الغاية في اختصار النهايةصفحات 225-265

كِتابُ الكِتابةِ

4128 -

الكتابةُ مُجْمَعٌ عليها، فإن طلبها العبدُ؛ فإن كان خَيِّرًا كَسُوبًا، استُحبَّت إجابته (1)، ويجب على قول غريب، وإن لم يكن له كسبٌ ولا أمانة، لم تستحبَّ، وإن كان رشيدًا خيِّرًا غيرَ كسوب، لم تستحبَّ عند المراوزة؛ لأنَّه يصير بالعتق كَلًّا على المسلمين، وعند العراقيين وجهان.

وكتابةُ المجنون والصبيِّ المميِّز باطلةٌ، فإن قال السيِّدُ لصبيٍّ رقيق: إن أدَّيت إليَّ كذا فأنت حرٌّ، فأدَّاه، عتق، ولا يرجع عليه بقيمته.

4129 -

فصل في عوض الكتابة

ما جاز أن يكون ثمنًا، أو أجرةً جاز أن يكونَ عوضًا في الكتابة بشرط أن يكون دينًا موصوفًا بصفات السَّلَم، مؤجَّلًا منجَّمًا بنجمين فصاعدًا، ولا حدَّ لأكثر النجوم، فإن كاتبه 2 على نقد، حُمل على الغالب، وهل علَّة التأجيل اتِّباعُ السلف، أو عجزُ المكاتب عن الدَّين الحالِّ؟ فيه خلافٌ؛ فإنَّ1

العوضَ لو كان مِلحًا، وهما على مَلَّاحة، لم يملكْه حتَّى يحوزَهُ بعد العقد.
ولو وُهب منه شيء، أو أُوصي له به؛ فإن قبله قبل الكتابة، ففي صحَّة قَبوله وجهان، فإن قلنا: يصحُّ، ثبت الملكُ للسيِّد، وإن قبله بعد الكتابة، لم يقترن ملكهُ بقَبول الكتابة، فإن كان بعضُه حرًّا، وله مالٌ، فكاتبه بعِوَض حالٍّ، ففي الصحَّة وجهان.
وإن كاتبه على نجمين عظيمين، وأجَّلهما بلحظتين؛ فإن علَّلنا بالعجز، فوجهان، وإن علَّلنا بعادة السلف، أمكن طردُ الوجهين.
وإن اشترى المعسرُ شيئًا بثمن عظيم لا يستقلُّ به إلَّا الأغنياءُ، صحَّ اتِّفاقًا، وأبعد مَنْ قال: إن زاد الثمنُ على قيمة المبيع، لم يصحَّ البيعُ، وإن أسلم إلى المكاتب عقيب الكتابة سَلَمًا حالًّا، ففي صحَّته وجهان، أجراهما الإمامُ في السلَم إلى المعسر؛ تعليلًا بأنَّ الثمنَ يحتمل ما لا يحتمله المُسْلَم فيه، ولذلك لا ينفسخُ البيعُ بانقطاع جنس الثمن، وفي انفساخ السلم بانقطاع المسلم فيه قولان، ولا فرق عند المحقِّقين بين المسلَم فيه والثمن.
وتصحُّ الكتابةُ بنجوم متساوية ومتفاوتة، وكذلك ما يتخلَّل النجومَ من الآجال.

4130 -

فرع:

الأصحُّ أنَّ المكاتبَ لا يعتق إلَّا أن يكونَ السيِّدُ قد قال: فإذا أدَّيت إليَّ النجومَ، فأنت حرٌّ، وليس ذلك تعليقًا حقيقيًّا؛ فإنَّه يعتق بالإبراء.
ولو نوى تعليقَ العتق بالأداء، أو لم يلفظ به، كان كما لو لفظ به.

4131 -

فرع:

إذا قال: كاتبتك على خدمة هذا الشهر ودينار بعده، أو أجَّل الدينارَ بيوم أو لحظة، صحَّ، وشرط أبو إسحاقَ تأجيلَ الدينار بما بعد الشهر، وهذا لا يصحُّ؛ فإن المنفعةَ حالَّة، فيحصل التنجيمُ بتأخير الدينار بلحظة بعد القَبول، وإنَّما جاز الحلولُ في منافع العبد؛ لأنَّ قدرتَه عليها مقرونةٌ بقَبول الكتابة.
وإن كاتبه على خدمة شهر، وزعم أنَّه جعل الخدمةَ في كلِّ عشرة أيَّام نجمًا، لم يصحَّ؛ كمن أجَّر دارًا، وقال للمستأجر: إذا انقضت مدَّة الإجارة، فقد أجَّرتكها شهرًا، وفي الصورتين وجهٌ بعيد.
وإن كاتبه على خدمة شهرين، وخلَّل بينهما عشرةَ أيَّام، لم يصحَّ، وإن قال: أعتقتك على خدمة شهر، فقبل، عتق في الحال، ولزمته الخدمةُ، فإن تعذرت، فهل يرجعُ بقيمة رقبته، أو بأجرة الخدمة؛ فيه قولان، وإن قال: كاتبتك على ألف تؤدِّيه في عشر سنين، لم يصحَّ؛ إذ يُشترط تبيينُ وقت حلول النجم من كلِّ سنة، وحكمُ ابتداء الأجل، وانتهائه هاهنا كحكمه في السلم في محلِّ الخلاف والوفاق.

4132 -

فصل في مزج الكتابة بالبيع

إذا شرط في الكتابة أن يبيعَ من المكاتب شيئًا، فسدت الكتابةُ، وإن قال: كاتبتك وبعتك هذا العبدَ بألف منجَّم بكذا، فقال: قبلتُ البيعَ والكتابة، أو قال: قبلتهما، أو قال: قبلت الكتابةَ والبيعَ؛ فالأصحُّ: بطلان البيع اتِّفاقًا،

وفي فساد (1) الكتابة قولا تفريق الصفقة، فإن قلنا: يصحُّ، ثبت له الخيارُ، فإن أجاز، وزَّع الألفَ على المبيع والمكاتب، وأخذ ما يقابل المكاتب، وعلى قول بعيد: يأخذ جميعَ الألف، وقيل: إنَّ مزجَ البيع بالكتابة كمزج البيع بالرهن، فعلى هذا يكونُ في صحَّة (2) البيع والكتابة الخلافُ في الجمع بين عقدين مختلفي الحكم، بخلاف مَزْج البيع بالرهن، فإنَّه تابعٌ له مؤكِّد لثمنه، ويجوز شرطُه فيه.

4133 -

فصل في كتابة عبيد بمال واحدٍ

إذا كاتب عبيدَه بألف ولم يبيِّن حصَّةَ كل واحد منهم، أو اشترى أعبدًا من أشخاص لكلِّ واحد منهم عبدٌ بثمن واحد، أو نكح نسوةً، أو خلعهنَّ بعوض واحد، فالنصُّ بطلانُ البيع وصحَّةُ الكتابة، وفي الخلع والصداق قولان، وفي هذه النصوص طرقٌ: أصحُّها: طردُ القولين في الجميع؛ فإنَّ الرجوعَ إلى معرفة الأعواض بالتوزيع ممكنٌ، فأشبه ما لو قال: بعتك بما اشتريتُه وربحِ (ده يازده) 3، وهما عالمان برأس المال؛ فإنَّه يصحُّ وإن افتقر في معرفة جميع الثمن إلى ضمٍّ وحساب.
الثانية: تقريرُ النصوص؛ فإنَّ المقصودَ بالبيع يفسد بفساد العِوَض،12

ولا يفسد مقصودُ الخلع والنكاح بفساد العِوَض، والعبيدُ في الكتابة لمَّا جمعهم ملكٌ واحد بمثابة عبد واحد، وهذه الطريقةُ ضعيفةٌ؛ فإنَّ هذه العقودَ كلَّها تفسدُ بفساد أعواضها.
والطريقة الثالثة: بطلانُ البيع، وفي الكتابة القولان.
والطريقةُ الرابعة: تصحُّ الكتابة، وفي البيع القولان، فإن قلنا بالصحَّة، وُزِّع العوضُ على قيم المكاتبين، ومهور الأمثال، وفيه قول أنَّه يوزَّع على الرؤوس، وهو فاسدٌ بعيد لم يُنقل في البيع، وطرْدُه فيه بعيدٌ مع ما فيه من الاحتمال.
وقال الإمام: إن وزَّعنا على الرؤوس وجب القطعُ بصحَّة العقود، وإن وزَّعنا على القيم، ففيه الطرقُ الأربع، فإن صحَّحنا الكتابةَ، طُولب كلُّ واحد بما يخصُّه، وعتق بأدائه، ولا يقف عتقُه على أداء غيره.
وإن كان قد قال: فإذا أدَّيتم، فأنتم أحرارٌ؛ فإن دفعوا إلى السيِّد شيئًا، ثمَّ ادَّعى أقلُّهم قيمةً أنَّهم ملكوا ذلك، ودفعوه على عدد الرؤوس، وقال أكثرهم قيمةً: بل على قدر القيم، فالأصحُّ تصديقُ أقلِّهم قيمةً؛ لاشتمال أيديهم على ما أدَّوْه، ونقل بعضُ الأصحاب نصَّين، فجعلهما بعضُهم قولين، ومنهم مَنْ قال: القولُ قولُ مَنْ يدَّعي التساويَ فيما عدا النجمَ الأخير، وأمّا النجمُ الأخير؛ فإن كان مدَّعي التساوي لو صدق لاستردَّ شيئًا ممَّا أقبضه، فالقولُ قولُ مدَّعي التفاوت.

4134 -

فرع:

إذا تبرَّع أحدُهم بأداء نجم عن أصحابه، وذكر ذلك للسيِّد؛ فإن جوَّزنا

التبرُّعَ بإذن السيِّد كان قَبولُه كإذنه، وأبعد مَنْ شرط إذنًا سوى ظاهر القبض، وإذا منعنا التبرُّع بالإذن، فله استردادُ النجم، فإن عتق قبل استرداده، ففي سقوط الاسترداد قولان يجريان إذا جنى عليه السيِّد، فعفا، وقلنا: لا يصحُّ عفوُه بالإذن، فعتق قبل أخذ الأرش، والقولان عند الإمام كالقولين إذا تصرَّف المفلسُ، ثمَّ زال الحَجْر.
ولو أخذ الأرشَ أو استردَّ النجمَ، ثمَّ عتق، استقرَّ أخذُه؛ فإنَّ قولَ الوقف لا يجري بعد الأخذ، وإن طالب بذلك، فعتق قبل أخذه، ففي فَحْوى كلام الأصحاب تردُّد واحتمال.

4135 -

فرع:

لا يصحُّ ضمانُ النجوم، ولا الرهنُ بها، وكذلك الاستبدالُ بها عند القاضي.
ولو كاتب أعبدًا بشرط أن يضمنَ بعضُهم بعضًا فسدت الكتابةُ، وعلى قول قديم بعيد تصحُّ الكتابة والشرطُ والضمانُ، لأنَّهما من مصلحة هذا العقد.

4136 -

فصل في حكم الكتابة الفاسدة

إذا وُجد الإيجابُ والقَبولُ ممَّن تصحُّ عبارتُه، وظهر قصدُ الماليَّة، ولم تجتمع شرائطُ الصحَّة، فهذه هي الكتابةُ الفاسدة، وحكمها الجوازُ من الجانبين، واستقلالُ المكاتب بالاكتساب، وجواز معاملته للسيِّد، وسقوط

نفقته عنه (1)، وحصول العتق بالأداء وتبعيَّة الكسب، والأولاد، وذكر بعضُهم في الأولاد قولين كولد المدبَّرة، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ الأولادَ كالأكساب، وتنفسخُ بموت السيِّد، ولا يعتق بالأداء إلى الورثة؛ فإنَّ التعليقاتِ مختصَّة بحياة المعلِّق، وإن فسخها السيِّدُ، لم يعتق بالأداء بعد ذلك؛ لأنَّ التعليقَ هاهنا في ضمن معاوضة، فكأنَّه قال: إذا أدَّيت قبل الفسخ، فأنت حرٌّ.
وإذا عتق بالأداء، استردَّ النجومَ، ولزمته قيمتُه، فإن تماثلا، ففيه أقوال التقاصِّ، وإن أعتق عن الكفَّارة، أجزأ على النصِّ، وإذا أجزأ عن الكفَّارة، فقد قال أبو عليٍّ: لا يتبعه كسبٌ ولا ولد؛ فإنَّه عتق عن الكفَّارة، فلا يعتق عن الكتابة، واستحسنه القفَّال، وهل يستقلُّ بالسفر، ويأخذ الزكاة؛ فيه وجهان، ولو صحَّت الكتابةُ، استقلَّ بالسفر، وأخذ الزكاةَ.

4137 -

فصل في جنون السيد أو المكاتب

لا تنفسخ الكتابةُ الصحيحةُ بجنونهما، ولا بجنون أحدِهما، فإن جُنَّ السيّد، فأقبضه النجمَ، لم يصحَّ القبضُ، ولم يعتق، وله استردادُه، ولا يضمنه السيِّدُ إن تلف، ولو قبضه الناظرُ في أمر السيِّد، صحَّ القبضُ، وعتق.
وإن جُنَّ المكاتبُ، فأقبض النجمَ، أو استقلَّ السيِّد بقبضه، صحَّ القبضُ، وعتق؛ لاستحقاقه للقبض، وقال الإمامُ: لا يصحُّ القبضُ إلَّا إذا تعذَّرت مراجعةُ الحاكم، أو مَنْ ينصِّبه للنظر في أمر المكاتب.1

4138 -

فرع:

في انفساخ الكتابة الفاسدة بالجنون أوجهٌ: أصحُّها: أنَّها لا تنفسخ؛ لإفضائها إلى اللزوم.
والثالث: تنفسخُ بجنون السيد، ولا تنفسخ بجنون المكاتب، وهو ظاهر النصِّ.
فإن قلنا: تنفسخُ، لم يستقلَّ بالأكساب بعد الإفاقة، وفي عتقه بالأداء وجهان، فإن قلنا: يعتقُ، فلا تراجع بينهما، وأبعد مَنْ أثبت للسيِّد الرجوعَ بالقيمة.
ومتى انفسخت الكتابةُ بفسخ أحدهما، لم يعتق بالأداء اتِّفاقًا.
وإن قبل المجنونُ الكتابةَ، فعتق بالأداء، فلا تراجعَ على الأصحِّ الذي نقله المزنيِّ، ونقل الربيعُ أنَّهما يتراجعان، فقيل: قولان، وقيل: الأصحُّ ما نقله الربيعُ، ولا وجهَ لهذا؛ إذ لا عبرةَ بكلام المجنون؛ فإنَّ الكتابةَ الفاسدة هي التي تقعُ بين شخصين من أهل العبارة.
ولو كاتب صبيًّا مميِّزًا، فعتق بالأداء، لم يثبت شيءٌ من أحكام الكتابة الفاسدة، ولا تراجعَ اتفاقًا مع أنَّ كلامَه معتبرٌ في بعض الأحوال، فما الظنُّ بالمجنون؟ !. وحمل بعضُ الأصحاب نقلَ الربيع على الجنون الطارئ، ونقْلَ المزنيِّ على المقترن بالعقد، ولكنَّه خلافُ ما نصَّ عليه الربيعُ.

4139 -

فصل في إعتاق أحد الوارثين نصيبَه من المكاتب وإبرائه

إذا مات السيِّدُ عن اثنين مقرَّين بالكتابة، فأعتق أحدُهما نصيبَه، أو أبرأ من حصَّته من النجوم، عتق وبرئ، وفي السراية قولان: أحدُهما: لا يسري؛ فإنَّه يعتقُ عن الميت، فتبقى الكتَابةُ في نصيب الأخ، فإن عتق نصيبُه بأداء أو عِتْق أو إبراء، فولاؤُه للميِّت، وإن رقَّ نصيبُه، انفسخت الكتابةُ فيه، وكان ولاءُ النصف الآخر بينهما على الأصحِّ، وقيل: يختصُّ به المعتقُ المبرئ، ومأخذُ هذا الخلاف أنَّ نصيبَ الأخ إذا رقَّ، ففي انفساخ الكتابة في نصيب المعتق وجهان.
وقطع الإمامُ بأنَّها لا تنفسخ، فيعتق عن الكتابة، ويكون الولاءُ للميِّت، فيرثان به إذا قلنا: يورث مَنْ بعضُه رقيق، ولو عتق نصيبُ أحدهما بالإبراء، ولم يظهر في نصيب الآخر رِقٌّ ولا حرية؛ فإن جعلنا الولاءَ بينهما إذا رقَّ نصيبُ الأخ، فهو بينهما هاهنا، وإن جعلناه للمبرئ ثَمَّ، فهاهنا وجهان.
وقال الإمامُ؛ يوقف، فإن عتق عن الكتابة، فالولاءُ بينهما، وإن رقَّ، ففيه الخلافُ.
والقول الثاني: يسري؛ لأنَّهما ملكاه بالإرث، ولهذا لو زوَّج بنتَه بمكاتبه، ثمَّ مات، انفسخ النكاحُ؛ لأنَّها ملكت بعضَ زوجها، وقال القاضي: يحتمل أن يُبنى القولان على أنَّ 1 الدينَ هل يمنعُ الإرثَ؛ لأنّ استحقاقَ العتق كاستحقاق الدين؟ فإن قلنا: لا يملك، فينبغي ألا ينفسخَ النكاح، وهذا خلافُ النصِّ، واتِّفاق الأصحاب، فإن قلنا: يسري، فهل يسري في الحال؟ فيه

قولان، فإن قلنا: يسري في الحال، ففي انفساخ الكتابة وجهان، وإن قلنا: لا يسري في الحال؛ فإن عتق بالكتابة، امتنعت السرايةُ، وإن عاد إلى الرِّق، عتق بالسراية.

4140 -

فرع:

إذا أخرنا السرايةَ إلى الرقِّ، فالولاء في محلِّ السراية للمعتق المبرئ؛ لانفساخ الكتابة فيه، وإن عجَّلنا السرايةَ، ففي الانفساخ في محلِّ السراية وجهان، فإن قلنا: ينفسخُ، مَلكهُ المعتقُ، وعتق عليه، وكان تفريعُه كتفريع تأخير السراية في الولاء وغيره، وإن قلنا: لا ينفسخ، فالمذهبُ: أنَّ الولاء للميِّت، فيشتركان فيه؛ فإنَّ جميعَه قد عتق عن الكتابة، فلم يتبعَّض بقاءً وارتفاعًا، ومتى حُكم بالفسخ، زالت أحكامُ الكتابة، فلا يتبعُ المكاتبَ كسبٌ ولا ولد، ولا سيِّما إذا قلنا بانقلاب النصيب إلى الرقِّ، فتكون حصَّته من الكسب والولد للذي لم يعتق، ولم يبرئ لأنَّا نقدِّر انقلابَه إلى ملكه، ثمَّ ننقله إلى المعتق المُبْرئ.

4141 - فرع: إذا أُجبر أحدُهما على قبض نصيبه من النجوم حيث يُتصوَّر ذلك، لم يسْرِ عليه اتِّفاقًا.

4142 - فرع: إذا كاتب الشريكان عبدَهما معًا، ثمَّ أعتق أحدُهما نصيبَه، سرى عليه اتِّفاقًا، وهل يسري في الحال؟ فيه قولان، فإن قلنا: يسري في الحال، ولم تقف السرايةُ على دفع القيمة، ففي انفساخ الكتابة في محلِّ السراية الوجهان،

وذكر في "التقريب" قولًا بعيدًا أنَّه لا يسري، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ العتقَ وقع عن الشريك المعتق، فسرى، وعتْقُ الوارث يقعُ عن المورِّث (1) على أحد القولين.

4143 -

فصل في تنازع المكاتب والورثة

إذا ادَّعى المكاتبُ على الابنين أنَّ أباهما كاتبه، فأكذباه، حلفا على نفي العلم، فإن نكلا، حلف وحُكم له بالكتابة، وإن صدَّقه أحدُهما، وكذَّبه الآخرُ، صار نصيبُ المصدِّق مكاتبًا، وحلف الآخرُ، ورقَّ نصيبُه، واستكسب العبدُ، ودفعَ إلى المكذِّب ما يخصُّه، وأدَّى الباقيَ في النجوم إذا حلَّت، فإذا أدَّاها، عتق نصيبُ المصدِّق، ولم يسْرِ اتِّفاقًا، وإن نكل، حلف العبدُ وحُكم بالكتابة، فإن أعتق المصدِّقُ نصيبَه، أو أبرأه من النجوم، ففي السراية إلى نصيب المكذِّب القولان، وأولى بالسِّراية؛ لاعترافه برقِّه.
وقال الإمام: إن قلنا بتعجيل السراية، وجب القطعُ بحصولها؛ لاعتراف المكذِّب بها، ولو شهد المصدِّقُ مع آخر، قُبلت شهادتُه عند الصيدلانيِّ، وهذا مشكلٌ؛ لما له في الكتابة من الغرض، فكيف تُقبل شهادتُه بعَقْدٍ عوضُه له، وإن شهد بعد الإبراء، لم تُقبل إلَّا إذا منعنا السرايةَ.

4144 -

فائدة:

تنفسخ الكتابةُ بموت المكاتب، ولا تنفسخ بموت السيِّد، ولا يعتق1

شيءٌ منه حتَّى يؤدِّي جميعَ النجوم.

4145 -

فصل في دعوى السيد تحريمَ النجوم

إذا أحضر المكاتبُ نجمًا، فقال السيِّد: لا أقبله؛ لأنَّه حرام، أُجبر على قَبوله، إلَّا أن يبرئَه، فإن كان قد عيَّن مستحقَّه، أُجبر على ردَّه إليه، وإن لم يعيِّنه، أُقِرَّ بيده على المذهب، وقيل: يُوضع في بيت المال، فإن امتنع من قَبوله من المكاتب، قبضه الحاكمُ عنه، فإن أكذب نفسَه بعد ذلك؛ فإن قلنا: يُنزع منه، لم يُقبل على الظاهر، وإن قلنا: يُترك بيده، قُبِل على المذهب، ونفذ تصرُّفه فيه.
وإذا أحضر المكاتبُ النجمَ في محلِّه، أُجبر السيِّدُ على قَبوله، وإن أحضره قبل المحل؛ فإن كان على السيِّد ضررٌ في قبضه؛ مثل أن يكونَ وقتَ نهب أو غارة، لم يُجبر على قَبوله اتِّفاقًا، وإن لم يكن عليه ضرر، أُجبر على القَبول قطعًا، فإن كان غائبًا، قبضه الحاكمُ عنه وعتق، وإن كان له غرضٌ في ترك القَبول من غير تضرُّر، أُجبر على القَبول، ولا فرقَ بين النجم الأخير، وما قبله؛ لتأثير الجميع في تحصيل العتق، ولو رهن شيئًا بدين مؤجَّل، فعجَّله؛ ليفكَّ الرهنَ، ولا ضررَ على المرتهن، أُجبر على قبضه.

4146 -

فصل في تزوُّج المكاتب والمكاتبة

لا تتزوَّج المكاتبةُ ولا المكاتب، ولا يتسرَّى بغير إذن السيِّد، فإن أذن

له في التسرِّي، فعلى قولي التبرُّع بالإذن، وإن أذن له في النكاح، فطريقان؛ إحداهما: القطعُ بالصحَّة؛ لاحتياجه إليه.
والثانية: فيه القولان.
وإن أذن للمكاتبة، ففيه الطريقان، وأولى بالصحَّة؛ لحصول المهر والنفقة، وأبعد مَنْ قطع بالبطلان.
وإن اختلعت لإذنه، فقولان، ولم يقطع أحدٌ بالصحَّة، وقطع بعضُهم بالبطلان، فإذا صحَّ نكاحُ المكاتبة، كان تسليمها نفسَها إلى الزوج كتسليم الإماء.

4147 -

فصل في الإيتاء

يجب الإيتاءُ على السيِّد؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، فإن أبرأه من بعض النجوم، أو دفع إليه شيئًا، أجزأه اتِّفاقًا، وهل الأصلُ الدفعُ أو الإبراء؟ فيه وجهان: أحدُهما: الدفعُ هو الأصل، فيجب في الكتابة الفاسدة، ويقوم الإبراءُ من بعض قيمة الرقبة مَقامَه.
والثاني: الإبراءُ هو الأصل، فلا يجبُ في الكتابة الفاسدة.
ومَنْ أعتقَ عبدَه على عوض، أو باعه نفسَه، لم يجب الإيتاءُ عند المعظم، وقيل: يجب في كلِّ عتق بعوض، وما لا عوضَ فيه فلا إيتاءَ فيه اتِّفاقًا، هل يجب الإيتاءُ في الكتابة قبل العتق؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يجب، استُحِبَّ

تقديمُه، وإن أوجبناه، فلا خلافَ أنَّه لا يتضيَّقُ؛ بحيث يتوجَّه طلبهُ قبل النجم الأخير، وفي قدر الإيتاء وجهان: أحدُهما: أقلُّ ما يُتموَّل ممَّا يكون عوضًا.
والثاني: ما يكون معونة قبل (1) العتق، أو بُلْغةً بعدَه، فيختلف ذلك باختلاف النجوم، وقوَّة المكاتب، فإن تنازعا فيه، قدَّره الحاكمُ بما يؤَثر في الإعانة، ويوجب عدمُه تضييقًا، أو كُلْفةً، فما تُيقِّن أنَّ له وقعًا، كفى إيجابُه، وما يتيقن أنَّه لا وقعَ له؛ كمئة من عشرة آلاف مؤجَّلة بسنتين، فلا يكتفى به، وما يُتردَّد فيه يُخَرَّج على تقابل الأصلين؛ فإنَّ الأصلَ براءةُ الذمَّة، ووجوبُ الإيتاء.

4148 -

فرع:

إذا أبرأه من نجم، أو دفع إليه شيئًا ممَّا أخذه، أجزأ، وإن دفع له 2 من مال آخر؛ فإن كان من غير جنس النجوم، لم يجز؛ كبدل الزكاة، وإن كان من جنسها، فوجهان، ودلَّ كلامُ بعضِهم في غير الجنس على الإجزاء، وأجازه الإمامُ بتراضيهما، ولو بقي من النجوم المقدارُ الواجبُ، لم يسقط عند الأئمَّة؛ لأنَّ له دفعَ بدله، فيرفعه المكاتبُ إلى الحاكم؛ ليرى رأيَه، فإن امتنع، أجزأه على منهاج الحقِّ.
وإذا بقي مالًا يكفي دونه، فعجز المكاتبُ عنه؛ فإن جعلنا الإبراءَ أصلًا،1

لم يملك السيِّدُ تعجيزَه، وإن جعلنا الأصلَ الدفعَ، فله تعجيزُه عند القاضي، وهذا غلطٌ من الناقل، فلا يجوزُ تعجيزه، وفي حصول العتق أقوالُ التقاصِّ.

4149 -

فرع:

إذا عتق بأداء النجوم، صار الإيتاءُ دَيْنًا يُضارَب به الغرماء، ويقدَّم على الوصايا، وقال المزنيُّ: يحاصُّ به الوصايا، فحمله بعضُهم على ظاهره؛ تعليلًا بأنَّه مَكْرمة وإن كان واجبًا، وقيل: إن قدَّره الحاكمُ، فأقلُّ ما يتموَّل واجبٌ، والزائدُ في رتبة الوصايا، والمذهبُ: الأوَّل، والنصُّ محمولٌ على ما لو قدَّره السيِّدُ بأكثرَ من القدر المجزئ، فالزيادةُ وصيَّة.

4150 -

فائدة:

ليس لأحد يتولَّى الطفلَ مكاتبةُ أحدٍ من عَبِيده.

4151 -

فصل في اختلاف السَّيد والمكاتب

إذا اختلفا في قدر الأجل، أو قدر النجوم، أو جنسها، تحالفا، فإن تحالفا قبل العتق، انفسخت الكتابةُ أو فُسخت، ورقَّ المكاتبُ، وكان للسيِّد ما قبضه، وإن اتَّفقا على حصول العتق؛ بأن أخذ منه ألفين، فقال: كاتبتك 1 عليهما، فقال: بل على أحدهما، والألف الآخرُ وديعة، فلا ردَّ للعتق، وعلى السيِّد ردُّ الألفين، ويرجعُ بقيمة العبد، وإن تزوَّج بعتيقة، وأولدها، ومات، فقال السيِّدُ: عتق قبل موته، فانجرَّ الولاءُ إليَّ، وقال موالي الأمِّ: بل مات

رقيقًا، فالولاءُ لنا، فالقول قولُهم.

4152 -

فرع:

إذا كاتب في الصحَّة، واعترف في مرض الموت بقبض النجوم، صحَّ إقرارُه.

4153 - فرع: إذا قال في الصحَّة: قبضتُ نجومَ أحد مكاتَبيَّ، طُولب بالبيان، فإن عيَّن أحدَهما عتق، وللآخر أن يدَّعيَ بالقبض، والقولُ قولُ السيِّد، فإن نكل، حلف الثاني، وعتقا جميعًا، ولو قال الثاني: عنيتني بالإقرار، لم يُسمع على الأصحِّ؛ كمالو قال لغيره: أقررت لي بألف، فلا يُسمع على الأصحِّ، فإنَّه لم يدَّع حقًّا، بل ادَّعى خبرًا يحتمل الصدقَ والكذبَ.
ولو ادَّعى الألف، وأقام البيِّنة بإقرار الخصم، ثبت الألفُ، فإن مات السيِّدُ قبل البيان، طُولب به الوارثُ، فيحلف على نفي العلم بمَنْ عناه المورِّثُ، فإن حلف، انقطعت الخصومةُ، وأُقرع بينهما على الأصحِّ، وقيل: لا يُقرع؛ لأنَّ هذا إبهامٌ في قبض دين، فأشبه ما لو قال: قبضتُ ديني من أحد هذين، ومات قبل البيان، فعلى هذا: يُوقف إلى الاصطلاح، أو البيان، أو قيام بيِّنة، وينقدح أن يثبتَ للوارث الفسخُ، فيقول: فسختُ الكتابة فيكما، فتنفسخ، ثمَّ يُقرع بينهما، ويُحتمل أن يلحق بما إذا ثبت التعجيزُ، فقال السيِّدُ للمكاتب ولعبد آخر، أو لحُرٍّ: عجَّزتكما؛ فإنَّ العجزَ يثبتُ في المكاتب، وفي الإقراع القولان فيما إذا أعتق المريضُ عبدين على التعاقب، وشككنا في السابق منهما، ففيه قولان يجريان حيث يُتَيقَّن

التعيينُ، ويُيْئَس من المعرفة.

4154 -

فرع:

إذا تنازعا في قبض النجوم، فالقول قولُ السيِّد، فإن قال: لي بينة، أُنْظِر يومًا، فإن استزاد، أُنظر ثلاثًا، ويكفيه رجلٌ وامرأتان فيما عدا النجمَ الأخيرِ، وفي النجم الأخير وجهان.

4155 -

فصل في ردِّ النجم الأخير بالعيب

من استحقَّ دينًا في معاوضة، فقبضه، فلم يجده على الصفة؛ فإن كان من 1 غير الجنس، لم يملكْه وإن رضي به إلَّا بمعاوضة صحيحة، وإن كان من الجنس، فله أن يرضى به، وله أن يردَّه، ويطالبَ بحقِّه، فإن رضي به، ملكَهُ، وهل ملكه بالرِّضا أو بالقبض؛ فيه قولان، فإن قلنا: يملكه بالرضا، فرضي على الفور، أو التراخي، حصل الملكُ، وإن قلنا: يملك بالقبض، ففي اشتراط الفَوْر احتمال، والأوجه: أنَّه لا يُشترط؛ فإنَّ الفورَ شُرِط حفظًا للعقد، والعقدُ ها هنا لا يرتفع بالردِّ، فإن اختار الردَّ، لم ينفسخ العقدُ، وهل ثبت ملكُه ثُمَّ ارتفع، أو لم يحصل؟ فيه القولان.
فإذا قبض المسَلِمُ الجاريةَ المسلَمَ فيها، ثمَّ ردَّها بعيب، ففي وجوب استبرائها على المُسْلَمِ إليه القولان.
وإن وجد السيد بالنجم الأخير عيبًا؛ فإن رضي به، حصل العتقُ، وهل

حصل بالقبض أو الرِّضا؟ فيه القولان، وإن ردَّه؛ فإن قلنا: يملك بالرضا، لم يعتق، وإن قلنا: يملكه بالقبض، فله الردُّ اتِّفاقًا، فإذا ردَّه، فالأصحُّ: أنَّا تبيِّن أنَّ العتقَ لم يقع 1؛ لأنَّه علَّقه بحصول ملك لازم في نجم غير مَعِيب، وأبعد مَنْ أوقع العتقَ جائزًا، وأثبت له ردَّه، ولم يصرْ أحدٌ إلى إثبات العتق لازمًا.
وإن اطَّلع على عيب النجم بعد تلفه؛ فإن رضي به، حصل العتقُ، وفي وقت حصوله القولان، وإن طلب الأرشَ لم ينفذِ العتقُ عند الأئمة، وله أن يعجِّزه بسبب الأرش، كما يعجِّزهُ بالنجم، وقد يُخرَّج هاهنا الوجهُ الضعيفُ في أنَّ العتقَ هل حصل ثُمَّ ارتفع، وفي هذا بحثٌ؛ فإنَّ المشتريَ إذا اطَّلع على عيب المبيع بعد فواته؛ فإن طلب أرشَه، استقرَّ، ولم يسقط إلَّا بالإبراء، وإن رضي بالعيب، سقط الأرشُ على ما دلَّ عليه فَحْوى كلام الأصحاب؛ لأنَّه بدلُ الردِّ الذي يسقطه الرضا.
وليس طلبُ الأرش على الفَوْر، بخلاف الردِّ، والأرشُ في البيع جزءٌ من الثمن، والأرشُ فيما يُقبض عن الدَّين جزءٌ من المقبوض، أو ممَّا يقابله من العوض؟ فيه وجهان؛ فإنَّه ليس بركن 2 في العقد، ولذلك لا يرتفعُ العقدُ بردِّه، فعلى هذا: هل يرجعُ السيِّد بجزءٍ من النجم، أو من قيمة المكاتب؟ فيه الوجهان، ولو قيل: يردُّ بدلَ النجم، ويطالب بالنجم السليم، لكان أمثلَ من هذا، سيَّما إذا قلنا: لا يملكهُ إلَّا بالرضا، ولم يتعرَّضْ أحدٌ من الأصحاب

لهذا، ولعلَّهم يقطعون بحصول الملك إذا تلف المقبوضُ، ويخصُّون الخلافَ ببقاء المقبوض، ثمَّ يختلفون في حقيقة الأَرْش كما تقدَّم.

4156 -

فصل في ظهور النجم مستحَقًّا

إذا قبض السيِّدُ النجمَ الأخير، فظهر مستحَقًّا، لم يحصل العتقُ، فإن قال السيِّدُ على ظنِّ أنَّه قد ملك النجمَ: قد عتقت، أو أنت حرٌّ، فالنصُّ الذي به الفتوى أنَّه لا يعتق؛ لأنَّه بنى كلامَه على الظاهر، وقيل: يعتق؛ مؤاخذةً له بقوله.
ولو ظهر المبيعُ مستحَقًّا، وكان المشتري قد قال: هو ملكي، ففي رجوعه بالثمن على البائع هذا الخلافُ وإن قصد بكلامه تحصيلَ العِتْق.
فإن ظهر النجمُ مستحَقًّا، فلا ردَّ لهذا العتق وإن ثبت الاستحقاقُ.

4157 -

فرع:

إذا قالت المرأةُ لزوجها: طلَّقتني، فقال: نعم، كان مُقِرًّا بالطلاق، فإن قال: أطلقتُ لفظًا ظننت طلاقًا، فأقررت بحسب ذلك، فأفتاني العلماءُ بأنَّه ليس بطلاق، قُبل قولُه على ما نقله الصيدلانيُّ وبعضُ الأصحاب، وزاد الصيدلانيُّ: إذا قال له أجنبيٌّ: أطلَّقتَ زوجتك؟ فقال: نعم، طلَّقتُها، ثمَّ اعتذر بما ذكرناه، فإنَّه يُقبل، وقطع الإمامُ بأنَّه لا يُقبل في الصورتين؛ إذ ليس لكلامه ظاهرٌ يُعتمدُ عليه.

4158 - فرع: إذا قال في الكتابة الفاسدة: إن أعطيتني ألفًا، فأنت حرٌّ، فأعطاه ألفًا

مستحَقًّا، ففي حصول العتق قولان، وإن قال: أنت حرٌّ على ألف، فقبل، أو قال لزوجته: أنت طالقٌ على ألف، فقبلت، وقع العتقُ والطلاقُ بالقَبول.

4159 -

فصل في اجتماع ديون السيد على المكاتب

إذا اجتمع للسيِّد على المكاتب نجمٌ، وأرشُ جناية على نفسه، أو ماله، وفي يد المكاتب وفاءٌ بالجميع، فإن بدأ بالنجم برضا السيِّد، عتق، ولم يسقط أرشُ الجناية على الأصحِّ؛ لأنَّه ثبت مع قيام الرقِّ، وقيل: يُخرَّج على الخلاف في أن القِنَّ هل له ذمَّة في الجناية؟ وإن قَدَر على النجم دون الأَرْش، فله أن يُلزمَه بدفع الأرش، وهل له تعجيزُه قبل دفعه؟ فيه طريقان: إحداهما: له ذلك إذا عرف عجزَه؛ لأنَّ له مطالبتَه بهما معًا، فيعجز عن بعض النجم.
والثانية: لا يعجِّزه حتَّى يأخذَ الأرشَ.
فإن طلب المكاتبُ تأديةَ النجم، فللسيِّد أن يمتنعَ من قبضه، وإن دفع ما في يده مطلقًا، وقال: نويتُ النجمَ، ففي وقوعه عن النجم خلافٌ؛ لأنَّ الاختيارَ في القبض إلى السيِّد، بخلاف سائر الديون، ولو نوى النجمَ، ونوى السيِّدُ الأرشَ، وتصادقا على النيتين، فينبغي أن يُخرَّجَ على الخلاف.

4160 -

فصل في اجتماع النجم وديون الأجانب

إذا اجتمع النجمُ مع أرش جناية على أجنبيٍّ، أو دين معاملة لأجنبيٍّ، وضاق ما في يده عن الجميع؛ فإن لم يُحجَر عليه بالفلس، فلهُ تقديمُ من شاء؛ كالحرِّ المُعْسر؛ فإنَّ تقديمَه دينًا على دين ليس بتبرُّع إجماعًا، وإن حُجِر عليه، فالنصُّ الذي صحَّحه صاحبُ "التقريب" أنَّهم يتضاربون في ذلك؛ لتعلُّق ديونهم بما في يده.
وقال المعظمُ: يبدأ بدين المعاملة، ثمَّ بالأرش، ويتأخَّر النجمُ عنهما؛ لتعلُّق صاحب الأرش بالرقبة، وتقديم الأرش على حق المالك في الرقبة، ولذلك يُباعُ إذا امتنع من الفداء، فإن قلنا: لا مضاربةَ بالنجوم، ففي المضاربة بدين المعاملة وجهان، وإن عجَّز نفسَه، سقط النجمُ، ودينُ معاملة السِّيد، وفي أُروش الأجانب، وديون معاملاتهم أوجهٌ: أحدُها: تقديمُ دين المعاملة؛ لتعلُّق الأرش بالرقبة.
والثاني: أنَّهما سواء.
والثالث: يُقدَّم الأرشُ؛ لأنَّه وجب قهرًا، وانفرد صاحبُ "التقريب" بتخريج هذا الوجه، ومقتضاه تقديمُ الأرش قبل التعجيز، فإن قدَّمنا دينَ المعاملة، فمات رقيقًا عن شيء من ديونه، فهل يتقدَّم دينُ المعاملة على الأرش، أو يستويان؟ فيه وجهان، وعلى تخريج صاحب "التقريب" يُقدَّم الأرشُ.

4161 -

فرع:

إذا عجز عن النجم، فللسَّيد أن يعجِّزَه، ولا يعجِّزه الأجنبيُّ بدين

المعاملة، وله أن يعجِّزَه بالأرش؛ فإنَّه يفيدُه التعلق بالرقبة، ودينُ المعاملة متعلِّق بالكسب قبل التعجيز وبعده، ويُحتمل أن يرفعَ أمره إلى الحاكم؛ ليفسخ، فإنَّه ليس بعاقد حتَّى يستقلَّ بالفسخ، فإن همَّ الأجنبيُّ بالتعجيز، فبذل السيِّدُ الفداءَ، فالظاهر (أنَّا لا نجيبه) (1)؛ فإنَّ الأرشَ لا يتعلَّق بالرقبة [مع بقاء الكتابة، ويُحتمل أن يجابَ.

4162 -

فرع:

إذا عجز، وعليه دينُ معاملة، ولا كسبَ له، لم يتعلَّق برقبته على المذهب] 2، وقيل: يتعلَّق.
ولو قصر ما في يد المأذون عن ديونه، لم يتعلَّق برقبته اتِّفَاقًا، فإن سلَّم المخالفُ ذلك، فلا فرقَ بينهما، وإن طرد مذهبه في المأذون، خالف مذهبَ الشافعيِّ.
1

4163 -

باب كتابة بعض العبد والشريكين في العبد يكاتبانه

إذا كُوتب مَن نصفُه حرٌّ على نصفه الرقيق، صحَّ اتِّفاقًا، وإن كاتب بعضَ عبده، لم يصحَّ على النصِّ وقولِ المعظم، فإنَّه لا يستقلُّ بالسفر، ولا يأخذ الصدقات، والسيِّد قادرٌ على كتابة جميعِه، وقيل: يصحُّ؛ قياسًا على التعليق والتدبير.
وإن كاتب الشريكان عبدَهما على تساوي الأجلين بنجوم على قدر المُلْكين، صحَّ اتِّفَاقًا، وإن كاتبه أحدُهما بإذن الآخر، فقولان؛ إذ لا يتمكَّن من السفر، وأخذ الزكاة، وإن كاتبه بغير إذنه، فطريقان: إحداهما: لا يصحُّ، وهي 1 قول الأكثرين.
والثانية: فيه القولان، وهي قول المحقِّقين.
فإن كان العبدُ بينهما نصفين، فكاتبه أحدُهما بألف، والآخر بألفين، أو غايرا بين النجوم، أو تعاقبا في الكتابة، ففيه القولان.
وإن كاتباه مع الاختلاف معًا، فهو كما لو كاتبه أحدُهما بإذن الآخر، وإذا صحَّت الكتابةُ، فعجَّزه أحدُهما، أو مات رجل عن مكاتب، فعجَّزه أحدُ وارثيه، فهل تستمرُّ الكتابة على نصيب الآخر، أو تنفسخُ، أو تُخرَّج على

القولين؟ فيه ثلاثُ طرق، ولعلَّ الانفساخَ في نصيب الوارث أظهرُ منه في نصيب الشريك؛ لأنَّ الكتابةَ وقعت في جميعه ابتداءً، فيبعد استمرارُها في بعضه انتهاءً.

4164 -

فصل في دفع النجوم إلى أحد الشريكين

ليس للمكاتب تقديمُ أحد الشريكين بشيء من النجوم، فإن قدَّمه بجميع حصَّته؛ فإن لم يأذن الشريكُ، لم يعتق، وإن أذن، فقولان، بناهما بعضُهم على قولي التبرُّع بالإذن، وآخرون على قولي كتابة أحدهما بإذن الآخر.
وإن قبض أحدُهما نجومَهما؛ فإن كان بتوكيل الآخر، صحَّ، وحصل العتقُ، وملكا النجوم، وإن كان بغير إذنه، لم يعتق منه شيء؛ لاتِّفاقهم على أنَّ القابضَ لا يملك نصيبَه حتَّى يملك الآخرُ نصيبَه، وأبعد مَنْ حكم بعتق نصيب القابض؛ تعليلًا بأنَّه لا يلزمُه رفعُ يده عن نصيبه.
وإن وفَّر على أحدهما حصَّته في الكتابة الفاسدة، ففي حصول العتق قولان، وإن أقبض النجومَ في الكتابة الفاسدة، عتق، وجرى التراجعُ بين النجوم والقيمة.
"إذا كاتب بعضَ عبده، وقلنا: لا يصحُّ، أو كاتب نصيبَه من عبد مشترك، وقطعنا بالفساد، فوُجدت الصفةُ، عتق، وتبعه الكسبُ، وجرى التراجعُ.
وإذا أعتق أحدُهما نصيبَه في الكتابة الصحيحة، أو أبرأ من نجومها، عتق، وسرى، وأبعد مَنْ منع السرايةَ.

وإن قبض أحدُ الوارثين حصَّتهَ حيث يجوز ذلك، عتق ولم يسْرِ، وإن قبض أحدُ الشريكين نصيبَه، عتق وسرى وإن أُجبر على القَبضف؛ لأنَّه مختار لسببه، فأشبه ما لو قال للقِنِّ: إن طلعت الشمسُ، فأنتَ حرٌّ، فإنَّه يعتق بطلوعها ويسري، فإذا عتقت حصَّةُ أحدهما بالقبض، وقلنا: لا يسري، لم تنفسخ الكتابةُ في نصيب الآخر.

4165 -

فصل في التنازع

إذا ادَّعى العبدُ أنَّ سيِّدَيه كاتباه؛ فإن أكذباه، فالقولُ قولهما، وإن صدَّقاه، فادَّعى أنَّه دفع النجومَ إليهما، فصدَّقه أحدُهما، وكذبه الآخرُ، عتق نصيبُ المصدِّق، وفي السراية قولان؛ إذ لا معنى لها مع اعترافه بقبض الشريك حصَّته، فإن حلف المكذِّبُ رقَّ نصيبُه، وتخيَّر بين أن يأخذَ من المكاتب حصَّته من النجوم، وبين أن يأخذ من المصدِّق نصفَ ما أقرَّ بقبضه، فإن غرم المصدِّقُ، لم يرجع على المكاتب، وإن غرم المكاتبُ، لم يرجع على المصدِّق.

4166 -

فرع:

إذا قدَّم نجومَ أحدهما بإذن الآخر، وجوَّزنا ذلك، فعجز عن حصَّة الإذن، فله أن يأخذَ من شريكه نصفَ ما قبضه، فإنَّه تبرَّع بتقديمه دون تمليكه، وتبيّن أنَّه لم يعتق منه شيء.
وقال ابن سُريج: تعتق حصَّةُ القابض، والسرايةُ على التفصيل السابق، وإن بقي بيد المكاتب ما يوفي حصَّة الآذِن، أدَّاه إليه، ولم يسْرِ العتقُ؛ لأنَّ

الإذن وقع بالتقديم دون التمليك.

4167 -

فرع:

إذا صحَّحنا كتابةَ أحد الشريكين، لم يأخذ المكاتبُ الزكاةَ عند الجمهور، ودلَّ كلامُ بحضهم على جواز أخذها، وأنَّها تختصُّ بالنصيب المكاتب منه.

4168 -

باب ولد المكاتبة

إذا ولدت المكاتبةُ من نكاح، أو سفاح، فقولان: أحدُهما: تسري الكتابةُ إلى الولد، فيعتق بعتقها، ويرقُّ بموتها أو رقِّها، ولا يُطالبُ بشيء من النجوم.
والثاني: لا تسري وفيمن يملكه قولان: أحدُهما: تملكه أمُّه، فيكون كسبُه لها، فإن عتق وبيده شيءٌ من الكسب، فهو لها؛ لأنَّ حكمَه كحكم عبيدها.
والثاني: يملكه السيِّدُ، ولا يتصرَّفُ في رقبته ببيع ولا غيره، وفي كسبه قولان: أضعفُهما: أنَّه للسيِّد.
وأصحُّهما: أنَّه موقوفٌ كرقبته، فإن عتق بعتق أُمِّه، تبين أنَّ الكسبَ له، وإن رقَّ، تبيَّن أنَّه للسيِّد، فإن فسخت أمُّه الكتابةَ من غير عجز، فالكسبُ للسيِّد، وليس للولد تأديةُ النجوم منه؛ ليعتقَ بعتق أمِّه، فإن عجزت عن النجوم، لم يملك أداءَها من كسبه في أصحِّ القولين؛ لأنَّه موقوفٌ بين السيِّد والولد.
ونفقةُ الولد تابعةٌ للكسب، فإن جعلناه للأمِّ، فالنفقةُ عليها، فتنفق عليه

من سائر أموالها، وإن جعلناه للسيِّد على القول الضعيف، فالنفقةُ عليه، وإن وقفناه، أُنفِق عليه منه بقدر حاجته اتِّفاقًا، ووُقف الفاضلُ، فإن لم يكن له كسبٌ، أو كان كسبُه دون كفايته، فعلى السيِّد كفايتُه، أو إتمامُ كفايته، وأبعد مَنْ جعل ذلك على بيت المال.
وإن أعتقه السيِّدُ؛ فإن جعلنا الكسبَ له في الحال، نفذ عتقُه، وإن جعلناه للأمِّ، لم يعتق، وإن وقفناه ومنعناها من أخذه عند العجز، عتق، وإن أجزنالها أخذَه، لم يعتقْ على أظهر الوجهين؛ لما في ذلك من إبطال حقِّها من أخذ الكسب عند العجز.

4169 -

فرع:

إذا جُنِي على طرفه، فحكمُ الأَرْش كحكم الكسب حرفًا بحرف، وإن قُتل، وجبت قيمتُه على الفَوْر، وهل هي لأمِّه، أو للسيِّد؟ فيه قولان، وأبعد مَنْ جعلها للأمِّ؛ تعليلًا بأن تلفَه يقطعُ أثرَ الكتابة.

4170 -

فصل في ولد المكاتب

إذا استولد المكاتبُ أمتَه، تكاتب الولدُ عليه اتِّفاقًا، فيعتق بعتقه، ويرقُّ برقِّه، ومِلْكُه له، ونفقتُه عليه، وأَكسابُه له، ولا يتَصرَّف في رقبته ببيع ولا غيره، ولا ينفذ عتقُ السيِّد فيه.
فإن عتق الأبُ وبيد الولد كسبٌ، فهو لأبيه، ولا خلافَ أنَّ المكاتبَ والمكاتبةَ لا يَشترِيان ولدَهما؛ فإنَّه إبدال ما يجوز التصرُّف فيه بما لا يقبل التصرُّف.

فإذا جنى ولدُ المكاتب، لم يملك فداءَه وإن وفى كسبُه بالفداء، بل يُباع منه بقَدْر الجناية؛ كالرهن؛ لأنَّ فدءَاه كشرائه، وغلط العراقيُّون، فأجازوا الفداءَ إذا وفى به الكسبُ، وقالوا: إن لم يكن له كسبٌ باعه، وإن زادت قيمتُه على الأرش، فيؤدِّي الأرشَ من ثمنه، ويأخذ ما فضل، وهذا باطل؛ فإنَّ كسبَه كسائر أموال أبيه.
وإن أوصى لمكاتب أو مكاتبة بولدهما، أو وهب منهما، فقبِلاه، ملكاه، وليس لهما بيعُه، بل ينتفعان بكسبه، وأرشُ الجناية عليه.

4171 -

فرع:

في أمِّ ولد المكاتب قولان: أحدُهما: لا يثبت لها الاستيلادُ وإن عتقت؛ فإنَّها لم تعْلَق بحُرٍّ.
والثاني: يثبت لها من الحرمة مثلُ ما لولدها، فيمتنع التصرُّف في رقبتها، ويوقف عتقها ورقُّها على عتق المكاتب، ورقِّه، فإن لم يثبت الاستيلادُ، فعتق المكاتبُ، فأتت بولد يمكن العلوقُ به قبل العتق وبعده؛ فإن أقرَّ أنَّه وطئها بعد العتق وطأً يمكن العلوقُ منه، ثبت الاستيلادُ، وإن لم يقرَّ بذلك، لحقه الولدُ، وفي الاستيلاد وجهان.

4172 -

باب المكاتبة بين اثنين يطؤها أحدُهما أو كلاهما

إذا وطئ المكاتبةَ أحدُ مالكيها، فلم تحمل، لزمه أن يدفعَ إليها مهرَ مثلها؛ لتتصرَّفَ فيه، وإن حملت، فللواطئ حالان: إحداهما: أن يكونَ معسرًا، فيثبت الاستيلادُ في نصيبه، ولا تنفسخُ الكتابة فيه، وهل يتبعَّضُ رقُّ الولد وحرِّيَّته، أو ينعقدُ حرًّا؟ فيه خلافٌ، فإن قلنا: يتبعَّضُ، كان نصيبُ الشريك كولد المكاتبة في جميع ما قدَّمناه، وأمَّا نصيبُ الواطئ من الولد، ففي وجوب قيمته خلال مأخوذٌ من الخلاف فيمَنْ يملكه، فإن جعلناه للمكاتبة، لزمه قيمتُه، وإن جعلناه للسيِّد، لم يلزمه شيء، وإن قلنا: ينعقد حرًّا، فهل يلزمُه للمكاتبة ما يخصُّ نصيبهَا منه؟ فيه قولان، وعليه قيمةُ النصيب الآخر للمكاتبة على قول، ولشريكه على آخر.
الحال الثانية: أن يكون موسرًا، فينعقدُ الولدُ حرًّا اتِّفَاقًا، ويسري الاستيلادُ، وفي وقت سرايته طريقان: إحداهما: التخريجُ على قولي سراية العتق.
والثانيةُ - وهي أصحُّ -: أنَّ السرايةَ تتأخَّر إلى أن تعجزَ، وترقَّ؛ فإنَّها لو تعجَّلت، لانتقل الملكُ فيها من غير أن يخلفَه عتق 1 ناجزٌ، بخلاف

ما لو وقع استيلادُ الشريك في القنَّة؛ فإنَّ تعجيل السراية فيها أولى؛ لأنَّها قابلة لنقل الملك، بخلاف المكاتبة.
فإن انفصل الولدُ حيًّا، وقلنا بتأخير السراية؛ فإن جعلنا الولدَ للأمِّ، لزمه كمالُ قيمته في الحال، وإن جعلناه للسيِّد، فلا شيءَ عليه لنصيبه، وتجب قيمةُ نصيب الشريك في الحال.
وإن عجَّلنا السرايةَ، وقلنا بانفساخ الكتابة في نصيب الشريك، فقد خلفها الاستيلادُ، وتبقى الكتابةُ في نصيب الواطئ، وأمَّا قيمةُ الولد فيما يقابل نصيبه: فهل تسقط، أو تجب للمكاتبة؟ فيه قولان، وما يقابل نصيب الشريك الذي انفسخت فيه الكتابةُ، فهل يلزمه للشريك؟ فيه قولان مبنيَّان على القولين في القنَّة إذا أحبلها أحدُ الشريكين، فهل تقترنُ حرية الولد بنقل الملك فيها، أو يتقدَّم عليه، أو يتأخَّر عنه (1)؟ فيه خلاف.

4173 -

فصل في وطء السيدين

إذا وطئها السيِّدان، فلم تحبل، فعلى كلِّ واحد منهما مهرُ المثل لها، فإن ماتت قبل أخذ المهرين، أو رقَّت بالعجز، ففي سقوط أحدهما بالآخر أقوالُ التقاصِّ، ولا يخفى التفصيلُ إذا تفاوت المهران؛ لاختلاف صفة المكاتبة، واختلاف الزمان.
فإن أتت بولد يمكن لحوقُه بهما، فلهما حالان:1

إحداهما: أن يكونا موسرين ويتداعياه، ويعترفا بالاستيلاد، فيُعرض على القائف، فإن ألحقه بأحدهما، لحقه، وثبت الاستيلادُ تبعًا، كما يثبت النسبُ إذا ثبتت الولادةُ بشهادة النسوان، ويتَّضحُ ذلك بالفرض في القنَّة، فإذا ثبت استيلادُ أحدهما، لم يغرمْ نصيبَ شريكه؛ لإقراره بأنَّه المستولدُ، فإن لم نجد قائفًا، ثبت الاستيلادُ في نصيب كلِّ واحد منهما، ولا تراجعَ بينهما، وإن لم يتداعيا الولدَ، عُرض على القائف؛ فإن ألحقه بأحدهما، لحقه، وثبت الاستيلادُ وسرى، وتجب قيمةُ محلِّ السراية؛ تبعًا لإلحاق القائف، فإن لم نجد قائفًا، فانتسب الولدُ بعد البلوغ إلى أحدهما، لحقه، وفي ثبوت الغُرْم تردُّد أشار إليه الأصحابُ.
الحال الثانية: أن يكونا معسرين، فلا يسري الاستيلادُ، فإن ألحقه القائفُ باحدهما، لحقه، وثبت الاستيلادُ في حصَّته، وكان نصيبُ الآخر مستولدًا لإقراره.

4174 -

فرع:

إذا أتت بولدين، فألحقنا بكلِّ واحد منهما ولدًا، فادَّعى كلُّ واحد منهما أنَّه السابقُ بالاستيلاد، وأمكن صدقُهما؛ لتقارب الولدين؛ فإن كانا موسرين، وقلنا بتعجيل السراية، فالاستيلادُ موقوفٌ بينهما، ونفقتها عليهما، فإن ماتا، عتقت باطنًا وظاهرًا، وولاؤُها موقوف، وإن مات أحدُهما، عتق نصيبهُ في الحكم، وإن كانا معسرين، فماتا، عتقت، والولاء بينهما، وحكى الربيعُ وقفَ الولاء، وهو غلط باتِّفاق الأصحاب.

4175 -

باب تعجيل الكتابة

إذا عجَّل المكاتَبُ نجمًا، أُجبر السيِّد على قَبوله ما لم يتضرَّر، فإن عُقدت الكتابةُ في وقت نَهْب أو غارة، فدام ذلك إلى إحضار النجم، ففي الإجبار وجهان، وإن طلب السيِّدُ تعجيلَ نجم، فقال المكاتبُ: أعجِّله بشرط أن تبرئني من بعض النجوم، لم يصحَّ الأداءُ، ولا الإبراءُ؛ فإنَّ الأداءَ إذا عُلِّق بشرط فاسد، بطل، والإبراءُ لا يقبل التعليقَ، ونقل المزنيُّ قولًا في الصحَّة، فغلَّطه المحقِّقون، وتأوَّله الأكثرون بأنَّ المكاتبَ عجل بغير شرط، فأبرأه السيِّد ابتداءً.
وقال الشافعيُّ: إذا أراد أن يسلِّمَ إليه شيئًا من النجم، فليقل له: عجِّز نفسَك، وأنا أعتقك على القَدْر الذي أطلبه منك، وهذا مشكلٌ؛ فإنَّ المكاتبَ إذا رقَّ بالعجز، انتقلت أكسابُه، وأموالُه إلى السيِّد، فمن أين يؤدِّي النجم؟ ! ولا يلزم السيِّدَ الوفاءُ بإعتاقه على مال، ولو أعتقه على مال، ثبت في ذمَّته، واختصَّ السيِّدُ بجميع أمواله، وقال صاحبُ "التقريب": إن أراد الثقةَ بوعد السيِّد، فليقُل له السيِّدُ: إذا عجَّزتَ نفسَك، [ثمَّ أعطيتني] 1 ألفًا، فأنت حرٌّ، فتحصل الثقةُ بذلك، وفيه نظر؛ إذ لا يصحُّ عقدُ عتاقه مع بقاء الكتابة،

فقد وقع تعليقُ العتق في وقت لا يملك إنشاءَه فيه، ومَنْ لا يملك الإنشاءَ لا يملك التعليقَ، ثمَّ غرضُ المكاتب تبعيَّة الكسب والولد، ولا يتبعان بعد التعجيز، وأبعد مَنْ قال: يتبعانه إذا أدَّى الألفَ بعد التعجيز، وهذا هَدْمٌ للمذهب، فليُحمل ما نُقل عن الشافعيِّ على غلطٍ من 1 الناقل.

4176 -

باب بيع المكاتب وشرائه

إذا اشترى المكاتبُ، أو باع بثمن المثل حالًّا، صحَّ، ولا يسلِّم المبيع حتَّى يقبضَ الثمنَ، وإن باع نسيئةً من مليء، وتوثَّق بالرهن، أو تسرَّى، أو تبرَّع تبرُّعًا يحسب مثلُه من ثلث المريض؛ فإن لم يأذن فيه السيِّد، لم يصحَّ، وإن أذن، فقولان.
وقال أبو محمَّد: إن تسرَّى بأمةٍ مأمونة الحبل، لم يبعد تخريجُه على الخلاف في نظيره من الرهن، وهذا باطلٌ؛ فإنَّ الوطءَ يضعفه، ولا ضبطَ له فيُحسَم بَابُه.
وقطع الإمامُ بأنَّه يبيع بالعَرْض، ولا يستبدُّ بالنكاح اتِّفاقًا، وليس له أن يزيلَ يدَه عن شيء حتَّى يتسلَّم عوضَه، فلا يصحُّ تسلُّمُه على الأصحِّ، ولا يهبُ بثواب مجهولٌ؛ فإنَّه لا يستحقُّه حتَّى يسلِّم الموهوبَ: وإن وهب بثواب معلوم فيه غبطةٌ؛ فإن جعلناه بيعًا، ولم نقف الملكَ على القبض، كان حكمُه حكمَ البيع، وإن وقفناه على القبض، لم يصحَّ؛ لأنَّه يزيل يدَه قبل تسلُّم العِوَض، ويحتمل أن يصحَّ، ويُمنع من الإقباض حتَّى يقبض العِوَض؛ فإنَّ مَنْ يقف الملكَ على القبض 1 لا يوجب الإقباضَ.

والضابط: أنَّه لا يرفع يدَه عن شيء من كسبه بتبرُّع، ولا بركوب خطر، وطرد أبو محمَّد ذلك في المآكِل والملابس، فأوجب أن يفعل فيها ما يليقُ بحاله من غير إسراف.

4177 -

فصل في إعتاق المكاتب رقيقَه

إذا أعتىَ عبدًا بإذن السيِّد، فطريقان: إحداهما: التخريجُ على قولي التبرُّع.
والثانية: القطعُ بالبطلان؛ لأجل الولاء.
فإن قلنا: يصحُّ، ففي الولاء قولان: أحدُهما: أنَّه للسيد، فإن عتق المكاتبُ، لم ينجرَّ إليه على أقيس الوجهين.
والثاني: أنَّه موقوف؛ فإن عتق، كان الولاءُ له غيرَ مستند إلى ما تقدَّم من إعتاقِه عبدَه، وإن مات رقيقًا، فالولاء للسيِّد، وهل يثبت له من حين الموت، أو مستندًا إلى الإعتاق؛ فيه تردُّد واحتمال.
وإن رقَّ بالعجز، استمرَّ الوقفُ؛ لأنَّا نتوقَّع عتقَه بسبب آخر، ويُحتمل أن نحكمَ لسيِّده بالولاء؛ لأنّا تبيَّنَّا انقطاعَ تصرُّفه بحكم استقلال الكتابة.

4178 -

فرع:

إذا وقفنا الولاءَ، فمات العتيقُ في حياة المكاتب عن غير وارث، فهل يقفُ إرثه، أو يُجعل لبيت المال؟ فيه وجهان.

4179 -

فرع:

مَنْ عتق عليه عبدٌ بقرابة أو كتابة، فولاؤه له اتِّفاقًا، وإذا صحَّحنا شراءَ العبد نفسَه، فالأصحُّ: أنَّ الولاء للسيِّد، وقيل: لا ولاء عليه.

4180 - فرع: إذا كاتب عبدَه بإذن السيِّد، فهو كالتبرُّع أو الإعتاق؟ فيه احتمال.
فإن قلنا: يصحُّ، فعتق، ثمَّ عتق مكاتبه، فولاؤُه له، وإن عتق مكاتبُه قبل عتقه، ففي ولائه القولان.
وليس له شراءُ مَنْ يعتق عليه إن لم يأذن السيِّد، وإن أذن، فقولان، وقطع أبو إسحاق المروزيُّ بالصحَّة، ولا أصلَ لما قال.
وإن أوصي له بمَنْ يعتق عليه، أو وُهِب منه، فاستقلَّ بالقَبول؛ فإن كان ذميًّا 1 غيرَ مكتسب، لم يصحَّ قَبولُه، وإن كان له كسبٌ يفي بمؤونته، صحَّ القَبولُ عند الأصحاب، فإن عجز عن الكسب، لزمه أن ينفقَ عليه 2 ممَّا بيده، وليس له بيعُه خلافًا لابن أبي هريرة؛ فإنَّه أجاز بيعَه، وهذا فاسد؛ إذ يلزم من جواز بيعه جوازُ شرائه، ولأنَّه لا يملك بيعَ ولده من أمته اتِّفَاقًا.
ولو اتَّهب بعضَ قريبه، ثمَّ عتق، عتق عليه ذلك البعضُ، فإن كان موسرًا حال العتق، سرى على الأصحِّ.

4181 - فرع: إذا نَّفذنا اتِّهابَ القنِّ بغير إذن سيِّده، فاتَّهب مَنْ يعتق على سيِّده،

فإن لم تجب نفقتُه؛ لعسرة السيِّد، أو لكون القريب كَسُوبًا، ملكه السيدُ، وعتق عليه، وإن كان ممَّن تجب نفقتُه؛ لزَمانتهِ، ويسار السيِّد، لم يصحَّ قَبولُه، وإن قبل بعضَ من يعتق على السيِّد، صحَّ، ولم يَسْرِ، وأبعد مَنْ أبطل القَبولَ؛ تعليلًا بأنَّه لو صحَّ لسرى.

4182 -

فرع:

إذا اشترى المكاتبُ أبا سيِّده، ثمَّ باعه بابن سيِّده، صحَّ البيعُ والشراءُ، فإن رقَّ، عتق الابنُ على السيِّد، فإن وجد السيِّدُ به عيبًا، رجع بالأَرْش، وهو جزءٌ من الأب، وهل يرجع إليه قهرًا، أو يقف على اختياره؟ فيه وجهان، فإذا رجع إليه جزءٌ من أبيه، عتق عليه، فإن وقفنا الرجوعَ على اختياره، فالظاهرُ أنَّه يسري، وإن قلنا: يرجع إليه قهرًا؛ فإن عجَّز نفسَه، لم يَسْرِ، وإن عجَّزه السيِّد، فوجهان.

4183 - فرع: إذا وهب شيئًا من سيِّده، فطريقان: إحداهما: القطعُ بالصحَّة.
والثانيةُ: فيه القولان، ويستقلُّ بتعجيل النجوم اتِّفاقًا، ولا يستقلُّ بتعجيل ديون الأجانب، ويستقلُّ بالسفر الطويل على أقيس القولين، كما يستقلُّ بنفسه ومسكنه في البلد، وفي السفر القصير طريقان: إحداهما: الاستقلالُ به.
والثانية: فيه القولان.

4184 -

فصل في معاملة السيد لمكاتبه

للسيِّد معاملةُ مكاتبه بالبيع والشراء وغيرهما، ولكلِّ واحد منهما الشفعةُ على الآخر، وإن وجب لكلِّ واحد منهما دينٌ على الآخر، أو وقع ذلك لغيرهما، وتساوى الدينان جنسًا ونوعًا وحُلولًا، فهل يسقط أحدُهما بالآخر؛ فيه أقوال: أحدُها: لا يسقط؛ لأنَّه بيعُ دين بدين.
والثاني: إن رضيا سقط، ولا تُشترط المعاوضة.
والثالث: إن رضي أحدُهما، سقط كقسمة الإجبار.
والرابع: يسقط وإن كرها؛ إذ لا فائدةَ في بقائهما.
هذا إن كان الدين من أحد النقدين، وأصحُّ الوجهين: أنَّ المثليات كالنقدين، وفي العُروض المتساوية خلافٌ مرتَّب، وأولى بالمنع، ولا يجري ذلك في الحالِّ والمؤجَّل، والصحيح والمكسَّر، وفي الديون المؤجَّلة احتمالٌ، والأوجهُ تخريجُها على الأقوال الثلاثة الأُول، ولا يبعدُ طردُ القول الرابع.

4185 -

فصل في تكفير المكاتب بالمال

ليس للقنِّ الاستقلالُ بالتكفير بالمال، فإن ملَّكه السيِّدُ مالًا، وأذن له أن يكفِّرَ بالمال كفَّر بالكسوة والطعام، ولا يستقلُّ المكاتبُ بالتكفير بالمال، فإن أذن السيِّدُ، فقولان، وإن قلنا: القنُّ لا يملك؛ فإنَّ المكاتب أهلٌ للتملك، وقيل: إذا كفَّر بالإذن، وقلنا: القنُّ لا يملك، لم يجزئه اتِّفاقًا، وإن

جارٍ التحميل