الغاية في اختصار النهايةصفحات 5-45

كتاب (1) القسام

3890 -

لا يخلي الإمامُ النواحيَ من الحُكَّام والقُسَّام، ويدرُّ على القُسَّام الرزقَ إن اتَّسع بيتُ المال، فإن لم يكن فيه مالٌ، فالأجرةُ على الشركاء، وفي اشتراط العدد في القاسم خلافٌ تقدَّم.

وقال في "التقريب": إن كان في الشركاء طفل، أو مجنون، فلا بدَّ من العدد، وإلَّا فقولان، وهذا بعيدٌ؛ فإنَّ عددَ البيِّنة لا يختلفُ بمثل ذلك، وإن نصب حاكمًا للقسمة؛ لتقومَ البينة عنده بالقيمة، أو التزكية؛ لتقوم البينة عنده بالعدالة والجرح، جاز، وإن [نصب للتزكية] (2)، أو التقويم مَنْ يعوِّل على اجتهاد نفسه، لم يجز؛ لأنّه إسقاطٌ للعدد فيما يُشرط فيه العدد، وللحاكم أن يعوِّل على بصيرة نفسه في التزكية، وليس له ذلك في القيمة، وخرَّجها بعضُهم على القولين في القضاء بالعلم.

3891 -

فصل في الاستئجار على القسم

إذا استأجر الشركاءُ قاسمًا أو قاسمين، أو فعل الحاكمُ ذلك في قسمة12

الإجبار؛ فإن استوت حصَصُهم، فالأجرةُ عليهم بالسوِيَّة، وإن تفاوتت، فطريقان: إحداهما: القطعُ بالتفاوت.
والثانية: التخريجُ على قول توزيع الشفعة على الشركاء.
وإن انفرد كلُّ واحد منهم بالاستئجار على نصيبه؛ فإن استأجروا معًا، صحَّت الإجارةُ، وكانت الأجرةُ على ما يقع عليه التراضي فيما يناسب الحصص، أو لا يناسبها، ولو تبرَّع القاسمُ على أحدهم، جاز.
وإن ترتَّبت العقودُ؛ مثل أن كانوا ثلاثةً، فقد صحَّح القاضي العقودَ الثلاثة، وجعل ما يأخذه من الأجرة على نصيب الثالث مقابلًا لمسح نصيبه، وكتابة اسمه، وإخراج القرعة، وقطع الإمام ببطلان 1 العقود الثلاثة إذا ترتَّبت من غير تراضٍ، ولا إجبار؛ فإنَّ الأوَّل يكون مستأجرًا على عمل يعمُّ الأملاك، وليس ذلك إليه، ولا سيَّما العقد الثالث؛ لأنَّ إفراز النصيبين الأوَّلين قد استحقَّ عليه، فكيف يأخذ الأجرةَ على ما يستحقُّ عليه، وقال: ليس لأحدهم الانفرادُ بالاستئجار على نصيبه إلَّا بإذن شركائه، فإن أذنوا له أن ينفردَ بالعقد على الجميع، فاستأجر، ليغرمَ جميعَ الأجرة، جاز، وكان وكيلًا في الإجارة، متبرِّعًا بالأجرة، وإن أذنوا في الانفراد لا على هذا التقدير، لم يصحَّ.

3892 -

فصل فيما يُجبر على قسمته

تجوز القسمةُ تراضيًا، ويجري الإجبارُ في المثليَّات، وما يمكن قسمتُه من العقار؛ كالمزارع والديار بشرط أن يبقى جنسُ المنفعة المقصودة في كلِّ حصَّة؛ بأن تصيرَ حصصُ المسكن مساكنَ، وحصصُ المزرعة مزارعَ، وحصصُ الحمَّام حمَّاماتٍ، فإن بطل ذلك الجنسُ بالقسمة؛ مثل أن تصيرَ حصصُ الطاحون والحمام مساكنَ، أو خزائنَ، فلا إجبارَ عند الجمهور، وأبعد مَنْ قال بالإجبار إذا أمكن الانتفاعُ بغير جنس المنفعة المتقدِّمة، فإن قلنا بالأصحِّ، فعليه

فرع

ان: أحدهما: إذا كان الحمَّام كبيرًا متَّحد القِدر والمستوقد والأَتُّون، وأمكن أن تصيرَ كلُّ حصَّة منه حمَّامًا بإحداث هذه المرافق، ففي الإجبار وجهان.
الثاني: إذا كان لزيد عُشر دار، وبقيَّتُها لعمرو، ولو قسمت، لم يكن العشرُ مسكنًا، وكان الباقي مسكنًا، فإن طلب صاحبُ الكثير، ففي إجبار صاحب العشر وجهان، وإن طلب صاحبُ العشر، لم يُجبر صاحبُ الكثير على الأشهر، وقيل: فيه وجهان، فإن باع أحدُهما حصَّته، فالشفعةُ تابعة للإجبار على القسمة.
ولو كانت الدار لسِتَّة نصفُها لزيد، ولكلِّ واحد من الخمسة عشرها؛ فإن طلب صاحبُ النصف القسمةَ، أو طلبها الخمسةُ على أن تبقى حصصُهم شائعةً، وقع الإجبارُ، فإن باعوا حصصَهم، أو باع الآخرُ نصفَه، ثبتت الشفعةُ من الجانبين؛ لأنَّها تابعة للإجبار.

3893 - فرع: ليس لوليِّ الطفل والمجنون طلبُ القسمة إلَّا أن يكونَ فيها غبطة، فإن

طلبها حيث لا غِبْطةَ، منعه الحاكمُ، وله طلبُها مع الغبطة، ويُجبر الشريكُ عليها، وفي توزيع الأجرة الخلاف، [وإن طلبها الشريكُ، أجبر الوليُّ اتِّفاقًا وإن نقصت بها حصَّةُ الصبيِّ، وفي توزيع الأجرة الخلاف] (1)، ولا يجب الصبرُ إلى بلوغ الصبيِّ اتِّفاقًا، وأبعد مَنْ قال: يقالُ لشريك الصبيِّ: إن أردت القسمةَ، فالتزم جميعَ الأجرة، فعلى هذا، هل يختصُّ ذلك بقسمة تضرُّ بالطفل، أو تنقص قيمةَ حصَّته، أو أن يكون ابتداءُ الطلب من شريكه؟ فيه خلاف.

3894 -

فصل في قسمة التعديل

إذا كان المقسومُ متَّحدًا، سميت قسمتُه إفرازًا، وإن كان متعدِّدًا؛ كالعبيد والرِّباع 2 سُمِّيت قسمتُه قسمةَ النقل والتحويل.
فكلُّ متقوِّم يمكن قسمتُه بالمساحة من غير ردِّ ولا تقويم؛ كالمزارع، والعرصات المستوية الأقطار، فإنَّا نجبرُ على قسمته، ولا نظرَ إلى اختلاف أغراض الشركاء في الجوانب، بأن يكونَ أحدُها مجاوزًا لملكه.
ولو مات رجل عن ثلاثة بنين وأعيان، فلها 3 أحوال: إحداهن: أن يتَّحدَ جنسُها؛ كثلاثة أعبد، أو ثلاث حمَّامات، أو1

أرحية (1)، ولا يمكن قسمةُ كلِّ واحدة من الأرحية والحمَّامات بانفرادها، فيطلب أحدُهم القسمةَ؛ ليحصلَ لكلِّ واحد منهم (2) عينٌ، فإن تساوت القيمُ، أُجبر أخواه عند الاكثرين؛ تنزيلًا لاختلاف ذلك منزلةَ اختلاف جوانب الأرض، وقيل: لا يجبران؛ للتعدُّد، وظهور اختلاف الأغراض، وإلى هذا ميل النصِّ، وطرد العراقيون الخلافَ في العبيد، ومنعوا الإجبارَ في الحمَّامات والأرحية؛ فإن تفاوتت القيمُ بأن كانوا أربعةَ أعبُد؛ قيمة عبدين مئةٌ، وقيمةُ الآخرين مئة مئة، أو وقع مثلُ ذلك في الأرحية، والحمَّامات، ففيه خلاف مرتَّب؛ لظهور تفاوت العدد.
الثانية: أن يخلِّف عبدًا وحمَّامًا وطاحونة، ولا يمكن قسمةُ كلِّ واحد منهما، فوجهان مرتَّبان على اتِّحاد الجنس، وأولى بمنع الإجبار.
وضابطُ هذه المسائل: أنَّ من الأصحاب مَنْ ينظر إلى إمكان التعديل، ومنهم مَنْ ينظر إلى تفاوت الأغراض.
الثالثة: أن تمكن قسمةُ الإفراز في كلِّ عين؛ كثلاث أراضٍ متميِّزات قابلات لقسمة الإفراز، فيطلب أحدُهم التعديلَ، ويطلب بعضُهم الإفرازَ، فيُجاب طالبُ الإفراز، ولا يُجاب طالبُ التعديل اتِّفاقًا.

3895 -

فرع:

إذا خلَّف ابنين وحمَّامًا كبيرًا، وحمَّامًا صغيرًا، ويمكن أن نجعل ثلثي12

الكبير سهمًا، والثلثَ الآخر مع الصغير سهمًا، فلا إجبارَ؛ لبقاء أصل الشركة، وأبعد مَنْ خرَّجه على الخلاف، فمتى تعدَّدت الأصنافُ، فإن أمكن إفرازُ كلِّ صنف، فلا إجبارَ على التعديل اتِّفاقًا، وإن لم يمكن إفرازُ كلِّ صنف، وأمكن التعديلُ، ففيه الخلافُ، فإن بقي أصلُ الشركة، فهو أبعدُ الصور عن الخلاف.

3896 -

فرع:

قال الأصحابُ: الإجبارُ على قسمة الدور كالإجبار على العرصات، وهذا مشكلٌ؛ لتفاوت الأبنية، وتفاوت الأغراض منها، فينبغي إن اختلفت أشكالُ الأبنية أن تُخرَّج على الخلاف، وإن تساوت بأن كان في أحد الجانبين صفةٌ مساوية للصفة المقابلة لها، ويمكن تبعيضُ العرصة بحيث يشتمل كلُّ نصيب على مثل ما اشتمل عليه النصيبُ الآخر، فهذا محلُّ الإجبار.
ولو كان في السكَّة داران متقابلتان متساويتان في الأشكال، ففي الإجبار على التعديل بينهما القولان.

3897 -

فصل في حقيقة القسمة

إذا كانت القسمةُ إفرازًا، فهي بيعٌ، أو إفرازُ حقٍّ فيه قولان، وإن كانت تعديلًا؛ فإن أجبرنا عليها، فطريقان: إحداهما: القطعُ بأنَّها بيع.
والثانية: فيها القولان.

وإن لم نجبر عليها، فالمذهبُ أنَّها بيع، وأبعد مَنْ أجرى القولين.
ولو ملكا عرصةً نصفين؛ قيمةُ أحد نصفيها ألفٌ؛ لقربه من الماء، وقيمةُ النصف الآخر خمس مئة؛ لبعده من الماء، فهذه قسمةُ إجبار عند الأصحاب، فتقسم بالمساحة ثلاثًا وثلاثين؛ فإنَّ تفاوتَ القدر مع تعديل القيمة لا يمنع من الإجبار، وهذه القسمةُ بيعٌ، أو تجري على القولين؟ فيها 1 طريقان.
وأمَّا قسمةُ الردِّ: فهي جاريةٌ في الدور والعبيد وغيرهما، وهي ما لا يمكن تعديلُ سهامها إلَّا بأن يردَّ البعضُ على البعض دراهمَ، أو ما يتَّفقان عليه من أصناف المال؛ مثل أن تكونَ قيمةُ أحد العبدين ألفًا والآخر ستَّ مئة، فيأخذ أحدُهما المساويَ للألف، ويردُّ على صاحبه مئتين؛ ليأخذَ العبدَ الآخر، فلا إجبارَ على بذل العوض، فإن طلب أحدُهما القسمةَ فيما خرج عن محلِّ الردِّ، بأن يقابل العبدُ المساوي للست مئة بست مئة من المساوي للألف، وتبقى الشركةُ في أربع مئة، فلا إجبارَ على الأصحِّ.
وأطلق الأصحابُ أنَّ قسمة الردِّ بيع، وهذا صحيحٌ فيما يُقابَل بالعوض، و [أمَّا] 2 ما لا يُقابل به؛ فإن أجبرنا عليه، ففيه القولان، وإن لم نجبر عليه، ففيه الطريقان، وفي كلامهم ما يدلُّ على ذلك.

3898 -

فصل في افتقار القسمة إلى اللفظ

إذا مُيِّزت السهامُ؛ فإن كانت القسمةُ إجبارًا، فلا حاجةَ إلى لفظ البيع، ولا غيره اتِّفاقًا، سواء جعلناها إفرازًا أو بيعًا، وإن كانت قسمةَ تراضٍ؛ فإن رضوا بها قبل التمييز، ثمَّ قالوا بعد القرعة: رضينا بهذه القسمة، صحَّت القسمةُ، ولا حاجةَ إلى لفظ البيع، وإن رضوا بحكم القرعة قبل خروجها، ثمَّ رجع أحدُهم قبل القرعةُ، بطل رضاه اتفاقًا، وإن استمرَّ الرضا حتَّى خرجت القرعةُ؛ فإن لفظوا بالرضا بعد القرعة، صحَّت القسمةُ، وكذا إن لم يتلفَّظوا على الأصحِّ، وإذا أنشؤوا الرضا بعد القرعة، لم يشترط لفظ البيع، وفي اشتراط لفظ القسمة، أو ما يدلُّ عليها؛ كالتمييز والتفاضل وجهان: أحدُهما: يُشترط ذلك.
والثاني: يكفي ما يدلُّ على الرضا؛ كقولهم: رضينا بهذا.

3899 -

فرع للقاضي:

إذا تساوت قوالبُ اللَّبِن، أُجبر على قسمته، وإن تفاوتت، فقولان.

3900 -

فصل في قسمة المال الربويِّ

المال الربويُّ إن جاز بيعُ بعضه ببعض، صحَّت قسمتهُ، وإن لم يجز، فقولان يجريان في قسمة الوقف مع الطلق، فإن جعلنا القسمةَ إفرازًا، [جاز، وإلَّا فلا.

ولا تجوز قسمةُ الدار الموقوفة وإن جعلنا القسمةَ إفرازًا] (1)، وأبعد مَنْ أجازها إذا مسَّت الحاجةُ، وأشرفت على الخراب.

3901 -

فصل في كيفية القسمة

تجوز قسمةُ المثليِّ كيلًا ووزنًا، فإن قُسم الربويُّ المكيلُ وزنًا، أو الموزونُ كيلًا؛ فإن جعلنا القسمةَ إفرازًا، جاز، وإلَّا فلا.
وتقسم الأراضي بالمساحة والتكسير بالضرب، فإن تفاوتت السهامُ، قُسمت على أقلِّها، ثمَّ مُيِّزت بالمساحة، أو بتعديل القيمة، فإذا كان لأحدهم سدسٌ، وللثاني ثلثٌ، وللثالث النصفُ، مُيِّزت أسداسًا بالمِساحة، أو تعديل القيمة، ثمَّ يُقرع بينهم، والنصُّ: أنَّا نكتب أسماءَهم، ثمَّ تخرج الرقاع على السهام؛ كالسهم الأوَّل والثاني وغيرهما.
ولو أعتق في مرض موته عبيدًا لا يملك غيرَهم، فالنصُّ أنَّا نكتب الرقَّ والحريةَ، ونخرجهما على العبيد، وقياسه في القسمة أن تُكتبَ السهام؛ كالأوَّل، وما بعده، ثمَّ تُخرج على أسماء الشركاء، ففرَّق بعضُهم بأنَّ الحريةَ حقٌّ لله دون العبيد، ولذلك لا تسقط بإسقاطهم، فكانت كتابتُها أولى، والمقسوم ملك للشركاء، فكانت كتابة أسمائهم أولى، وقيل: فيهما قولان: أحدُهما: تكتب أسماء العبيد والشركاء.
والثاني: تكتب الحريةَ والرق والأنصباء، ولا خلافَ في جواز الأمرين،1

وإنَّما الخلافُ في الأولى، وإذا كُتبت الأسماء، فالأصحُّ: [أنَّا نكتب] 1 ثلاثَ رقاع، وقال العراقيون: الأصحُّ: أنَّا نكتب ستَّ رقاع؛ لصاحب السدس واحدة، ولصاحب الثلث اثنتان، ولصاحب النصف ثلاثة؛ إذ قد يكون لصاحب الكبير غرض في الطرف، فيتوقَّع من تكبير رقاعه خروج رقعته على الطرف، وهذا باطل؛ إذ لا حقَّ لواحد منهم في الطرف، فإن قلنا بالثلاث، فكُتب ستة، أو قلنا بالستَّة، فكُتب ثلاثة، لم تصحَّ القسمةُ، وفي كلام أبي عليٍّ 2 ما يدلُّ على جواز الأمرين، وحُمل الخلافُ على الأولى.
فإذا كُتبت الرقاعُ وقف القاسمُ على طرف بعينه بتحكُّمه، ويقول: أخرج القرعةَ على هذا الطرف، فإذا خرج عليه اسمُ أحدهم، لم تُفرَّق عليه سهامه، بل يأخذها على الولاء، فإن خرج اسمُ صاحب النصف، أخذ ثلاثة أسهم متوالية، ثمَّ يُقرع، فإن خرج اسمُ صاحب السدس، أخذ سهمَه، وتعيَّن السهمان الأخيران لصاحب الثلث بغير قرعة، وإن خرج اسمُ صاحب الثلث، أخذ سهمين متواليين، وتعيَّن الأخيرُ لصاحب السدس بغير قرعة.
وإن كتبت السهام، كتب: أوَّل، ثانٍ، ثالث، رابع، خامس، سادس، ثمَّ يقول: أخرج رقعةً لصاحب النصف، فإن خرج الأوَّل، أخذه من ذلك الطرف مع سهمين متَّصلين به، وإن خرج الثالثُ، أخذه مع الأوَّل والثاني، ولا يأخذه مع الرابع والخامس، وإن خرج له الرابعُ، أخذه مع الخامس والسادس؛ لئلَّا يتفرَّق نصيبُ الثالث.

قال الشافعيُّ: وتكتب رقاع متساوية المقدار، وتُدرج في بنادقَ من طين أو شمع متساوية، وتجفَّف وتوضع في حِجْر مَنْ لم يحضر ذلك؛ فإن البنادقَ إذا تفاوتت، سبقت اليدُ في الغالب إلى أخذ الكبار، ولذلك قال أبو محمَّد: لا يبعد إيجابُ التسوية.
وقال الإمام: إذا أُبرزت البنادق، وقيل للمخرج: لا فرق بين الصغار والكبار، فأخرج ما شئت، وهي بارزةٌ، فلا أثرَ للصغر والكبر، وإن جُعلت في كمِّه، أو حجره، جاز أن يؤثِّر تفاوتُها في الاحتياط، ويبعد أن يؤثِّر في الاشتراط.

3902 -

فصل في ظهور بعض المقسوم مستَحَقًّا

إذا قُسمت الأرضُ نصفين، فاستُحقَّ منها ثلثٌ شائع، بطلت القسمةُ فيه، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، فإن قلنا: تبطل، أُعيدت القسمةُ، وإن قلنا: تصحُّ، صار لصاحب الثلث ثلثٌ شائع فيما صار (إلى كلِّ) 1 واحد منهما.
ولو قُسمت التركةُ، ثمَّ ظهر دينٌ على الميت، أو وصيَّة لا تتعلَّق بعين، فقد قال العراقيُّون: إن جعلنا القسمةَ إفرازًا، صحَّت القسمةُ بشرط أن يوفوا الوصيَّة والدين، وسواء علموا بالدين لمَّا اقتسموا، أو لم يعلموا، وإن جعلنا القسمةَ بيعًا ففي صحَّة القسمة والبيع قبل قضاء الدين قولان:

أحدُهما: يصحَّان إن قضوا الدين.
والثاني: لا يصحَّان؛ كبيع الرهن.
وقال الإمام: إن منعنا الإرثَ بالدين، لم تصحَّ القسمة، وإن لم نمنعه؛ فإن جعلنا تعلُّقَ الدين بالتركة كتعلُّقه بالرهن، لم تصحَّ القسمة، ولا البيعُ، وإن جعلناه كتعلُّق الجناية برقبة العبد، ففي صحَّة البيع والقسمة قولا بيع العبد الجاني، سواء جُعلت القسمةُ بيعًا أو إفرازًا، فإنَّ الإفرازَ تصرُّف في متعلِّق الدين، فأشبه البيع.
فإن قلنا بالصحَّة، فلم يؤدُّوا الدينَ، نُقضت القسمةُ والبيع، وينبغي أن يلحقَ تصرُّفهم بتصرُّف المفلس، فيوقَف على قول، فإن أدَّوا الدَّين، تبيَّنت الصحَّة، وإن لم يؤدُّوه، تبيَّن البطلان، فإنَّ انحصارَ الدَّين في التركة كانحصار حقوق الغرماء في مال المفلس.

3903 -

فرع:

إذا جرت قسمةُ التعديل، فاستُحِقَّ شيءٌ معيَّن؛ فإن كان المقسومُ صنفًا واحدًا، فظهر المستَحَقُّ في نصيب أحدهم، أو في جميع نصيبه، بطلت القسمةُ، وإن كان متعدِّدًا؛ كالعبيد، فاستُحِقَّ من حصَّة أحدهم عَيْن، واستُحقَّ من حصَّة الآخر مثلُها مع تساوي القيمة، لم تُنقض القسمة؛ لاستوائهما في المستَحَقِّ وغيره، ودلَّ كلامُ بعضهم على البطلان، فإنَّ القسمةَ لم تُوقَع على ذلك أوَّلًا، وقد بطلت صفتُها بالاستحقاق.

3904 -

فصل في دعوى الغلط

إذا ادَّعى بعضُ الشركاء أن القاسمَ غلط، أو حافَ في القسمة؛ فإن كان منصوبًا للحاكم في قسمة إجبار، لم يُقبل قولُه إلَّا ببيِّنة، ولا يحلف القاسم، كما لا يحلف الحاكمُ، سواء تعدَّد القاسم أو اتَّحد، فإن ادَّعى علمَ الشريك بالحَيْف، فله تحليفُه، فإن حلف انقطعت الخصومةُ، وإن نكل، حلف المدَّعي يمين الردِّ، وانتقضت القسمةُ، وإن ادَّعى علمَ الشركاء بذلك، فحلف بعضُهم، ونكل آخرون، حلَّف على الناكلين، وانتقضت القسمةُ في أنصبائهم، وأبعد مَنْ قال: إذا جعلنا يمين الردِّ كالبيِّنة، انتقضت في حقِّ الجميع.
وإن نصب الشركاءُ القاسمَ في قسمة لا يُجبر على مثلها، ثمَّ ادَّعى بعضُهم الغلطَ أو الحَيْفَ فقد قال العراقيون: إن رضوا بالقسمة في الابتداء، وفيما بعد القرعة، لم تُسمع دعواه، ولا بينته؛ كمن غُبن في الشراء مع ظنِّه أنَّ الثمنَ ثمنُ المثل، وقال الإمام: ينبغي أن تبطلَ القسمةُ (إذا ظهر ذلك) 1، فإنَّهم إنَّما رضوا بتقدير التعادل والاستواء، وإن رضوا في الابتداء، ولم يحدِّدوا الرضا بعد القرعة، فقد قال العراقيون: إن شرطنا تجديدَ الرضا، فلكل واحد نقضُ القسمة، وإن لم نشترطه لم تُسمع دعواه، ولا بيِّنتُه؛ كقسمة الإجبار، وفيما ذكروه نظر؛ فإنَّ منصوبَ القاضي شاهدٌ، أو حاكم، بخلاف منصوبهما.
وإن اقتسما بأنفسهما، فالظاهر اشتراطُ رضاهما بعد القسمة، وفيه احتمال، فإن اقتسما وهما عالمان بالتفاوت راضيان به، لزمت القسمةُ على مقتضى كلام الأصحاب.

وقال الإمام: إن جعلنا القسمةَ إفرازًا، لم يلزم بدون الاعتدال، وإن جعلناها بيعًا، لزمت، ويتَّجه أن يشرط هاهنا لفظُ البيع، وإنَّما يُقام لفظ القسمة مُقامَ لفظ البيع إذا جرت حقيقةُ القسمة، وحقيقتُها: التعادلُ والاستواء.

3905 -

فرع:

إذا اختلفا في أصل القسمة، فالقولُ قول النافي إلَّا أن تقعَ بمنصوب الحاكم، فيُرجع إليه، لأنَّه شاهد أو حاكم.

3906 -

فصل في قسمة الحاكم اعتمادًا على أيدي الشركاء

إذا طلب جماعةٌ من الحاكم قسمةَ دار في أيديهم؛ فإن ثبت ملكُهم، أجابهم، وكذا إن لم يثبت في أصحِّ القولين، فيكتب: إنِّي قسمتُها بينهم بطلبهم، ولم يثبت عندي ملكُهم، وإن طلب البعضُ، وأبى الآخرون، فطريقان: إحداهما: يقسمها؛ قطعًا للخصومة.
والثانية: فيها القولان.
وقطع الإمامُ بجواز القسمة في الصورتين، وتردَّد في وجوب القسمة؛ لأنَّ الوجوبَ يجوز أن يستدعيَ موجبًا، وأمَّا الجواز: فيُكتفى فيه بظاهر الحال؛ فإنَّ من أدخل الحاكمُ 1 دارًا في يده، وأضافه فيها، جاز له ذلك، وهو عادةُ الأتقياء والأولياء.

3907 -

فصل في المهايأة

إذا تعذَّرت قسمةُ الملك، انتفع به الشركاءُ مهايأةً على ما يتراضون به من 1 مياومة أو مسابعة أو مشاهرة أومسانهة، فإن امتنع بعضُهم، لم يُجبر، خلافًا لابن سُريج، فإن قلنا بالمذهب، فتمانعوا نكدًا 2، فوجهان: أحدهما: لا يُتعرَّض لهم، بل يُترك الملك معطَّلًا حتَّى يصطلحوا.
والثاني: يُباع عليهم، ويُقسم ثمنُه بينهم، ولا يُعدُّ هذا من المذهب، ولا يجري إلَّا إذا استمرَّ الطلبُ والتنازع، فإن تركوا ذلك تركناهم، وإذا جرت المهايأةُ، فلا نتبع لما وقع من نوبها، فإن كانوا في ابتداء النوب، فاستوفى أحدُهم نوبتَه، ثمَّ رجع عن المهايأة، فوجهان: أحدهما: تُدار النُّوَبُ بينهم إلى إتمامها، ثمَّ يتخيَّرون.
والثاني -وهو أقيسُ-: لا تجب الإدارة، وعلى مستوفي النوبة أجرةُ حصص شركائه.

3908 -

باب ما على القاضي في الخصوم والشهود

من تولَّى ولاية عظيمة؛ كالقضاء فليتنجز كتبَ الإمام أو والي الإقليم بذلك، ثمَّ [تثبت توليته] 1 في محلِّ ولايته بالاستفاضة، وفيما يجب به طاعتُه مذهبان: أصحُّهما: إذا استفاضت ولايتُه، وجبت طاعتُه؛ اعتبارًا بسير السلف.
والثاني: لابدَّ من عَدْلين يشيعان ولايتَه وإن لم يكن بلفظ الشهادة.
فإن كانت تلك الولايةُ ممَّا تقتضي العادةُ استفاضتَها، فلم تَسْتَفِض، ففي اشتراط الاستفاضة 2 احتمال؛ لوقوع الريب.
وقال بعضُ الأصحاب: يكفيه كتابٌ تظهر معه مخايلُ صدقه؛ لظهور سطوة الولاية، وكون الكتاب بخط مشهور من الكُتَّاب، وهل يُشترط مع الكتاب عدلان يخبران بذلك؟ فيه وجهان، وينبغي أن يقدِّم كتبَهُ إلى محلِّ ولايته، ويتعرَّف أحوال العدول والمزكِّين، وأركان القضاء، ويكاتبهم ليستعدُّوا، ويكون ذلك من أسباب الاستفاضة.

3909 -

فصل فيما يبدأ به الحاكمُ إذا قدم

إذا قدم الحاكمُ وتصدَّى للحكم، تحتِّم عليه البدايةُ بالمحبَّسين، فيحضرهم، فمن أقر أنَّه حُبس بحقٍّ، ردَّه إلى الحبس، ومن ادَّعى أنَّه حُبس ظلمًا، وجب إطلاقُه عند القاضي حسين، وقال الجمهور: يُسأل عن خصمه، فإن ذكره أحضره، وأمره أن يستأنفَ الدعوى، ويجري فيها على ترتيب الخصومات، فإن لم يُقم عليه بَيِّنة، أطلقه؛ فإنَّ الحبسَ يكون بالحقِّ والباطل، والتعزير والتأديب.
فعلى هذا: لو وجد محبوسًا لا يُعرف خصمُه، نادى عليه أيَّامًا إلى حدِّ الإشاعة: أن فلان بن فلان محبوس، فمن خصمُه؟ ولا يُطاف به في تلك الأيَّام، ولا يُحبس ولا يُخلَّى، بل يُنصب عليه رقيب، ثم يُطلق بعد مدَّة الإشاعة، ويُؤخذ منه كفيلٌ ببدنه، فإن امتنع، لم يُحبس على الأصحِّ، ولو قال: حُبست ظلمًا، وخصمي غائب، ولو حبسناه لطال حبسه، فإنَّه يُطلق، وهل يُنصب عليه رقيب؟ فيه وجهان؛ لما في المراقبة من الأضرار.
ولا ينبغي للحاكم أن ينظرَ في قضيَّة تُرفع إليه حتَّى يفرغ من ذلك، ثمَّ ينظر في الأُمناء والقُوَّام، وما بأيديهم من أموال الأيتام، فإن أمكنه فصل خصومة في أثناء ذلك من غير أن يختلَّ نظرُه فيه، فليفعل، وإلَّا فالبداية بالمحبَّسين، وأموال الأطفال، وإن استخلف فيما يسنح من الوقائع، واشتغل بهذين المهمَّين، فله ذلك حيث يجوز له الاستخلافُ.

3910 -

فصل في التسوية بين الخصوم

يجتنب الحاكمُ كلَّ ما يشعر بتخصيص أحد الخصمين بإقبال أو إكرام، فلا يخصُّ أحدَهما بالإذن، ولا بالنظر إليه، ولا بالتبسُّم، فينظر إليهما، أو يُطرق، ولا يتبسَّم في وجه أحدهما، ويعبس في وجه الآخر.
قال الشافعيُّ: ولا يُضيِّف أحدَهما، فقيل: لا يكون ضيفًا له، وقد ذكرناه في حضور الولائم، وقيل: لا يتَّخذه ضيفًا.
ويسوِّي بينهما في المجلس إن كانا مسلمين، أو كافرين، وإن كان أحدُهما ذمِّيًا، والآخر مسلمًا، ففي رفع مجلس المسلم وجهان، وإن سلَّما، ردَّ سلاميهما، وإن سلَّم أحدُهما، ردَّ سلامه؛ إذ لا يظهر بذلك ميلٌ، وأسرف مَنْ قال: لا يردُّه، فإنَّه سلَّم في غير محلِّ السلام؛ فإنَّ الحاكمَ في شغل شاغل، أو يقول لخصمه: سلِّم، ثمَّ يردُّ سلامَيْهما.
فإذا جلس الخصمان، فله أن يقولَ: من الطالبُ منكما، فإن ادَّعيا معًا أُقرع بينهما، وإن سبق أحدُهما بالدعوى، فقال الاَخر: كنت أنَا المدَّعي، فبادرني بالدعوى، قيل له: اخرج عن دعواه، ثمَّ ادَّعِ عليه، فإن صحَّت الدعوى، طالب المدَّعى عليه بجوابها إن التمسه المدَّعي، وكذا إن لم يلتمسه على الأصحِّ، فإن أنكر، قال للمدَّعي: ألك بيِّنة، وأبعد مَنْ قال: لا يقول ذلك، فإن قال المدَّعي: لا بيِّنة لي حاضرةٌ، ثمَّ أقام بيِّنة، قُبلت اتِّفاقًا، وإن قال: لا بينة لي، أو قال: لا بينة لي حاضرة، ولا غائبة، ثمَّ أقام بيِّنة، ففي قَبولها وجهان.
وإذا قامت البيِّنة العادلةُ، لم يثبت الحقُّ حتَّى يقولَ الحاكم: قضيت

به، وإن أقرَّ إقرارًا صريحًا، ثبت الحقُّ، وأبعد مَنْ قال: لا يثبت حتَّى يقول: قضيت، والفرق: أنَّ ما يُتوقَّع من الريب بعد التعديل لا بدَّ من قطعه بقوله: قضيت، وإن سكت المدَّعى عليه؛ فإن كان عن عيٍّ (1) وحصر، رُوجع، فإن أصرَّ، جُعل سكوتُه إنكارًا.

3911 -

فصل في هدايا الحكَّام

الأَوْلى بالحاكم أن يغلقَ بابَ قَبول الهدايا، فإن أُهديَ إليه شيءٌ؛ فإن كان للمهدي خصومةٌ، حَرُم القَبولُ، فإن قَبل، لم يملك عند الأكثرين، وفيه وجه، وإن لم يكن له خصومةٌ؛ فإن لم يكن من أهل ولايته، فإن كان معتادًا للهديَّة قبل الولاية، فالأَوْلى ألَّا يقبلَ، وإن قَبِل، ملك، وإن لم تكن عادتُه أن يُهدي إليه، كُره القَبول، فإن قبل، ملك، وُيستحبُّ أن يثيبَه، فإن لم يثبه، وضع الهديةَ في بيت المال، وإن كان من أهل ولايته، اشتدَّت الكراهة، فإن قَبل، ملك، وأبعد مَنْ قال: لا يملك، فعلى هذا: يحرم القَبولُ.

3912 -

فصل فيمَنْ يقدَّم من الخُصوم

إذا ازدحم الخصومُ على الحاكم، قدَّم بالسبق، فإن استووا، قدَّم بالقرعة، فإن كان فيهم نساء، أو مسافرون مستوفزون؛ فإن كثروا بحيث يعظم تضرُّر غيرهم إذا قدَّمهم، لم يقدِّمهم إلَّا بسبق أو قرعة، وإن قلُّوا، ورأى1

تقديمَهم، جاز على الأصحِّ.
وإذا قدَّم واحدًا بسبق أو قرعة، فخاصم، ثمَّ أنشأ خصومةً أخرى؛ فإن كانت مع خصم آخر، لم تُسمع، وإن كانت مع خصمه الأوَّل، لم تُسمع على الأصحِّ، وقيل: تُسمع إلى ثلاث خصومات، ولا زيادة على الثلاث.
وإن تسابق طلبةُ العلم؛ فإن كان ذلك العلمُ ممَّا لا يجب تعليمُه، فالخيار للمعلِّم، وإن كان ممَّا يجب تعليمُه، فهل له أن يخصَّ به أهل الكفاية؟ فيه وجهان: أولاهما: المنعُ؛ إذ لا علمَ له بمَنْ يفلح، ومن لا يفلح، فإن لم يمكن تعليمُ الكلِّ، وكانت مراتبهُم موجبةً لتخصيص كلِّ واحد بما يليق به، قدَّم بالسبق، فإن استووا، فبالقرعة.

3913 -

فائدة:

ينبغي للإمام أن يجعلَ مع رزق الحاكم ثمنًا للقراطيس التي يكتب فيها الحُجَج المخلَّدة في ديوانه، فإن لم يفعل، لم يلزم الحاكم، وقال للخصم: إن أردت التوثُّق بحقِّك، فأتِ بقرطاس نكتب فيه؛ لنتذكَّر به إذا رجعنا إليه، فإن لم تفعل، فلا عليك.

3914 -

فصل في إحضار المخدَّرة

إذا كانت الدعوى على مخدَّرة لم تحضر مجلسَ الحكم، بل يَحْضرها الحاكمُ أو نائبه، وقال القفَّال: تحضر مجلسَ الحكم؛ فإنَّ ذلك لا يبطل الخِدْر.

وإن كان المدَّعى عليه مريضًا، فالوجهُ أن يحضرَه الحاكمُ أو نائبه.
قلت: لو كُلِّفت المُخَدَّرة والمريضُ التوكيلَ، لكان أقربَ من تبذُّل الحاكم أو نائبه، إلَّا أن تتعلَّقَ الدعوى والبينة والحكم بأعيانهما.
واختلفوا في المخدَّرة، فقيل: هي التي لا تعتاد التبذُّلَ بالخروج للحوائج وإن خرجت للعزايا، والزيارات، وقيل: التي لا تخرج للحوائج، ولا تخرج للعزايا والزيارات إلَّا نادرًا، وقال الإمامُ: هي التي لا تخرج إلَّا لضرورة.

3915 -

فائدة:

إذا أقرَّ رجل أنَّه شهد بالزُّور، أو علم الحاكمُ أنَّه تعمَّد ذلك؛ فإن لم يكن ذلك عن عثرة، بادر إلى تعزيره، وينبغي أن يبعثَ به إلى المواضع الجامعة؛ كالمسجد الجامع، فيُنادى عليه، ويُشاع فعله، ويُحذَّر الناس من تحميله الشهادة.

3916 -

فصل في حكم القاضي بعلمه

لا يحكم القاضي بخلاف علمه اتِّفاقًا، فإذا قامت البينةُ بموت إنسان رآه الحاكم حيًّا في وقت الشهادة، أو تزوَّجته امرأة يعلم أنَّها محرمٌ للزوج، فلا يحكم بذلك؛ لعلمه بكذب البينة، ثمَّ قال الأئمَّة: إذا امتنع من الحكم، فحسن أن يذكرَ ما عنده، فإنَّه أنفى للريبة، وإن علم وجوب مال لله، كالزكاة، أو للعباد؛ كالديون والأعيان، أو علم وجوبَ حدٍّ لله تعالى، أو للعباد، فهل يحكم بعلمه؟ فيه قولان جعلهما بعضُهم في مرتبة واحدة، ورتَّب الأكثرون

حدودَ العباد على المال، وحدودَ الله على حدود العباد، فإن قلنا: يحكم بعلمه، فسواء علم بذلك في محلِّ ولايته وزمنها، أو في غيرهما، وإن قلنا: لا يقضي بعلمه، فعليه

فرع

ان: أحدُهما: أن يكونَ مع المدَّعي شاهد واحد، فلا يحكم له على أقيس الوجهين.
الثاني: (يحكم) (1) في التعديل بعلمه، وأبعد مَنْ منعه.

3917 - فرع: إذا أقرَّ إنسان في مجلس القضاء على رؤوس الأشهاد، قُضي بإقراره قولًا واحدًا، وإن أقرَّ عنده سرًّا، ففيه القولان، وأبعد مَنْ قال: يقضى قولًا واحدًا.

3918 -

فصل في التحكيم

إذا حكَّم رجلان رجلًا يصلح للقضاء في مال، ففي نفوذ حكمه عليهما قولان، وفي النكاح قولان مرتَّبان وأَوْلى بالمنع، وفي العقوبات قولان مرتَّبان على النكاح، وأولى بالمنع، وفي محلِّ القولين طرقٌ: إحداهنَّ: إن كان في البلد قاضٍ، لم يجز، وإلَّا فقولان.
والثانية: إن لم يكن بالبلد قاضٍ، جاز، (وإن كان) 2، فقولان.1

والثالثة: طرد القولين في الصورتين، فإن أجزناه، فلا بدَّ من رضا الخصمين، وأن يكون المحكَّم ذكرًا حرًّا مقبولَ الفتوى بحيث يجوزُ للإمام نصبُه، فإن تعلَّق حكمُه بثالث، لم ينفذ عليه، فإن كانت الدعوى بقتل خطأ؛ فإن أقرَّ به الخصمُ، لم تجب الدِّية على العاقلة إلَّا أن يصدِّقه، وإن قامت به بينة، لم تجب عليهم على أقيس الوجهين إلَّا أن يصدِّقوه، ولو رضيا بحكمه، ثمَّ رجع أحدُهما قبل الحكم، لم ينفذ حكمُه عليه اتِّفاقًا، وأبعد مَنْ قال: إذا خاض في الحكم، لم ينفذ الرجوعُ، وإذا رضيا قبل الحكم، فإن جدَّدا الرضا بعد الحكم، نفذ، وإن لم يجدِّداه، فوجهان.
ولا يتَّخذ حبسًا على المذهب، وفيه وجه، ولا يتولَّى العقوبات عند أبي محمَّد، والإمام، بل يقتصر على إثباتها، والحكم بها.

3919 -

فصل في الاستخلاف

شرط الحاكم أن يكون ذكرًا حرًّا، مقبولَ الفتوى؛ فإنَّ الفاسقَ المجتهدَ يعمل باجتهاده، ولا تُقبل فتواه، وزاد الإمامُ الكفايةَ اللائقة بالقضاء، وهي التشميرُ والاستقلال بالأمر مع مواتاة النفس على الجدِّ فيه، وذلك مُشْبِهٌ للنجدة في الإمام، وفي معرفة الخطِّ وجهان.
والأولى بالإمام أن يأذنَ له في الاستخلاف؛ لما يطرأ عليه من الأغراض، فإن نهاه عن الاستخلاف، لم يستخلف، وإن أطلق توليتَه، فهل له الاستخلاف؟ فيه أوجه، ثالثُها: إن استقلَّ بما فوَّضه إليه، لم يستخلف، وإن اتَّسع محلُّ

الولاية (1) بحيث لا يستقلُّ، فله أن يستخلفَ، [ويُشترط في نائبه ما يشترط فيه إلَّا أن يستخلفَه في بعض أركان القضاء] (2)، فلا يُشترط فيه الاجتهادُ، ويكفيه أن يستقلَّ بمعرفة ما فوِّض إليه، كما لو استخلفه للتزكية، أو ليحضرَ موضعًا؛ لتعيُّن شهوده، ونحو ذلك، وجوَّز أبو محمَّد قصورَ قضاة النواحي إذا فُوِّض إليهم سماعُ البيِّنات ونقلها، وينبغي أن يستقلُّوا بسماع الدعوى، وأحكام البيِّنات.

3920 -

فصل في العزل

للحاكم أن يعزل نفسَه، فإن عزله الإمامُ؛ فإن رابه منه أمرٌ أو غلب على ظنِّه، ولم يتحقَّقه، نفذ عزلُه، وإن لم يظنَّ به إلَّا الخير؛ فإن عزله بأفضلَ منه، انعزل، وإن عزله بدونه، لم ينعزل، وإن عزله بمثله، فوجهان.
وقال الإمام: حقٌّ على الإمام ألَّا يصدرَ توليةً ولا عزلًا، ولا غيرهما من أمور المسلمين إلَّا عن نظر ثاقب، وبَحْث تامٍّ، ويختلف ذلك باختلاف خطر المنظور فيه، فإن رأى عزلَه بدونه؛ ليشغل الأفضلَ بأمر أهمَّ من القضاء، نفذ عزله.
وإذا أطلق العزلَ لم يُعترض عليه إذا أمكن أن يكونَ فيه مصلحة ونظر، فإن عزل واليًا من غير نظر، أثم في الباطن، وتردَّد بعضُ الأصوليِّين في نفوذ12

عزله، وقطع الإمامُ بنفوذ العزل.
وينبغي للإمام أن يعلِّقَ العزلَ على بلوغ الخبر، فيقول: إذا وقفت على كتابي، فأنت معزول، فإن قال: إذا قرأته (1)، فأنت معزول، فقُرئ عليه، كان حكمُ تعليقه هاهنا كحكم تعليق الطلاق على بلوغ الكتاب في محلِّ الخلاف والوفاق، وقال الصيدلانيُّ: إذا قُرئ عليه، انعزل اتِّفاقًا؛ نظرًا للمقاصد، بخلاف الطلاق.

3921 -

فصل فيما ينعزل به الحاكم

كلُّ طارئ يمنع ابتداءَ التولية؛ كالجنون والنسيان المُخِلِّ بالاجتهاد فإنَّه مانع من التصرُّف بالولاية، وفي الفسق خلافٌ، والأكثرون على الانعزال، فإن قلنا: لا ينعزل، وجب عزلُه، وينفذ مِن تصرُّفه قبل العزل ما يوافق الشرعَ، وإذا قلنا بانعزال الوكيل بالجنون 2، فجُنَّ الحاكم، ثمَّ أفاق، ففي بقاء ولايته بعد الإفاقة وجهان، والوجه ألَّا تبقى؛ لأنَّ الولايهَ جائزةٌ من جانبه كالوكالة.
وإذا عُزل الحاكم أو مات أو انعزل وله خلفاءُ، فمن كان خليفة 3 في أمرٍ جزئي؛ كسماع شهادة في واقعة انعزل، ومَنْ كان مستقلًّا بالحكم أو قيِّمًا في مال طفل، ففي انعزاله أوجهٌ، أبعدُها: أنَّه ينعزل إلَّا أن يكونَ مأذونًا له في1

الاستخلاف، وإن مات الإمامُ، لم تنعزل ولاتُه على الأظهر؛ لعُمُوم الضرر، وأبعد مَنْ أجرى الخلاف.

3922 -

فصل في إقرار الحاكم بالحكم

إذا قال الحاكمُ: حكمتُ لفلان بكذا، قُبل قولُه اتِّفاقًا، وإن منعناه من القضاء بعلمه؛ فإنَّ من يملك الإنشاء يملك الإقرارَ، وإن أقرَّ بذلك بعد العزل، لم يُقبل.
وإن شهد على (1) ذلك مع شاهد آخر؛ فإن أضاف الحكمَ إلى نفسه، لم يُقبل، خلافًا للإصطخريِّ، فإنَّه جعله كشهادة المرضعة على الرضاع، وإن قال: أشهدُ أن حاكمًا عادلًا حكم، فوجهان، وإن شهد عدلان لم يحكما قطُّ على حُكم حاكم لم يسمِّياه، ولم يعيِّناه، قُبل على ظاهر المذهب.
ومن ادَّعى على الحاكم بعد العزل أنَّه أخذ منه رِشوةً، أحضره الحاكمُ الجديد، وفصل الخصومةَ بينهما، وإن قال: حكم عليَّ بشهادة عبدين، أو مُعْلِنين بالفسق، ففي إحضاره وجهان، وقطع الإمامُ بأنَّه يحضره؛ ليبحث عن حقيقة الحال، فإن حضر، فلم يقم عليه بينة، ففي تحليفه وجهان؛ فإنَّه لم يدَّع عليه بمال، وقد قال بعضُ الأصحاب: لا تُسمع هذه الدعوى إلَّا أن يقول: أخذ منِّي المال ظلمًا.

3923 -

فرع:

إذا ادَّعى بعض الأمناء أو الأوصياء أنَّ الحاكمَ المعزولَ جعل له أجرةً1

من جملة المال؛ فإن أقام البيِّنة بذلك (1)، لم يُدفع إليه سوى أجرة المثل، وإن لم يقم البيِّنة؛ فإن صدَّقه المعزولُ، لم يُقبل تصديقُه، وفي وجوب أجرة المثل وجهان كالوجهين في وجوبها بالاستعمال.

3924 -

فصل في حكم الحاكم لولده وعلى عدوِّه

ليس للحاكم أن يحكمَ لنفسه، وإن حكم لولده، أو على عدوِّه، فهو كشهادته عند الأصحاب، وإن سمع البيِّنة، وفوَّض الحكمَ إلى غيره، فوجهان، وقال الإمام: الأصحُّ: أنَّه إن حكم بعلمه، لم ينفذ وإن جوَّزنا القضاءَ بالعلم، وإن حكم بالبيِّنة، فوجهان، فإن منعناه، لم يصحَّ تعديلُه للبيِّنة، ولا نقلُها وإن نقلها عن الأصل عدلان.

3925 -

فائدة:

إذا توكَّل رجل في الدعوى بحقوق جماعة على رجل، فلكلِّ واحد منهم تحليفُه، فإن رضوا بيمين واحدة، ففي إجابتهم وجهان؛ لأنَّ ذلك تغييرٌ لوضع الشرع، فأشبه ما لو رضي المدَّعى عليه أن يحكمَ عليه بشاهد واحد.
وكذلك جميعُ أركان القضاء، والخصومات، ويجب الإشهادُ في النكاح، وفي الرجعة قولان، ويُستحبُّ في سائر العقود؛ خوفًا من الجُحود.
1

3926 -

باب عدد الشهود وحيث لا تجوز شهادة النساء

المحكوم به على خمسة أقسام: أعلاها: ما يُشترط فيه أربعةُ رجال، وهو الزنا، واللواط إن أوجبنا فيه الحدَّ، وإن لم نوجبه، فقولان.
ويثبت الإقرارُ بالزنا بأربعة رجال، وفي ثبوته برجلين قولان، ولا يجوز الشهادةُ بالزنا بالقرائن المقاربة لليقين، ويُشهد به إذا رُئي الذكر في الفرج كالمِرْود في المُكْحُلة، فإن وقع بصرُه عليه، شهد به، وإن تعمَّد النظر؛ ليشهد به، أو نظر من امرأة إلى ما لا يطلَّع عليه الرجال غالبًا؛ [لحاجة تحمُّل] 1 الشهادة، ففيه طرق: إحداهن: لا يجوز في الزنا، وفي بواطن النساء وجهان.
والثانية: يجوز في بواطن النساء؛ وفي الزنا وجهان.
والثالثة: لا يجوز في بواطن النساء؛ إذ يمكنُ أن تشهدَ بها النساء، وفي الزنا وجهان، وينبغي للإمام أن يبحثَ في الشهادة على الزنا، ويسعى في درء الحدِّ قبل ثبوته، كما فعل عمرُ في قصَّة المغيرة 2.

الثاني: ما لا يثبت إلَّا برجلين، وهو ما يطَّلع عليه الرجالُ، وليس بمال، ولا يُقصد به المال؛ كالحدود والقصاص، وإثبات النكاح على الزوجة، والطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان، والإقرار بانقضاء العدَّة، والاستيلاد إذا أنكره السيِّد، ونصب الوكلاء والأوصياء على التصرُّف في المال أو غيره.
الثالث: ما يثبت بشاهد وامرأتين، وهو المالُ وحقوقه، وكلُّ ما يقصد به المال؛ كالشراء والبيع، والإجارة، والقرض، والإتلاف، وقتل الخطأ والجوائف، والشِّجاج سوى المُوضِحة الموجبة للقصاص، وكذا فسخُ عقود الأموال، وحقوق المال؛ كالرهن، والخيار، واشتراط الرهن، والضمين، والإبراء من الأموال، والأقارير بها، وقبضها، وقبض نجوم الكتابة، وفي النجم الأخير لأجل العتق وجهان، وكذا وطءُ الشبهة لإثبات مهر المثل، وتمكين الزوجة لاستحقاق النفقة، وقتل الكافر لاستحقاق سَلَبه، وإثبات الزوجة النكاح لأجل المهرِ، فيثبت بذلك المهر دون النكاح، وتثبت بذلك الوصيَّة له دون الوصاية إليه، وكذلك البيعُ دون التوكيل به، ولا يثبت جرحُ شهود [المال] 1 إلَّا برجلين، والأصحُّ: أنَّ الأَجَلَ من حقوق المال، وأبعد مَنْ رمز إلى أنَّه كالوكالة.
الرابع: ما يثبت بأربع نسوة، أو برجل وامرأتين، وهو كلُّ ما لا يطلَّع 2 = "السنن الكبرى" (8/ 234).

عليه الرجالُ من النساء غالبًا؛ كعيوب البدن والولادة والرضاع.
الخامس: ما يثبت بشاهد ويمين، وهو كلُّ ما يثبت برجل وامرأتين سوى الولادة، وما يتعلَّق ببواطن النساء، ولا يثبت المالُ بشهادة امرأتين، ويمين المدَّعي، ولا يُشرط في شهادة الرجل والمرأتين العجزُ عن شهادة رجلين اتِّفاقًا.

3927 -

فصل فيما ينفذ فيه الحكمُ في الباطن وما لا ينفذ فيه

مَنْ حكم بما يوافق حكمَ الله ظاهرًا، ويخالفه باطنًا، فلا يتعيَّن بحكمه حكمُ الله في الباطن، وإن حكم في محلِّ اجتهاد، وقلنا: المصيبُ واحد، وجب الانقيادُ لحكمه في الظاهر، وفي الباطن خلافٌ، وجمهورُ الفقهاء على وجوب الانقياد.
وقال الإمامُ والأستاذ أبو إسحاق: لا يتغيَّر بذلك حكمُ الباطن، فإذا طلب شافعيٌّ من قاضٍ حنفيٍّ شفعةً بالجوار، أو توريثًا بالرحم، لم يجز له ذلك عند الأستاذ والإمام، وهل يمنعه الحاكمُ من طلب ذلك؟ فيه تردُّد، والظاهر: أنَّه لا يمنعه، وإن حكم له به، لم يحلَّ له في الباطن، وعلى قول الفقهاء: إن حكم به، حلَّ في الباطن، والظاهرُ: جواز الدعوى به؛ لأنَّه طلبٌ للحلِّ من طريقه.

3928 -

باب شهادة القاذف

أسبابُ الحدود كبائرُ، وكل كبيرة لا ترجعُ إلى العقد فهي موجبةٌ لردِّ الشهادة إلى أن يُظْهِر مرتكبُها التوبةَ، ويُستبرأ بعدها بأن يُترك، ويوكَّل به مَنْ يراقبه في السرِّ والإعلان إلى أن تظهرَ مخايلُ صدقه، ويغلبَ على الظنِّ صحَّة توبته، فيُحكم من حينئذٍ بعدالته.
وقدَّر بعضُهم مدَّة الاستبراء بسنة، وقدَّرها آخرون بنصف سنة، والأصحُّ: أنَّها لا تتقدَّر إلَّا بما ذكرناه من ظهور مخايل الصدق، وأن يغلب على الظنِّ صحَّة التوبة، ويختلف ذلك عند الإمام باختلاف الأشخاص، فتقصر المدَّة في حقِّ من اعتاد الإعلان بأسراره، وتطول فيمَن اعتاد الإخفاءَ.
وتُردُّ شهادةُ القاذف إذا شهد قبل الحدِّ أو بعده، فإن تاب واستُبرئ، قُبلت شهادتُه.
قال الشافعيُّ: وتوبتُه إكذابُه نفسَه، فشرط الإصطخريُّ أن يُكذب نفسَه وإن كان صادقًا، ولا أصلَ لما ذكره، وحمل الجمهورُ ذلك على أن يقولَ: أسأتُ فيما قلت، ولم أكن محقًّا، وقد تبتُ عن الرجوع إلى مثله أبدًا، ولا يصرَّح بتكذيب نفسه إلَّا أن يعلمَ أنَّه كاذب.
وفي استبراء القاذف نصَّان، فقيل: هما قولان؛ لجواز صدقه في

القذف، ولا محملَ لسائر الكبائر، وقيل: إن جاء شاهدًا، ولم يتمَّ العدد، وقلنا: لا يُحدُّ، لم يُستبرأ، وإن جاء قاذفًا استُبرئ؛ حملًا للنصَّين على هاتين الحالين، وقيل: إن صرَّح بتكذيب نفسه، استُبرئ، وإلَّا فلا، وقال الإمامُ: إن صرَّح بالتكذيب، استُبرئ قطعًا، وإن جاء شاهدًا، فقولان، وإن جاء قاذفًا، فقولان مرتَّبان، وأولى بالاستبراء، وإن أقام البيِّنة على زنا المقذوف، ففي ردِّ شهادته قولان، فإن قلنا: لا تُرد، قُبلت من غير توبة.

3929 -

باب التحفُّظ في الشهادة والعلم بها

مدرك تحمُّل الشهادات: العقلُ، والسمع، والبصر.
والمشهود به أقسامٌ: أحدُها 1: ما يكفي فيه العيان، وهو الأفعالُ؛ كالجنايات والإتلاف، فلابدَّ من معاينة الفعل والفاعل.
الثاني: ما يتعلَّق بالسمع والبصر؛ كالبيع والشراء والإقرار، فلا بدَّ من سماع القول، ورؤية القائل.
الثالث: ما يثبت بمجرَّد التسامع، وهو النسبُ من جانب الأب، وكذا الموتُ على الأصحِّ، وفي النسب إلى الأمِّ وجهان، وفي النكاح والوقف والعتق والولاء وجهان، أظهرُهما: أنَّها لا تثبت بالتسامع؛ لإمكان مشاهدة أسبابها.
وقال أبو محمَّد: إن كان الوقفُ على معيَّن، لم يثبت بالتسامع، وإن كان على جهة عامَّة، ففيه الوجهان، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ العتقَ والنكاح يثبتان للمعيَّن، وفيهما الوجهان، وأمَّا الملكُ المطلق؛ فإن وُجدت اليدُ الدائمة والتسامع وتصرُّف الملَّاك، جازت الشهادةُ به اتِّفاقًا، وكذلك إذا وُجدت اليدُ

والتصرُّف عند الجمهور إذا انتفى المعارض.
وقال القاضي وبعضُ المحقِّقين: لابدَّ من التسامع مع اليد والتصرف، وقال أبو محمَّد: لا حاجةَ إلى التسامع قولًا واحدًا، وفي الاعتماد على مجرَّد اليد الدائمة خلاف، والمذهبُ: منعه، وإن وجد التسامعُ دون اليد والتصرُّف، فلا عبرة به عند القاضي، وهو قياس المراوزة، ودلَّ كلامُ العراقيِّين على اعتباره، وشرط فيه الإمامُ ألَّا يُعارَض بيد ولا تصرُّف، ولا عبرةَ بإجارة مرَّة، فإن تكررت الإجارةُ بحيث يظهر من مخايله تصرُّف الملَّاك، فوجهان، والمعنيُّ بتصرُّف الملَّاك: النقضُ والبناء، والرهن والبيع، ثمَّ الفسخ بعده، ولا يُشترط فيه خبرةٌ باطنة، بخلاف حصر الورثة والإعسار.

3930 -

فائدة:

قال الإمامُ: ما يُبنى على الظنون لا يُكتفى فيه بمبادئها، ولابدَّ من بحث مقارب لاستفراغ الوسع في مثله من غير سَرَف، وتكلُّفِ ما يُعدُّ عسرًا في العرف.

3931 -

فصل في بيان التسامع

وهو الاستفاضة، وحدُّها التسامعُ من جماعة لا يُتصوَّر في العادة تواطؤهم على الكذب، وعلى وجه: يكفي فيه عدلان، وهو بعيدٌ عن قياس المراوزة، فإن شرطنا الاستفاضةَ، فقد يُكتفى بالإشاعة من غير نكير، واكتفى العراقيون بعدلين يخبران بذلك بغير لفظ الشهادة، ولا يكون المسامعُ منهما

شاهدًا على شهادتهما، وقالوا: لو رأى رجلًا يستلحق صبيًّا في يده، أو يقول لبالغ: هذا ابني أو أبي، فسكت البالغُ، جاز أن يشهدَ بالنسب بينهما، وهذا غلطٌ، فلا يجوز له الشهادةُ إلَّا على طلب الدعوى.

3932 -

فصل في شهادة الأعمى

لا يجوز أن يكونَ الحاكمُ أعمى، وفي ترجمة الأعمى إذا لم يتكلَّم من الحاضرين سوى الخصمين وجهان.
ولو سمع الحاكمُ الشهادةَ، ثمَّ عمي، فحكم بما قامت به البيِّنة، نفذ حكمُه على الأصحِّ، وليس له أن يشهدَ اعتمادًا على معرفة الأصوات، وكذلك سماعُه للحديث على أظهر الوجهين.
ولو سمع البصيرُ إقرارَ مشهور النسب، ثمَّ عمي، فشهد به، قُبلت شهادتُه، وإن تمسَّك الأعمى بانسان، فوضع فاه على أذنه، وأقرَّ بحقٍّ، فتمسَّك به إلى أن شهد عليه، قُبل على الأصحِّ.

3933 -

فرع:

قال الأئمَّة: لا تُقبل شهادةُ التسامع إلَّا من بصير، فيقول في شهادته: أشهد أنَّ هذا ابن هذا، وليس للأعمى ذلك، ولا تُقبل شهادتُه بالتسامع إلَّا (أن يُنسب) 1 مشهور النسب إلى بعض القبائل، فيقول: أشهد أنَّ فلانَ بنَ

فلانِ بنِ فلان قرشيٌّ أو هاشمي.

3934 -

فصل في الشهادة على مجهول النسب

مَنْ شهد على رجل أو امرأة لا يُعرف نسبُهُما لم تؤدَّ الشهادةُ إلَّا بحضورهما، فإن ماتا، أو غابا، لم يشهد عليهما، فإن مسَّت الحاجةُ إلى الشهادة بعد موتهما، أُحضرا مجلسَ الحكم؛ ليشهد عليهما، فإن دُفِنا، لم يُنبشا على الأظهر، ويُحتمل أن يجوزَ النبش إذا اشتدَّت الحاجةُ، ولم يتغيَّرا تغيُّرًا يُحيل المنظرَ، فإن عُرف نسبُهُما بعد التحمُّل على عينهما، جاز أن يشهدَ في حضورهما وغيبتهما.
ومن عرف اسمَ المشهود عليه، لم يجز أن يشهدَ على اسم أبيه، فإن عرف اسمَه واسمَ أبيه، لم يجز أن يشهدَ على اسم جدِّه، وكتب حاكمٌ إلى القفَّال أن يزوَّج فلانةَ من أحمدَ بن عبد الله، وكان جارَ القفَّال، فعرف اسمَه، ولم يعرف اسمَ أبيه، فامتنع، ولم يجز سماع البيّنة على نسبه وإن فوَّض ذلك إليه الحاكمُ؛ فإنَّ البينة على النسب لا تُقبل إلَّا بدعوى تتعلَّق بالنسب.

3935 -

فرع للإمام:

إذا تحمَّل الشاهدان الشهادةَ على امرأة متنقِّبة بتعريف عَدْل، أو عدلين، لم يجز؛ إذ لا يمكن الإشارةُ إليها عند الأداء.
قلت: إذا اكتفينا في ثبوت الأنساب بعدلين، جاز ذلك إذا لم يفارقاها حتَّى شهدا عليها، فإن فارقاها، فلهما أن يشهدا في غيبتها على النسب، فإن

حضرت بعد الغيبة، فلهما أن يشهدا على نسبها، ثمَّ يشهد آخران بأنَّ ذلك نسبُها، فيثبت الحقُّ بالشهادتين.
ولو أراد الحاكمُ التسجيلَ على امرأة لا يُعرف نسبُها، سجَّل على وصفها وحِلْيتها، ثمَّ تقع الشهادةُ على عينها، فإن غابت، فقامت البينة على وصفها وحِلْيتها، خُرِّج على الخلاف في الدعوى بالعبد؛ بناءً على وصفه وحِلْيته، ووقع مثلُ ذلك للقاضي حُسين، فنصب من ادَّعى على أبيها فلان بن فلان بحق، فأنكرت بنوَّته، فقامت البينةُ بذلك، فسجَّل على نسبها؛ إذ لا يجوز الاعتمادُ على قولها في نسبها، ولا يصحُّ ما فعله؛ لأنَّه تلقينٌ لدعوى كاذبة.
ولو فعل ذلك وكلاءُ المجلس بحيث لا يعلم الحاكمُ بكذبهم، فعليه أن يسمعَ البينة، وليس له البحثُ والتجسُّس، فإن أقرَّت بنسبها، لم يسمع البينة به، فإنَّا نشرط في سماع البينة الإنكارَ، أو عدم الإقرار، وإن أنكرت النسبَ، فلا وجهَ لإثباته إلَّا أن يفعلَ الخصمُ أو الوكلاءُ ما ذكره القاضي، ولا يعلم الحاكمُ بذلك.

3936 -

فرع:

يجوز النظرُ إلى وجه المرأة المجهولة النسب؛ لتحمُّل الشهادة وأدائها وإن كانت على غاية الجمال، فإن ارتاب الحاكمُ بالشهود، أحضر نسوةً على قدِّها وكسوتها، وأمرهم تمييزَها، فإن ميَّزوها، كشفت عن وجهها؛ ليشهدوا على عينها.

3937 - فرع: كلُّ سبب جازت به الشهادةُ في هذه الفصول جاز الحلفُ بمثله.

ولو رأى خطَّ أبيه، وهو عدلٌ عنده بأنَّ لي على فلان كذا، فادَّعى به، فنكل المدَّعى عليه، فله أن يَحِلفَ يمينَ الردِّ، ولا تجوز الشهادةُ بمثل ذلك.

3938 -

باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة

مَنْ تحمَّل شهادةً، فطُولب بأدائها، فامتنع؛ فإن كان الحقُّ يتعطَّل بامتناعه، لزمه الأداءُ، فإن تحمَّلها جماعةٌ، فامتنعوا أثموا، وإن طُلب لذلك اثنان، والباقون مجيبون أو ساكتون، ففي جواز امتناعهما وجهان، وإن كان الباقون على الامتناع، أثم الجميع.
ومَنْ سمع إقرارَ رجل بحقٍّ، ولم يشهده أحدٌ، جاز أن يشهدَ عليه، وفي وجوب الأداء عند الطلب وجهان.
وإن تحمَّلا الشهادةَ بمال، فشهد أحدُهما، وقال الآخر: احلف مع شاهدك، أو تحمَّلا الشهادة بردِّ الوديعة، فامتنعا من الأداء، وقالا: احلف على الأداء، لم يجز اتِّفاقًا.

3939 -

فرع:

إذا كان بالحقِّ شاهدان، فمات أحدُهما؛ فإن أمكن الحلفُ مع الحيِّ لزمه الأداءُ، وإن لم يمكن الحلفُ؛ فإن أمكن إقامةُ شاهد آخر بالحقِّ، وجب الأداءُ، وإلَّا فلا معنى لوجوب ما لا فائدةَ فيه.

3940 - فرع: إذا غاب المتحمِّل، فطُولب بالأداء؛ فإن كان على مسافة القصر، لم

جارٍ التحميل