كِتَابُ القَسَامَةِ (1)
3356 -
القسامة: عبارةٌ عن البداية بأَيْمان مُدَّعي القتل إذا ترجَّح جانبُه بظهور اللَّوْث: وهو أمارةٌ تغلِّبُ على الظن صدقَه (2)، فيحلفُ خمسين يمينًا.
ولا قسامةَ في الأطراف اتِّفاقًا، وإن وجد اللَّوْث؛ كما لا تجبُ فيها الكفَّارة، ولا يشترط ظهورُ اللَّوْث في اللِّعان، ويثبتُ اللَّوْثُ بالبينة، وبعلم الحاكم وإن منعناه الحكمَ بالعلم؛ فإنَّ ذلك ترجيحُ حُجَّة شرعيَّة، وليس بحُكْم.
ولا يثبتُ اللَّوْثُ بكل ظنٍّ، فلو ادَّعى البَرُّ التقيُّ القتلَ على إنسان، وعيناه تَهْمُلان؛ فإنَّ ذلك يفيدُ الظنَّ، وليس بلوث.
ولو تفرَّق جمعٌ قليل عن قتيل، أو ضافَ رجل بأعدائه، فوجد قتيلًا بينهم، أو وجد قتيلًا في سِكَّة منسدَّة يختصُّ بها أعداؤُه، أو وجد بصحراء، وعلى رأسه رجلٌ مضمَّخٌ بالدَّم، وبيده سكينٌ، فهذا كُلُّه لَوْثٌ.12
ولو اقتتل صفان، فوُجد قتيلٌ في الصفين، كان ذلك لوثًا على الخُصوم، ولو شهد على القاتل جمعٌ يقارب حدَّ التواتر ممَّن لا تقبل شهادتُهم؛ فإن كانوا عُدولًا؛ كالعَبيد والنِّسوان، ثبت اللَّوثُ، وإن كانوا صبيانًا في عدد يظهرُ أنَّهم لم يُحْملوا على ذلك، أو فسقةً لا نفرض تواطأهم على الكذب، فأوجةٌ ثالثُها: يثبتُ بالفسقة دون الصِّبيان، ويثبت بشهادة عَدْل واحد، فإن ذكره بلفظ الخبر، ثبت عند الإمام؛ فإنَّه يرى إثباتَه بكل مَن تُقبل روايتُه؛ كالعبد والمرأة، وقال: إذا لم يظهر الثقة ولا ضدُّها، فلا بُدَّ من تظاهر الخبر؛ بحيث يبعدُ التواطؤُ.
والأصحابُ يشترطون لفظَ الشهادة من العَدْل، وممَّن يقارب حدَّ التواتر إذا لم يكن من أهل الشهادة، وشرطوا الثقةَ، والعدد، وبُعْدَ التواطؤ في العَبيد والنِّسوان.
3357 -
فرع:
إذا ثبت اللَّوثُ على جمع قليل، فله القَسامةُ على مَنْ يُعيِّنُه منهم؛ لشُمول اللَّوث.
وإن شهد عَدْلان على إنسان أنَّه قتل أحدَ هذين الرجلين، لم يثبت اللوثُ، وإن شهدا أنَّ أحدَ هذين الرجلين قتل فلانًا، ثبت اللوثُ عند القاضي، وخولف فيه؛ فإنَّ اللوثَ لم يشملْهما، بخلاف ما لو ثبتت عداوتُهما، واستبهم القتل بينهما.
3358 - فرع: إذا ثبت اللوثُ والقتلُ، ولم يثبت العمدُ؛ بأن تفرَّق مزدحمون عن
ميِّت لا يعادونه، وأمكن أن يكونَ هلاكُه بالزَّحْمة من غير عمد، ففي القَسامة وجهان.
3359 -
فرع:
مهما أقسم الوليُ؛ فإن كان القتلُ خطأً، أو شبهَ عمد، فالديةُ على العاقلة، وإن كان عمدًا، فعلى القاتل، ولا قَوَدَ عليه في أصحّ القولين، ولا خلافَ أنَّه لا يقسمُ على العمد إلا أن يظهرَ لوثُ العمد، ولا يشترطُ في ثُبوت اللَّوث وجودُ جرح، فإن ثبت اللوثُ، ولم يظهر أثرُ القتل على الميِّت، ثبتت القسامةُ عند الأصحاب، وفيه احتمالٌ.
3360 -
فصل في دعوى القتل حيث لا لوثَ
إذا ادَّعى الوليُّ القتلَ، ولا لوثَ، فالقولُ قولُ المدَّعى عليه، وهل يحلفُ يمينًا واحدةً، أو خمسين؛ فيه قولان جاريان في كُلِّ يمين مشروعة في الدِّماء على وفق الخُصومات، فإذا نكل المُدَّعى عليه عن اليمين، فرُدَّت على المدَّعي، أو نكل الوليُّ عن القَسامة، فرُدَّت على المدَّعى عليه، ففي تعدُّدها القولان.
3361 - فرع: إذا شهد عدلٌ بالقتل خطأً، فللوليِّ أن يجعلَ شهادتَه لوثًا، ويحلف خمسين يمينًا، فإن لم يجعلها لوثًا، وأراد الحلفَ مع شاهده كسائر الخُصومات، ففي التعدُّد القولان.
وقال الإمامُ: إن قلنا: يحلفُ خمسين يمينًا، فلا وجهَ لهذا التقسيم، وإن قلنا: يحلفُ يمينًا واحدةً، فحلف، لم يُحلِّفْه الحاكمُ أكثرَ منها؛ فإنَّ فوائدَ الحُجَج الشرعية تثبتُ بقيامها، ولا تختلف بقَصْد المدَّعي.
3362 -
فرع:
إذا أثبتنا القَوَدَ بالقَسامة، فاذَعى العمدَ، وأقام به شاهدًا واحدًا، ثبت اللَّوْثُ، ولا يثبتُ القَوَدُ إلا بخمسين يمينًا، وإن أقام به شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا، وحلف معه على (1) أحد القولين، لم يثبت القَوَدُ، وفي الدِّية تردُّد.
3363 -
فصل في نُكول الوليِّ عن القسامة
كُلُّ نُكول تعلَّق به تحليفُ الخصم، فلا عَوْدَ للناكل بعده إلى اليمين، وكلُّ يمين ليس بعدها يمينٌ في تلك الخصومة، ففي بُطْلانها بالنُّكُول وجهان.
فإذا نكل الوليُّ عن القسامة؛ فإن حلف المدَّعى عليه، انقطع الخصامُ، إلَّا أن يقيمَ الوليُّ بينةً، فيحكم له، وإن نكل، ففي رَدّ اليمين على الوليّ قولان في مأخذهما طرقٌ:
إحداهنَّ: إن قلنا بالتعدُّد، لم تردَّ، وإن قلنا بالاتِّحاد، فقولان.
والثانيةُ: إن قلنا بالاتِّحاد، رُدَّت، وإن قلنا بالتعدُّد، فقولان، يُنظر في أحدِهما إلى اتِّحاد الخُصومة، والمقصود، أو، في الثاني إلى أنَّه نكل عنها في1
مقام، وهذا مقامٌ آخر، فكان تعدُّد المقام كتعدُّد المقصود والخصام.
والثالثة: لا تردُّ إلَّا إذا قلنا بالاتِّحاد؛ فإنَّ النُّكولَ يفيد تقليلَ الأيمان.
وقال الإمامُ: إذا نكل عن القَسامة، لم يعد إليها؛ لأنَّ يمينَ المدَّعى عليه مترتبةٌ عليها، فإذا نكل المدَّعى عليه، فكأنَّ أيمانَ القسامة كيمين الردِّ عجَّلها الشارعُ، ففي بُطلانها بالنّكول الخلافُ، فهذه طريقةٌ للإمام في مأخذ القولين.
3364 -
فرع:
إذا ادَّعى حيث لا لوثَ، فنكل المدَّعى عليه عن اليمين، ثمَّ نكل الوليُّ عن يمين الردِّ، وأثبت اللوثَ، ففي ثبوت القسامة القولان.
ولو ادَّعى مالًا، فنكل المدَّعى عليه، ثُمَّ نكل المدَّعي عن يمين الردِّ، وأقام شاهدًا؛ ليحلفَ معه، ففيه القولان.
ولو أقام شاهدًا في الابتداء، ونكل عن الحلف معه، فنكل المدَّعى عليه عن الحلف، ففي الردِّ على المدَّعي القولان.
والضابط: مَن نكل عن يمين، لم يحلفها بعينها في ذلك المقام من ذلك الخصام، وهل يحلفُها في مقام آخرَ من تلك الخصومة مع اتِّحاد المقصود؟ فيه القولان.
3365 -
فصل في دعوى القتل مع إبهام المدَّعى عليه
إذا ادَّعى القتلَ، فلا بدَّ من تعيين المدَّعى عليه، فإن ادَّعاه على جماعة؛
فإن لم يمكن اجتماعُهم، لم تصحَّ دعواه، وإن أمكن، تعلَّقت الدعوى بالكُلِّ.
وإن ادَّعى على جمع محصور أنَّ قاتلَ أبيه أحدُهم، وذكر أنَّه لا يعرفُه، وطلب أن يحلفَهم واحدًا بعد واحد، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وأبعد مَنْ قال: لا يحلّفهم، إلا أن يقولَ: قتله هؤلاء، أو أحدُهم.
وإن ادَّعى غَصْبًا أو إتلافًا على واحد من جماعة، وطلب تحليفَهم، ففيه الوجهان على الأظهر، وقيل: ليس لهُ ذلك.
وإن ادَّعى ما يتعلَّق باختياره؛ كالبيع، والقرض، وسائر المعاملات، وزعم أنَّه نسي المعاملَ، لم تسمعْ دعواه على الطريقة المرضيّة، وقيل: فيه الوجهان؛ فإن قلنا: يحلفون في دعوى الدم، فحلفوا إلا واحدًا، كان نكولُه لَوْثًا مُثْبِتًا للقَسامة، وإن نكل الكُل، فظهر للوليِّ لوثٌ على أحدِهم، فله أن يقسمَ عليه؛ فإنَّ اللوثَ إذا ثبت على جمع، لم يلزم إظهارُه في حقِّ مَنْ يُعيّنه للدَّعوى، ويحتمل أن لا تسمعَ دعواه؛ لتناقض كلاميه.
هذا إذا ظهر له لوثٌ، فعجز عن إثباته، فإن لم يظهر له لوثٌ، لم يجز له أن يقسمَ على مَنْ شاء، فإن قال: ظننتُ أنَّ القاتلَ أحدُهم، فظهر لي بنُكولهم أنَّهم اشتركوا في القتل، فلا قسامةَ له على الظاهر، وفيه احتمالٌ.
3366 -
فصل في اشتراط حضور المدَّعى عليه حال القتل
إذا ادَّعى القتلَ؛ فإن لم يُثبت اللوثَ، فله تحليفُ المدَّعى عليه، وإن
لم يُثْبِتْ حضورَه، وإن أثبت اللوثَ، فلا قسامةَ له حتَى يثبتَ حضورَ المدَّعى عليه حال القتل؛ إذ لا يلزمُ من ثبوت اللَّوْث حضورُ المدَّعى عليه، فإن ادَّعاه، ولم يثبتْه، حلف المدَّعى عليه، وانتفت القسامةُ، وإن ادَّعى القتلَ على زيد، فأثبت اللَّوثَ، فلم يتعرَّض زيدٌ لغَيْبة ولا حضور، فله القسامةُ على ظاهر كلام الأصحاب؛ فإنَّ دعوى القتل تتضمَّن الحضورَ، وسكوت زيد عن دعوى الغيبة يظهرُ الحضورَ، وفيما ذكروه احتمال.
3367 -
فرع:
إذا اختصَّ اللوثُ بواحد؛ مثل أن كان عدوًّا للقتيل، فوجد القتيل في بعض الشَّوارع، لم يثبت اللوثُ اتِّفاقًا، وإنما يثبتُ إذا وُجِد في محلَّة تختصُّ بأعدائه.
3368 - فرع:
إذا أقام الوليُّ بينةً بالحُضور، فأقام الخصمُ بيِّنةً بالغَيْبة، قُدِّمت بينةُ الغيبة عند الأصحاب؛ لزيادة العلم.
وقال الإمامُ: يتعارضان، ويحتمل أن تقدَّمَ بينةُ الغيبة، وهل نُحلِّفُه معها؟ فيه وجهان كالوجهين في تحليف الداخل إذا قدَّمنا بينتَه.
3369 - فرع: إذا ظهر اللوثُ، وعلمنا أنَّ المُدَّعى عليه في حال القتل محبوسٌ، أو مريضٌ لا حراكَ به، بطل اللوثُ، وإن ظَنَنَّا ذلك؛ فإن كان قبل القتل مريضًا أو محبوسًا، فاستصحبنا ذلك حالَ القتل؛ بحيث يصحُّ أن يقال: فلانٌ محبوسٌ، أو مريضٌ، فطريقان، أظهرُهما: أن في بُطْلان اللَّوْث وجهين،
أظهرُهما البطلانُ.
والثانيةُ: إن عرفنا ذلك قبل أن يقسمَ، بطل اللوثُ، وإن عُرِف بعد القسامة، ففيه الوجهان، وقطع الإمامُ في الصورتين بالبُطلان؛ فإنَّ ظنَّ البقاء في الحبس أظهرُ من الظنِّ المُستفاد من اللَّوْث.
3370 -
فرع:
إذا قال المُتشحِّط في دمائِه: قتلني فلانٌ، لم يكن لَوْثًا.
3371 - فرع: متى ثبت اللَّوثُ، فللوليِّ أن يقسمَ، وإن كان في وقت القتل غائبًا، أو جنينًا، أو عَلَقةً لم يتخلَّق؛ فإن عرف ذلك بإخبار عدلين، أو بإقرار الخصم، جاز له أن يقسمَ في الباطن، وأبعد مَنْ جوَّز له ذلك بناءً على ثبوت اللوث؛ فإنَّ اللوثَ ينقل الحُجَّة، ولا يُثبت الحقَّ، والذي لاح من كلام الأصحاب أنَّه لا يحلفُ حتَّى يظهرَ له مالو ظهر للحاكم لحكم بالقتل؛ كالإقرار، أو إخبار عَدْلين.
3372 -
فوائد:
الأول: إذا ثبت اللوثُ، أو أراد الزوجُ الملاعنةَ، استُحبَّ للحاكم تحذيرُ الزَّوج والوليّ من اليمين الفاجرة، ولا عليه لو أمر مَنْ يقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] الآيةَ.
ولا يُستحبُّ التَّحذيرُ فيما لا تُغلَّظُ فيه اليمينُ اتفاقًا، وفيما تُغلَّظ فيه؛ كالدِّماء، والفُرُوج، والأموال الخطيرة وجهان.
الثانية: إذا قال: قتل هذا أبي مع جماعة لم يذكر عددَهم؛ فإن كان
القتلُ موجبًا للمال، لم تُسمع دعواه اتِّفاقًا، وإن كان موجِبًا للقَوَد؛ فإن لم نوجب القودَ بالقَسامة، لم تُسمع، وإن أوجبناه، فوجهان.
وقال الإمامُ: إن قلنا: الواجبُ القَوَدُ المَحْضُ، سُمِعت، وإن أوجبنا أحدَ الأمرين، فوجهان.
الثالثة: إذا قال الجارحُ: مات أبوك بسبب غير جَرْحي، فقال الوليُّ: بل مات بجَرْحك؛ فإن اتَّفقا على قِصَر الزمان، فالقولُ قولُ الوليِّ، وإن ادَّعى الجارحُ طُولَ زمان لم يكن المجروحُ فيه ضمنًا 1؛ فإن لم يكن الجرحُ في محلِّ اللَّوث، ففي المصدَّق منهما بيمينه وجهان، وإن كان الجرحُ في محلِّ اللوث، فالقولُ قولُ الوليِّ عند العراقيين، وخرَّجه الإمامُ على الوجهين؛ فإن اللوثَ لا يدلُّ على السِّراية، ولا يختلفُ به طولُ الزمان وقِصَرُه، فإن صدَّقنا مَنْ يدَّعي طولَ الزمان، فشهد عدلٌ واحدٌ أنَّه مات بالجرح على قُرْب الزَّمان، كان ذلك لَوْثًا، ولا يثبتُ به قربُ الزَّمان.
الرابعة: إذا قال: تفرَّد زيدٌ بقتل أبي، ثمَّ ادَّعى أنَّ عمرًا شاركه، وقال: غلطت في دعوى التفرُّد، أو تعمَّدت الكذبَ، فصدَّقه عمرٌو، فالمذهبُ أنَّ له مؤاخذةَ عمرو، وفيه وجهٌ.
ولو قال: قتل زيدٌ أبي في وقت كذا، فأقام زيدٌ بينة بغيبته في ذلك الوقت، بطلت الدعوى، فلو قال عمرٌو: تفرَّدت بقتلِه، أو شاركت فيه زيدًا،
فصدَّقه زيدٌ، ونسب الوليُّ نفسَه إلى الغلط، ففي مُؤاخذتِه الخلافُ.
3373 -
فصل في القَسَامة في الرقيق
يستوي الحُرُّ والرَّقيقُ في إقرارهما بالقصاص وفي جريانه في أنفسهما وأطرافهما، وفي وجوب الكفارة بقتلهما، ويختلفان في قَدْر البدل، وفي ضربِه على العاقلة، والأصحُّ أنَّ جراحَه من قيمته كجراح الحُرِّ من ديته، والقسامةُ جاريةٌ فيه على أصحِّ القولين، وقطع بعضُ الأصحاب بإجراء القسامة؛ اعتبارًا بالكفارة، ولا فرق بين القِنِّ والمُدبَّر والمكاتب وأُمِّ الولد.
وللمكاتب القسامةُ إذا قتل عبده في أصحِّ القولين، وإذا ثبتت القسامةُ في العبد، فمات سيِّدُه بعد القسامة، انتقلت القيمةُ إلى ورثته، وإن نكل عن القسامة، فلا قسامةَ له ولا لورثته، وإن لم يقسم، ولم ينكل، ثبتت القسامةُ لورثته.
وإذا ثبتت القسامةُ للمكاتب في عبده، فعجَّزه السيدُ بعد القسامة، استحقَّ القيمةَ، وإن عجَّزه بعد النُّكول، لم يقسم، وإن عجَّزه قبل أن ينكلَ، أو يقسمَ، فللسيِّد أن يقسمَ، ويستحق القيمةَ، ولو ملك عبدَه عبدًا، فقتل عبدَ عبده، فإن قلنا: لا يملك بالتمليك، فالقَسَامةُ للسيد، وإن قلنا: يملك، ففي القسامة وجهان مبنيَّان على أنَّه لو ملَّكه شيئًا، وقلنا: يملكه، فأتلفه متلفٌ، فالبدلُ للعبد أو للسيد؟ فيه خلافٌ؛ فإنَّه ملَّكه العينَ دون القيمة، مع أنَّ العينَ عُرْضةٌ للاسترداد؛ ولذلك ترجعُ إلى السيد إذا أعتقه أو ملَّكه لشخص آخر، فإن جعلنا البدلَ للسيد، فالقسامة لهُ، وإن جعلناه للعبد، فالقسامة
للسيِّد، أو لا تثبت له ولا للعبد؟ فيه وجهان.
فإن رجع السيِّدُ في القيمة، انقلبت إلى مُلْكه، ولا قسامةَ له؛ لأنَّه لم يملكها عند القتل، ويحتمل أن يقال: إن أثبتنا القسامةَ للعبد، فللسيِّد أن يقسم خلافةً عنه، وإن قلنا: لا قسامةَ للعبد، فلا قسامةَ للسيد؛ إذ لم يثبت للعبد حقٌّ يخلفُه فيه.
3374 -
فصل فيمَنْ أوصى لأُمِّ ولده بقيمة عبد ثبتت فيه القسامةُ
إذا أخدم أُمِّ ولدِه عبدًا من غير تمليك، فقتل العبدُ، فالقسامة للسيد، فإن أوصى لها بالقيمة، صحَّت الوصيةُ، فإن أقسم السيِّدُ، صُرِفت القيمةُ إليها إن احتملها الثلثُ، وإن مات قبل أن يقسمَ، أو ينكلَ، فقبلت الوصيةَ، أو لم تقبلْها، فلا قسامةَ لها، وللوارث أن يقسمَ سواءٌ قبلت أو لم تقبل؛ لما له في ذلك من الغرض.
ولذلك لو مات فقيرٌ وعليه دينٌ، فقضاه الوارثُ تبرُّعًا، أُجبر المستحقُّ على قَبوله، ولو تبرَّع به أجنبيٌّ، لم يُجبر على القَبول.
وغالبُ ظنِّي أنَّ بعض الأصحاب ألحق الوارثَ بالأجنبي، وللوارث أن ينكلَ عن القسامة؛ فإنَّ الأيمانَ لا تجبُ قطُّ، والذي يلزمُ الوارثَ أن لا يمنعَ الوصيَّةَ، ولا يمتنعُ من تنفيذها، ولا يلزمُه أن يسعى، أو يبذلَ من قِبَل نفسه شيئًا، فإن نكل عن القسامة، ففي ثبوتها لأُمِّ الولد قولان، والدعوى في الابتداء للورثة، وكذلك لأم الولد إن أثبتنا لها القسامةَ، وإن لم نثبتها، فطريقان، إحداهما: لا تدَّعي إلا أن ينكلَ الوارثُ؛ لاختصاص الدعوى بمَنْ
يحلف اليمينَ المردودة.
والثانية - وهي المنصوصة، واختيار الإمام -: لها أن تدَّعيَ إذا قبلت الوصية، [و] أثبتت بيمينها ملكَها الناجز، فإن نكل المدَّعى عليه، حلفت يمينَ الردِّ كسائر الخصومات، وإذا أثبتنا لها الدعوى، وقلنا: لا تقسم إذا نكل الوارثُ، فلها أن تدعيَ وإن لم يدِّع الوارث، وإن ادَّعى الوارثُ ونكل وقلنا: لا تقسم، فلها وللورثة تحليفُ المدَّعى عليه كسائر الخصومات.
3375 -
فرع:
إذا أوصى بعين لإنسان، فقبل الوصيةَ بعد موت الموصي، فادَّعى رجلٌ استحقاقَ العين، فالخصامُ في ذلك للموصى له، أو للورثة؟ فيه احتمالٌ، فإن جعلناه للموصى له بعد القَبول، ففي ثبوته للورثة قبل القَبول تردُّد.
3376 -
فصل في القسامة فيمَن جرح وهو مسلمٌ، ثمَّ ارتدَّ
إذا جرح المسلمُ مسلمًا، فارتدَّ المجروحُ، ومات بالسِّراية 1؛ فإن مات على الردِّة، فلا قسامةَ؛ لإهداره، وإن رجع إلى الإسلام؛ فإن أوجبنا القَوَدَ، ثبتت القسامةُ، وإن لم نوجبه؛ فإن كمَّلنا الديةَ، وجبت القسامةُ، وإن لم نكمِّلها، فلا قسامةَ عند القاضي؛ لنقصان البدل؛ كالأطراف، وخالفه الإمامُ؛ تعليلًا بأنَّ الواجبَ ضمانُ نفس، والظاهر وجوبُ الكفَّارة كما تجب على
كل واحد من الشركاء.
ويحتمل بأن يفرَّق بأنَّ جملةَ النفس محرَّمة في الشركة، فإن أوجبنا على الشركاء كفَّارة واحدة، وجب هاهنا بعضُ الكفَّارة، واحتمل أن نوجب من الكفَّارة بحساب ما يجب من الدية.
وإن جرح مرتدًّا، فأسلم، ومات بالجَرْح، أُهْدِر، فإن أسلم، فجرحه جرحًا آخرَ، فمات بالجَرْحين، وجب بعضُ الدّية، وكانت القسامةُ والكفَّارة على ما تقدَّم؛ فإنَّ الكفَّارة تساوقُ القسامةَ في هذه القاعدة.
3377 -
فصل في القسامة على عبد جُني عليه ومات بالسِّراية
إذا جُنِي على عبد بقطع يده، فعتق ومات بالسِّراية؛ فإن كانت قيمتُه كنصف ديتِه، أو أقلَّ، فالجميعُ لسيِّده، والمذهبُ أنَّ له القسامةَ.
وقال الإمامُ: إن أثبتنا القسامةَ في الرَّقيق، فالقسامةُ للسيّد هاهنا، وإن لم نثبتها فيه، فهاهنا وجهان؛ تفريعًا على الأصحِّ فيما يصرفُ إلى السيّد، وإن زادت ديتُه على نصف قيمته، كانت الزيادةُ للورثة، والقسامةُ للسيد والورثة، وهل يحلفُ كلُّ واحد خمسين يمينًا، أو توزَّع عليهم الخمسون؟ فيه قولان، فإن قلنا بالتوزيع، فنكل بعضُهم، فلا بدَّ أن يحلفَ مَنْ بقي خمسين يمينًا، فلو بقي السيدُ وحدَه، حلف خمسين؛ إذ لا يجب شيءٌ من الدِّيَة بأقلَّ من الخمسين.
3378 -
فصل في قسامة المرتدِّ
إذا ارتدَّ الوليُّ؛ فإن قلنا: يزول ملكُه، لم يقسم في الردَّة، وإن بقينا ملكَه، أقسم، واستحقَّ الدِّيةَ، وإن وقفناه، فالنصُّ أنَّه يقسم، فإن أسلم، فالدِّيةُ له، وإن أصرَّ، فالديةُ لأهل الفَيْء، وهذا مُشكِلٌ؛ لأنَّه إذا مات مرتدًّا، تبيَّن زوالُ مُلكه قبل القسامة، فهل يثبتُ لأهل الفيْء بأيمانه؟ فحمل بعضُهم هذا النصَّ على قول بقاء الملك، وجعله بعضُهم تفريعًا على الوقف؛ كما يقسم الوارث على قيمة العبد الموصى بها لأُمِّ الولد.
3379 -
فصل في الإقرار بأصل القتل دون العمد
إذا أقرَّ المدَّعى عليه بالخطأ، أو شبه العمد، فطلب الوليُّ يمينَه على نفي العمد حيث لا لوثَ؛ فإن قلنا: يحلفُ على أصل القتل يمينًا واحدة، حلف على العمد يمينًا واحدة، وإن قلنا: يحلفُ على الأصل خمسين يمينًا، ففي الحلف على العمد وجهان؛ لأنَّ الأصلَ آكدُ حرمةً من صفتِه.
وإن ثبت لوثُ العمد؛ فإن أوجبنا القَوَدَ بالقسامة، حلف خمسين اتِّفاقًا، وإن ادَّعى عليه بقتل الخطأ، فاعترف به، فالدِّيةُ على العاقلة إن صدَّقوه، وعليه إن كذَّبوه، وإن أنكر ونكل، يحلف الوليُّ، فالدِّية على المدَّعى عليه، وأبعد مَن قال: إذا جعلنا يمينَ الردِّ كالبينة، فالدِّيةُ على العاقلة.
3380 -
فصل في دعوى القتل على السَّفِيه
إذا أقَرَّ المحجورُ عليه بالسَّفَه بدين معاملة، لم يُقبلْ في الحَجْر، ولا بعد الإطلاق، ويصحُّ إقرارُه بما يوجب الحدَّ والقِصاصَ، وفي الإتلاف قولان، فإن قلنا: لا يقبل، فأطلق، لم يؤاخذ بذلك عند المراوزة، وعند العراقيين قولان، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ الغرضَ حفظُ مالِه في الحَجْر، وبعد الإطلاق.
فإذا ادَّعى عليه بقتل خطأ، فأنكر، صحَّ إنكارُه اتِّفاقًا، فإن حلف، انقطعت الخصومةُ، وإن نكل، يحلف الوليُّ، فإن قبلنا إقرارَه بالإتلاف، لزمته الديةُ إن أكذبته العاقلةُ، وإن رددنا إقرارَه؛ فإن جعلنا يمينَ الردِّ كالإقرار، لم يثبت القتلُ، وإن جعلناها كالبينة، لزمته الدِّيةُ، وأبعد مَنْ ضربها على العاقلة، وإذا جعلت يمينَ الردِّ كالإقرار، عُرِضت على السَّفِيه، فإن حلف، فذاك، وإن نكل، لم تردَّ على الوليِّ على الأصحِّ؛ إذ لا فائدةَ لها، فعلى الأصحِّ لا يحلفُ السَّفِيهُ إلَّا أن يقبلَ إقرارُه، أو تجعلَ يمينُ الردِّ كالبيِّنة.
3381 -
باب مما ينبغي للحاكم أن يعلمه
إذا ادُّعِي القتلُ على إنسان، ووصفه بعمد أو خطأ، وذكر صفةَ العمد والخطأ، سُمِعت الدعوى، وإن لم يَصِف بشيء، ففيه طرقٌ:
أصحُّهنَّ - وهي المذهبُ -: أنَّ الحاكمَ يستفصله إلى أن يُصحِّح دعواه، فإذا قال: قُتِل أبي، قال: مَنْ قتله؟ فإن ذكر القاتلَ، قال: أقتله عَمْدًا أو خطأً؟ فإن ذكر العمدَ، سأله عن صفتِه، فإن وصفَهُ، قال: أنفرد بالقتل، أم شُورك فيه؟
والطريقةُ الثانية: ليس له ذلك؛ فإنَّه تلقينٌ، وهذا بعيدٌ؛ لأن التلقينَ أن يقول لهُ: قُل: كذا وكذا، وأما طلبُ الصِّفة: فقد يأتي فيه بما يسقط العمدَ.
والطريقة الثالثة: أن يستفصل الجاهلَ، ويسكتَ عن العالم.
والرابعة: لا يستفصل، إلا أن يقولَ: قتل أبي أحدُ هؤلاء الجماعة.
وإذا سأله عن صفة العمد، فذكر ما لا يكون عمدًا، بطلت الدَّعوى بالعمد، وفي بُطلانها بأصل القتل وجهان.
ويشترطُ في الدَّعوى ذكرُ الشَّرِكة والانفراد، فإن لم يذكر عِدَّةَ الشركاء؛ فإن كان القتلُ موجِبًا للمال، لم تُسمع دعواهُ، وإن كان مُوجِبًا للقَوَد، سُمِعت على المذهب، وفيه وجهٌ، ولو غلط الحاكمُ، فحلفه قبل تصحيح الدعوى
يمينًا يصحُّ مثلُها بعد الدعوى، لم يُعتدَّ بيمينه.
3382 -
باب عدد الأيمان
إذا ثبت اللوثُ؛ فإن اتَّحد المدَّعي، حلف خمسين يمينًا، وإن تعدَّد، حلف كُلُّ واحد خمسين يمينًا على أصحِّ القولين، وعلى القول الآخر نوزِّع عليهم الخمسين على قَدْر إرثهم، ويجبر الكسرُ، فإن كان المُدَّعي اثنين، حلف كُلُّ واحد خمسًا وعشرين، فإن نكل أحدُهما، حلف الآخرُ خمسين، وأخذ نصيبَه، ولا يشاركُه فيه الناكلُ، وإن كان ابنًا وبنتًا، حلف الابنُ أربعًا وثلاثين، والبنتُ سبع عشرة؛ جبرًا للكسر، وإن كانوا مئة، حلف كُلُّ واحدٍ يمينًا إن استوت حصصُهم، وإن كان ابنًا وزوجًا، حلف الزوجُ ثلاثَ عشرة، والابنُ ثمانية وثلاثين، وإن كانوا جدًّا وأخًا وأختًا للأبوين، حلفت الأختُ عشرة، وحلف كُلُّ واحد منهما عشرين، وتوزع الأيمان في المُعادة على ما يستقرُّ عليه القسمُ آخرًا دون ما يقدَّر أولًا.
وإن كان فيهم خنثى، حلف كُلُّ واحد منهم على أكثر ما يمكن أن يستحقِّه، وأعطي القدر المستيقَن، وهو أقلُّ ما يمكنُ استحقاقُه، فإن كان مع الولد الخُنثى عَصَبةٌ، حلف الخُنثى خمسين، وأخذ نصفَ الدِّية، ويخيَّر العصبةُ في الحلف، فإن حلف خمسًا وعشرين، انتزع النصفُ الآخر من المدَّعى عليه، ووقف بينهما، فإن بانت الذكورةُ، أخذه الخُنثى بأيمانه السابقة،
وإن بانت الأنوثةُ، أخذه العصبةُ بأيمانه السابقة.
وإن لم يحلف العصبةُ، لم ينتزع النصفُ من المدَّعى عليه، وإن حلف كُلُّ واحد منهما خمسة وعشرين، فلا شيءَ للخُنثى في الحال، وإن كان معه ابن أخ، حلف الابنُ ثلثي الأيمان، وأخذ النصفَ، وحلف الخنثى نصفَ الأيمان، وأخذ الثلثَ، وانتزع السدس، ووقف بينهما.
وإن كان معه ولد خنثى آخر وعصبةٌ، حلف كُلُّ واحد من الخنثيين ثلثي الأيمان، وأخذ الثلثَ، ويُخيَّر العصبةُ في الحلف؛ فإن لم يحلف، لم ينتزع الثلث من المدَّعى عليه، وإن حلف، انتزعناه ووفقناه بينهم، فإن بانت ذكورتُهما، أخذاه، وإن بانت أنوثتُهما، صُرِف إلى العصبة، وإن بانت ذكورةُ أحدِهما، وأنوثةُ الآخر، أخذه الذكرُ.
وإن كان معه بنتٌ، حلفت نصفَ الأيمان، وأخذت الثلثَ، وحلف الخُنثى ثلثي الأيمان، ولا ينتزع الثلثُ الباقي من المدَّعى عليه؛ إذ لا يمكنُ الحلفُ عن بيت المال؛ فإنَّه لو ثبت اللوثُ، ولا وارثَ سوى بيتِ المال، فالقولُ قولُ المدَّعى عليه كسائر الخصومات.
فإن كان الورثةُ بالغًا وصغيرًا حاضرين، وبالغا غائبًا، فللحاضر حالان:
إحداهما: أن يحلفَ الخمسين، فيأخذ ثلثَ الدية؛ تنزيلًا للصِّغَر والغَيْبةِ منزلةَ النُّكول؛ فإنَّ الورثةَ لو نكلوا إلا واحدًا، لحلف الخمسين، واستحقَّ، فإن حضر الغائبُ، حلف خمسًا وعشرين، وأخذ الثلثَ، وإذا بلغ الصبيُّ، حلف ثلثَ الأيمان، وأخذ الثلث.
الثانية: أن يؤخَّر الحلفُ حتَّى يبلغَ الصبيُّ، ويحضرَ الغائبُ؛ ليحلف
كُلُّ واحد ثلثَ الأيمان، ويأخذ الثلثَ، ولو كان الوارثُ جدًّا أو أخًا خُنثى للأب، وأختًا للأبوين، حلف الخُنثى خمسًا وعشرين، وحلف كُلُّ واحد من الأُخت والجدِّ نصفَ الأيمان، وأخذت الأختُ نصفَ الدِّية، فإن نكل الخُنْثى، حلف الجدُّ نصفَ الأيمان، وأخذ خُمُسي الدِّية، وحلفت الأختُ خمسةَ أتساع الأيمان، وقيل: لا تسمعُ دعوى الخُنثى في هذه الصورة، ولا يعتدُّ بإيمانِه؛ لجهلنا باستحقاقه.
ويجب طردُ هذا في كُلِّ مَن يجوز حرمانُه؛ كالعصبة مع الولد الخنثى، بخلاف ما لو حلف الذكرُ الخُنثى، وبانت ذكورتُه؛ فإنا نعطيه ما بقي بأيمانه السابقة؛ لأنَّها تبعٌ لأيمانه المقطوع بها.
3383 -
فرع:
إذا كان للقتيل ابنان، فمات أحدُهما قبل القسامة عن ابنين، حلف كُلُّ واحد منهما ثلاثَ عشرة يمينًا، فإن مات أحدُهما قبل أن يقسم عن ابنين، حلف كُلُّ واحد منهما سبعَ أيمان.
3384 -
فائدة:
إذا نكل الوليُّ عن القسامة، سقط حقُّه منها، وحقُّ ورثتِه، وإن أقسم، ثبتت الديةُ لورثته، فإن مات في أثناء الأيمان، استأنفها الوارثُ، وأبعد مَنْ أجاز له البناءَ.
ولو جُنَّ في أثناء الأيمان، ثم أفاق، بنى عند الأصحاب، وذكر القاضي في تفريق أيمان القسامة وكَلِم اللِّعان في مجلس أو مجالسَ وجهين، فيجب طردُهما في إفاقة المجنون.
وإن عُزِل الحاكم في أثناء الأيمان، وولي غيرُه، فلا خلافَ في وجوب الاستئناف؛ إذ لا حكمَ لما تقدَّم على ولايته.
3385 -
باب ما يسقط القسامة
إذا ثبت اللوثُ، فقال أحدُ الابنين: قتل أبانا زيدٌ، فقال الآخرُ - وهو ممَّن يعتبرُ كلامُه -: ما قتله زيدٌ، أو قال: كان زيدٌ غائبًا عن المحلَّة وقتَ القتل، أو قال: بل قتله عمرٌو وحدَه، بطلت قسامتُه، وفي قسامة أخيه قولان؟ لضعف اللَّوْث بالتكذيب.
ولو شهد عدلٌ بدَيْن، فكذبه أحدُ الابنين، لم يبطل حقُّ الآخر من الحلف، فإن لم تبطل قسامةُ المدَّعي، حلف خمسين يمينًا، وأخذ نصفَ الدية، ولا قودَ؛ فإنَّ القودَ المشتركَ لا ينفردُ بعضُ الشركاء باستيفائه، ولا يطلبه.
وإن قال أحدُهما: قتله زيدٌ ورجلٌ لا أعرفُه، فقال الآخرُ: بل قتله عمرٌو ورجلٌ لا أعرفه، حلف كُل واحد على مَنْ يعيِّنُه خمسين يمينًا، واستحقَّ رُبُعَ الدِّية، وإن قال: قتله زيدٌ ورجلٌ ليس بعمرِو، فقال الآخرُ: قتله عمرٌو ورجلٌ ليس بزيد، ففيه القولان.
وإن قال: قتله زيدٌ ورجلٌ لا أعرفُه، وأعلم أنَّه ليس بعمرٍو، فقال الآخرُ: قتله عمرٌو ورجلٌ لا أعرفه، ولا أُبْعِد أن يكونَ زيدًا، حلف من ادَّعى على زيد خمسين، وأخذ ربعَ الدِّية، وفي بطلان القسامة في حقِّ عمرو القولان، فإن أبطلناها، فالقولُ قولُ عمرو مع يمينه، فإن نكل، حلف المدَّعي،
وأخذ ربعَ الدية؛ فإن للتكاذب أثرًا في بُطلان القسامة دون التحليف وردِّ اليمين.
ولو قال أحدُهما: انفرد بقتله زيدٌ وعمرٌو، فقال الآخرُ: بل انفرد به سعدٌ وبكرٌ، ففي بطلان قسامتِهما القولان، فإن قلنا: لا تبطل، حلف كُلُّ واحد منهما على خَصْمِه خمسين يمينًا، وأخذ منهما نصفَ الدِّية، وإن قلنا: تبطل، فلكُلِّ واحد منهما تحليفُ خَصْمَيه، فإن نكلا أو أحدُهما، رُدَّت اليمينُ عليه.
ولو قال أحدُهما: انفرد زيدٌ بالقتل، فقال الآخرُ: بل شاركه عمرٌو؛ فإن أبطلنا القسامةَ، حلفا على زيد خمسين يمينًا، وأخذا منه نصفَ الدِّية، ولمن ادَّعى على زيد وعمرو تحليفُهما، وإن لم تبطل القسامةَ، حلف مدَّعي الانفراد على زيد خمسين يمينًا، وأخذ منه نصفَ الدِّية، وحلف الآخرُ على زيد خمسًا وعشرين، وأخذ منه ربعَ الدية، وحلف على عمرو خمسين يمينًا، وأخذ منه الربعَ الآخر.
فإن أراد مدَّعي الشركة أن يقلِّلَ الأيمانَ، فيحلف على زيد وعمرو خمسًا وعشرين، ويفرد عمرًا بخمس وعشرين، فله ذلك، فإن كان عمرو غائبًا، فحلف مدَّعي الشركة على زيد، فلا بدَّ أن يقولَ: قتله زيد ورجل آخرُ، فإذا قدم عمرٌو، فقد قال القاضي: يحلفُ عليه خمسين، ولا يعتدُّ بأيمانه السابقة، ودلَّ كلامُه على أنَّه لا يقسمُ على غائب وإن اتَّحد المدَّعي، ولا تُسمع دعواه إلا ببينة، والوجهُ أن يقسمَ إذا ثبت حضورُ الغائب حال القتل، ولا يجوزُ أن يختلفَ في القضاء بالشاهد واليمين على غائب.
3386 -
فرع:
قال الشافعى: إذا أقسم على الغائب، فقامت بينةٌ بغيبته وقتَ القتل، نُقِض الحكمُ، ورُدَّت الدية.
3387 - فرع: إذا قال الوليُّ بعد القسامة: ظلمتُه في هذه الخُصومة، سُئل عن ذلك؛ فإن قال: كذبتُ في الدَّعوى، لزمه ردُّ الدِّية، وإن قال: صدقتُ، ولكنِّي لا أرى القسامةَ، فلا عبرةَ بقوله؛ لأنَّ استحقاقَه في الباطن لا يقف على قيام الحُجَّة.
3388 -
باب كيف يمين مدَّعي الدم
يُغلِّظُ الحاكمُ كُلَّ يمين من أيمان القسامة وغيرها بما يراهُ من ألفاظ التعظيم؛ كقوله: والله الذي لا إلهَ إلَّا هو عالمُ خائنة الأعين، وما تُخفي الصدورُ، فإن قال: قل: والله، فقال: والرَّحمن، لم يعتدَّ بيمينِه، وإن قال: قل: والله العظيم الطالب الغالب، فاقتصر على قوله: والله، فوجهان مأخوذان من الخلاف في وجوب تغليظ الأيمان.
ويجبُ أن تكونَ الأيمانُ مطابقةً للدَّعوى؛ فإن قال: انفرد بالقتل، فلا خلافَ أنَّا نستحبُّ أن يقولَ: وما شاركه فيه غيرُه، ويحلف المدَّعى عليه: أنَّه ما قتله، ولا تسبَّب في قتله، ويصرِّح بما ينفي عنه أسبابَ الضَّمان، فإن ادَّعى عليه بالقتل، كفاه أن ينفيَ القتلَ، وإن ادَّعى عليه بالتسبُّب؛ كحفر البئر، لم يكفه نفيُ القتل؛ لأنَّه صريحٌ في المباشرة.
3389 -
باب دعوى الدم
إذا ادَّعى القتلَ ولا لَوْثَ، وقلنا بتعدُّد يمين المدَّعى عليه، فادعى على اثنين، فهل يحلفُ كُلُّ واحد خمسين، أو توزَّع عليهما بالسويَّة؟ فيه قولان.
3390 -
فرع:
إذا جعلنا السَّكرانَ كالمجنون، لم تُسمع يمينُه، ولا دعواه حتَّى يفيقَ، وإن جُعِل كالصَّاحي، فقد قال الشافعيُّ: لا نحلِّفه في القسامة ولا في غيرها حتَّى يفيقَ؛ إذ لا زجرَ في يمين السَّكران، فإن حلَّفه قبل الإفاقة، ففي الاعتداد بأيمانه وجهان.
3391 -
فصل في تعدد الأيمان في الأطراف
إذا ادَّعى قطعَ الأطراف، فالقولُ قولُ المدَّعَى عليه، فإن كان الأَرْشُ بقَدْر الدِّية، ففي تعدُّد اليمين قولان يمكنُ ترتيبُهما على القولين في دعوى القتل حيثُ لا لَوْثَ؛ إذ لا قسامةَ في الأطراف.
وإن كان الأرشُ حكومة أو ناقصًا عن الدِّية، فهل يحلفُ الخمسين، أو توزَّع الخمسون على الدية، فيحلف بحسابه؟ فيه قولان.
فإن قلنا بالتَّوزيع، حلف على ثلث الدِّية ثلثَ الأيمان، وعلى نصفها نصفَ الأيمان، وإن زاد الأرشُ على ديتين فأكثرَ، ففي زيادة الأيمان بقدر زيادة الأروش على الدِّية قولان يقرُبان من القولين في كيفية تأجيلها على العاقلة.
وأمَّا الدِّيةُ الناقصةُ كدية المرأة؛ فإن كان معها لوث، حلف الخمسين، وإن لم يكن، فالأشبهُ إجراءُ الخلاف في التعدُّد، ولا يبعدُ إجراؤُه على الخلاف في التأجيل.
3392 -
فرع:
إذا ادَّعى على اثنين أنَّهما قطعا يدَه، فهل يحلفُ كلُّ واحد منهما خمسين، أو خمسًا وعشرين، أو ثلاثَ عشرة، أو يمينًا واحدة؟ فيه أربعةُ أقوال مأخوذةٌ من الأصول المتقدِّمة.
3393 -
باب كفارة القتل
تجبُ الكفَّارةُ في القتل المضمون بالقَوَد أو الدِّية، فتجب في الخطأ والعمد، وشِبْه العمد إذا كان القتيلُ آدميًّا مُحترمًا لعينه غيرَ مباح الدم، بشرط أن يكونَ القاتلُ ملتزمًا، فتجبُ على الصبيِّ والمجنون اتفاقًا، وكذلك تجبُ على الذمِّيِّ.
ولا تجبُ الكفَّارةُ بجماع الصبيِّ في رمضان، وفي كفَّارات الحجِّ وجهان؛ لتأكُّد الإحرام، ولو أفسد صلاةً أو أفطر في رمضان، ثُمَّ بلغ، لم يخاطب بالقضاء، ولو أعتق الوليُّ عن كفَّارة الصبيِّ قبل أن يبلغَ، أجزأه، وفي إجزاء صوم الصبيِّ عن الكفارة وجهان.
3394 -
فصل فيما لا يضمن من القتل
الدمُ الذي لا يضمنُ بالقَوَد ضربان:
أحدُهما: المُباحُ؛ كدم المرتدِّ، والزَّاني المُحْصَن، والصَّائل، وقاطع الطريق، والمقتول بالقِصاص، ولا كفَّارة فيه.
الثاني: المَحْقُونُ بالأمان والإيمان؛ كدم المُعاهَد، والذِّمِّيَ، وعبد الذِّمِّي، والرَّقيق إذا قتله المالكُ، فتجب الكفَّارةُ بذلك، ولا تجبُ بقتل
الحربيِّ، ولا بقتل نسائِه وأطفاله؛ إذ لا حُرْمةَ لهم في أعيانهم، وإنما حُرِّم قتلُهم؛ لكونهم مالًا لأهلِ الإسلام.
3395 -
فرع:
إذا اقتصَّ من العامد، لم تسقط الكفَّارةُ على المذهب.
3396 - فرع:
إذا اشترك جماعةٌ في قتل واحد، وجب على كُلِّ واحد منهم كفَّارةٌ، وعلى قول بعيد يلزمُ الكُل كفَّارةٌ واحدة.
والكفارةُ: عتقُ رقبة مؤمنة بصفة رقبة الظِّهار، فإن لم يجد، صام شهرين متتابعين، فإن عجز، لم يلزمْه الإطعامُ إلَّا على قول بعيد، فإن قلنا بالمذهب، فمات، أطعم عنه ستِّين مُدًّا؛ كما في صوم رمضان.
ومَنْ عجز بالهرم عن صوم واجب؛ كالنَّذر والقضاء، فقد نلزمه بالفداء، وإذا جعلنا الإطعامَ بدلًا في الكفَّارة، لم يُشرطْ في الانتقال إليه الهرمُ، ويكفي فيه العجزُ المشترطُ في الانتقال عن صوم الظِّهار.
3397 - فرع: مَنْ قتل نفسَه، وجبت الكفَّارةُ في تركتِه على الأصحِّ، ومَنْ حفر بئرًا، فتلف بها شيءٌ بعد موته، فإن كان بهيمةً، ضمنها في تركتِه، وإن كان إنسانًا، فدِيَتُه على عاقلتِه، وأمَّا الكفَّارةُ: فإن أسقطناها عمَّن مات، ولم يوصِ بها، فلا تجبُ هاهنا، وإن لم نسقطها ثَمَّ، فالأصحُّ وجوبُها هاهنا، وفيه احتمالٌ؛ فإنَّها عبادةٌ، فيبعدُ إيجابُها بعد الموت، بخلاف ما لو قتل نفسَه.
3398 -
فرع:
إذا هلك اثنان بالاصطدام؛ فإن أوجبنا الكفَّارةَ على قاتل نفسِه، لزمهما كفَّارتان، وإن لم نوجبْها ثَمَّ، فالأصحُّ وجوبُ كفَّارتين؛ لأنَّهما شريكان، وعلى القول البعيد يلزمُهما كفَّارةٌ واحدةٌ، وإن اصطدم امرأتان حاملان، فاجهضتا، وهلكتا، فالأصحُّ أنَّ على كُلِّ واحدة أربعَ كفَّارات.
3399 - فرع:
إذا رمى إلى صفِّ الكُفَّار، فأصاب مسلمًا، فللرَّامي حالان:
أحدهما: أن يقصدَ كافرًا، فيميلَ السهمُ إلى المسلم، فيقتله؛ فإن لم يعلم أن فيهم مسلمًا؛ فإن كان القتيلُ في حيِّز الكفَّار، فهذا قتيلُ السهم الغَرْب، وفيه الكفَّارةُ دون الدِّية.
فلو أصاب مُسلمًا في أزورار الصُّفوف، والتحام الفئتين، وجبت الديةُ مع الكفَّارة.
وإن علم أنَّ فيهم مسلمًا، فأصابه في حيِّزهم، وجبت الدِّيةُ والكفَّارةُ.
والثانية: أن يقصدَ رجلًا في صفِّهم، وعلى زِيِّهم؛ ظنًّا أنَّه كافر، فيظهر مسلمًا، فتجبُ الكفَّارةُ، وفي الدِّية قولان، طردهما أبو محمَّد إذا مال السهمُ، وعلم أنَّ فيهم مُسلمًا، وهو حسنٌ مُنْقاس، ولا قَوَدَ في هذه الصُّورة.
ولو قتل في دار الإسلام شخصًا عَهِدَهُ كافرًا مباحَ الدَّم، فبان أنَّه أسلم، وجبت الدِّيةُ والكفَّارة، وفي القَوَد قولان؛ لأنَّ دارَ الإسلام دارُ حَقْن، فيجب التثبُّتُ فيها، بخلاف دار الحرب.
3400 -
باب الشهادة على الجناية
لا تثبتُ جنايةُ العَمْد في نفسٍ ولا طرف إلَّا بشاهدين ذكرين، وإن قلنا: الواجبُ أحدُ الأمرين، ولو عُفِي عن القَوَد، ثُمَّ شهد بالجناية رجلٌ وامرأتان، ففي ثبوتها وجهان.
وكُلُّ ما يثبت بشهادة شاهد وامرأتين يثبت بشاهد ويمين إلَّا عُيوبَ النِّساء، فتثبت بذلك كُل جناية لا توجبُ القِصاصَ؛ كقتل الصبي والمجنون، والخطأ وشبه العمد، وقتل مَنْ لا يكافئ القاتلَ.
3401 -
فرع:
إذا ادَّعى بهاشمة لم يتقدَّمْها إيضاحٌ، تثبتُ بشاهد وامرأتين، وإن كانت متَّصِلةً وإيضاح، فلا قصاصَ في المُوضِحة، ولا أَرْشَ للهاشِمة على النصِّ.
ولو ادَّعى أن زيدًا تعمَّد رميَ عمرٍو، فأصابه، ونفذ السهمُ إلى ولد المدَّعي، فقتله خطأً، ثبت قتلُ الولد بالشاهد والمرأتين، ولا يثبتُ قتلُ عمرٍو، وفرَّق بعضُهم بأنَّ الإيضاحَ مع الهَشْم يُعَدُّ جَرْحًا واحدًا، والمحل مُتَّحدٌ، وقيل: في وُجوب الدِّية وأَرْشِ الهاشمة قولان.
وقال الإمامُ: إن كان عمرٌو أجنبيًّا من المدَّعي، وجب القطعُ بثُبوت قتل الخطأ بالشاهد والمرأتين، وإن كان ممَّن يجبُ القصاصُ فيه للمُدَّعي،
فهذه مسألةُ النصِّ، وقال: إن ادَّعى هَشْمًا مُنْفصلًا على الإيضاح، ثبت أرشُ الهَشْم؛ لانفصاله؛ فإنَّ الدَّعوى لو جمعت قِصاصًا ومالًا [لا] تعلُّقَ له بالقِصاص، سُمِعت، والمذهبُ ثُبوتُ المال بشاهد وامرأتين، وأبعد مَنْ لم يثبتْه، فإن أثبتنا أرشَ الهاشمة (1)، فلا أَرْشَ في المُوضِحة ولا قصاصَ، وأبعد مَنْ أوجب أَرْش الموضِحة (2)، وأبعدُ منه مَنْ أوجب فيها القصاصَ، وأبعدُ مِن إيجاب القِصاص مَن أوجب قطعَ السارق بالشاهد والمرأتين؛ فإنَّه ساقطٌ لا يُعدُّ من المذهب.
3402 -
فصل في كيفية الشهادة بالقتل
إذا ادَّعى القتلَ، فقال شاهداهُ: ضربه بالسَّيف، فأنهر دمَه، فمات مكانَه بذلك الجَرْح، أو قالا: فمات بعد ذلك بالجَرْح، ثبت القتلُ، فإن قالا: ضربه بسيف، فأنهر الدمَ، لم يثبت القتلُ، وكذا إن قالا: ضربه بسيف، فمات، أو ضربه بسيف ومات، وأبعد مَنْ أثبت القتلَ بذلك.
3403 -
فرع:
مَن رأى سيفًا يقعُ بوليه وينهر دمَه، فوجده ميتًا على الاتّصال، فادَّعى موتَه بذلك، وادَّعى الجاني أنَّه مات بسبب آخرَ، فالقولُ قولُ الوليِّ اتِّفاقًا، وإن رأى ذلك أجنبيٌّ، فأراد أن يشهدَ بالقتل، فإن انضمَّ إليه قرائنُ تُفيدُ العلمَ،12
فله أن يشهدَ بالقتل.
وإن لم يجد سوى الجَرْح وانهيارِ الدَّم، واتِّصال الموت، فقد ألحقه الإمامُ بمَنْ يشهد بالملك بمجرَّد اليد، ورآه أَوْلى بالمنع؛ إذ لا مستندَ للملك سوى الظنِّ، بخلاف جنس القتل.
3404 -
فرع:
لا تثبتُ المُوضِحةُ حتَى يصفَها الشَّاهدان بالوُصول إلى العَظْم، ففي قَبول شهادتهما المطلقة تردُّدٌ واحتمالٌ، فإن وصفا مُوضِحةً قريبةَ العهد، فلم نجد أثرَها، بطلت شهادتُهما، وإن وصفاها بالصِّفات المشترطة، ولم يتمكَّنا من تعيين محلِّها؛ لكثرة المَواضح على رأس المَشْجُوج؛ فإن كانت خطأً، ثبت الأرشُ عند الإمام، وإن كانت مُوجِبةً للقِصاص، ثبت عند أبي محمَّد، وخالفه القاضي.
3405 -
فصل فيمَن شهد على شاهدي القتل بأنَّهما القاتلان
تُقبل شهادة الحسبة فيما يغلب عليه حق الله تعالى، والمذهب: أنَّها لا تُقبل في حقوق العباد؛ كالمال والقصاص، وقيل: لا تُقبل إلَّا أن يكون المستحِقُّ جاهلًا بحقِّه، وقيل: تُقبل على الإطلاق، فإنْ شهد عدلان بحقِّ آدميٍّ حسبة، وقلنا: لا تُقبل، فادَّعاه المستحقُّ لم يثبت بالشهادة السابقة، فإن أعادها، ففي قبولها أوجه: أحدها: لا تُسمع أبدًا؛ كشهادة الفاسق إذا أعادها بعد العدالة.
والثاني: لا تُسمع إلَّا أن يتوبَ، ويُستبرَأ [استبراءً دون] (1) استبراء الفاسق.
والثالث: تُسمع من غير توبة، ولا استبراء، وهذا هو الأصحُّ، فإنَّه لا يتعيَّر بمبادرة الشهادة؛ كتعيُّر الفاسق.
ولو حضر أربعةٌ مجلسَ الحكم، فشهد اثنان منهما على اثنين أنَّهما قتلا زيدًا، فشهدا على الأوَّلين أتهما القاتلان، فإن قبلنا شهادةَ الحسبة، فهاهنا أوجه:
أحدها: بطلانُ الشهادتين؛ للتكاذب.
والثاني: يُرجع إلى مَنْ يصدِّقه الوليُّ، فإن أكذب الأربعةَ، سقط حقُّه.
والثالث: تُقبل شهادة الأوَّلين دون الآخرين؛ لأنَّهما صارا عدوَّين للأَوَّلَين، ودافعين، فإنْ صدَّق الوليُّ الأوَّلين، ثبت حقُّه، ولا حاجةَ إلى إعادة الشهادة.
3406 -
فرع:
إذا صدَّق الآخرين بعد تصديق الأوّلَين؛ فإن رددنا شهادةَ الآخرين؛ للعداوة والدفع، بطلت شهادةُ الأربعة، وإن لم نردَّها بذلك، ثبت القتلُ على الأوَّلين، ولا حاجةَ إلى الإعادة.
ولو ابتدأ بالدعوى على الآخرين، فشهدا على الأوَّلين، فصدَّقهما، بطلت شهادةُ الأربعة.1
ولو ادَّعى الوليُّ ابتداءً على اثنين، فشهد عليهما اثنان، فشهد الأوَّلان على الآخِرَين، فلم يصدِّقهما الوليُّ، ثبت القتلُ على الأوَّلين.
وإن وكِّل من يدَّعي بالقتل، ولم يعيِّن القاتلَ، فادَّعى الوكيل على اثنين، فشهد عليهما آخران، فشهد الأوَّلان على الآخرين، رُوجع الوليُّ، فإن صدَّق الآخِرَين، بطلت عليهما الدعوى 1، وله الدعوى على الأوَّلين، وشهادةُ الآخرين باطلةٌ إن أُبطلت 2 شهادة الحسبة، فإن أعاداها بعد الدعوى، ففي قبولها الخلاف.
وإن قبلنا شهادةَ الحسبة؛ فإن جعلنا الآخرين عدوَّين ودافعين، بطلت شهادتُهما، وإن لم ننظر إلى الدفع والعداوة، قُبلت شهادتُهما، ولا حاجة إلى إعادتها.
ولو ادَّعى الوليُّ على اثنين، فشهد عليهما اثنان، فشهد الأوَّلان على أجنبيٍّ بالقتل؛ فإن صَدَّق الأوَّلين، نُظر في شهادتهما هل وقعت حسبةً، أو بعد الدعوى؟ وإن صدَّق الآخرين؛ فإن تقدمت الدعوى على وَفْق شهادة الأَوَّلين، فقد تناقض قولُه؛ فتبطل الشهادتان، وإن شهد الآخران حسبةً، فصدَّق أو كذب، لم يخْفَ حكمه، وإن وكل في ذلك، ولم يعيِّن القاتل، رُجع إليه؛ فإن صدَّق الأوَّلين، ثبت الحقُ، وإن صدَّق الآخِرَين، ورددنا شهادةَ الحسبة، فاستعادها، ففي قَبولها الخلاف؛ لأنَّهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما، وإن قلنا: لا تُرَدُّ، خُرِّج على الخلاف في شهادة الحسبة.
ولو ادَّعى القتلَ على إنسان، فشهد به اثنان، ثُمَّ شهد أجنبيَّان بالقتل على الشاهدين، بطلت شهادتُهما إن صدَّق الأوَّلين، وإن صدَّق الآخِرَين، بطلت شهادةُ الأربعة.
3407 -
فصل في اختلاف شهود القتل
إذا ادَّعى قتلَ العمد، فشهد أحدُ شاهديه على الإقرار بقتل العمد، وشهد الآخرُ على الإقرار بالقتل من غير تعرُّض لخطأ ولا عمد، ثبت أصلُ القتل، فإن لم يجعل الوليُّ الشهادةَ لَوْثًا، حلف المدَّعى عليه: أنَّه ما قتله عمدًا، فإن نكل حلف الولي، وثبت القصاصُ، وإن جعل شهادةَ أحدهما لوثًا، فله القسامةُ على إثبات العمد.
ولو شهد أحدُهما بالعمد، والآخر بالخطأ، ففي ثبوت أصل القتل وجهان، وإن اختلفا في زمن القتل، أو مكانه، أو آلته، لم يثبت القتلُ اتِّفاقًا، ولا يثبت بذلك لوثٌ عند المراوزة، وحكى العراقيُّون في ثبوت اللوث قولين.
[ولو شهد أحدُهما بالقتل، والآخر على الإقرار بالقتل، ثبت اللوثُ اتِّفاقًا، ولم يثبت القتل] 1.
ولو شهدا أنَّ هذا القتيلَ قتله زيد أو عمرو، لم يثبت القتل، وثبت 2 اللوثُ شاملًا لهما، فللوليِّ أن يعيِّنَ أحدَهما للدعوى، ولا يلزمه إظهارُ
لوث يختصُّ بمن يعيِّنه، وعليه في الباطن ألَّا يدَّعيَ إلَّا عن بصيرة، وتردَّد الإمامُ في ثبوت اللوث هاهنا؛ لأنَّه لم يشملهما، ونظيره أن يشهدَ عدلان بعداوة بين القتيل، وبين واحد من رجلين، ولا يبعد ثبوتُ اللوث بالعداوة المبهمة.
3408 -
فصل فيمن قَطَع ملفوفًا بنصفين
وإذا شهد عدلان أنَّه قَطَع ملفوفًا بنصفين، ولم يتعرَّضا لحياته حال القطع، لم يثبت القتلُ بشهادتهما؛ فإنَّ شرطَ الشهادات أن يُشعر بالمقصود، فإن اختلف الوليُّ، والقاطع في حياته حال القطع، ففي المصدَّق منهما بيمينه قولان، وعلى قول بعيد: إن كان ملفَّفًا في رباط على هيئة الأكفان، فالقولُ قول القاطع، وإن كان في ثياب الأحياء، فالقول قول الولي.
3409 -
فرع للقاضي:
إذا رأى الشاهدان رجلًا قد تلفَّف، فقطعه قاطعٌ على الفور، جاز لهما أن يشهدا بالقتل، كما يشهدان بالملك؛ [بناءً] 1 على اليد والتصرُّف، وفيه احتمال؛ فإنَّ الملكَ لا يُعرف إلَّا بالظن.
ولو قالا: رأيناه قد تلفَّف بثوب، فقدَّه فلان، لم يجز للحاكم أن يقضي بحياته اتفاقًا، كما لا يحكم بالملك إذا شهدا باليد والتصرُّف، ولم يتعرَّضا للملك.
3410 -
فائدةٌ:
ما لا يثبت إلَّا بعدلين ذكرين لم يسقط إلَّا بهما، وما يثبت بالشاهد والمرأتين، فإنَّه يسقط بهما، فلا يثبت العفوُ عن القصاص إلَّا بذكرين، ويثبت العفو عن الدية بشاهد وامرأتين.
3411 -
فصل في إقرار أحد الورثة بالعفو
إذا أقَرَّ أحدُ الورثة بعفو بعضهم عن القصاص، سقط القصاصُ، وإن لم يعيِّن العافي، وإن ادَّعى الجاني على أحدهم أنَّه عفا، فالقولُ قوله، فإن نكل حلف الجاني، وسقط قصاصُ الجميع.
3412 -
فصل في شهادة الوارث بجرح مُورِّثه
كلُّ شهادة تجرُّ نفعًا إلى الشاهد، أو تدفع عنه ضرًا، فهي مردودة، فإذا شهد عدلان من الورثة بجرح المورِّث، وذلك الجرحُ ممكنُ السِّراية في وقت الشهادة، لم تُقبل شهادتهما؛ لأنَّ الجرحَ سببُ إرثهما، فإن اندمل الجرحُ بعد ذلك، أو حدث مَن يحجبهُما، لم تُقبل شهادتهما على الأصحِّ.
وإن شهد الوارثان للمورِّث في مرض موته بعَيْن، أو دَيْن، ففي قَبول شهادتهما وجهان، ولو شهد بالجرح محجوبان، فصارا عند الموت وارثين، فالأصحُّ أنَّهما إن صارا وارثين قبل الحكم، رُدَّت شهادتُهما، وإن صارا وارثين بعد الحكم، لم يُنقض، وأبعد مَنْ نظر إلى المآل في الصورتين،
وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّهما يُتَّهمان بتوقُّع الإرث، والتهمُ تؤثِّر قبل الحكم، ولا تؤثِّر بعده، ولذلك لا يؤثر الفسقُ بعد الشهادة إلَّا أن يطرأ قبل الحكم، فإنَّه لا يطرأ إلَّا بعد مراودات باطنة، ولذلك لا تُردُّ الشهادةُ بالموت، والعمى، والجنون قبل الحكم؛ لانتفاء الرِّيبة.
3413 -
فرع:
إذا شهد عدلان بقتل الخطأ، فجرحهما عدلان ممَّن يلزمه حَمْلُ العَقْل، لم يُقبل جرحُهما؛ لأنَّهما دافعان، فإن كانا فقيرين عند شهادتهما بالجرح، أو كانا بعيدين مع استقلال الأقربين بالعَقْل، فالنصُّ قَبولُ شهادة البعيدين، وردُّ شهادة الفقيرين، وقيل: فيهما قولان بالنقل والتخريج، وفرَّق بعضُهم بقرب توقُّع الغنى، وبُعد توقُع موت الأقربين، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ البعيدَ يتوقَّع تحمُّلَ العَقْل بموت القريب، أو بغناه، فلا فرق بين توقُّع الغنى والفقر.