الغاية في اختصار النهايةصفحات 46-70

يلزمه الحضورُ ولا الأداء، وإن كان على مسافة العَدْوى، لزمه الحضورُ والأداء، وفيما بينهما خلافٌ كالخلاف في شهادة الفرع والاستعداء، وإذا وجب الحضورُ من مسافة العَدْوى، فقد قال الأصحابُ: له المطالبةُ بمركوب، أو أجرة مركوب، فإن أخذ الأجرةَ، ولم يركب، فلا بأس، ويُحتمل أن يطالبَ بالمركوب دون الأجرة، وجعل القاضي الأجرةَ بدلًا عن مشيه دون أداء الشهادة؛ فإنَّه قد وجب بالتحمُّل.

3941 -

فصل في تحمُّل الشهادات

ما لا يصحُّ بدون الشهادة، وفي تعطيله ضررٌ عظيم؛ كالنكاح، فالتحمُّل عليه فرضُ كفاية، فإن دُعي إليه اثنان، وفي غيرهما كفايةٌ، جاز لهما الامتناعُ اتِّفاقًا، بخلاف امتناعهما من الأداء بعد التحمُّل، فإنَّهما التزما الأداءَ بتحمُّلهما 1، والتحمُّل على عقود المال والأقارير فرضُ كفاية، أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان يجريان في كتابة الوثائق، فإن فرضناهما، جاز أخذُ الأجرة على الكتابة دون التحمُّل؛ إذ لا قيمةَ له، ولا يجب المشي 2 إلى محلِّ التحمُّل، فإن كان المشهودُ عليه مريضًا لا يقدر على إتيان الشاهد، وليس بقربه متحمِّل آخر؛ فإن كان بمسافة العَدْوى، وجب (على الشاهد) 3 إتيانُه، وإن كان فوق

مسافة القصر لم يجب، وفيما بينهما وجهان، والأجرةُ والمركوبُ على ما تقدَّم [في الحضور للأداء] 1.

3942 -

باب شرط الذين تُقبل شهادتهم

شرطُ قَبول الشهادة: الإسلامُ، والبلوغُ، والعقلُ، والحرِّيَّة، والعدالة، وحفظ المروءة، والذكورة في بعض الشهادات، وعدَّ بعضُهم انتفاء التهَمة، فلا تُقبل شهادةُ صبيٍّ أو مجنون أو فاسق أو رقيق أو كافر على مسلم، أو كافر.

3943 -

باب الأقضية واليمين مع الشاهد

إذا أقام على المال شاهدًا واحدًا، لم يُعتدَّ بيمينه حتَّى يُعدَّل الشاهد، ويلزمه أن يصدِّق الشاهدَ في يمينه اتِّفاقًا، فيحلف على ما يدَّعيه، وعلى أنَّ شاهدَه صادقٌ، فإن قدَّم تصديقَه على إثبات الحقِّ، أو عكس، جاز عند الإمام.
ولو شهدت امرأتان بالمال، ثمَّ شهد الرجلُ بعدهما، ثبت المالُ.
وإذا حُكم بالشاهد واليمين، فالحكم مُحالٌ على الشاهد، أو اليمين، أو عليهما؟ فيه ثلاثةُ أوجه، فإن رجع الشاهدُ بعد الحكم؛ فإن أحلنا الحكمَ عليه، لزمه جميعُ الغرم، وإن أحلناه عليهما، لزمه نصفُ الغرم، وإن أحلناه على اليمين، لم يلزمه شيء، ويُحتمل تخريجُه على الخلاف في رجوع المزكِّي.

3944 -

فصل في دعوى الوارث بحقوق المورِّث

إذا ادَّعى الورثةُ بدين 1 لمورِّثهم، فشهد به 2 شاهدٌ؛ فإن حلفوا،

استحقُّوه، وإن نكلوا، لم يستحقُّوه، وليس لهم، ولا لورثتهم أن يحلفوا بعد ذلك، وهل للغرماء، وأرباب الوصايا الحلفُ؟ فيه قولان، فإن أقام ورثةُ الورثة شاهدًا آخرَ؛ ليحلفوا معه، لم يكن لهم ذلك؛ لأنَّ المورثَ 1 قد سدَّ بابَ الحلف بنُكوله.
وإن حلف بعضٌ، ونكل بعضٌ، حُكم للحالف بنصيبه، وسقط نصيبُ الناكل.
ولو أقام الوارثُ شاهدًا آخر؛ ليثبت الدينَ 2 به وبالشاهد الأوَّل، أو أقام المورِّثُ شاهدًا، ومات قبل أن يحلفَ أو ينكل، فأقام الوارثُ شاهدًا آخر، فلابدَّ من دعوى الوارث، ولا يجب استعادةُ شهادة الشاهد الأوَّل على الظاهر، وفيه احتمال؛ لأنَّ وجوبَ الدعوى يجعل القضيةَ كالمستأنفة، فإن قلنا بالظاهر، وجب الحقُّ إذا شهد الثاني؛ فإن الوارثَ يخْلُف مورِّثه في الحقوق.
وإن مات بعضُ الورثة من غير حلف، ولا نكول، فلوارثه أن يحلفَ إن ادَّعى، وكذلك إن لم يدَّع على الظاهر، وفيه الاحتمالُ السابق 3، فإن كان في الورثة مَنْ لا يمكن حلفُه؛ كالصبيِّ والمجنون والغائب، حلف الحاضرُ المطلق، واستحقَّ نصيبَه، ووقف حقُّ الباقين إلى أن يستقلُّوا، ويحلفوا، ولا يجب إعادةُ الشهادة، وعلى قول: يُنتزعُ نصيبُ مَنْ لا يمكن حلفُه من

يد المدَّعى عليه إلى أن يمكنَ حلفُه، فإذا أمكن الحلفُ؛ فإن حلف استحقَّ نصيبَه، ولا حاجةَ إلى إعادة الشهادة، وإن لم يقم الشاهدَ وليُّ الصبيِّ والمجنون، أو وكيلُ الغائب؛ فإن مات المجنونُ قبل الإفاقة، حلف وارثُه، واستحقَّ على ما ذكره الأصحابُ، وفيه دليلٌ على أنَّ الشهادةَ لا تُعاد إذا مات أحدُهم قبل الحلف والنُّكول.
ولو أوصى لصبيٍّ ومجنون وحاضر وغائب، فأقام الحاضرُ شاهدًا، وحلف معه، ثبت حقُّه، فإذا استقلَّ الصبيُّ والمجنون، وحضر الغائبُ، فلا بدَّ من الدعوى، وإعادة الشهادة مع الحلف، أو مع إشهاد شاهد آخر؛ ليحلفوا معه.
ولو أقام الوارثُ الحاضرُ على مال الميت شاهدين، أخذ نصيبَه، وانتزع الحاكمُ نصيبَ الصبيِّ والمجنون اتِّفاقًا، وأما نصيبُ الغائب؛ فإن كان عينًا، انتزعه اتِّفاقًا، وكذا الحكمُ في كلِّ مَنْ أقرَّ بأنَّه غصب عينًا من غائب، وإن كان دينًا، ففي انتزاعه وجهان يجريان في كلِّ مَنْ أقرَّ بدين لغائب.
ولو أقام شاهدين بوصيَّة له، ولغائب، ثبت حقُّه وحدَه، فإذا حضر الغائبُ، فلا بدَّ من الدعوى، وإعادة الشهادة، والفرق: أنَّ كلَّ واحد من الورثة يستقلُّ بإثبات حقِّ المورِّث (1) لأجل نصيبه، وإذا ثبت ملك المورِّث عمَّ جميعَ الورثة.

3945 -

فرع:

إذا ادَّعى الولدان دينًا لأبيهما، فشهد به شاهدٌ، فحلف أحدُهما، ونكل1

الآخرُ، فالنصُّ: أنَّ الناكلَ لا يشارك الحالف.
وإن ادَّعيا عينًا لأبيهما، فأقرَّ المدَّعى عليه لأحدهما بقَدْر نصيبه، ولم يُضِفْه إلى الإرث، وأنكر حقَّ الآخر، فالنصُّ: أنَّهما يشتركان في المقَرِّ به، فقيل: إن كان الحقُّ في الصورتين عينًا اشتركا فيها، وإن كان دينًا، لم يشتركا، وهذا بعيدٌ، والأصحُّ: تقرير النصَّين؛ فإن الناكلَ قد أبطل حقَّه بالنكول، فلم يشارك، وفي صورة الإقرار قد ثبت الحقُّ بالاعتراف، والمقَرُّ له معترفٌ بالميراث (1).

3946 -

فصل في تعليق الطلاق على ما يثبت بشاهد وامرأتين

إذا ثبتت السرقةُ بشاهد وامرأتين، أو قال رجلٌ لامرأته: إن غصبت، [فأنت طالق] 2، أو قال 3: إن ولدت، أو إن رأيت هلالَ رمضان، [فأنت طالق] 4، وثبت الغصبُ بشاهد ويمين، أو بشاهد وامرأتين، وثبتت الولادةُ بأربع نسوة، وثبت رمضانُ بشاهد واحد، حُكم بجميع ذلك، ولا يُقطع السارقُ، ولا يقع الطلاقُ، ولو حكم بالغصَب بشاهد وامرأتين، فقال: إن كنت غصبتِ فأنت طالق، وقع الطلاق، وقيل: لا يقع، وهو قريبٌ 5 متَّجه.1

3947 -

فرع:

إذا ادَّعى جاريةً وولدَها، وزعم أنَّها أمُّ ولده، وأنَّ ولدَها ولده، وحلف مع شاهده، حُكم له بالجارية، وثبت الاستيلادُ باعترافه، ولا يثبت نسبُ الولد وحريته في أصحِّ القولين.
وإن ادَّعى أنَّه أعتق هذا العبدَ بحقِّ ملكه، وأراد الحلفَ مع شاهده، فطريقان: إحداهما: لا تثبت الحرية بذلك اتِّفاقًا.
والثانية: فيه القولان، وقطع الإمامُ بأنَّ الحريةَ لا تثبت في الصورتين.

3948 -

فصل في إثبات الوقف بشاهد ويمين

إذا ادَّعى ثلاثةٌ أنَّ أباهم وقف عليهم ملكَه، ثمَّ من بعدهم على أولادهم، وأقاموا شاهدًا؛ ليحلفوا معه، فلهم ذلك، وقيل: إن نقلنا الوقفَ إلى الله تعالى، لم يثبت إلَّا بشاهدين، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ المقصودَ الأظهرَ إثباتُ المنافع، فإن قلنا بالمذهب، فلهم أحوال: أحدُها: أن يحلفوا، فيثبت الوقفُ، فإذا ماتوا؛ فإن حلف أولادُهم، استحقُّوه، وإن لم يحلفوا، فقولان مأخوذان من أنَّ البطنَ الثانيَ تلقَّى 1 الوقفَ من البطن الأوَّل، أو من الواقف، فإن قلنا: يتلقَّونه من الواقف، حلفوا، وإن قلنا: يتلقَّونه من البطن الأوَّل، لم يحلفوا فإنَّ ما يثبت بالشاهد

واليمين يستحقُّه الوارثُ من غير حلف.
الثانية: أن ينكلوا، فيبطل حقُّهم منه، ولا يُحكم به لأولادهم إن لم يحلفوا، وإن حلفوا، فقولان مأخذُهما المعنيان.
الثالثة: أن يحلفَ واحد، وينكل اثنان، فيبطلَ حقُّهما، ولا يُنزع نصيبهما من يد المدَّعى عليه، ويثبت حقُّ الحالف، ولا يشاركانه فيه؛ فإنَّ أحدًا لا يستحقُّ بيمين غيره شيئًا، فإذا ماتوا كان نصيبُ الحالف لأولاده إن حلفوا، وإن لم يحلفوا، فقولان، ولا شيءَ لأولاد الناكلين إن لم يحلفوا، وإن حلفوا، فقولان.
الرابعة: أن يموتَ أحدُ الثلاثة بعدما حلفوا، فينتقلَ نصيبهُ إلى أخويه إن حلفا، وإن لم يحلفا؛ فإن قلنا: لا حلفَ على البطن الثاني، فلا حلفَ عليهما، وإن حلَّفنا البطنَ الثانيَ، فهاهنا وجهان؛ لأنَّهم قد حلفوا على الوقف مرَّة، والبطن الثاني لم يحلف، فلا يستحقُّ بيمين غيره شيئًا.
وإن حلف واحدٌ، ونكل اثنان، فمات الحالفُ، لم يردَّ نصيبه على المدَّعى عليه، وهل يكون نصيبُهُ لأخويه، أو لأولاده، أو لأقرب الناس إلى الواقف؟ فيه ثلاثةُ أوجه، أضعَفُها أوَّلها، فإن جعلناه لأخويه، ففي حلفهم خلافٌ كالخلاف إذا حلف واحد، ونكل اثنان، ثمَّ مات الحالف، ويتَّجه أن يترتَّبَ على ذلك، فإنَّهما لم يحلفا قبل ذلك، فيشبهان البطنَ الثاني، فإن قلنا: يحلفان، فنكلا، فهل يُجعل للبطن الثاني، أو لأقرب الناس بالواقف؟ فيه وجهان، فإن جعل للبطن الثاني، فهو لأولاد الناكلين، وأولاد الحالف إن حلفوا، وإن لم يحلفوا فقولان، فإن قلنا: يُحلَّفون، فنكلوا سقط حقُّهم،

وصار الوقفُ متعذِّرَ المصرف، وإن جعلناه لأقرباء الواقف، ففي حلفهم الخلاف، فإن قلنا: يُحلَّفون، فنكلوا، صار مجهولَ المصرف.
ولو حلف البطنُ الأوَّل، وكان الشرطُ أن يُصرفَ بعدهم إلى المساكين، فمات البطن الأوَّل؛ فإن قلنا: لا حلف على البطن الثاني، صُرف إلى المساكين، وإن قلنا: يُحلَّفون، فهل يُصرف إلى المساكين؛ لتعذُّر حلفهم، أو يُجعل وقفًا متعذِّر المصرف؟ فيه وجهان.
ومتى تعذَّر مصرفُ الوقف، فهل يرجع إلى ملك الواقف، أو يُصرف إلى أقرب الناس إليه؟ فيه خلافٌ.
هذا في وقف الترتيب، فأمَّا وقف التشريك؛ مثل أن يقول: وقفتُ هذا على أولادي، وعلى أولادهم، فإذا حلف الثلاثةُ، ثمَّ وُلِد لأحدهم ولدٌ، صار الوقف أرباعًا، ووقف ربعه للطفل من حين ولد، ولا يُصرف إليه 1 اتِّفاقًا، فإذا بلغ؛ فإن حلف، استحقَّ الربع، وإن نكل، فالنصُّ: أنَّ نصيبَه يرجعُ إلى الثلاثة، فيصير الوقفُ أثلاثًا، كما كان قبل ولادته.
وقال المزنيُّ: لا يُصرف إليهم، ولا يُردُّ على (المدَّعى عليه)؛ لأنَّه وقفٌ تعذَّر مصرفه.
ولو مات أحدُ الثلاثة بعد سنة من ولادة الطفل، رجع الوقفُ أثلاثًا، ووُقف الثلثُ للطفل من حينَ مات أحدُ الثلاثة، فإن مات الطفلُ بعد سنة أخرى، رجع الوقفُ إلى ولدي الصُّلْب نصفين، وتكون غلَّة السنة الثانية

لولَدَي الصلب خاصَّةً، وغلَّة السنة الأولى لهما ولورثة أخيهما، ومتى مات الطفلُ قبل البلوغ؛ فإن قلنا بالنصِّ، رجع نصيبهُ إلى الثلاثة بغير يمين، كما لو نكل بعد البلوغ، وإن قلنا بمذهب المزنيِّ ففيه 1 خلافٌ كالخلاف إذا حلف الثلاثةُ في وقف الترتيب، ثمَّ مات أحدُهم.
ومهما وقع النكولُ من البطن الثاني 2 لم يُنزع الملك من يد المدَّعى عليه؛ لعدم الحجَّة، وإن أُزيلت يدُه بالشاهد واليمين، ثمَّ وقع نكول من أحد 3، أو صار الوقفُ مجهولَ المصرف، فلا يُردُّ إليه اتِّفاقًا؛ لأنَّه انتُزِع بحجَّة شرعيَّة.

3949 -

باب موضع اليمين

كلُّ حقٍّ لا يثبت بشاهد وامرأتين؛ كالدم والنكاح، فالحلفُ فيه مغلَّظ باللفظ والزمان والمكان، وما يثبت بالشاهد والمرأتين إن كان من عيوب النساء، غُلِّظت فيه اليمينُ، وإن كان من الأموال، لم تُغلَّظ إلَّا أن يبلغَ مئتي درهم، أو عشرين دينارًا، وتُغلَّظ في الوكالة بالمال الحقير.
ثمّ التغليظُ بالمكان واجب، أو مستحبٌّ؟ فيه قولان، وفي الزمان طريقان: إحداهما: أنَّه مستحبٌّ.
والثانية: فيه القولان، وفي اللفظ خلافٌ مرتَّب على الزمان، وأولى أن لا يجبَ، والتغليظُ باللفظ؛ كقوله: والله الذي لا إله إلَّا هو، ويُغلَّظ على الكفَّار بِبِيَعِهم، وكنائسهم، ولا يُغلَّظُ ببيوت الأصنام والنيران، وخالف صاحبُ "التقريب" في بيوت النيران.
وإذا أوجبنا التغليظَ بالمكان، لزم المخدَّرةَ حضورُ المسجد.
وأيُّ تغليظ رأى الحاكمُ إيجابَه، لم يجز مخالفتُه فيه، فإن قال: قل بالله، فقال: (بالرحمن)، كان ناكلًا، وإن قال: قل: بالله الذي لا إله إلَّا هو، فقال: (بالله)، ففي نكوله وجهان.

وقال الإمامُ: إن رأى الحاكمُ وجوبَ ذلك، كان ناكلًا، وإن رأى استحبابَه، فمخالفته في الاحتياط هل تكون نكولًا؟ فيه وجهان.

3950 - فرع: قد يقع التغليظُ من أحد جانبي الخصومة، فإذا ادَّعى العبدُ عتقًا، أو كتابةً، لم يُغلَّظ الحلفُ على السيِّد إلَّا أن تبلغَ قيمتُه عشرينَ دينارًا، فإن نكل، غُلِّظت اليمين على العبد وإن قلَّت قيمتُه، فإنَّه يحلف على الحرية والاستقلال، وأبعد مَنْ قال: إذا غُلِّظت اليمينُ من أحد الجانبين، وجب تغليظُها من الجانب الآخر.

3951 -

فرع

للعراقيين: إذا غلَّظ الحاكمُ اليمينَ 1، فقال المدَّعى عليه: قد حلفتُ بالطلاق ألَّا أحلفَ يمينًا مغلَّظة، فإن أحببنا التغليظَ، لم يجز للحاكم أن يحنِّثه في الطلاق، وإن أوجبناه، حنَّثه، فإن كره الحنثَ، فلينكل، وإن رأى تحليفَه بين الركن والمقام، فقال: قد حلفت بالطلاق أنِّي لا أحلف بينهما؛ فإن لم نوجب التغليظَ، حرم تحنيثُه، وإن أوجبناه، ففي جواز تحنيثه قولان، بناهما الإمامُ على أنَّ ما بين الركن والمقام هل يتعيَّن للتغليظ، فإن قلنا: لا يحنِّثه، حلَّفَه في جانب آخر من جوانب الكعبة.

3952 -

فصل في الحلف على البتِّ أو نفي العلم

مَنْ حلف على نفي فعله أوإثباته، حلف على البتِّ، ومَنْ حلف على فعل غيره، حلف في إثباته على البتِّ، وفي نفيه على نفي العلم بذلك الفعل، فإن ادَّعى على موِّرثه بقرض، أو إتلافٍ، حلف على نفي العلم بالقرض، والإتلاف، وإن ادَّعى على عبده بجناية؛ فإن علَّقنا الأرش بذمَّته، حلف السَّيد على نفي العلم، وإن لم نعلِّقه بذمَّته، حلف على البتِّ.
وقال الإمامُ: يحلفُ على نفي العلم، والقياس: أن يحلفَ على ما تتلفه دابَّته على البتِّ؛ لانتسابه إلى تقصيره.

3953 -

فصل في بيان وقت الحلف

إذا ادَّعى حقًّا لم يدخل وقت الحلف حتَّى يطلبه المدَّعي، ويعرضه الحاكمُ على المدَّعى عليه، فإن حلف قبل الطلب أو بعده، وقبل عرض الحاكم، لم يُعتدَّ بيمينه اتِّفاقًا.
ومن ادَّعى حقًّا، وقال: لا بيِّنة لي؛ فإن كان جاهلًا بترتيب الخصومة، وجب على الحاكم أن يعرِّفه أنه مخيَّر في تحليف المدَّعى عليه، وإن كان ممَّن لا يجهل ذلك، فلا يعرضُ اليمينَ على المدَّعى عليه قبل طلب المدَّعي، وهل الأولى أن يسكت، أو يقول: ماذا تريد؟ فيه خلاف.
وإذا اختلف مذهبُ الحاكم والحالف في حكم الواقعة، فالعبرةُ بعقيدة الحاكم دون الحالف، وفي تغيُّر الحكم باطنًا خلافٌ معَ نفوذه في الظاهر،

وغلط مَنْ قال: لا ينفذُ على المجتهدين في الظاهر، فإن ادَّعى شافعيٌّ عند حنفيٍّ بشفعة الجوار، لم يجز له الحلفُ بناءً على مذهبه في نفيها، فإن حلف، أثم، ولزمته الكفَّارة، وحُكي عن القاضي أنَّها تجبُ في الظاهر دون الباطن، ولعلَّه غلطٌ من الناقل.
وإن حلف على شيء من الحقوق مستثنيًا؛ فإن سمعه الحاكمُ لم يُعتدَّ بيمينه اتِّفاقًا؛ فإنَّ ما لا يسمعه أهلُ المجلس، فلا عبرةَ به في ظاهر ولا باطن، وإن لم يسمعْه، أثم، ولزمته الكفَّارة اتِّفاقًا، وقال القاضي: يحنث في الظاهر دون الباطن، وهذا باطل؛ لأنَّه مسقط لفائدة الأيمان.

3954 -

فرع:

إذا نكح امرأة، فاستفتى، فأُفتي بفساد النكاح في محلٍّ يسوغ فيه الاجتهادُ، ففي النكاح أوجهٌ: أحدُها: لا ينقطع وإن رضي بالفتوى إلَّا أن يقطعَه الحاكمُ.
والثاني: ينقطع؛ لوجوب متابعة الفتوى.
والثالث: إن حكم بصحَّته حاكمٌ، لم ينقطع، وإن لم يحكم بذلك، انقطع.

3955 -

فصل في الدعوى بالتدبير، وتعليق العتق، والدَّين المؤجَّل والاستيلاد

من ادَّعى دَيْنًا مؤجَّلًا، ففي سماع دعواه أوجهٌ، أحدُها: لا تُسمع؛ إذ

لا يملك طلبَه في الحال.
والثاني: تُسمع لغرض الإسجال.
والثالث: لا تُسمع إلَّا أن يكونَ له بيِّنة، فتُسمع حينئذٍ؛ لما يُتوقَّع من موت البيِّنة.
والمذهبُ: سماعُ الدعوى بالتدبير، وتعليق العتق بالصفة، والاستيلاد، فإنَّها حقوقٌ ثابتة في الحال، وأبعد مَنْ ألحقها بالدين المؤجَّل، ولا تصحُّ الدعوى بالتدبير إلَّا إذا قلنا: لا تبطل بالإنكار.

3956 -

باب الامتناع من اليمين

إذا حلف المدَّعى عليه اليمينَ المشروعة، خلص من الخصومة، فإن كان الحقُّ 1 ثابتًا، لم يسقط، وإن كان للمدَّعي بينة، فله إقامتُها بعد يمينه، فإن قال: لا بينةَ لي، ثمَّ أقام بينة؛ فإن قال: لم يكن لي علمٌ بها قُبلت، وإن قال: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة، ثمَّ أقام بينة، فوجهان، وإن أثبت الحقَّ بعدلين، ثمَّ قال: كذبا، وشهدا بالباطل، بطلت شهادتُهما، وفي بطلان الدعوى من أصلها وجهان، فإن قلنا: تبطل، لم تُسمع بعد ذلك، وإن شهد له عدلان آخران.
وإن أثبت مالًا بعدلين، فادَّعى الخصمُ أنَّه أكذب شاهديه، وأقام بذلك شاهدًا ليحلفَ معه؛ فإن أبطلنا الدعوى بالتكذيب، حلف مع شاهده، وسقط المالُ، وإن لم نبطلها بالتكذيب، لم يحلف؛ لأنَّ جرحَ الشهود لا يثبت إلَّا برجلين عدلين، وإن لم يكن للمدَّعي بينة، وطلب تحليفَ الخصم، عُرضت عليه اليمينُ، فإن نكل، لم يُحكم عليه بالحقِّ، بل تُردُّ اليمينُ على المدَّعي، فإن حلف، ثبت حقُّه، وليس للحاكم أن يحكمَ بنكوله حتَّى يظهرَ له امتناعُه، فإن جوَّز أن يكونَ الامتناعُ لدهشةٍ، أو جهل بعرض اليمين، لم يحكم بنكوله،

وإذا ظهر النكولُ، فالمستحبُّ أن يعرضَ عليه اليمين ثلاثَ عرضات، فإن أصرَّ، حكم بنكوله، وردِّ اليمين، وإن حكم بالنكول في العرضة الأولى، جاز، ويُستحبُّ أن يعلمَه أنَّه يقضي بنكوله إن أصرَّ على الامتناع، فإن كان جاهلًا بردِّ اليمين، فحكم بنكوله لمَّا ظهر امتناعُه، ولم يعرِّفه بذلك، فالأوجهُ صحَّة الحكم بنكوله، وفيه احتمال.
هذا كلُّه إذا لم يصرِّح بالنكول وبالامتناع من اليمين، فإن صرَّح بذلك، فقال: لست أحلف، أو قال: نكلت، أو أنا ناكل، فلا حاجة إلى الحكم بنكوله عند الإمام.
وقال الأصحابُ: لا يُحكم بالنكول إلَّا إذا قال له: احلف، فامتنع، فإن قال: أتحلف؟ فامتنع، لم يحكم بنكوله، فإن ابتدر، فحلف، لم يُعتدَّ بيمينه؛ فإنَّ الاستفهامَ ليس باستحلاف، والأولى أن يقولَ: أتحلف؟ فإن قال: نعم، قال: قل: بالله، وإذا قال: نكلت، أو قال الحاكم: حكمت بنكولك، أو قال للمدَّعي: احلف، فأراد المدَّعى عليه أن يحلفَ، لم يكن له ذلك إن لم يرض المدَّعي، وإن رضي، فوجهان أظهرُهما الجوازُ.
ولو أقبل على المدَّعي هامًّا بتحليفه، وأراد المدَّعى عليه أن يحلفَ، فهل له ذلك؟ فيه وجهان.
وإن سكت المدَّعى عليه عن جواب الدعوى، قال له الحاكم: أجب، فلستَ بأصمَّ، ولا أبكمَ، فإن أصرَّ، جعله منكرًا، وعرض عليه اليمينَ، فإن أصرَّ على سكوته؛ فإن لم يظهر سببٌ مُسْكِت، جُعل ناكلًا عن اليمين.
ومتى عُرضت يمين الردِّ على المدَّعي، وامتنع من غير عُذْر،

ولا استمهال، حُكم بنكوله في الحال، وكان نكولُه كحلف المدَّعى عليه عند الأصحاب، فإن طلب يمينَ المدَّعى عليه بعد ذلك، لم يجبه إلى تحليفه؛ لما فيه من الدور، والتسلسل.
فإن امتنع المدَّعي من الحلف، وقال: أمهلوني لأستفتي، وأتثبَّتَ في أمري، أو أطالعَ الحساب، فالمذهب: أنَّه لا يُمهل أكثرَ من ثلاثة أيَّام، ولو طلب المدَّعى عليه الإمهالَ لمثل ذلك، لم يجبه إليه.
وقال بعضُ الأصحاب: لا غايةَ لإمهال المدَّعي إذا لم يصرِّح بالنكول، ويمينه كالبيِّنة، فله أن يأتيَ بها متى شاء، والأوَّل أصحُّ؛ فإنَّا لو لم نحكم بنكوله، لرفع خصمه في كلِّ وقت إلى المجلس، فلا يتفرغ الحاكمُ من خصامهما إلى شغل آخر.
وقال الإمامُ: إذا أحضر الحاكمُ الخصمَ بالاستعداء حيث لا بيِّنة، وجب على الحاكم أن يقولَ للمدَّعي: إما أن تُحلِّف خصمَك، أو تقطع عنه الطلبَ، والرفعَ إلى المجلس، فإن أقام شاهدًا واحدًا، فإن حلف، ثبت حقُّه، وإن لم يحلف، قال له: إما أن تحلِّفه، أو تقطع مطالبته، فإن امتنع من تحليفه، عرَّفه أنَّه يمنعه من رفعه في تلك الخصومة إلى المجلس، وليس له إعادتُه إليه إلَّا أن يجدَ بينة كاملةً، وإن استمهل، أمهل ثلاثًا، ولا يُخرَّج فيه الوجه الآخر؛ بأنَّ له الحلفَ متى شاء؛ فإنَّ المدَّعى عليه إذا قال للمدَّعي في يمين الردِّ: إمَّا أن تحلفَ أو تنكل، فالمدَّعي يقول له: إما أن تقرَّ أنت أو تحلف، وهاهنا يقول المدَّعى عليه: إمَّا أن تحلفَ مع شاهدك، أو تحلِّفني وتخلِّصني.

3957 -

فصل فيما يُشرع فيه الحلف

كلُّ حقٍّ تُسمع فيه الدعوى والبيِّنة، فالحلفُ مشروعٌ فيه ما لم يؤدِّ إلى مفسدة؛ مثل أن يدَّعي على الشاهد أنَّه تعمَّد الكذبَ، أو على الحاكم الحَيْفَ في الحكم، فإن أقام البينةَ على إقرارهما بذلك، قُبلت، وإن لم يقم البيِّنة لم يملك تحليفَ الشاهد، والحاكم ما دامت ولايتُه، فإن ادَّعى عليه بذلك بعد العزل، فقد تقدَّم ذكره.
ولا تحليفَ في حدود الله؛ لامتناع الدعوى بها، ويجري التحليفُ في النسب والنكاح، والطلاق والعتاق، والرجعة والولاء، والفيأة في الإيلاء؛ لصحَّة الدعوى بذلك، وقيام البينة عليه.
وإن ادَّعى القاذفُ على المقذوف أنَّه زنا، فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن حلف، وجب حدُّ (1) القذف، وإن نكل، حلف القاذفُ، وسقط حدُّ (2) القذف، ولم يثبت الزنا بيمين الردِّ.

3958 -

فرع:

إذا نكل عن يمين الردِّ، ثمَّ أقام شاهدًا ليحلفَ معه، أو أقام شاهدًا، ونكل عن الحلف معه، وطلب يمينَ المدَّعى عليه، فنكل، فهل له أن يحلف؟ فيه قولان.
12

3959 -

فصل في التوكيل بالخصومة

إذا وكَّل في مجلس الحكم بحضرة الحاكم مَنْ يخاصم عنه، فله أن يخاصمَ، فإن قال: هذا وكيلي بالخصومة، فحكمه عامٌّ في جميع الخصومات غير أنَّ القضاةَ خصُّوه بتلك الخصومة في ذلك المجلس؛ لاطِّراد العادة به.
وإن ادَّعى أنَّه وكيلُ زيد في خصام عمرو، فصدَّقه عمرٌو، فله أن يمتنعَ من مخاصمته؛ خوفًا أن يجحدَ زيدٌ الوكالةَ، فيحتاج إلى إعادة الخصام، فإن أقام بينة بالوكالة؛ فإن حضر الخصمُ، سُمعت، وإن غاب، فوجهان من جهة أنَّه يُثبت حقَّ نفسه، فإذا ثبتت الوكالةُ، فطلب الخصمُ يمينَه على أنَّ موكِّله لم يعزله، أو لم يمت، حلَّفه الحاكمُ على نفي العلم بذلك.

3960 -

فصل في كيفيَّة الحلف

لا يطلب الحاكمُ جوابَ المدَّعى عليه ما لم يدَّع المدَّعي بحقٍّ ناجز، ويطالب الخصمَ بالخروج عن موجب دعواه، فإن قال: بعتني الدار التي في يدك، لم يُسمع حتَّى يقولَ: وهي ملكي الآن، فيُخيَّر الخصمُ بين أن يقولَ: ما بعتها منه، أو يقول: لا يلزمني [تسليمُها إليه.
ولو ادَّعى أنه مزَّق ثوبَه، يخير بين أن يقول: ما مزَّقته، أو يقول: لا يلزمني] 1 تسليمُ الأرش إليه، فإن قال: ما بعتُ وما مزَّقت، ثمَّ أراد الحلفَ على نفي التسليم، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وقال أبو سعيد: يلزمه في جميع

الصور أن يجيبَ عن عين ما يذكره المدَّعي.
ولو رهن عينًا، وسلَّمها، ثمَّ طلبها، ولم يعترف بالرهن، أجابه المرتهنُ بأنِّي لا يلزمني التسليمُ.
وإن ادَّعى المرتهنُ بالدين، فلم يأمن الراهن أن يجحد (1) المرتهنُ الرهنَ، فقد قال القفالُ: له أن يقول: أتدَّعي ألفًا به رهنٌ لي عندك حتَّى أجيبك، أو تدَّعي ألفًا آخر، وقال القاضي: لا يُسمع هذا الجواب، بل له جحدُ الدين إن جحد المرتهنُ الرهنَ، وتساوت القيمتان، أو زادت قيمةُ الدين؛ فإنَّ الرهن قد دخل في ضمانه بالجحود، وكذلك حكمُ من غصب عينًا ممَّن له عليه دين.

3961 -

فرع:

إذا ادَّعى مالًا، فقال: حلَّفتني مرَّةً على هذا المال عند هذا الحاكم؛ فإن تذكَّر الحاكم، لم يحلِّفه، وإن لم يذكر، حلَّفه، وإن قال: حلفتني عند حاكم آخر، ففي سماع دعواه وجهان، فإن سمعناها؛ فإن كانت له بيِّنة، أقامها، وإن لم تكن له 2 بينة، حلف المدَّعي أنَّه ما حلَّفه، وإن نكل، حلف، وخلص من الخصومة، وإن استمهل؛ ليقيم البينة، فالقياس أن يُمهَل ثلاثًا، وقال القاضي: لا يُزاد على يوم، وهذا بعيدٌ، ويتَّجه ألَّا يُمهلَ أصلًا؛ لتوجُّه الطلب عليه، بخلاف الإمهال في اليمين المردودة.1

3962 -

فرع:

إذا ادَّعى مالًا، فقال الخصمُ: أبرأني عن هذه الدعوى، فقد قال الإصطخريُّ: يُسمعُ قوله، ويصحُّ الإبراء عن الدعوى، وقال القفَّال: لا يُسمع قولُه، ولا يصحُّ الإبراء عن الدعوى؛ لانقسامها إلى حقٍّ وباطل، وعلى قول الإصطخريِّ: لو قامت البيِّنةُ بالمال بعد الإبراء عن الدعوى، لم تُسمع، ولو نكل المدَّعي عن يمين الإبراء، حلف خصمُه أنَّه أبرأه عن الدعوى، وانقطعت الدعوى، وإن قال: أبرأني عن المال، أو استوفاه، فقد أقرَّ به، فيلزمه أداؤه، فإن طلب تحليفَ الخصم قبل الأداء، أُجيب إليه اتِّفاقًا.
وقال القاضي: يُلزم بالأداء، ثمَّ يفتتح الدعوى، فإن طلب الإمهالَ أيَّامًا؛ ليقيمَ البمِنة، لم يُمهل، ويُقال له (1): أدِّ المالَ، واقتنع بيمين خصمك على نفي الإبراء.

3963 -

فصل في النكول حيث لا يمكن ردُّ اليمين

إذا طلب الساعي الزكاةَ، فزعم المالكُ أنَّه برئ منها بأداء أو غيره، ففي وجوب اليمين عليه خلافٌ، فإن نكل عنها، لم تردَّ على الساعي، ولا على الفقراء؛ فإنَّهم لا ينحصرون، فإن قلنا: هي مستحبَّة، فلا أثرَ لنكوله، وإن أوجبناها، ففيه أوجه: أحدُها: يُحكم عليه 2 بنكوله.1

والثاني: يُحبس حتَّى يحلفَ، أو يقرَّ ويؤدِّيَ.
والثالث: يُفرَّق بين أن يتصوَّر بصورة مدَّعٍ، فيقول: أدَّيت الزكاةَ، أو بصورة مدَّعى عليه.
ولو غاب الذمِّيُّ، وعاد مسلمًا بعد الحَوْل، وقلنا: لا يجبُ قسط على مَنْ أسلم في أثناء الحَوْل فالقول قولُه مع يمينه، فإن نكل لم تُرَّدَ اليمينُ على أهل الفيء، وهل تلزمه الجزيةُ، أو لا يلزمه شيءٌ، أو يُحبس إلى أن يحلف، أو يعترف؟ فيه ثلاثةُ أوجه، وإن ادَّعى ذلك من غير غَيبة، لم يُقبل قولُه عل ظاهر ما ذكره صاحبُ "التلخيص"، فإنَّ الإسلامَ في الغالب لا يُكتم في بلاد المسلمين.
ولو اختار الإمامُ قتلَ الأسرى، فزعم بعضُهم أنَّه صبيٌّ، كُشف عن مؤتزره، فإن أنبت، قتله، فإن قال: استعجلتُ الإنباتَ بالمداواة؛ فإن جعلنا الإنباتَ بلوغًا، قتلناه، وإن جعلناه دليلَ البلوغ، حلف 1 على المداواة، وترك في الذُّرَيَّة، وإن نكل قُتل على النصِّ، وقيل: لا يحلف، بل يُحبس حتى يبلغ، أو يحلف على المداواة، ويُحتمل أن يُحبسَ إلى أن يحلفَ، أو يقرَّ بأنَّه لم يتداوَ، فيُقتل.
وإن طلب بعضُ أولاد المرتزقة الديوانَ، وزعم أنَّه بالغ، وأمكن صدقُه؛ فإن حلف، أُثبت اسمُه في الديوان، وإن لم يحلف، فوجهان.
وإن ادَّعى نائبُ بيت المال إرثًا لبيت المال، فنكل الخصمُ عن اليمين

فقد تعذَّر ردُّها، فهل يُقضى عليه بالنكول، أو يُحبس إلى أن يقرَّ، أو يحلف؟ فيه وجهان، وقيل: يُطْلَق، وهذا بعيدٌ؛ فإنَّ اليمينَ هاهنا مستَحَقَّة على قياس الخصومات، بخلاف الحلف على الزكاة.

جارٍ التحميل