منع منه بوفاقِ أبي إسحاق، وإنّمَا خالف فيما يتأتَّى فعلُه عند الزوج.

2302 -

فرع:

ليس للعبد المأذون تزويجُ إماء التجارة، وتزويجُ السيد بمثابة التبرُّع، فيصحُّ إن لم يكن على العبد دينٌ، وإن كان عليه دينٌ لم ينفذ تزويج السيِّد إن حُجر عليه بالفلَس، وإن لم يُحجر نفذ إن رضي العبد والغرماء، وإن رضي العبد دون الغرماء، أو الغرماء دون العبد، فوجهان؛ وجه المنع: تعلُّق حقوق الغرماء بما في يد العبد، أو تضرُّرُ العبد ببقاء الدين في ذمَّته.

2303 -

باب ما جاء في الكلام الذي ينعقد به النكاح

لا ينعقد النكاح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح، أو بمعناهما في أصل الوضع في سائر اللغات، وما عدا ذلك من الألفاظ؛ إن كانت كنايةً في كلِّ باب لم ينعقد به النكاح؛ فإنَّه لا ينعقد إلا بالنيَّة، ولا اطِّلاع للشهود عليها، وإن كان صريحًا في بعض الأبواب فهو كنايةٌ في النكاح؛ فإن صادفَ محلًّا يَقبل صريحَه نفذ فيه، ولم ينصرف إلى غيره بالنيَّة، كما لو نوى الطلاق بلفظ الظهار، أو الظهار بلفظ الطلاق، فإذا زوَّج المملوكة بلفظ التمليك، أو الهبة، أو البيع، نفذ في ذلك، ولم ينصرف بالنيَّة إلى النكاح.
وإن عُقد النكاح بالفارسيَّة؛ فإنْ جهل العربيَّة، ولم يتأتَّ منه تعلُّمُها، صحَّ اتِّفاقًا.
وقال الإصطخريُّ: لا ينعقد قطُّ إلا بالعربي، وعلى الجاهل الاستنابة، أو الصبر إلى التعلُّم.
وعلى الأصحِّ: في العارف بالعربيَّة وجهان، وفي الجاهل الذي يمكنه التعلُّم وجهان مرتَّبان.
وقال العراقيُّون: إن عرف العربية لم يصحَّ اتِّفاقًا، وإن جَهِلَها، وتمكَّن من التعلُّم عن قُرْبٍ، فوجهان.

فإن قلنا: يصحُّ، فأوجب الوليُّ بالعربيَّة، وقَبِلَ الزوجُ بالفارسيَّة، صحَّ إن عَرَفَ معنى الإيجاب، وإن جَهِلَه، وأخبره به مَن يثُق به، فوجهان خصَّهما الإمام بما إذا لم يتعلَّم القابلُ الصيغةَ، ولم ينتهِ إلى حالٍ لو سمعها مرَّة أخرى لفهمها، أو لو أراد الإتيان بها لتمكَّن منها، وأمَّا إذا علَّمه هذا المترجِمُ فقد الْتَحَقَ بمَن يعرفُ العربيَّة.
وللألفاظ مراتب: الأولى: لفظ القرآن، فلا يترجمه القادرُ، ولا العاجزُ.
الثانية: تكبيرةُ الإحرام، والتشهُّدُ، ونحوهما، فلا يترجمه إلا العاجز.
الثالثة: لفظ النكاح، وهل يُعلَّل تعيُّنه بغلبة التعبُّد، أو بأنَّ الشهود لا يطَّلعون على النيَّات؟ فيه خلاف.
الرابعة: صريحُ الطلاق محصورٌ عند الشافعيّ في الطلاق والفراق والسَّراح؛ لتكرُّرها في القرآن، وألحق بها بعضُهم كلَّ لفظٍ شاع في العرف لإرادة الطلاق.
الخامسة: سائر العقود، فإن أفادت مِلْكَ الرقبة فلا حصر لصرائحها، والرجوعُ فيها إلى العرف، وفي انعقادها بالكناية وجهان، وإن لم تُفْد مِلْكَ الرقبة كالإجارة؛ فإن عُقدت بلفظ الإجارة صحَّ، وإن عُقدت بلفط يقتضي التمليك؛ فإن أُضيف إلى الرقبة لم يصحَّ، وإن أُضيف إلى المنفعة فوجهان.
السادسة: ما لا يفتقر إلى القبول، كالفسخ والإبراء ونظائرهما، فينعقد بالكناية اتِّفاقًا.

2304 -

فصل في كيفيّة الإيجاب والقبول

إذا قال: زوَّجتك هذه، أو: زوَّجتك فلانة، فقال: تزوَّجْتُها، أو: قبلتُ نكاحَها، أو: قبلتُ هذا النكاحَ، صحَّ، وإن قال: قبلتُ، فوجهان، وإن قال: قبلتُها، أو: قبلتُ النكاح، فوجهان مرتّبان، وأولى بالجواز.
ومَن استَدْعَى عقدًا، فأُوجِبَ له، فلم يأتِ بالقبول؛ فإن كان بيعًا أو إجارةً ففي انعقاده قولان، وإن كان عِتْقًا على مالٍ، أو صلحًا عن دمٍ، أو خلعًا، صحَّ، وأغرب مَن ألحقه بالبيعِ.
والنكاحُ: كالبيع أو الخلع؟ فيه طريقان، وردَّد أبو محمد الكنايةَ بين الخلع والنكاح.
فالاستدعاء في البيع: أن يقول: بعني، فيقول: بعتك.
وفي الطلاق: أن تقول الزوجة: خالعني على كذا، فيقول: طلَّقتُكِ.
وفي العتق: أن يقول العبد: أعتقني على كذا، فيقول: أعتقتُكَ.
وفي الصلح: أن يقول الجاني: صالحني عن الدم على كذا، فيقول: صالحتُك.
وفي النكاح: أن يقول: زوَّجْني ابنتك، فيقول: زوَّجتُكَ.
ولو قال المشتري: رضيتُ بأنْ تبيع منِّي متاعك، فقال: بعتُك، فلا يَبعد تخريجه على القولين.
ولو قال: أتزوِّجني ابنتك، فقال: زوَّجتك، أو وُجد نظيرُ ذلك في سائر العقود، لم يصحَّ عند الأصحاب.

2305 -

فرع لأبي محمد:

إذا قال الزوج للوليِّ: قل: زوَّجتُكَ ابنتي، فقال: زوَّجْتكَها لم ينعقد، وفيه احتمال.

2306 - فرع: إذا بُشِّر بولدٍ، فقال: إن كان أنثى فقد زوَّجْتُكها، أو قال: إن كانت بنتي قد طلِّقت، وانقضت عدَّتها فقد زوَّجتُكها، فتحقَّق شرطُه، لم ينعقد النكاحُ عند الأصحاب، واستدرك المحقّقون: بأنَّ مَن زوَّج أمةَ مورِّثه على ظنِّ حياته، فبانت وفاتُه، ففي انعقاد النكاح قولان، فإن قلنا: ينعقد؛ فلو قال: إن كان مورِّثي قد مات فقد زوَّجتكها، فوجهان.

2307 -

فصل في خُطبة النكاح

يُستحبُّ لمن أراد خِطبةً، أو أمرًا ذا بال: أن يبدأ بحمد الله، والثناءِ عليه، والصلاةِ على رسوله، وهو في الخِطْبة آكَدُ، ثمَّ يخطب قُبيل العقد خُطبةً أخرى كذلك، فإن خطب المُوجِبُ، أو القابِلُ، أو غيرُهما، فحَسَنٌ.
فإن خطب الوليُّ وأوجَبَ، فخطب الزوجُ وقَبِلَ، فهذا مبنيٌّ على السكوت بعد الإيجاب، فإن طال بحيث يُشْعِرُ بإضرابِ القابل عن القبول، أو غفلته، أو اشتغاله بالفكر فيما هو بصدده، بطل الإيجاب، وإن قصُر السكوت بحيث لا يُشعر بذلك، صحَّ العقد، فإن تخلَّل في الزمن القصير كلامٌ من القابل؛ فإن لم يتعلَّق بمصلحة العقد ففي بطلانه وجهان، وإن

تعلَّق بمصلحته، كالخُطبة، لم يبطل على الأصحِّ.
وشبَّه الأصحاب الخُطبةَ بالإقامة بين صلاتي الجَمْع، وهذا تكلُّفٌ؛ فإنَّه لو تخلَّل بين الصلاتين بقدرِ الإقامة ما لا يتعلَّق بمصلحة الصلاة صحَّ الجمع، وإن أطال الخُطبة على حدِّ السكوت الطويل بطل العقدُ اتِّفاقًا.
قال الشافعيُّ: وأحبُّ أن يقول ما قال ابن عمر: زوَّجتُكَ على ما أخذ الله للمسلمات على المسلمين؛ من إمساكٍ بمعروف، أو تسريحٍ بإحسان.
والأولى: أن يقع ذلك قبل العقد أو بعده، فإن قُرن بالعقد ففي بطلانه وجهان؛ لأنَّه شرطٌ للطلاق في بعض الأحوال، وقطع القفَّال بالصحَّة؛ لأنَّه وصيَّة ووعظٌ، وقطع أبو محمد بالإبطال.
وقال الإمام: إن صرَّحا بجعله شرطًا فالوجهُ القطعُ بالإبطال، وإن صرَّحا بأنَّه وعظٌ لا غير، حُكم بالصحَّة، وإن أطلقاه ففيه احتمال، والأولى: حملُه على الوعظ؛ لقرينة الحال.

2308 -

باب ما يحلّ من الحرائر، ولا يتسرّى العبد

ليس للحرّ أن يزيد على أربع زوجات، ولا يزيدُ العبدُ على اثنتين.
ولو زوَّج الرجل أمتَه، ثمّ قتلها قبل التسليم، ففي سقوط مهرها قولان، أقيسهما: أنَّه لا يسقط، وظاهرُ المذهب: سقوطُه؛ إمَّا لأنَّه فات المقصود بالعقد قبل التسليم، أو لأنَّ مستحِقَّ المهر فوَّت مقصود العقد.
وإن ماتت الأمة، أو قتلت نفسها، أو قتلها أجنبيٌّ، فوجهان مأخذُهما المعنيان.
وإن ماتت الحرَّة، أو قتلها أجنبيٌّ، استقرَّ مهرها، وإن قتلت نفسها فوجهان، واختار الإمام أنَّه لا يسقط؛ لإجماع المسلمين على نهاية نكاحها بالموت، فلا فرق بين أن تموت، أو تقتل نفسها.

2309 -

فصل في بيع العبد المزوَّج والأمة المزوَّجة

إذا باع الأمةَ المزوَّجة صحَّ البيع، واستمرَّ النكاح، فإن كان قد سُمِّي لها مهرٌ صحيحٌ، أو وجب مهرُ المثل لفساد التسمية، فدخل بها الزوج عند المشتري، فالمهرُ للبائع، وإن كان قد فوَّض بُضعها؛ فإن فُرِضَ مهرُها قبل البيع فهو للبائع، وإن فُرض بعد البيع، ووقع الدخول عند المشتري، فقولان

مأخذُهما: أنَّه يجب بالعقد، أو الدخول؟ وحيث جُعل المهر للبائع، فليس له ولا للمشتري أن يحبسها بسببه، وإن جُعل للمشتري، فله الحبسُ حتى يفرض صداقها ويقبض.
والعتق كالبيع: إن جُعل المهر للبائع فهو للمعتِق، وإن جُعل للمشتري فهو للعتيقة.
وإن باع عبدَه المزوَّجَ صحَّ، واستمرَّ النكاح، ولزم المشتريَ تمكينُه من الكسب لأَجْلِ الصَّداق، فإن أدَّى المهر من كسبه، ثم طلَّق بعد الشراء، وقبل الدخول، فإن كان قد أدَّى المهر ممَّا اكتسبه قبل الشراء رجع شطرُه إلى البائع، وأَبعدَ من قال: يرجع إلى المشتري، وإن أدَّاه ممَّا اكتسبه عند المشتري؛ فإن جُعل للمشتري إذا أدَّاه ممَّا اكتسبه عند البائع فهاهنا أولى، وإن جُعل ثَمَّ للبائع فهاهنا وجهان، ووجهُ الرجوع إلى البائع: أنَّ كسبه كالمستثنى من البيع، والعتقُ كالبيع وفاقًا وخلافًا، واستَبعد الإمامُ أن يرجع إلى البائع ما اكتسبه بعد البيع والإعتاق.

2310 -

فصل في وطء الأب جارية ابنه

إذا وطئ الأب جاريةَ ابنه مع علمه بتحريمها فلها حالان: إحداهما: ألا تكون موطوءةً للابن، فلا حدَّ على الأب؛ لشبهةِ الإعفاف، بخلافِ وطء الابنِ جاريةَ الأب؛ إذ لا يجبُ إعفافُه، وفي الحدِّ قولٌ مخرَّج من وطء الرجل أمته المزوَّجةَ، ويجب المهرُ عند المحقِّقين، وغلط العراقيّون فقالوا: يجب إن أُكرهت، وإن طاوعَتْ فوجهان.

وتَحْرمُ على الابن بذلك، ولا تجب قيمتُها بسبب تحريمها؛ فإنَّ الوطء غير مقصود من ملك اليمين، ولذلك لو حرَّمت المرأةُ جارية زوجها بالرضاع لم تَغْرَمْ له شيئًا، ولو اشترتها من زوجها، وحرَّمتها عليه بالرضاع، ثم اطَّلعت على عيب قديم، فلها ردُّها؛ فإن أحبلها انعقد الولد حرًّا نسيبًا، كما لو أَحبل أمةَ أجنبيٍّ بشبهة.
وفي الاستيلاد أقوال: أقيسها: أنَّه لا يثبت.
وأبعدُها: التفرقةُ بين الموسِرِ والمعسِرِ.
وظاهر المذهب: الإثبات.
فإن فرَّقنا بين الموسر والمعسر، فالاعتبارُ بحال الإحبال، وهل يتعجَّل الاستيلاد، أو يقف على دفع القيمة؟ فيه خلاف.
وإن لم يثبت الاستيلاد، لزمه قيمةُ الولد إن انفصل حيًّا باعتبار قيمة يوم الانفصال، ولا يجوز بيع الجارية ما دامت حاملًا على الأصحِّ، وهل يغرم قيمتها للحيلولة؟ فيه وجهان يجريان في إحبال جارية الأجنبيِّ بالشبهة.
وإن أثبتنا الاستيلاد ملَكَها، وحلَّ له وطؤها، ولزمه قيمتُها، ومهرُ مثلها، وفي قيمة الولد وجهان مشهوران؛ فإنَّ الولد جزءٌ من الأمِّ، وقد لزمه قيمتُها، وبنى بعضُهم الخلافَ على الخلاف في وقت انتقال المِلْكِ، وثبوتِ الاستيلاد، وفيه أوجه: أحدها: يثبت قبيل العلوق، فلا تجب قيمةُ الولد؛ لمصادفة العلوق لمِلْكِه.

والثاني: يثبت عَقِيب العلوق، فتلزمه القيمةُ.
ولا وجه لهذين الوجهين؛ فإنَّ تقدُّم المعلول على علَّته، وتأخُّرَه عنها مع مصادفتها لمحلِّها، لا يصحُّ.
والثالث، وهو الأصحُّ: أنَّ الملك يحصل مع العلوق مقرونًا به، فلا وجه لإيجاب القيمة، وإنَّما وجب المهر لتقدُّم الوطء على المِلْك، ولو تُصوِّر أن يُنزِلَ مع تغييب الحشفة لكان المهر بمثابة قيمة الولد، ولا نقل في هذه الصورة.
الحال الثانية: أن تكون الجارية موطوءةً للابن، ففي وجوب الحدِّ قولان يجريان في كلِّ وطءٍ مُجمَعٍ على تحريمه لا شبهةَ للواطئ فيه؛ كوطء السيِّد أمتَه المحرَّمةَ عليه برضاع، أو صهرٍ، أو نسبٍ، أو نكاحٍ، ولا يجري في الحائض، والجديد: سقوط الحدِّ في هذه الصور، فعلى هذا: حكم المهر والحرية والنسب والاستيلاد كحكمه في الحال الأول، إلا أنَّ المستولَدة لا تحلُّ للأب هاهنا؛ لأجل وطء الابن، وعلى القديم: يُحدُّ الأب، ولا يثبت النسبُ ولا الاستيلادُ على الأصحِّ، وأَبْعَدَ مَن أثبتهما.
فإن لم نثبتهما وجب المهر إن طاوعت، وإن أُكرهت فوجهان، وإن أثبتناهما فطريقان: إحداهما: يجب المهر.
والثاني: يجب إن أُكرهت، وإن طاوعت فوجهان.
ومن وطئ أمته المحرَّمة عليه بنسبٍ، أو صهرٍ، أو رضاعٍ، حُدَّ على القديم، ولا يثبت النسبُ والاستيلاد على الأصحِّ، وقيل: يثبتان.

ومن وطئ جاريةً يملك بعضَها، يثبت النسبُ والاستيلاد، وفي ثبوت الحدِّ على القديم تردُّدٌ واحتمال.

2311 -

فصل في وجوب إعفاف الأب

تجب نفقةُ الأب المعسِرِ إن عجز عن الكسب، وإن قدر عليه فقولان، ولا يجب إعفافُه إن كان غنيًّا، وإن كان فقيرًا فقولان، وظاهر المذهب: الوجوب، ولا يُتصوَّر إعفاف الأمِّ؛ إذ لا مؤونةَ عليها في النكاح، ولا يجب إعفافُ الابن اتِّفاقًا.
فإن أوجبنا إعفاف الأب، فكان مُعْسِرًا 1 عاجزًا عن الكسب، وجب إعفافُه، وإن كان معسِرًا قادرًا على الكسب ففيه طرق: إحداها: فيه قولان كالنفقة، فيُلحق الإعفافُ بالنفقة في محل الخلاف والوفاق.
والثانية: يجب الإعفافُ إن أوجبنا النفقة، وإن لم نوجبها فوجهان؛ فإنَّ القوّة تلائم إيجاب الإعفاف.
والثالثة: إن لم نوجب النفقة لم نوجب الإعفاف، وإن أوجبناها ففي الإعفاف وجهان؛ إذ الحاجة إلى النفقة آكدُ من حاجة الإعفاف، ولذلك ينفق الإمام من بيت المال على المحتاجين، ولا يلزمه إعفاف أحد من بيت المال.
وشَرَطَ الإمام مع وجوب النفقة احتياجَ الأب إلى الإعفاف، وقال:

لا يُشترط في ذلك خوف العنت على الظاهر من كلام الأصحاب، وفيه احتمال، وأشار الأصحاب إلى مسلكين: أحدهما: أنَّ الاعتبار بالتضرُّر بالعزبة دون مجرَّد الشهوة.
والثاني، وهو قول المعظم: أنَّا نُتْبعُ الإعفافَ وجوبَ النفقة من غير نظر إلى الحاجة، وتأوَّله الإمام بأنَّه إذا أخبر عن نفسه بالحاجة إلى الإعفاف وجب تصديقه من غير يمينٍ، وحرم على الأب طلبُ الإعفاف من غير حاجة، وتردَّد في الحاجة بين خوف العنت، والتضرُّر بالعزبة.

2312 -

فرع:

إذا تحقَّقت حاجته إلى الإعفاف، والأبُ قادر على النفقة عاجزٌ عن الإعفاف، ففي وجوبه وجهان، واختار الإمام الوجوب وقال: لو سقطت نفقته في مدَّةٍ بسبب سقوط شهوته مع احتياجه إلى الإعفاف، فلا يجوز أن يُختلَف في وجوب الإعفاف.

2313 - فرع: الجدُّ من قِبَل الأب أو الأمّ بمثابة الأب في وجوب الإعفاف اتِّفاقًا، فإن اجتمع الآباء مع القدرة على إعفاف أحدهم قُدِّم الأب على الجدِّ، وأبو الأب على أبي الأمِّ، وأبعدَ مَن سوَّى بينهما؛ لاستوائهما في الدرجة.
وهل يُقدَّم أبو أبي الأب على أبي الأمِّ، أو يستويان؟ فيه وجهان، وينقدح تقديمُ أبي الأب؛ لقوَّته، كما يُقدَّم ابن الأخ على الجدِّ في قول.
ومتى حكمنا بالتسوية: فهل يُقرع من غير رفعٍ إلى الحاكم، أو يرفع إلى الحاكم؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يُرفع إلى الحاكم، قدَّم أحوجَهما في

نظره، فإن استويا أقرع بينهما، ولا يقدِّم أحدهما تحكُّمًا.

2314 -

فصل فيما يحصل به الإعفاف

يجب الإعفاف بما يَعُدُّه أهل العرف محصِّلًا للغرض على الاقتصاد، ويتخيَّر الولد بين أن يملِّكه سُرِّيِّةً، أو يلتزمَ مهر زوجة مع مؤونة النكاح في المستقبل؛ فإن أجاز الإنكاح، فتعيينُ الزوجة إلى الأب دون الابن، وليس له تعيينُ امرأة رفيعة المهر.
وليس للابن الإعفافُ بشوهاء، ولا هرمةٍ لا تُشتهى، كما لا يدفع إليه في النفقة طعامًا فاسدًا لا ينساغ، بل الواجب صداق امرأة في مثلها كفافٌ على الاقتصاد، وللابن أن يدفعه إلى الأب، وله أن يدفعه إلى الزوجة بعد العقد.

2315 -

فصل في الإعفاف بتزويج الأمة

للابن إعفافُ الأب بتزويج الأمة إن عجز عن طَول حرَّة، وإن قدر فوجهان؛ فإنَّ يسار الولد في النكاح كيسار الوالد، فإن منعناه لم يملك تزويجه بأمة نفسه، وإن أجزناه، فزوَّجه بأمةِ نفسِهِ، أو عجز عن طول الحرَّة، فزوَّجه بأمته المستغرقة بخدمته، فقد أبعد أبو عليٍّ، فأجاز ذلك، وقال: لو استولدها الأب بعد ذلك لم يثبت الاستيلاد؛ فإنَّ حرّيّة الولد واستيلاد أمِّه لا يثبتان في النكاح.
وقال غيره: إن لم يثبت الاستيلاد في موطوءة الأب صحَّ النكاح، وإن

أثبتناه لم يصحَّ؛ فإنَّه لو صحَّ لفسد بحصول الولد الذي هو مقصودُ النكاح.
ولا خلاف أنَّ العبد لو تزوَّج بجارية ابنه صحَّ في حالتي اليسار والإعسار، ولم يثبت الاستيلاد، ولا يُخرَّج على الخلاف في تمليك العبد؛ فإنَّه لا يملك من غير جهة السيِّد.

2316 -

فرع:

إذا ورثت المرأة زوجها المكاتَبَ انفسخ النكاح، ولو ملك الابن زوجةَ أبيه لم ينفسخ النكاح وإن منعناه من التزوُّج بجارية ابنه، وقال بعض الخلافيِّين: ينفسخ إذا منعنا التزوُّج بجارية الابن، وهذا لا يُعدُّ من المذهب؛ فإنا نرعى في الابتداء ما لا نرعاه في الدوام، والفرقُ بينه وبين أن ترث المرأة زوجها المكاتَبَ: أنَّ الملك محقَّقٌ في المكاتب، فانفسخ به النكاح، بخلافِ شبهةِ الإعفاف في جارية الابن، فإنْ أولدها الأبُ بعد شراء الابن ثبت الاستيلاد، وانفسخ النكاح، وقال أبو عليٍّ: لا يثبت الاستيلاد، ولا ينفسخ النكاح.

2317 - فرع: إذا اشترى المكاتب زوجةَ سيِّده انفسخ النكاح على أحد الوجهين، ولو وطئ السيِّد أمة المكاتَبِ ثبت الاستيلاد؛ لِمَا له فيها من حقِّ الملك، وقال الإمام: لعل الأصحاب فرَّعوا هذا على أنَّ وطء الأب يوجب الاستيلاد، فإن منعناه احتُمل أن يُمنع هاهنا.

2318 - فرع: إذا أعفَّه بزوجة، فماتت، أو فُسخ نكاحُها بسببٍ يقتضي الفسخَ، لزم إعادة الإعفاف، وإن تكرَّر ذلك وجب تكريرُ الإعفاف، كما يَلْزمه إبدالُ

النفقة إذا سلَّمها، فتلفت في يده، وأبعدَ مَن قال: لا يجبُ الإعفاف في العمر إلّا مرةً واحدة، ولم يفرِّق بين أن يطأ الأبُ أو لا يطأ.
وإن طلَّقها؛ فإن لم نوجب الإبدال إذا ماتت لم نوجبه إذا طلِّقت، وإن أوجبناه إذا ماتت ففي صورة الطلاق وجهان.
ولو طلَّق لغرضٍ صحيح، كالريبة وغيرِها، فهل يُلحق بالموت، أو الطلاق؟ فيه وجهان.
ولو كرَّر الطلاق بحيث يُعدُّ في العرف مَلولًا مِطْلاقًا لم يجب الإبدالُ اتِّفاقًا، وفيه احتمالٌ، كما لو تكرَّر منه إتلافُ النفقة.

2319 -

فصل في نكاح الزانية وتسرِّي العبد

نكاح الزانية مكروهٌ صحيح، فإن كانت حاملًا من الزنا فقد قيل: يحرم وطؤها حتى تضع، والأصحُّ: أنَّه يُكره.
ولو ملَّك السيِّد عبدَه أمةً؛ فإن قلنا: لا يملكها، حرم عليه وطؤها، وإن قلنا: يملكها، لم يجز وطؤها بمجرَّد التمليك، كما لا يَمْلِكُ سائر التصرُّفات، فإن أذن له في الوطء فقد أجازه الجمهور، ومنعه أبو إسحاق، فإن أولدها لم يعتق الولد، ولم يثبت الاستيلاد.

2320 -

باب ما يحلُّ من الحرائر

أسباب المَحْرَميَّة والتحريم المؤبَّد: النسب، والمصاهرة، والرضاع.
وكلُّ أنثى بينك وبينها قرابةٌ فهي محرَّمة عليك، إلا بناتِ الأعمام والعمَّاتِ والأخوالِ والخالات.
فيحرم من النسب سبعٌ: الأمَّهات، والبنات، والأخوات، والعمَّات، والخالات، وبنات الإخوة، وبنات الأخوات.
فأمُّك: كلُّ أنثى انتهيتَ إليها بالولادة بواسطةٍ أو بغير واسطةٍ، ولا فرق في الوسائط بين الذكور والإناث.
وبنتك: كلُّ أنثى انتهتْ إليك بالولادةِ بواسطة أو بغير واسطة، كما ذكرناه في الأمَّهات، وجدُّ بنات الأخ وبنات الأخت كجدِّ بناتك منك.
والأخت: كلُّ أنثى ولدها أبواك، أو أحدُهما.
والعمّة: كلُّ أنثى ولدها الأجداد أو الجدَّات من قِبَلِ الأب.
والخالة: كلُّ أنثى ولدها الأجداد أو الجدَّات من قِبَلِ الأمِّ.
ويَحْرمُ من الرضاع مِثْلُ ما يحرم من النسب من جميع المذكورات.
والمحرَّمات بالصهر أربع: زوجة أبيك، وزوجة ابنك، وأمُّ زوجتك، وابنتُها، وجدُّ أمَّهاتها وبناتها منها كجدِّ أمَّهاتك وبناتك منك، ويتأبَّد تحريمُ

نكاح الأربع بالعقد الصحيح، إلّا بنتَ الزوجة؛ فإنَّ حرمتها لا تتأبَّد إلا بالدخول بأمِّها، ولا فرق بين البالغة والصغيرة.
ولك أن تنكح أمَّ زوجة أبيك، وأمَّ زوجة ابنك، وبنتَ زوجة أبيك، وبنت زوجة ابنك.

2321 -

فصل فيمن يحرم جمعهنَّ في النكاح

كلُّ امرأتين بينهما نسبٌ أو رضاعٌ يوجب المَحْرَميَّة، فلا يُجمعان في عقد، ولا تُنكح إحداهما على الأخرى، فإن جمعهما عقدٌ بطل فيهما، وإن نكحهما في عقدين صحَّ الأول، وبطل الثاني، وذلك كزوج المرأة مع أمِّها، أو بنتها، أو عمَّتها، أو خالتها، أو بنتِ أخيها، أو بنتِ أختها.
ولا يحرمُ الجمع بالاشتراك في الصهر، فلك الجمع بين المرأة وأمِّ زوجها، أو بنت زوجها، وإن كان بينهما سببٌ يوجب الحرمة والمَحْرَميَّة.
وكلُّ مَن حَرُمَ جمعهما في النكاح جاز اجتماعهما في المِلْك دون الوطء، فإذا ملك أختين فله وطءُ إحداهما، فإن وطئها حرمت الأخرى، فإن وطئ الثانية لم تحرم الأولى بذلك، ولم تحلَّ الثانية إلا بإزالة ملك الأولى، أو تحريمِها بكتابةٍ أو نكاح 1، ولا تحل بحيض، ولا رِدَّةٍ، ولا عِدَّةِ شبهةٍ، ولا إحرام، وفي الرهن وجهان، والأوجه: أنَّها لا تحلُّ.
وإن باعها، وشُرط الخيار للعاقدين، فالمذهبُ: أنَّها حلال للبائع،

فلا تحلُّ أختها بذلك، وإن خُصَّ المشتري بالخيار، وقلنا: ينتقل المِلْكُ إليه، ففي التحليل وجهان، وقطع الإمام بالإحلال، وإن بقَّينا المِلْكَ للبائع فالخلاف هاهنا أوجهُ.

2322 -

فرع:

كلُّ ما يتعلَّق بالنكاح من حرمة المصاهرة فهو متعلِّقٌ بالوطء في ملك اليمين، فمن وطئ أمته حرمت على ابنه وأبيه، وحرمت عليه أمُّها وبنتها.

2323 - فرع: النكاح [في] 1 تحليل البضع أقوى من ملك اليمين، فمن وطئ أمةً، ثم نكح أختها، أو نكح امرأة، ثم اشترى أختها، صحَّ النكاحُ والشراء، وحلَّت المنكوحة، وحرمت المملوكة.

2324 - فرع: إذا تزوَّج امرأة، وتزوَّج ابنهُ بابنتها، فوطئ كلُّ واحد منهما زوجةَ الآخر بشبهةٍ قبل وطء الزوج، فلهما أحوال: إحداها: أن يتقدَّم وطء الأب، فيبطل النكاحان، وعلى الأب نصفُ المسمَّى لزوجته، ومهرُ المثل لزوجة ابنه، ويَغْرَمُ لابنه ما تَغْرمُه المرضعة إذا أفسدت النكاح، وهو: مهرُ المثل، أو نصفُه، أو ما يلزمُ الزوجَ؟ فيه ثلاثةُ أقوال، فإن طلبت زوجة الابن نصف المسمَّى من الابن؛ فإن كان الأبُ قد ضبطها ووطئها، أو جامعها وهي نائمةٌ، لزم الابنَ نصفُ المسمَّى، وإن

استدخلت ذكرَ الأب وهو نائم سقط مهرها، وإن لم يكن إكراه ولا نوم، ففي لزوم نصف المسمَّى للابن وجهان.
فإن وطئ الابن زوجة أبيه بعد ذلك لزمه مهرُ مثلها لا غير.
الثانية: أن يتقدَّم وطء الابن، فحكمُه حكمُ الأب إذا تقدَّم وطؤه.
الثالثة: أن يطآ معًا، فهل يغرم كلُّ واحدٍ منهما للآخر نصفَ ما فوَّته عليه من البضع؟ فيه خلاف، قال القفَّال: على كلِّ واحد منهما نصفُ الغرم لصاحبه؛ لحصول الحرمة بفعلهما كالمصطدمين، وقال أبو عليٍّ: لا شيء لواحد منهما على الآخر؛ لاستقلال كلِّ واحد منهما بما يوجب التحريم، بخلاف الاصطدام، واختاره الإمام.

2325 -

فرع:

إذا تزوَّج امرأتين في عقدين، ووطئ إحداهما، فظهرت إحداهما بنتَ الأخرى: فإن بان تقدُّمُ نكاح الموطوءة صحَّ نكاحها، وحرمت الأخرى على التأبيد.
وإن بان تقدُّم نكاح مَن لم يطأها؛ فإن تقدَّمت الأمُّ حرمت على التأبيد، وله أن ينكح البنت.
وإن بان تقدُّم البنت حرمتا على التأبيد.
وإن بان تقدُّم الأمِّ، وشكَّ في الموطوءة منهما، استمرَّ نكاح الأمِّ، ولم تحلَّ البنت.
فإن طلَّق الأمَّ طلاقًا رجعيًّا فله أن يخلعها، وإن أبانها حرم عليه نكاحهما؛

لأنَّ إحداهما محرَّمةٌ على التأبيد، فصار كما لو اشتبهت أختُه بأجنبيَّة.
وإن عرف الموطوءة، وجهل السابقة، فالتي لم يطأها محرَّمة على التأبيد، ولا يثبت نكاح الموطوءة، بل يقف على بيان الزوج؛ فإن حلف على نفي العلم، أو اتَّفقا على الإشكال، فلها طلب الفسخ من الحاكم، وإن رضيت بالمقام مع الإشكال، فنفقتُها ومهرها كما تقدَّم فيمن زوَّجَها وليَّان.

2326 -

فصل فيمن تزوَّج أكثر من أربع في عُقَدٍ وأَشْكَلَ التاريخُ

إذا تزوَّج امرأةً في عقد، واثنتين في عقد، وثلاثًا في عقد، وأشكل التاريخ، تعيَّن النكاحُ في المنفردة، ووقف بين الاثنين والثلاث على بيان الزوج؛ فإنْ أشكل فلهنَّ طلبُ الفسخ كما ذكرناه في تزويج الوليَّين، وإن رضين بالمقام تحت الإشكال لم يرتفع النكاح، وعليه نفقةُ الجميع، كما لو أسلم على ثمانٍ، وفيه احتمالٌ.
فإن مات عُزل من تركته نصيبُ الزوجات كاملًا أو عائلًا، وأَخذت المنفردة ربعه، ونقف ثلاثةَ أرباعه، فمن احتمل أن يكون له من الموقوف شيءٌ وُقف ذلك القدرُ في حقِّه، ولا نقف لأحد ما نعلم أنَّه لا يستحقُّه، فنقف للفردة نصفَ السدسِ؛ فإنَّ أكمل أحوالها مشاركةُ الاثنين، ونقف للاثنين الثلثان؛ لأنَّ أكمل أحوالهما مشاركةُ الفردة، ونقف للثلاث ثلاثة أرباع؛ لأنَّه أكملُ أحوالهن، فإن وطئ مع الاشتباه؛ فإن كان المسمَّى لكلِّ واحدة ألفًا، ومهرُ مثلها مئةً، أخذنا الأكثر وهو ثلاثةُ آلاف ومئتان، فيُسلَّم

إلى كلِّ واحد مئة.
فإن ظهر سبقُ نكاح الاثنين أتممنا لهما الألفين، وقرَّرنا الثلاث مئة على الثلاث، ورُدَّ الفاضل على الورثة، وإن ظهر سبقُ الثلاث كمَّلنا لهنَّ ثلاثة آلاف، وقرَّرنا المئتين على الاثنين، وإن لم يدخل بواحدة منهنَّ وقفنا ثلاثة آلاف، ولم ندفع لواحدةٍ منهنَّ شيئًا.
ولو نكح واحدةً في عقد، واثنتين في عقد، وثلاثةً في عقد، وأربعًا في عقد، لم يتعيَّن نكاح الواحدة، وأُخذ الزوج بالبيان على ما سبق.

2327 -

باب الزنا لا يحرِّم الحلال

تتعلَّق المصاهرة بالنكاح الصحيح دون الفاسد، والوطءُ إن كان مباحًا تعلَّقت به المصاهرة، والنسبُ، والعِدَّةُ، والمهرُ، ونفيُ الحدِّ، وإن كان حرامًا محْضًا لم يتعلَّق به شيء من ذلك، وإن كان بشبهةٍ من الجانبين تعلَّق به النسبُ، والمهرُ، والعِدَّة، وكذلك المصاهرةُ إلا على قولٍ غريبٍ، فإن أثبتناها ثبتت المَحْرميَّةُ إلا على قول بعيد.
ولا تثبت المصاهرة باللمس على أصحِّ القولين، فان أثبتناها ففي اشتراط الشهوة خلاف.
ولو لمس المُحْرِم لزمتْه الفديةُ، ولم يشترط أحدٌ فيه الشهوة.
ولا تثبت المصاهرة بالنظر إلى فرج المرأة وذَكَرِ الرجل إلا على قولٍ غريب، فإن أثبتناها فلا بدَّ من الشهوة.
وفي إلحاق سائر الجسد بالفرج خلافٌ، وقال الإمام: ينبغي أن يُلحق به ما بين السرَّة والركبة، ولا يُلحق به ما يحلُّ النظر إليه، وأن يُتَردَّد فيما بينهما.

2328 -

فرع:

إذا علَّقنا المصاهرة باللمس أو النظر؛ فإن تمحَّض تحريمُهما لم

يتعلَّق بهما شيء من الأحكام المذكورة، وإن وقعا في حلٍّ أو شبهةٍ فهما كالوطء فيما تقدَّم، فلو لمس الأبُ جاريةَ ابنه أو زوجته، حرمت الجاريةُ دون الزوجة؛ إذ لا شبهة له في الزوجة.
ولو اشتبه الأمر على الواطئ دون الموطوءة، أو بالعكس، فأوجهٌ ثالثُها: الاعتبار بجانب الواطئ.
فإذا اشتبه عليها دونه فلا نسب، ولا عِدَّة، ولا حدَّ عليها، وعليه الحدُّ والمهرُ، وفي المصاهرة الوجهان.
ولو اشتبه عليه دونها ثبت النسب، ولا حدَّ عليه ولا مهر، وعليها الحدُّ والعدَّة، وفي المصاهرة الوجهان.

2329 -

باب نكاح حرائر أهل الكتاب وإمائهم

الكفَّار خمسة أقسام: أحدها: مَن لا كتاب له، ولا شبهةَ كتاب، كالزنديق، والوثنيِّ، والمعطِّل، والدهريِّ، فلا يُقَرُّون بجزية، ولا تَحِلُّ ذبائحهم ولا نساؤهم.
الثاني: المجوس، ويُقَرُّون بالجزية، ولا تحلُّ ذبائحهم ولا مناكحتُهم إلّا على قول بعيد، وهل كان لهم كتاب؟ فيه قولان.
الثالث: اليهود والنصارى، يُقَرُّون بالجزية، وتحلُّ ذبائحهم، ومناكحتُهم إن كانوا من بني إسرائيل، واستمرُّوا على دينهم، وإن كانوا من غير بني إسرائيل؛ فإن كان أوّلُ آبائهم قد دان بالتهوُّد قبل التبديل، أو بعده ولكنْ عَرَفَ المبدَّلِ، ولم يؤمِنْ به، ففي إحلال ذبائحهم ومناكَحَتِهم طريقان: إحداهما: القطع بالإحلال.
والثانية: قولان أصحُّهما: الإحلال.
وإن دان بعد التبديل، وآمن بالمبدَّل، فطريقان: إحداهما: القطع بالمنع.
والثانية: فيه القولان.
وإن شككنا؛ هل دان قبل التبديل، أو بعده؟ فخلافٌ مرتَّبٌ على

ما قبل التبديل، وأولى بالمنع.
وإن دان بعد مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرمت ذبائحهم ومناكحتهم؛ إذ لا عاصم بعد نزول القرآن سوى الإسلام، وفي إلحاق التهودُّ بعد مبعث عيسى بالتهوُّد بعد مبعث نبيِّنا وجهان، فإن قلنا: لا يُلحق به فعلى الطريقين في التهوُّد بعد التبديل.

2330 -

فرع:

لا يُكره نكاح الذمِّيَّة عند الأصحاب، ولا يُستحبُّ عند أبي محمد، وفي الحربيَّة وجهان، والأكثرون على الكراهة.
الرابع: المتمسِّك بصحف إبراهيم أو غيره من الأنبياء، لا أثر لكتابه، ولا حكم له.
الخامس: السامرة والصابئة، وللشافعيِّ في مناكحتهم وذبائحهم نصَّان حملهما المعظَمُ على حالين؛ فحيث حَرَّم ظَنَّ أنَّهم ارتدُّوا عن التهوُّد والتنصُّر، وحيث أجاز ظنَّ أنَّهم خالفوا الطائفتين في الفروع، وانفرد أبو عليٍّ بذكر قولين.
وقال الإمام: إنْ صحَّت موافقتهم لهم في الأصول أُلحقوا بهم، ولا يجوز أن يُختلَف في ذلك، وإن صحَّ أنَّهم خالفوهم مخالفةً لو وقع مثلُها في الإسلام لكانت كفرًا لم يُلحقوا بهم، وإن خالفوهم كمخالفة المبتدعة من المسلمين لأهل الحقّ فهذا محلُّ القولين، وقَطَعَ بجواز مناكحة المبتدِعة من المسلمين؛ لورود السمع بذلك، ولم يَرِدْ مثلُه في الملل السابقة.
وقال: بلغنا أنَّهم نفَوا الصانع المختار، وأضافوا التدبير إلى الأنجم،

فإن صحَّ هذا فهم زنادقةٌ لا يُقرُّون بجزية، وإن لم يصحَّ، ورأيناهم ينتمون إلى الطائفتين، وتعارَضَ في حقِّهم التعطيلُ ودينُ الطائفتين، أُقِرُّوا بالجزية، وحرمت ذبائحهم ونساؤهم، كمن شككنا فيه: هل تهوَّد قبل المبعث أو بعده.

2331 -

فرع:

إذا منعنا نكاح السامرة والصابئة لم يجز وإن كانوا من بني إسرائيل.
والتي يجوز نكاحها من اليهود والنصارى هي التي آمن أوّلُ آبائها بموسى، وبمن يأتي بعده من الأنبياء كمحمد وعيسى، ولا يضرُّ كفر الأبناء بعد ذلك بمن يأتي من الأنبياء، والتي تردَّدنا في جواز نكاحها هي التي تهوَّد أوّلُ آبائها على وجهٍ لا يقتضي الإيمان بمحمد وعيسى، وهذا كلُّه بخلاف السامرة والصابئة إن كانوا قد خالفوا في الأصول.

2332 -

فصل في نكاح من انتقلت من دين إلى دين آخر

إذا تهوَّد الوثنيُّ، أو تنصَّر لم يَزُلْ حكمُ توثُّنه، فلا تحلُّ مناكحته، ولا ذبيحتُه، ولا يُقرُّ بالجزية.
ولو تنصَّر يهوديٌّ، أو تهوَّد نصرانيٌّ ففي تقريره على ما انتقل إليه قولان، فإن قلنا: يُقرُّ، فحكمُه حكمُ مَن لم يَزَلْ على الدِّين الذي أحدثه، وإن قلنا: لا يُقرُّ، طُولب بالإسلام؛ فإن راجع دينَه القديمَ لم نُقرَّه على أصحِّ القولين، وإذا لم نقرَّه فهل يُلْحَقُ بمأمنه، أو نغتاله في نفسه وذرِّيَّته

وماله؟ فيه قولان.
ولو توثَّن يهوديٌّ لم يُقرَّ على التوثُّن، وهل يُلزم بالإسلام، أو يكفيه التنصُّر، أو العودُ إلى التهوُّد؟ فيه أقوال أبعدُها: الاكتفاء بالتنصُّر.
ولو تنصَّرت يهوديَّةٌ تحت مسلم؛ فإن قلنا بالتقرير استمرَّ النكاح، وإن منعناه كان تنصُّرها كردَّة المسلمة فيما يَرْجِعُ إلى فسخ النكاح، ولو كانت خليَّةً لم يَجُزْ نكاحها، وإن قلنا: إنَّ اليهوديَّ إذا تنصَّر لا يُقرُّ، ويُبلَّغ مأمنه، ولو عادت إلى اليهود؛ فإن اكتفينا بذلك كان كإسلام المرتدَّة.

2333 -

فصل فيما يلزم المسلمة والكافرة

للكافرة من حقوق النكاح مثلُ ما للمسلمة؛ من الكسوة، والنفقة، وحقِّ القَسْم، وعليها من بذل الطاعة في الاستمتاع مثلُ ما على المسلمة.
وله منعُ الكافرة من البِيَع والكنائس، ومنعُ المسلمة من مشاهد الخير والمساجد.
وله إجبارُهما على ما يتوقَّف حِلُّ الاستمتاع عليه، كالغُسل من الحيض، ولا يجبرهما على غُسل الجنابة على الأصحِّ.
وقال العراقيُّون: يُجبرهما على إزالة كلِّ ما يتعذَّر معه الاستمتاع، كترك الاستحداد الذي يتعذَّر معه الاستمتاع، والتضمُّخِ بالنجاسة التي لو لابسها لتضمَّخ بها، وضبطه الإمام بكلِّ ما يغضُّ من شهوة التوَّاق.
وفيما يمنع من كمال الاستمتاع دون أصله - كترك الاستحداد، وأكل

ذوات الريح الخبيثة كالثوم وغيره - قولان يجريان في منع الكافرة من شرب ما لا يُسكر من الخمر، وأكلِ لحم الخنزير مع الغسل، وضبطه الإمام بما لا يَغضُّ شهوة التوَّاق، ويوجب لمن توسَّطت شهوتُه العيافةَ والاستقذار.

2334 -

فصل في نكاح الأمة

ليس للحرِّ المسلم نكاح الأمة إلا أن تكون مسلمةً، وأن يخشى العَنَت، ولا يجدَ طَول الحرّة، فإن قدر على طَول حرَّةٍ كتابيَّة فوجهان، وإن قدر على شراء أمةٍ لم يجز على المذهب، وفيه وجهٌ، وإن كانت الأمة مملوكةً لكافر جاز على المذهب، ومنعه بعضُهم لإفضائه إلى إرقاق الولد لكافر، ولا يجوز نكاحُها إن كانت كتابيّةً، خلافًا لبعض أئمَّة الخلاف.
ولو فَقَدَ الحرَّة، ووجد طَولها، نكح الأمة، فإن كانت الحرَّة بحيث يجدها لو سافر إليها، فقد قال الأصحاب: إن نالته مشقَّةٌ ظاهرةٌ نكح الأمة، وإلّا فلا.
ولو غاب مالُه بحيث لا يصل إليه إلا في زمن طويل نكح الأمة.
ولو وجد حرّة تُسامِح ببعض مهرِ مِثْلِها فوجهان.
ولو أَعْسَرَ، ورضيت الحرَّة بمهرٍ مؤجَّلٍ، نكح الأمة؛ كنظيره في التيمُّم.
وإن كان تحته زوجةٌ رتقاءُ لا يمكن وقاعها، أو هرمةٌ لا يتأتَّى التعفُّف بها، أو غائبةٌ يتعذَّر الوصولُ إليها، أو كان تحته أمةٌ، لم ينكح الأمة حتَّى يطلِّق الحرَّة والأمة.

ولو نكح أمةً، فوجدها رتقاءَ، فقياسُ ذلك ألا ينكح أمةً أخرى حتى يطلِّق الأولى.

2335 -

فرع:

مَن بعضُها حرٌّ وبعضُها رقيق بمثابة الأمة، فإنْ وجدها، فنكح كاملةَ الرقِّ ففيه تردُّدٌ؛ إذ إرقاقُ بعض الولد أهونُ من إرقاق جميعه؛ فإنَّ ولد كلِّ ذات رحمٍ بمثابة أمِّه.

2336 - فرع: لو نكح العبدُ المسلم أو الحرُّ الكتابيُّ أمة كتابيَّة، ففي جوازه وجهان مأخذُهما: أنَّها هل تحرم على العالِم كالوثنيّة والمرتدَّة، أم لا؟ والنصُّ هاهنا يدلُّ على المنع، وقال: لا يلي المسلمُ كافرةً إلا أن تكون أمَتَه، وهذا يدلُّ على الجواز.

2337 - فرع: لا يبطل نكاح الأمة بأمنِ العنت اتّفاقًا، وكذلك لا يبطل بوجود طَوْلِ الحرَّة، خلافًا للمزنيِّ.
ولو نكح على الأمة حرَّةً بطل نكاح الأمة على قياس المزنيِّ.

2338 - فرع: الأمة كالحرَّة في حقِّ العبد والمكاتب ومَن نصفُه حرٌّ، فلهم نكاحُ الأمة مع وجود الحرَّة اتِّفاقًا، ولهم إدخالُ الأمة على الحرَّة، والجمعُ بين أمتين، وبين أمةٍ وحرَّة في عقد واحد.

جارٍ التحميل