كِتَابُ الغَصْبِ
1913 -
الغصب حرام بالإِجماع، وهو: الاستيلاء على مال الغير بغير استحقاق.
ولا يُشترط في ضمانه العدوان، فمن لبس ثوب غيره وهو يظنُّه لنفسه ضمنه ضمان الغصب، ولا يتمُّ الاستيلاء إِلا بإِزالة اليد المُحِقَّة، وإِحداثِ يد الضمان، فلو حَبَسَ السائق عن دابَّته فضاعت، أو أمر غيره بالغصب فامتثل، أو دلَّ سارقًا على مال خفيٍّ فأخذه، لم يضمن؛ لعدم الاستيلاء.
1914 -
فرع:
لوليِّ الأمر أن ينتزع المغصوب ليردَّه على المالك، وإن نزعه الآحاد لذلك؛ فإِن كان الغاصب حربيًّا جاز، وإِلّا فوجهان، فإِن أجزنا الانتزاع فهو أمانة عند المنتزِع، وإن منعناه لزمه الضمان.
1915 -
فصل في بيان أسباب الضمان
تُضمن الأموال باليد والإِتلاف، ولا يضمن الأحرار إِلا بالإِتلاف، فمن غصب طفلًا حرًّا ونقله إِلى مظانِّ الحيَّات فنهشته، أو السباعِ فافترسته، فلا ضمان على الناقل، ولا يجب ردُّه إلى المكان الذي أُخذ منه، بل يجب
على مَن عَلِمَ بمثله أن ينقذه بنقله إِلى مأمَن، وهل يرجع على الطفل بمؤونة النقل؟ فيه خلاف كالخلاف في إِيجار المضطرِّ الطعامَ، ولا فرق في وجوب ردِّه بين المتعدِّي وغيره.
ويتعلَّق ضمان الغصب والإِتلاف بالأعيان والمنافع والأوصاف، ولا تُضمن منافع البضع إِلا بالإِتلاف، ويدخل تحت يد الغاصب كلُّ منفعة تجوز الإِجارة على جنسها.
وإِن أتلف منافع حر ضمنها، وإِن حبسه وعطَّله فوجهان.
ولو استأجر حرًّا، ثم أجَّره؛ فإِن أوجبنا الأجرة بالتعطيل صحَّت الإِجارة، وإِلا فلا.
ولو سلَّم الأجيرُ الحرُّ نفسه مدَّة تتَّسع لاستيفاء المنافع؛ فإِن أوجبنا الأجرة بالتعطيل استقرَّت أجرته، وإِلا فلا.
1916 -
فصل فيما (1) يُضمن بالإتلاف
من قتل حرًّا ضمنه بديته، ومن أتلف بهيمةً أو رقيقًا قِنًّا أو أمَّ ولد أو مكاتَبًا، ضمنه بقيمته وإِن زادت على دية الحرّ.
ويضمن أطراف البهيمة بما نقص من القيمة، وما ضُمن من الحرّ بالحكومة ضُمِن من العبد بالأرش، وما ضُمن من الحرِّ بالدية فهل يُضمن من العبد بالأرش أو القيمة؟ فيه قولان منصوصان، والجديد: أنَّ جراحه من1
قيمته كجراح الحرِّ من ديته، ففي يده نصف قيمته سواءٌ زادت على الأرش أو نقصت منه، فإذا قطع يدي عبد قيمته ألف، فرجعت قيمته إِلى مئة، فقطع آخرُ رجليه فرجعت إِلى عشرة، ففقأ آخر عينيه، فرجعت إِلى درهم، فقتله آخر، فعلى الجديد: يلزم الأولَ ألفٌ، والثانيَ مئة، والثالثَ عشرةٌ، والرابعَ درهمٌ، وعلى القديم: يلزم الأول تسع مئة، والثانيَ تسعون، والثالثَ تسعةٌ، والرابعَ درهم.
1917 - فرع: إِذا اشترى عبدًا، وقطع يديه عند البائع؛ فإِنَّه يُجعل قابضًا لقَدْرِ الأرش وإِن قلنا بالجديد، وأبعدَ مَن جعله قابضًا للجميع، حتى لو تلف العبد الأقطع عند البائع لم يضمنه.
1918 - فرع:
لو غصب عبدًا، وقطع يده، لزمه الأرش على القديم، وعلى الجديد يلزمه الأكثر من الأرش أو نصف القيمة؛ لأجل يده.
ولو سقطت يده بآفة سماويّة لزمه الأرش على القولين، وأبعد من أوجب المقدَّر إِذا كان أكثر، وهذا لا يصحُّ؛ فإِنَّ التقدير مخصوصٌ بالجنايات.
1919 -
فرع:
للقفَّال: إِذا جنى على بهيمة غير مغصوبة، فماتت بالسراية، لزمه أقصى قيمتِها من حين جرحها إِلى أن ماتت.
1920 -
فصل فيما يُضمن بالمثل أو القيمة
إِذا أتلف الغاصبُ المغصوبَ أو تلف عنده ضمنه بأقصى قيمته من حين الغصب إِلى الفوات، إِلّا أن يكون مثليًّا، فيضمنه بمثله إِلا أن يتعذَّر المثل، فيضمنه بقيمته، وبأيِّ قيمة يعتبر؟ فيه أوجه:
أحدها: بالأكثر من حين الغصب إِلى الإِعواز، ولا نظر إِلى التفاوت بعد الإِعواز، كما لا يُنظر إِليه بعد تلف المغصوب.
والثاني: بالأكثر من الغصب إِلى التلف.
والثالث: بالأكثر من التلف إِلى الإِعواز.
والرابع: بحال الأداء.
والخامس: بوقت الإِعواز.
والسادس: بوقت التلف.
والسابع: بالأكثر من الإِعواز إِلى الطلب.
والثامن: بالأكثر من التلف إِلى الأداء.
والتاسع: بالأكثر من الغصب إِلى الأداء.
والأوَّل أصحُّ، والثلاثة الأخيرة غلط.
1921 -
فرع:
لو أتلف مثليًّا من غير غصب، فأعوزه المثلُ، فالاعتبار بيوم الإِعواز، أو بالأكثر من التلف إِلى الإِعواز؟ فيه وجهان وينقدح اعتباره بحال الأداء، وهو ضعيف.
1922 -
فرع:
تُعتبر قيمة الحيلولة بالأكثر من الغصب إِلى الطلب، فإِن رجع المغصوب ردَّها اتِّفاقًا.
ولو ضمن القيمة لإِعواز المثل، ثمَّ وجَده، فهل يردُّ القيمة ويرجع بالمثل؟ فيه وجهان.
ولو أعوز المثل، فلم يطلبه المالك حتى تيسَّر بعين حقِّه فيه، فليس له أخذُ القيمة إِلا بعقد معاوضة.
1923 -
فصل في بيان المثليّات
اختلفوا في المثليّ على مذاهبَ:
أضعفُها: أنَّه المقدَّر بالكيل أو الوزن.
والثاني: ما يُقدَّر بأحدهما، وجاز فيه السَّلَم، فالرُّطب والعنب والدقيق من المثليَّات.
والثالث: ما يُقدَّر بأحدهما، وجاز أن يُسْلَم فيه، وأن يُباع بعضه ببعض، وهو منتقضٌ بالقماقم والمغارف والملاعق؛ فإِنَّها موزونة يجوز السلَم فيها، وأن يُباع بعضها ببعض، وليست مثليَّة؛ لاختلاف أجزائها، وندورِ اتِّفاق أوصافها.
واختار العراقيُّون والإِمام: أنَّ المثليَّ ما تساوت أجزاؤه في القيمة والمنفعة.
1924 -
فصل في المطالبة بالمثليِّ في غير محل الالتزام
من لزمه مثليٌّ بغصب أو قرض أو إِتلاف أو غير ذلك من الأسباب، فظفر به المستحِقُّ في غير محلِّ اللزوم، فطريقان:
أظهرهما أنَّه يطالَبُ بقيمته بمحلِّ الالتزام.
والثانية: إِن كان المثليُّ دراهم أو دنانير طُولب بهما؛ إِذ لا يعسر نقلهما، ولا مؤونةَ في تحويلهما، وإِن كان من غيرهما، فإِن استوت قيمة البلدين، أو نقصت قيمة بلد الظفر، طُولب بالمثل، وإِن زادت قيمة بلد الظفر طولب بقيمة بلد الالتزام، وهذه الطريقة ذكرها أبو عليٍّ، وحمل نصَّ الشافعيِّ وإطلاقَ الأصحاب في الطريقة الأولى على هذا التفصيل، وذكر أبو محمد وجهًا منقاسًا: أنَّه يطالب بالمثل بكلِّ حال، إِلا أنَّه لا يُوثَق بما ينفرد بنقله.
1925 -
فرع:
قال أبو محمد: إِذا لم يكن للمثليِّ قيمة في محلِّ الظفر طُولب بقيمة محلِّ الإتلاف، كمن أتلف ماءً بالبادية، ثم ظفر به المستحِقُّ ببغداد.
1926 - فرع:
حيث أوجبنا القيمة فلا خلاف في اعتبارها بمحلِّ الالتزام، ولو طُولب بالمثل لم يلزمه، وإِن بذله لم يلزم المستحِقَّ قبولُه، وإِن أخذ القيمة، ثم اجتمعا بمحلِّ اللزوم، فهل يردُّ القيمة، ويطلب المثل؟ فيه وجهان.
ولو تراضيا بالقيمة جاز اتِّفاقًا، ولا حاجة إِلى عقد عند الإِمام، ولو تراضيا بقيمة الحيلولة بعد عود المغصوب، فلابدَّ من عقد معاوضةٍ.
1927 -
فرع:
إِذا لزمه مثليٌّ بالسَّلَم، فظفر به المسلِم في بلد آخر، ففيه الخلاف؛ فإِن منعنا من طلب المثل فقد منع صاحب "التقريب" من طلب القيمة أيضًا؛ لأنَّها عوض، والسَّلَمُ لا يقبل الاعتياض، وهذا منقاسٌ، وفيه إِشكال؛ فإِنَّه قد يأخذ أموال الناس بالسَّلَم، ثم يتحوَّل إِلى مكانٍ آخر، فيمتنع طلبُه، فتفوتُ الأموال، وينقدح في ذلك وجهان:
أحدهما: ثبوت الخيار في فسخ السلم، والرجوعِ إِلى رأس المال، فيُطالَب به إِن كان نقدًا، أو بقيمته إِن كان متقوِّمًا، وإِن كان مثليًّا فعلى الخلاف.
والثاني: أنَّه يأخذ قيمته للحيلولة؛ بناءً على أنَّه لو دفع قيمة المثل، ثم رجعا إِلى محلِّ الالتزام، لَرَدَّها، وطالَبَ بالمثل.
1928 - فرع: إِذا غصب مثليًّا ببلد، وأتلفه ببلد آخر، طُولب بالمثل بمكان الغصب أو بمحل الإِتلاف وإِن ظفر به ببلد ثالث فعلى الخلاف؛ فإِن قلنا: يطالَب بالقيمة، فله طلب الأقصى من قيمتي البلدين.
1929 -
فصل فيما يُضمن به الذهب والفضة
التِّبْر مثليٌّ يُضمن بزِنَته تبرًا، وتُضمن الدراهم والدنانير بمثلهما، ولا يختلف بالأماكن والأزمان، وأمَّا المصوغ؛ فإِن حَرُمَ اتِّخاذه -كالصليب والصنم، والأواني على وجه- ضُمن بالتبر دون الدراهم؛ إِذ لا حرمة لصنعته،
وإِن جاز اتِّخاذه كالحليِّ والآنية على وجه، ضمنه مع صنعته، فلو أتلف صنعته ضمن الصنعة بنقد البلد، فإِن أتلفه بعد ذلك ضمنه مكسورًا بمثله، سواءٌ اتَّخذه الرجل ليلبَسه، أو اتَّخذه لغرضٍ مباحٍ، بخلاف ما ذكرناه في زكاة الحُليِّ.
فلو أتلف حُليًّا زِنَتُه عشرة، وقيمته خمسةَ عشر ففيه أوجه:
أحدها، وهو ظاهر النصِّ: يضمنه بجنسٍ آخر من النقد؛ توقِّيًا لصورة الربا، وعلى هذا لا نقابله إِلا بما تجوز مقابلته به في البيع.
والثاني، وهو الأصحُّ: يضمنه بجنسه، ويضمن الصنعة بنقد البلد سواءٌ جانست الأصل أم خالفته؛ لأنَّ تعبُّدات الربا لا تُعتبر في الغرامات، ولأنَّه لو أتلف الصنعة، ثم أتلفه، لضمن الصنعة بالنقد، وضمنه بمثله، وكذلك إِذا أتلفهما معًا.
والثالث: يضمنه بجنسه، ويضمن الصنعة بنقد يخالفُه، سواءٌ وافق نقدَ البلد أم خالفه.
فإِن قلنا بالثاني أو الثالث، ضمن الأصل بالتبر دون النقد المضروب؛ لأنَّه بالكسر قد صار تبرًا.
كذا ذكره الإِمام.
1930 -
فصل في زيادة المغصوب ونقصه
يجب ردُّ المغصوب بزيادته، وإِن نَقَص ردَّه مع أرش النقص، ولا يملكه الغاصب بتفاحش النقص، فلو حرق الثوب سلكًا سلكًا، أو ذبح الشاة، أو
طبخ اللحم، لزمه الردُّ مع الأرش، ولو قطع يدي العبد؛ فإِن قلنا بالقديم ردَّه مع الأرش، وإِن قلنا بالجديد ردَّه مع قيمته.
1931 -
فرع:
إِذا تعفَّنت الحنطة بحيث يَسْرعُ فسادُها، ردَّها مع أرشها على أقيس الأقوال، وعلى الثاني: يلزمُه مثلُها سليمًا، وعلى الثالث: يتخيَّر المالك بين أخذها مع الأرش، وبين أن يدعها للغاصب ويأخذ المثل، وحيث أوجبنا الأرش فهو من نقد البلد؛ لأنَّ صفة المثليِّ ليست مثليةً.
ولو غصب دقيقًا وسمنًا وحلاوة، فاتَّخذ من ذلك حلوًا، فهو على الأقوال عند الأصحاب؛ لتسارُعِ الفساد إِليه.
وأمَّا المرض المأيوس العسِر العلاج، كالسلِّ والدِّقِّ (1) والاستسقاء، فقد تردَّد فيه أبو محمد، ومال إِلى إِلحاقه بعفن الحنطة، وهذا لا يصحُّ؛ إِذ لا يُقطع بإِفضاء المرض إِلى الهلاك، فكم من مريض قُطع بهلاكه، ثم برئ.
ولو طحن الحنطة ردَّ الدقيق مع الأرش؛ لأنَّه يُعدُّ مدَّخرًا وإِن قَصُرتْ مدته، بخلاف الحنطة العفنة، فإِنَّها لا تُعدُّ من المدَّخَرات.
1932 -
فصل في ضمان صفات المغصوب وأجزائه
إِذا زاد سعر المغصوب، ثم نقص؛ فإِن تلف ضمِنه بأقصى قيمته، وإِن1
ردَّه لم يضمن النقص، خلافًا لأبي ثور، وإِن كان لمثله أجرة ضمن أجرةَ مثله سواءٌ استوفَى منافعه أو فاتت عنده، فإِن كان له صنائع ضمن أغلاها أجرةً، ولا تُضمن منافع البضع باليد اتِّفاقًا، وإِن تلف بعض أجزائه ردَّ الباقي وضمن التالف بالأقصى، فلو غصب ثوبًا قيمته عشرة، فنَقَصه البِلى خمسةً، ثم بلغت قيمة البالي عشرةً، والسالمِ عشرين، لزمه ردُّ البالي مع خمسة، ومَن أوجَبَ عشرة فقد غلط؛ إِذ لا نظر إِلى زيادة السعر بعد التلف.
وإِن فاتت صفات المغصوب؛ فإِن اختلف جنسها ضمن الجميعَ اتِّفاقًا، وإِن اتَّفق فوجهان، فإِذا سمن العبد عند الغاصب، أو تعلَّم صنعة، أو غصبه وهو سمين صانع، فهزل ونسي الصنعة، ردَّه مع الأرش، وإِن تكرَّر الهزال تكرَّر أرشه على أظهر الوجهين، وفي تكرُّر نسيان الصنعة وجهان مرتَّبان، وأَولى بألا يتكرَّر؛ لأنَّ العائد هو الأوَّل؛ فإِن منعنا التكرُّر؛ فإِن ردَّه سمينًا أو صانعًا فلا شيء عليه، وإِن ردَّه هزيلًا أو أخرقَ لم يضمن إِلا مرّة واحدة، فإِن غصبه سمينًا، فهزل وتعلم صناعة، لم يُجبَر الهُزال بالصنعة.
ولو صاغ النقرة أو اتَّخذ من الزجاج قدحًا، ثمَّ كسرهما، لزمه الأرش؛ فإِن ردَّه إِلى غير الهيئة الأولى لم يسقط الأرش، وإِن ردَّه إِلى الهيئة الأولى فوجهان.
ولو غصب عصيرًا فتخمَّر، لزمه مثل العصير، فإِن انقلب عنده خلًّا ردَّ الخلَّ، وهل يردُّ معه مثل العصير؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: لا يلزمه، فكانت قيمة الخلِّ كقيمة العصير، لم يضمن شيئًا آخر.
1933 -
فصل في وطء الغاصب
إِذا وطئ الغاصب المغصوبة وأولدها؛ فإِن كانا جاهلين فلا حدَّ، ويلزمه نقص الولادة ومهرُ مثلها، فإِن كانت بكرًا لزمه أرش البكارة ومهر مثلها ثيِّبًا، فإِن زاد مهر البكر على الأرش ومهرِ الثيب، وجبت الزيادة، والولدُ حرٌّ نسيب، وعليه قيمتُه يوم الوضع بتقدير رقِّه، إِلا أن ينفصل ميتًا، فلا يضمنه إِلا أن ينفصل بجناية، فيضمنه الجاني للغاصب بالغُرَّة، ويضمنه الغاصب للمالك، وفيما يضمنه به طرق:
أحدها: بالأكثر من الغُرَّة أو عُشر قيمة الأمِّ.
والثانية: بالعشر إِن ساوى الغرَّة أو نَقَصَ عنها، وإِن زاد لم تجب الزيادة على الأصحِّ.
والثالث: أنَّ هذا التفصيل يقع بين الغرَّة وقيمة الولد يوم الوضع.
وهذا بعيد؛ إِذ فيه تقدير حياةِ مَنْ لم يُعهد له حياة، والأوَّل باطل؛ لأنَّ ما زاد بسبب الحرية لا حقَّ فيه للمالك.
ولو مات الواطئ عن أب، فانفصل الجنين بجناية بعد موت الواطئ، صُرفت الغرَّة إِلى الجدِّ، وفيما يلزمه للمالك الطرق الثلاث، ويُحتمل ألّا يلزمه شيء؛ لأنَّه لم يُفوِّت الرقَّ، وعلى هذا يُحتمل ألا يجبَ الضمان للمالك، ويُحتمل أن يتعلَّق بتركة الغاصب، وإِن كان مع أبي الواطئ جدَّةٌ لا صُرف إِليها السدس، ويقابل بين عشر قيمة الأمِّ، وخمسة الأسداس، ويُحتمل أن يدخل السدس في المقابلة أيضًا.
وإِن كانا عالمين فهما زانيان محدودان، ويجب المهر إِن أكرهها، وإِن طاوعت فوجهان، والولد رقيق لا نسب له، ويضمنه ضمان الغصب، فإِن وضعته ميتًا لم يضمنه على المذهب، وقيل: يضمن بقيمته يوم الوضع، وقياس هذا الوجه: أن يضمن بعشر قيمة الأمِّ.
وإِن اختصَّت الجارية بالعلم حُدَّت، والولد حرٌّ نسيب، وفي المهر الوجهان، وإِن انفصل الولد حيًّا أو ميتًا بجناية أو غير جناية فعلى ما قدَّمناه الآن (1).
ولو حملت البهيمة عنده ووضعت، ضمن الولد؛ فإِن وضعته ميتًا ضمن ما نقص من قيمة الأمِّ؛ فإِن لم ينقص شيء لم يضمن على المذهب، وأَبعدَ مَن أَوجَبَ قيمته بتقدير الحياة، وإِنما ضُمنت الأولاد بالغصب؛ لأنَّ الغاصب تسبَّب إِلى وضع يده عليهم، واليد تثبت بالسبب والمباشرة، كالإِتلاف.
ولو غصب بقرة، فتبعها عجلُها، أو غصب الهادي فتبعه القطيع، ففي كون ذلك تسبُّبًا وجهان.
1934 -
فصل في بيع الغاصب المغصوب
البيع الفاسد ضربان:1
أحدهما: ما يصدر من المالك، فيُضْمَنُ بالقبض، وهل يُضمن ضمانَ الغصب؟ فيه قولان يجريان في يد المستعير والمُستام، فإِن قلنا بضمان الغصب، ضمن الزوائد والمنافع والأولاد، وإِن نفينا ضمان الغصب، فالأصحُّ أنَّ الاعتبار في قيمة العارية بيوم التلف، وفي السوم والبيع الفاسد بيوم القبض، فلا يضمن ما يزيد بعد القبض.
وقال في "التقريب": يضمن الزيادة المتَّصلة دون المنفصلة.
ولا يضمن منفعة العارية اتِّفاقًا، ويضمن منافع المَسُوم والمقبوض بالبيع الفاسد إِن استوفاها، وإِن لم يستوفها فعلى القولين في كيفيَّة الضمان.
الضرب الثاني: بيع الغاصب، وفي بطلانه قولا وقفِ العقود، فإِن أبطلناه فعَسُر نقضه -لكثرة العقود والمعاملين- ففي البطلان قولان، فإِن أبطلنا البيع فللمشتري حالان:
إحداهما: أن يعلم بالغصب حال البيع، فإِن قبضه فحكمُه حكم الغاصب من الغاصب، فيضمنه بأقصى قيمته من حين قبضه إِلى أن فات، وكذلك يضمن ما حصل في يده من المنافع والزيادات دون ما حصل في يد الغاصب الأوَّل، وللمالك مطالبةُ من شاء منهما، وله مطالبة الأوَّل بكلِّ ما حدث في أيديهما، ولا يطالب الثاني إِلا بما حدث في يده، فإِن تلف عند الثاني استقرَّ عليه الضمان، ومتى ضمن الأوَّل لم يرجع على الثاني إِلا بما دخل في ضمانه.
الحال الثانية: أن يكون المشتري جاهلًا، فإِن أولد الجارية فحكمُه حكم وطء الغاصب مع الجهل في جميع ما ذكرناه حرفًا بحرف، فإِن تكرَّر
الوطء هاهنا، أو في نكاح فاسد، أو في وطء شبهة، اتَّحد المهر؛ لاتِّحاد الشبهة، فإِن تعدَّدت بأن وطئ بشبهة فزالت، ثم وطئ بشبهة أخرى، وجب مهران، وإِن تكرَّر وطء الغاصب مع العلم مكرهًا أو غيرَ مكره، ورأينا إِيجاب المهر، فقد قطع الإِمام بتعدُّد المهر، وتردَّد فيه أبو محمَّد، ومقتضى ما ذكره الإِمام: أن يتعدَّد المهر مع الجهل؛ لأنَّ موجَبه الإِتلاف، وإِنَّما يُنظر إِلى اتِّحاد الشبهة حيث ينتفي المهر لولا الشبهة.
1935 -
فصل فيما يرجع به المشتري الجاهل على الغاصب
إِذا فات المغصوبُ عند المشتري، فضمَّنه المالكُ القيمةَ، لم يرجع بها على الغاصب، وقال في "التقريب": يرجع بما زاد على الثمن، وقال: لو اشترى ما يساوي عشرة بعشرة، ثم تلف وقيمتُه عشرون، فضمنها، فإِنَّه يرجع على الغاصب بعشرة، وإِن ضمن المهر وقيمةَ الولد رجع بقيمة الولد اتِّفاقًا، وفي المهر قولان، وإِن غرَّمه الأجرة، فإِن لم يستوفِ المنافع رجع، وإِن استوفاها فقولان.
ولو حملت الجارية أو البهيمة عنده، ووضعت الولد حيًّا، فمات عنده وغرم قيمته، رجع بها، وإِن عاب المبيع فغُرِّم الأرش؛ فإِن عيَّبه لم يرجع 1، وإِن عاب بآفة سماويَّة رجع على النصِّ، وخُرِّج قول: أنَّه لا يرجع، وحجَّة النصِّ: أنَّه دخل في العقد على أن يضمن الجملة دون الأجزاء، ولذلك لو
عاب المبيع عند البائع لم يرجع المشتري بالأرش.
واحتجَّ ابن سريج للنصِّ: بأنَّهما لو تبايعا عبدًا بثوب وتقابضاهما (1)، فتعيَّب العبد عند القابض، واطَّلع على عيب قديم بالثوب، فليس له أن يردَّه ويرجعَ بالعبد والأرش؛ بل يتخيَّر بين الإجازة والردِّ مجَّانًا.
وقطع الإِمام بأنَّه لو ردَّ رجع بالعبد والأرش؛ لأنَّ العبد هاهنا مضمون بالقيمة، وذلك لو تلف رجع بالقيمة، فكذلك إِذا تعيَّب، بخلاف المبيع قبل القبض، فإِنَّه مضمون بالثمن.
1936 -
فرع:
نقصان الولادة كقيمة الولد عند العراقيِّين، وخرَّجه المراوزة على الخلاف في التعيُّب بالآفات.
1937 - فرع:
إِذا وُطئت الجارية المغصوبة في يد الغاصب بشبهة، ففي مطالبته بالمهر احتمال، وإِن وطئها المشتري؛ فإِن قلنا: لا يرجع بالمهر إِذا غرمه، ففي مطالبة الغاصب به احتمال، والظاهر: أنه لا يُطالب، وإِن قلنا: يرجع به، فالظاهر: مطالبة الغاصب به؛ لأنَّ قرار الضمان عليه، وفيه احتمال.
وإِن تزوَّج المغصوبة جاهلًا لم يرجع بالمهر، ويرجع بأجرة المنافع إِلا أن يستوفيها، فلا يرجع قولًا واحدًا، ويرجع بقيمة الرقبة على قول المراوزة.
ولو استأجر جاهلًا لم يرجع بالأجرة وإِن لم يستوف المنافع، ويرجع1
بقيمة الرقبة عند المراوزة.
ولو غُرَّ بنكاح أمة فوطئها؛ فإِن فسد النكاح لم يرجع بالمهر، وإِن صحَّ فقولان.
وأمَّا التراجع بين المشتري والغاصب: فكلُّ ما يرجع به المشتري إِذا غرمه لا يرجع به الغاصب عليه عند التغريم، وكلُّ ما يرجع به الغاصب إِذا غرم فقراره على المشتري عند التغريم.
1938 -
فصل في جناية المغصوب وسرقته
إِذا بانت يد المغصوب عند الغاصب بقصاص أو حدٍّ أو بآفةٍ سماوية، لزمه الأرش على المذهب، وقيل: يلزمه الأكثر من الأرش أو المقدَّر.
ولو سرق عند المالك فقُطع عند الغاصب، أو ارتد عند المالك فقُتل عند الغاصب، ففي وجوب الضمان وجهان.
وإِن قتله الغاصب، أو قُتل عنده قصاصًا، ضمنه بأقصى القيم.
وإِن جنى جناية ماليَّة لزم الغاصبَ فداؤه بالقيمة على قول، وبالأرش بالغًا ما بلغ على قول آخر.
وإِن قطع الغاصب يده لزمه الأكثر من الأرش أو المقدَّر.
وإِن جنى عليه أجنبيٌّ، تخيَّر المالك في التضمين، والقرارُ على الجاني؛ فإِن قطع طرفه، فغرم الجاني، لزمه المقدَّر، ولم يرجع به على الغاصب، فإِن كان أرش النقص أقلَّ من المقدَّر؛ فإِن غرم الغاصب فالأظهر أنَّه يغرم
المقدَّر؛ لأنَّ يد العبد مضمونة هاهنا، بخلاف قطعها في الحدِّ، وفيه وجه: أنَّه كالقطع حدًّا، وإِن زاد الأرش على المقدَّر؛ فإِن غرم الغاصب لزمه غرم الأرش، ويرجع على الجاني بالمقدَّر دون الزيادة، وإِن غرَّم الجاني لم يغرِّمه إِلّا المقدَّر ويأخذ الزيادة من الغاصب.
وإِن جنى المغصوب جناية أرشُها مئة، وقيمته مئة فله حالان:
إحداهما: أن يموت عند الغاصب، فيطالبه المالك بمئة، ويتخيَّر المجنيُّ عليه بين أن يأخذها من المالك، وبين أن يطالب بها الغاصب، وأَبعدَ مَن قال: لا طَلِبةَ له على المالك بحال، وإِن تعذَّر أخذ المئة من الغاصب؛ فإِن اختار المجنيُّ عليه أخذَ المئة من المالك، رجع المالك على الغاصب بمئة أخرى، وليس له أن يطالبه بالمئتين ابتداءً، فإِنْ أسقط المجنيُّ عليه حقَّه بالكليَّة لم يكن له مطالبةُ الغاصب.
ولو كان الأرش خمسين، فأخذها المجنيُّ عليه من المئة التي قبضها المالك، فللمالك الرجوع على الغاصب بخمسين.
الحال الثانية: أن يستردَّه المالك، ويُباع في الجناية بمئة، فيأخذها المجنيُّ عليه، فللمالك أن يرجع على الغاصب بمئة.
ولو جنى قبل الغصب جنايةً أرشُها مئة، فغصبه وردَّه، لم يلزمه شيء، فإِن جنى عند الغاصب جنايةً أخرى أرشُها مئة، فبِيع في الجناية بمئة، فالأصحُّ أنَّا ندفع إِلى كلِّ واحد منهما 1 خمسين، ثم يغرِّمه المالك خمسين، ونخصُّ
بها الأوَّل 1، وتنقطع الطَّلِبات عن الجميع، وأَبعدَ مَن قال: إِذا أخذ المئة اختصَّ بها الأوَّل، ويطالب الثاني الغاصبَ بخمسين، ولا طلبةَ له على المالك.
ولو جنى عند الغاصب، ثم جنى عند المالك، وبيع بالمئة، دُفع إِلى الأوَّل والثاني خمسون خمسون، ورجع عليه المالك بخمسين يخصُّ 2 بها الأوَّل، ثم يرجع بخمسين أخرى يستبدُّ بها، ولا طلبةَ عليه فيها.
ولو قتل المغصوبَ عبدٌ، فاقتصَّ المالك من قاتله، برئ الغاصب، وإِن زادت قيمة المغصوب على قيمة القاتل؛ إِذ القصاص كالاسترداد، وكذلك لو نقصت قيمته من مئة إِلى خمسين، ثم اقتصَّ المالك من القاتل؛ فإِن كان النقصُ بعيب رجع بخمسين، وإِلَّا فلا.
ولو قتل المغصوبُ حرًّا ولزمه القصاص، ثمَّ قتل المغصوبَ عبدٌ فللمالك أن يقتصَّ من القاتل، ولا يمنعه أولياء الحرِّ من ذلك، ثمَّ تسقط التبعة عن الغاصب والمالك، وكذلك لو جنى عند المالك، ثم قُتل، فاقتصَّ من قاتله، فلا حقَّ لأولياء القتيل على المالك.
ولو أتلف المغصوبُ مالًا، ثم قُتل، فاقتصَّ المالك من القاتل، وجب ضمان المال على الغاصب دون المالك.
ولو أتلف مالًا عند المالك، ثم قُتل، فاقتصَّ من القاتل، لم يضمن
المالك المال إِلا أن يسبق منه منع.
ولو لزمه قصاص عند الغاصب أو المالك، فطلبه المستحقُّ، وامتنع المالك من التسليم إِلى أن مات العبد أو قُتل، فاقتصَّ من قاتله، فلا تبعة على الغاصب ولا المالك؛ إِذ القصاص لا يُضمن.
1939 -
فصل في نقص الثياب بالاستعمال
إِذا نقص الثوب بالاستعمال أو بآفة سماويّة، ردَّه مع الأجرة والأرش، وقيل: إِن نقص بالاستعمال، لزمه الأكثر من الأجرة أو الأرش.
ولو اشترى ثوبًا، فنقص بالاستعمال، ثم ظهر استحقاقُه، فهل يطالِبُ بالأجرة مع الأرش أو بأكثرهما؟ فيه الخلاف، فإِن أوجبناهما ففي رجوعه على البائع بالأجرة قولان، وفي الأرش الخلاف المذكور في ضمان الأجزاء.
وإِن أُكرهت الأمة أو الحرَّة على الزنا وجب المهر، وإِن طاوعتا فلا مهر للحرَّة، وفي الأمة وجهان، وظاهر النصِّ: أنَّه لا يجب، والقياس: وجوبه، كما لو أذنت في قطع أطرافها.
1940 -
فصل في غصب العقار
كلُّ ما يَعُدُّه أهل العرف استيلاءً باليد في العقار والمنقول فهو غصب، وما لا يُعدُّ استيلاءً كالحيلولة بين المالك والمِلْك بالحبس أو الإِزعاج، فليس بغصب؛ فإِن جوَّز أهل العرف الأمرين رُجع فيه إِلى القصد، فمن
أزعج المالك عن الدار، أو لم يجده فيها فنزلها بأهله ومتاعه، واستولى عليها استيلاءَ المنتفِع، وأغلق الأبواب بالأغلاق، فهو غاصب وإِن لم ينو الغصب، ولا فرق بين الجنديِّ وغيره، فإِن رحل عنها لم يسقط الضمان إِلى أن يتسلَّمها المالك.
وإِن دخل دارًا للتفرُّج، أو عبر أرضًا، فليس بغاصب، وإِن دخل دارًا خالية؛ فإِن قصد الغصب مع إِمكانه صار غاصبًا، وإِن قصد النظر، أو لم يقصد شيئًا، لم يَصِرْ غاصبًا، وكذلك لو رَفَعَ كتابَ إنسان من بين يديه؛ فإِن قصد أن ينظر فيه ثمَّ يردَّه فليس بغاصب، وإِن قصد الغصب صار غاصبًا، وكذلك مرور الدراهم المغصوبة بأيدي النقَّاد.
ولو استولى على بيتٍ من دار، ولم يغلق باب الدار، بل اتَّخذها مَعْبَرًا إِلى البيت، لم يصر غاصبًا للدار، ويمكن أن يقال: إِن قصد الانتفاع بالدار كان استيلاءً، وإِن تعذَّر الاستيلاء، أو لم يظهر، فليس بغصب، وإِن أمكن الأمران رُجع إِلى القصد.
1941 -
فرع:
لو ساوى الغاصبُ المالكَ في الاستيلاء على الدار، فصارا على صورة ساكنين، فهو غاصب لنصف الدار.
ولو دخل الضعيف العاجز دار القويِّ الغالب؛ فإِن كان المالك في الدار فلا غصب، وإِن لم يكن، ووُجد من الداخل صورة اليد في الظاهر، ثبت الغصب على الأصحِّ وإِن أُزْعج على القرب؛ إِذ لا يُشترط في الغصب عسر إِزالته.
والتعويل في الجملة والتفصيل على العرف، وما يعرفه أهله في معنى اليد والاستيلاء.
1942 -
فرع:
إِذا شرطنا النقل في قبض المبيعات، فاستولى إِنسان على شيء من المنقولات من غير نقلٍ، مثلَ أن أزعج المالك عن البساط وجلس عليه، أو أنزل الراكب عن الدابّة فركبها ولم يسُقْها، فالمذهب أنَّه غاصب، وقيل: لا يثبت الغصب إِلا بما يكون قبضًا في البيع والرهن.
1943 -
فصل في حفر الغاصب الآبار ونقل التراب
إِذا حفر بئرًا في الأرض المغصوبة ضَمِنَ ما يتلف بها ويتردَّى فيها، ويلزمه طمُّها وإِن منعه المالك، وإِن رضي المالك بها؛ فإِن أبرأه ممَّا يتردَّى فيها، فوجهان:
أظهرهما: أنَّه يبرأ فلا يملك طمَّها.
والثاني: لا يبرأ، فيلزمه طمُّها؛ قطعًا للعدوان.
وإِن رضي بها ولم يبرئه لم يبرأ عند كثير من الأصحاب، وخرَّجه الإِمام على الخلاف.
وإن نقل تراب الأرض من غير تحفير لزمه الردُّ، فإِن منعه المالك؛ فإِن كان قد نقله إِلى ملك له أو لغيره، أو ضيَّق به الشارع، فله ردُّه، وإِن نقله إِلى مواتٍ أو شارع لا يضيِّق على المارَّة، لم يملك الردَّ إِلا أن يلزمه
الضمان بالوضع في الشارع، فإِن أذن المالك في إبقائه في الشارع، أو أبرأه من الضمان، لم يبرأ؛ فإِنَّ المالك لا يملك مباشرةَ ذلك.
ولو كان للمالك مِلْكٌ على طريق النقل، فأمر الغاصبَ بالنقل إِليه، ومنعه من النقل إِلى الأرض المغصوبة، فقد قطع الإِمام بوجوب الامتثال، وإِن أمره بالنقل إِلى ملكٍ أو مواتٍ بقرب الغاصب، وليس على طريق النقل، ففي وجوب الامتثال تردُّد، وإِذا ملَّكْناه النقل، فأراد أن يبسطه في الأرض على الهيئة القديمة، فمنعه المالك، وطلب أن يضعه على طرف الأرض، أُجيب المالك، فإِن نقصت الأرض بنقل التراب، فأراد بسطه ليعيد الهيئة القديمة، فمنعه المالك؛ فإِن أبرأه من الأرش أُجيب المالك، وإِن لم يُبرئه أُجيب الغاصب؛ لأنَّ من نَقَص أرضًا بنقل ترابها فله الاستبداد بالنقل إِن كان مزيلًا للنقص؛ وللمالك إِلزامُه بذلك، فإِن قال: دعه فإِنِّي لا أطلب الأرش، فله ردُّه؛ لأنَّ ذلك وعدٌ لا يلزم.
ولو شقَّ ثوبًا، وطلب أن يرفأه، أو جنى على عبد وطلب أن يعالجه ليبرأ، لم نُجِبْه إِلى ذلك اتِّفاقًا.
وإِن نقصت الأرض وتلف التراب؛ فإِن تساوت أجزاؤه فهو مثليٌّ يُضمن بمثله، فإِن طلب الغاصب ردَّه لتسوية الأرض، وطلب المالك الأرش، ووَضْعَ التراب على طرف الأرض، فأيُّهما يُجاب؟ فيه وجهان، وإِن لم يمكنه ردُّ الهيئة الأولى إِلا بزيادةٍ على ما أخذه من التراب، لم يُمكَّن من بسط الزيادة اتِّفاقًا.
1944 -
فرع:
إِذا رضي المالك بإِبقاء البئر، وقلنا: يسقط الضمان، فأراد الغاصب نقل التراب إِلى موضعه، فحكمُه على ما تقدَّم في نقل التراب، وإِن قلنا: لا يسقط الضمان، لزم الغاصبَ الطمُّ؛ قطعًا للعدوان، ولو نقل التراب من أرض صلبة لزمه ردُّه وتنضيده في محلِّه؛ ليعود إِلى هيئته.
1945 -
فصل في اختلاف المالك والغاصب
القول في قدر القيمة عند التلف قول الغاصب، وإِن اختلفا في تلف المغصوب أو صناعته فالقول قول الغاصب في نفي الصنعة على المذهب، وكذا في التلف على الأصحِّ، وإِن اختلفا في عيبه؛ فإِن لم يعترف الغاصب بأصل السلامة بأنْ قال: وُلد أكْمَهَ، أو: عديم الطرَف، فالمذهب أنَّ القول قوله، وإِن اعترف بالسلامة، وادَّعى زوالها قبل الغصب فقولان؛ لتعارض بقاء السلامة وبراءة الذمة.
وإِذا أقام المالك بيِّنة بالقيمة جاز للمقوِّم أن يُسند شهادته إِلى الرؤية السابقة، وإِن قامت البيِّنة بأوصاف المغصوب وحليته، أو أقرَّ بها الغاصب، لم يُسنَد التقويم إِليها على الأصحِّ، وفيه قولٌ: أنَّه يُسند إِليها؛ تنزيلًا على أقلِّها كالسَّلَم.
ومتى ثبتت الصفات بإِقرار أو بيِّنة، ثمَّ تنازعا في القيمة، لم يُقبل قول الغاصب فيما لا يوافق تلك الصفات، فإِن ادَّعى ما لا يوافق، لم يُقبل
إِلا أن ينتهي إِلى ما يوافق تلك الصفات، فيُقبل حينئذ.
1946 -
فرع:
لو ادَّعى المالك أنَّ القيمة مئة، فقال الغاصب: بل خمسون، فشهدت البيِّنة بأنَّها اكثر من خمسين، سُمعت على الأصحِّ، وأُلزم بأن يزيد إِلى حدٍّ لا يقطع الشهودُ أقوالهم بالزيادة عليه.
وكذا لو ادَّعى على إِنسان بمئة، فأقرَّ بخمسين، فأقام البيِّنة بأكثر من الخمسين، فحكمُه ما ذكرناه.
1947 -
فصل في إِحداث الآثار في المغصوب
إِذا أحدث في المغصوب أثرًا، كالطَّحْن والعَجْن والخَبْز والطَّبْخ والذَّبح والغزل والنسج، واتِّخاذِ الدراهم من التبر، واللَبِنَ من التراب؛ فإِن نقص بذلك وجب الردُّ والأرش، وإِن زاد ردَّه ولا حقَّ للغاصب في زيادته، وإِن استأجر على ذلك لم يتعلَّق به الأجير، وليس له أن يردَّ الدراهم تبرًا واللِّبنَ ترابًا إِلا برضا المالك، فإِن طلب المالك الردَّ إِليهما لزمه ذلك اتِّفاقًا، وإِن كانت قيمة الدراهم واللَّبِنَ أكثر من قيمة التبر والتراب فهذا يقتضي أن يَلزمه إِزالة ما يُحدثه من الصفات عند الإِمكان إِذا طلب المالك، ولا يزيلها بدون رضاه.
ولو هدم جدارًا لم يلزمه إِعادته إِلا أن يكون منضَّدًا من غير بلاط، فيلزمه تنضيد الأحجار كما كانت.
وإِن غصب بيضًا ففرَّخ، أو حبًّا فَبَذَره فَسَنْبَل، وجب ردُّ الفرخ والسنبل، وهل يُضمُّ إِليهما قيمةُ البيضة ومِثْلُ الحبِّ؟ فيه وجهان.
وإِن غصب جلد مَيْتةٍ فدبغه، أو خمرًا فتخلَّلت، ففي وجوب الردِّ أوجه، ثالثها: يردُّ الجلد دون الخلِّ، وخصَّ الإِمام الخلاف بالخمرة المحترمة، وقال: لا يجب الردُّ في غير المحترمة؛ إِذ لا اختصاص للأوَّل بها.
1948 -
فصل في صبغ الثوب المغصوب
إِذا صبغ ثوبًا قيمتُه عشرةٌ بِصبْغٍ يساوي عشرةً، فقولان:
القديم: أنَّ الصِّبغ كالزيادات المتَّصلة سواءٌ أَمْكَنَ فصلُه أو تعذَّر.
والمذهب: أنَّه لا يلحق بالزيادات، ولاسيَّما إِنْ أَمْكَنَ فصلُه، فعلى هذا: إِن زادت قيمتها بالسوق أو نقصت، حُسبت الزيادة لهما والنقص عليهما، وإِن لم تتغيَّر القيمة بالسوق ولا بالصِّبغْ، فللصِّبغْ حالان:
إحداهما: أن يكون معقودًا يتعذَّر فصلُه، فيصير الثوب مشتركًا بينهما، ولا يُجبر واحد منهما على بيع مِلْكه، وإِن انفرد أحدهما ببيع حقِّه نفذ على القياس، ويُحتمل إِلحاقه بأرضٍ لا ممرَّ لها، وإِن اتَّفقا على البيع كان الثمن بينهما نصفين، فإِن زادت القيمة قُسمت الزيادة بالسوَّية، وإِن انحطَّت القيمة إِلى عشرة حُكِم بفوات الصِّبْغ، وفاز مالك الثوب بالجميع، وإِن انحطَّت إِلى خمسةً عشرَ قُسِّم الثمن أثلاثًا، وإِن زادت قيمتها بسبب الصِّبْغ كانت الزيادة بينهما بالسويَّة، وإِن انحطَّ إِلى ثمانية وجب ردُّه مع درهمين.
الحال الثانية: أن يُمْكِنَ فصلُ الصبغ؛ فإِن لم تنقص القيمة بالفصل، فللغاصب أن يفصله، وللمالك إلزامُه بالفصل، وإن نقصت القيمة فطريقان:
إحداهما: يملك الغاصب الفصلَ والمالكُ الإجبار، فإن نقصت قيمة الثوب بالفصل الإِجباري أو الاختياري، وجب أرشُ النقص، وإِن اتَّفقا على البيع فحكمُه حكم المنعقد.
والطريقة الثانية للعراقيِّين: إِن طلب المالك الفصل، ففي إِجبار الغاصب وجهان، وإِن طلب الغاصبُ الفصل؛ فإِن لم تنقص قيمة الثوب أُجبر المالك وإِن بطلت قيمة الصبغ، وإِن نقصت قيمة الثوب فوجهان، وإِن نقص من قيمة الصبغ ما لا يُتغابن بمِثْلِه؛ كدرهمٍ من عشرة، ففيه الخلافُ عند الإِمام؛ لِمَا فيه من تخيير الغاصب؛ فإِن أوجبنا الفصل لزم وإِن كان مُتعِبًا، فإِن بَذَل الصبغ لصاحب الثوب ففي سقوط الإِجبار وجهان، وفي محلِّهما ثلاث طرق:
إحداهن: الاطِّراد في المعقود وغيره سواءٌ تضرَّر بالفصل أو لم يتضرَّر.
والثانية: إِن كان فصلُه متعِبًا، أو كان الصبغ لا ينفع إِذا فُصل، أو تُخْسَر قيمته بذلك، فعلى الوجهين، وإِن تيسَّر الفصل مع بقاء قيمةٍ يُقصد مثلها أُجبر على الفصل في غير المنعقد، وبقيت الشركة في المنعقد، ولعل هذا القائل يعتبر تعب الفصل بما يبقى من القيمة، فإِن زادت على التعب أُجبر، وإلا فلا.
والثالثة: إِن لم تنقص قيمة الثوب أُجبر، وإِن نقصت فوجهان، وعلى هذا يُلْزَمُ بالفصل إِلا أن يزيد أرشُ الثوب على قيمة الصبغ، ففيه الوجهان.
فإِن أسقطنا الإِجبار بترك الصبغ لم يُشرط 1 قبول المالك، ولكن يُشترط لفظ الغاصب، فإِن أتى بما يدلُّ على التمليك -كلفظ الهبة- أجزأ، وإِن قال: تركت حقِّي، أو: أبرأتُ منه، أو: أسقطتُه، ففيه احتمال، وإِذا أتى باللفظ المعتبر، ثم أراد الرجوع بعد قبض المالك الثوب، فهذا رجوعٌ في هبةٍ لازمة.
1949 -
فرع:
لو بذل المالك قيمة الصبغ ليتملَّكه، أو غَرَسَ الغاصب الأرض، فبذل المالك قيمة الغرس ليتملكه، لم يملك ذلك، ولا فرق بين الصبغ المنعقد وغيره.
1950 - فرع: لو بلغت القيمة إِلى ثلاثين فللغاصب الفصلُ، فإِن نقصت قيمة الثوب بالفصل عن خمسة عشر ضمن أرشَ النقص، كما لو اتَّخذ من التبر حليًّا فكسره، فنقصت القيمة بالكسر، وإِن أجبره المالك على الفصل ضمن النقصَ من العشرة دون الزيادة، كما لو أجبره على كسر الحلي، فإِنَّه لا يضمن إِلا نقص التبر، ولو نقص الثوب بالسُّوق من ثلاثين إِلى عشرة، فلكلِّ واحد منهما خمسة، فإِن فصل الصبغ، فنزلت قيمة الثوب إِلى أربعة، وقيمتُه من غير صبغ خمسةٌ، لزمه درهمان؛ اعتبارًا بأقصى القيم.
1951 - فرع: إِذا غصب ثوبًا وصبغًا فلهما حالان:
إحداهما: أن يتَّحد مالكهما؛ فإِن لم تتغيَّر قيمتهما فلا ضمان، وللمالك الإِجبارُ على الفصل، كما يُجْبِر على إِزالة الأوصاف، ولا يضمن أرش النقص.
ولو غصب حليًّا، فاتَّخذ منه حلية أخرى، لم يُكلَّف الردَّ إِلى الصنعة الأولى، وإِن نزلت القيمة بسبب الصبغ إِلى عشرة ردَّ الثوب وبَدَل الصبغ، وإِن نزلت إِلى خمسة عشر ردَّه ونصفَ بَدَلِ الصِّبغ.
الحال الثانية: أن يتعدَّد المالك، بأن يصبغ ثوبَ زيد بصبغِ عمرو؛ فإِن تعذَّر الفصل، ولم تتغيَّر القيمة، فهما شريكان، ولا ضمان على الغاصب، وإِن نزلت قيمتهما إِلى عشرة بسبب الصبغ، ردَّ الثوب على مالكه، وغرم للآخر بدل الصبغ، وإِن انحطَّت إِلى خمسة فالشركة بالأثلاث، وعلى الغاصب نصفُ بَدَلِ الصبغ، وإِنْ أَمْكَن فصلُ الصبغ من غير زيادة ولا نقص، فرضي المالكان بإِبقائه، فهما شريكان، ولهما الإِجبارُ على الفصل، فإِن نقص بالفصل شيءٌ ضمنه الغاصب، بخلاف إِلزامه بإِبطال الصفات، فإِن بلغت القيمة ثلاثين، ففَصَله باختياره، ضَمِنَ الأرش لكلِّ واحد منهما من حساب خمسة عشر، وإِن أجبراه ضمن الأرش من حساب العشرة، وإِن أجبره أحدهما دون الآخر ضمن للمُجْبِرِ من حساب العشرة، وللآخَر من حساب خمسة عشر.
1952 -
فرع:
لو بنى على الأرض المغصوبة، أو غرس، فحكمُه حكم الصبغ القابل للفصل.
1953 -
فصل في خلط المغصوب بغيره
إِذا خلط الغاصب الزيتَ بزيتٍ من عنده، فهل يتعيَّن حقُّ المالك في المختلط، أو نحكم بفقده؟ فيه طرق:
أقيسهنَّ: التعيُّن.
وأظهرهنَّ: قولان.
والثالثة، وهي المنصوصة: إِن خلطه بمثله أو أجودَ منه صار مفقودًا يتخيَّر الغاصب بين أن يعطيه منه أو من غيره، وإِن خلطه بالأردأ لم يُجبر المالك على الأخذ منه، وإِن رضي المالك تخيَّر الغاصب، وهذه الطريقة بعيدة من القياس.
فإِن جعلنا الخلط فقدًا فهو كما لو أتلف زيتًا لغيره، فإِن ردَّ مثله أو أجود أُجبر المالك على القبول اتِّفاقًا، وإِنْ ردَّ أردأ منه تخيَّر المالك، ولم يُجبر على القبول.
وإِن قلنا بالتعيُّن؛ فإِنْ تماثَلاَ أخذ حقَّه منه، وإِن كان زيت الغاصب أجودَ صارا شريكين، فيُباع الزيتان، ويُقسم الثمن عليهما باعتبار القيمة، فإِن طلب المالك القسمة باعتبار القيمة لم يُجِبْه إِلى ذلك، وفيه قول آخر: أنَّه يُجاب، فخرَّجه الأصحاب على أنَّ القسمة إِفراز، وإِن طلب أن يأخذ بقدر مكيلته من المختلط من غير نظر إِلى القيمة، لم يكن له ذلك، واختار الإِمام الجواز؛ اعتبارًا بالزيادات المتَّصلة، ورمز إِليه العراقيُّون.
وإِن كان زيت الغاصب أردأ، ردَّ حقَّ المالك منه مع الأرش، فإِن اتَّفقا
على البيع وقسمة الثمن باعتبار القيمة جاز، وإِن اتَّفقا على القسمة بالقيمة فقد خرَّجه بعضهم على الخلاف إِذا خُلط بالأجود، واستبعده الإِمام، وفرَّق: بأنَّ أخذ الحقِّ هاهنا ممكن، فلا يُحتمل صورة الربا مع الاستغناء عنها، ولا خلاف أنَّ رجلين لو تخالطا بشيء من ذوات الأمثال، أو انثال مثليٌّ لأحدهما على مثليٍّ للآخر، فهما شريكان، ولا يكون أحدهما فاقدًا، فإِن أراد التفاصل فهو سهل عند التماثل، وإِن اختلفا بالجودة والرداءة فحكمُه حكم خلط الغاصب.
1954 -
فرع:
إِذا لتَّ السويق بالزيت، أو خلط الزيت بما لا يجانسه كالشيرج، فهو كالفقد، وخُرِّج قول: أنَّه كالخلط بالأردأ أو الأجود، وألحق الإِمام لتَّ السَّويق بالصِّبغْ المعقود.
1955 - فرع: خلْطُ السَّويق بالدقيق كخلط الزيت بالزيت إِن أجزنا قسمة الدقيق، وإِن منعناها، وعيَّنَّا حقَّ المالك في المختلط، بِيع وقُسم الثمن باعتبار القيمة، وإِنْ خَلَطَ ماءَ الورد بالماء، فإِن بطل أثرُه وقيمتُه فَقَدْ فُقِد، وإِن بقي الأثر، فهو كالخلط بغير الجنس، وإِنْ خَلط البرَّ بالشعير، أو خَلط البرَّ الأبيض بالأحمر، لزمه التمييز ولو بلَقْطِ الحبَّات، كما يلزمه ردُّ المغصوب إِذا غيَّبه إِلى مكان بعيد، وإِن زادت مؤونة الردِّ على قيمة العبد.
1956 -
فصل في إِغلاء الزيت
تُضمن صفات المثليِّ بالأرش، وعينُه بالمثل، فإِذا أغلى الزيت؛ فإِن بقي بحاله ردَّه، وإِن نقصت القيمة ردَّه مع الأرش، وإِن نقص الكيل دون القيمة ردَّه مع مِثْلِ ما نقص، وإِن نقصت القيمة والكيلُ ردَّ مِثْلَ التالف مع الأرش، وإِن نقص الكيل وزادت القيمة فالأصحُّ أنَّ زيادة القيمة لا تَجْبُرُ نقص الكيل.
وإن جعل العصير دبسًا، فنقص كيله، وكانت قيمةُ الباقي مساويةً لقيمة العصير، فلا جبر على الأصحِّ، وقال ابن سريج: لا يُجبر هاهنا، بخلاف الزيت على وجه؛ لأنَّ الناقص من العصير مائيَّة لا تتقوَّم، بخلاف نقص الزيت.
1957 -
فصل في البناء على المغصوب وخياطة الجراح بالخيط المغصوب
لا حرمة للبناء على مغصوب، فلو بنى على ساجة مغصوبة 1، نُقض بناؤه لإِخراجها وإِن كانت قيمة البناء ألفًا.
وإن خاط جرحه بخيط مغصوب؛ فإِن خاف من النزع مرضًا يُبيح التيمُّم
لم يُنزع، بل يحرم إِن خاف على نفسه أو بعض أعضائه وإِن كان متعدِّيًا قادرًا على الخياطة بغيره، وإن خاف ضررًا لا يُبيح التيمم نزُع، وما اختلف فيه في التيمُّم اختُلف فيه هاهنا، كطول الضنَّى وبقاءِ الشَّين، ويُحتمل جعلُ النزع هاهنا أولى؛ لحقِّ الآدميِّ، ويُحتمل خلافه.
وإِن خاط به جرح مرتدٍّ فالتحم، ففي النزع لأجل المُثْلةِ خلاف.
وإِن خِيف من النزع هلاكُ الحيوان؛ فإِن كان مأكولًا ففي ذبحه للنزع وجهان، ولا نظر إِلى القيمة وإن عظمت، وإِن لم يكن مأكولًا؛ فإِن كان محترمًا فهو كالإِنسان إِلّا في بقاء الشَّين، وإِن لم يكن محترمًا؛ فإِن استُحِقَّ قتلُه -كالكلب العقور والسبع الضاري- نُزع، وكذا إِن لم يُستحقَّ قتلُه كالكلب والخنزير، ومنع الإِمام النزع من الكلب الذي تجوز الوصيَّة به.
1958 -
فرع:
إِذا خاط الجرحَ، ومات، نُزع على الأصحِّ، وقيل: لا يُنزع؛ لِمَا فيه من المُثلة، فإِن قلنا: لا يُنزع؛ فإِن كان النزع جائزًا في الحياة نُزع بعد الموت، وإِن مُنع في الحياة لخوف هلاك، أو بقاء شين، فإِن أحدث مُثلة لم يُنزع، وإِن لم يُحدثها ففيه احتمال.
1959 - فرع:
إِذا احتاج الجريح إِلى خيط لجرحه، جاز له غصبه حيث لا يوجَبُ نزعه؛ اعتبارًا للابتداء بالدوام.
ولو أدرج لوحًا مغصوبًا في سفينة، فإِن لم يُخشَ من نزعه وجب نزعه، وإِن خِيف غرقُ الغاصب، أو حيوانٍ محترمٍ، أو مالٍ لغير الغاصب،
لم يُنزع، وإن كان فيها مالٌ للغاصب، أو كانت للغاصب ولا شيء فيها، نُزع على الأصحِّ، وقيل: يؤخَّر إِلى أن تصل إِلى الساحل.
ولو زرع أرضًا مغصوبة ببذر له، أو بذرٍ غصبه من غير مالك الأرض، قُلع اتِّفاقًا.
1960 -
فصل فيمن أطعم المغصوب أو أودعه أو وكَّل مالكه في عتقه
إِذا قدَّم الطعام لإِنسان فأكله، طُولب كلُّ واحد منهما، فإِنْ عَلِمَ الآكل بالغصب حالَ الأكل فقرار الضمان عليه، وكذا إِن جهل على أقيس القولين، وإِن قدَّمه للمالك؛ فإِن عَلِمَ برئ الغاصب، وإِن جهل فقولان مرتَّبان أقيسهما: سقوطُ الضمان.
وإِذا تلف المغصوب في يد مبنيَّة على يد الغاصب طُولب كلُّ واحد منهما، فإِن كانت اليد ضامنةً -كيد الشراء والعارية والسوم- استقرَّ عليها الضمان، وإِن لم تكن ضامنة فطريقان:
إحداهما: لا يستقرُّ.
والثانية: إِن كان الغرض للقابض كالمرتهن والمستأجر استقرَّ، وإِن كان الغرض للمالك كالإيداع والتوكيل بغير جُعل لم يستقرَّ، وإِن كان الغرض لهما كالوكيل بالجعل فوجهان، وتردَّد أبو محمد في إِلحاق يد المتَّهب بمحلِّ القولين.
وإِن أودع من المالك فالأظهرُ اْنَّ القرار على الغاصب.
وإِن قتله المالك بإذن الغاصب وهو يظنُّه للغاصب، سقط الضمان، وقيل: فيه القولان.
وإِن أعتقه بتوكيل الغاصب نفذ على الأصحِّ، ولا ضمان على الأظهر، وقيل: فيه القولان.
ومن أعتق عبده وهو يظنه لغيره، أو أعتقه في ظلام مع الجهل به، نفذ عتقه.
وإِن زوَّج من المالك، فاستولد جاهلًا، نفذ الاستيلاد اتِّفاقًا، وبرئ الغاصب بالرجوع إِلى يد المالك، وشبَّب بعضهم في براءته بالخلاف.
1961 -
فرع:
لو باع المالك طعامًا، ثم ضيَّف به المشتري، فأكله جاهلًا؛ فإِن قرَّرنا الضمان على الآكل في مسألة الغصب كان الأكلُ هاهنا قبضًا للطعام، وإِن لم نقرِّر عليه الضمان جُعل إِطعام البائع كإِتلافه المبيع.
1962 -
فصل في تنفير الحيوان وفتح قفصه وحلِّ رباطه
إِذا فتح قفص الطائر، أو حلَّ الرباط، فطار، أو فتح الإصطبل عن البهيمة فخرجت، أو حلَّ قيد العبد المجنون فذهب؛ فإِن كان ذلك بالتنفير وجب الضمان، وإِن كان بغير تنفير فأقوال: أحدها: يضمن.
والثاني: لا يضمن.
والثالث، وهو المذهب: إِن اتَّصل الذهابُ بما فَعَلَ ضمن، وإِن انفصل بزمانٍ يعدُّ فاصلًا لم يضمن.
وفرَّق أبو محمَّد بين ما ينفر بالطبع من الطير والوحش، وبين الآنِس الذي لا ينفر، وجعل اتِّصال حركة الآنِس كانفصال حركة النافر.
وإِن كان القفص بدارٍ فيحاء، فطال تردُّد الطائر في الدار حتى وجد فرجة خرج منها، فذلك بمثابة اتِّصال الطيران.
وإِن فتح الدار عن العبد، فأبق، فلا ضمان اتِّفاقًا.
وإِن حلَّ القيد عن العبد الأبَّاق، أو فتح عنه الدار، فلا ضمان على المذهب، وألحقه بعضهم بإِطلاق البهائم وفتح الأقفاص.
وإِن حلَّ الوِكاء عن زقٍّ فيه مائعٌ، فاندفق، ضمن، فإِن كان الزقُّ منتصبًا، فسقط واندفق؛ فإِن اتَّصل ذلك بحلِّ الوكاء، أو كان ذلك بسبب الحَلِّ، ضمن، وإِن بقي منتصبًا، ثم سقط بهبوب الريح، فلا ضمان، ولو بقي ممتلئًا منتصبًا، فتقاطر فابتلَّ أسفله، فسقط بذلك، ضمن.
وإِن كان ما فيه جامدًا، فذاب بالشمس واندفق، فوجهان؛ لأنَّ شروقها معلوم، بخلاف هبوب الرياح.
وإِن جرَّد أوراق كرم، ففسدت العناقيد بالشمس، فعلى الوجهين.
1963 -
فرع:
إِذا فتح المُحْرِمُ قفصًا، فطار الطائر وتلف؛ فإِن اتَّصل الطيران وجبت
القيمة للمالك، والجزاء للفقراء، وإِن انفصل فلا قيمة ولا جزاء، وإِن أوجبنا الضمان بكلِّ حال وجبت القيمة دون الجزاء.
1964 -
فصل في ضمان الحيلولة
إِذا خرج المغصوب عن يد الغاصب وجب ضمانُ الحيلولة بالقيمة أكثرَ ما كانت من حين الغصب إِلى وقت الطلب، ولا يملكه بدفع قيمته، وعلى المالك ردُّها إِذا رجع المغصوب، وتصرُّفُه فيها نافذٌ قبل الرجوع، وهل يتعيَّن ردُّ عينها؟ فيه تردُّدٌ لأبي محمد كالقرض، وينبغي أن يُخرَّج وقت حصول المِلْكِ فيها على الخلاف في القرض.
وإِذا أخذ القيمة فهل تنقطع عِلَق الغصب كضمان المنافع والزوائد المتَّصلة والمنفصلة، و [التزام] 1 عُهَدِ الجنايات، وارتفاع القيمة بالسوق؟ فيه وجهان أصحُّهما: أنَّها لا تنقطع.
وإِنْ أَبْعَدَ المغصوبَ إِلى مكان يَعْسُرُ إِحضاره منه، فغرم قيمة الحيلولة، لم تنقطع العلق، وخرَّجها أبو محمَّد على الخلاف.
وإِذا أدخل اللوح في السفينة لزمه أجرتُه إِلى أن يأخذ قيمة الحيلولة، فإِن أخذها؛ فإِن كان الغاصب مع السفينة فهو كإِبعاد المغصوب.
ويلزمه أجرُ خيط الجرح ما لم يعفن.
ومتى رجع المغصوبُ فالنصُّ أنَّ له حبسَه إِلى استرجاع القيمة، وإِن
اشترى شراءً فاسدًا فله إِمساكُ المبيع إِلى استرجاع الثمن، ويُحتمل أن تجب البداية بالغاصب؛ لعدوانه، ولا أقلَّ من تخريج البيع الفاسد على أقوال البداية في البيع الصحيح، ولا يُجبر المالك على قبض قيمة الحيلولة، ولا يصحُّ إِبراؤه منها، وقيل: يُجبر ويصحُّ الإِبراء، وكلاهما بعيد.
1965 -
فصل فيمن باع شيئًا ثم أقرَّ باستحقاقه
إِذا أقرَّ البائع بعد اللزوم أنَّ المبيع مِلكٌ لزيد، لم يُنزع من المشتري، إِلا أن يُصدِّق البائعَ، فيُنزع، ويُرجع عليه بالثمن، وإِن كذبه فهل يغرم البائع قيمة الحيلولة؟ فيه طريقان:
إحداهما: القطع بالتغريم.
والثانية: فيه قولان.
وأبعدَ مَن قال: إِن لم يعترف بملك نفسه فلا غرم.
وإِن قال: بعتَه، وهو ملكي، ففيه الطريقان، وإِن صدَّقه المشتري، وأكذبه البائع، لم يرجع بالثمن، وإِن أكذباه 1 حلف المشتري أنَّه لا يلزمه تسليمُ العبد، وحلف البائع على نفي القيمة إِن أوجبنا الغرم، فإِن حلف على نفي القيمة والغصب فلا بأس، وإِن اقتصر على نفي الغصب ففيه خلاف.
1966 -
فصل فيمن أعتق عبدًا ثمَّ أقرَّ بغصبه
إِذا اشترى عبدًا، وأعتقه بعد اللزوم، فادَّعى زيد أنَّ العبد مغصوبٌ منه، فلا نزع له مع العبد؛ إِذ لا يمكن ردُّ العتق؛ فإِن كذَّبه العاقدان، حلف البائع على نفي الغُرم والمشتري على نفي الردِّ، وإِن صدَّقه العاقدان والعبد، أو صدَّقه العاقدان خاصَّةً، لم يبطل العتق، ويجب الغرمُ على المشتري، وإِن مات العبد عن كسبٍ لا يتوقَّف على إِذن السيِّد، وليس له نسيبٌ يرثه، صُرف كسبه إِلى مدَّعي الغصب.
1967 -
فصل في تكسير الملاهي وإِراقة الخمور
تُكْسر ملاهي المسلمين، ولا يكفي قطعُ أوتارها، وفي الكسر المشروع أوجه:
أحدهما: أن نكسرها بحيث يتعذَّرُ ردُّها إِلى هيئتها الأولى، أو أن يُتَّخذ منها ملهاة أخرى.
والثاني: بأن يتعذَّر استعمالها في المحرَّم، فلو كسر وجه البَرْبَطِ 1، فصار كقصعة، كفى.
والثالث: بالانتهاء إِلى حدٍّ لو قَصَدَ اتِّخاذَها ملهاةً لتعب فيها كتعبه في الابتداء.
وإِن وُجد بيد الصانع صفائحُ لم تُكمل؛ فإِن كانت على حدٍّ لا يُجاوزُه الكسر لم نَعرِضْ لها، وإِن كانت على حدٍّ يتجاوز، ففيه تردُّدٌ للإِمام؛ إِذ ليس الابتداء كالدوام.
فإِن بالغنا في الكسر فينبغي أن يُقتصر في الصليب على إِزالة إِحدى خشبتيه عن الأخرى.
ويُمنع أهل الذمَّة من إِظهار المعازف بحيث يسمعها الخارج عن بيوتهم، ويُمنعون من إِظهار الخمور والمجاهرة بشربها، ولا يُتَّبعون في بيوتهم لإِراقتها، فإِن أريقت لم تُضمن.
وإِن ظهر من المسلمين اتِّخاذُها اتُّبِعوا إِلى منازلهم لإِراقتها، وُيحدُّ الحنفيُّ بشرب النبيذ على النصِّ، ولا يُحدُّ الذمِّيُّ بشرب الخمر -وإِن رضي بحكمنا- على المذهب.
ومَن وطئ في نكاح اختُلف في صحَّته، لم يُحدَّ على المذهب، وقيل: يُحدُّ، وقيل: يُحدُّ الحنفي في النكاح بلا وليٍّ.
1968 -
فروع:
الأوَّل: إِذا كان معه طائر محترم، فابتلع لؤلؤةً لغيره، فإِن لم يكن مأكولًا وجبت قيمة الحيلولة، وإِن كان مأكولًا ففي ذبحه لاستنقاذها خلاف.
الثاني: لو باع حمارًا بشعيرٍ معيَّن، فقضمه؛ فإِن كان بعد قبض الشعير، لم ينفسخ البيع، ثمَّ يُنظر؛ فإِن كان المشتري قد قبض الحمار، وكان معه عند القضم، ضمن الشعير، وإِن لم يتقابضا؛ فإِن كان البائع مع الحمار عند القضم كان ذلك قبضًا للشعير؛ لأنَّ ذا اليد في عهدة ما في يده، وإِن لم يكن