الغاية في اختصار النهايةصفحات 161-201

كتاب العتق

4070 -

إذا أعتق المطلقُ عبدَه، نفذ عتقُه، وإن أعتق عبدَ غيره، لم ينفذ، فإن قال له: أنت حرٌّ، ثمَّ ملكه، عتق عليه، وإن قال: قد أعتقتك، ثمَّ ملكه، عتق عند القاضي، وإن قال: أعتقتك، ثمَّ ملكه، لم يعتق على فحوى كلامه، وقال الإمامُ: لا فرقَ بينهما، فنراجعه؛ فإن قال: أردتُ الإنشاءَ، لغا لفظُه، وإن قال: أقررت بذلك، عتق عليه، وإن لم يفسِّره بشيء، تُرك.

وإن أعتق جزءًا معيَّنًا، أو شائعًا من عبده 1، عتق جميعُه وإن كان مُعْسِرًا، وهل يعتق بطريق السراية، أو بطريق التعبير بالبعض عن الكلِّ؟ فيه وجهان.
وعتق المعيَّن مرتَّب على الشائع، وأولى بالَّا يسريَ؛ إذ لا يُتصوَّر إفرادُه بالعتق، بخلاف الشائع، فإن قال: يدك حرٌّ، ولا يدَ له، لم يعتق على الأفقه، وقيل: فيه الوجهان، وإن قال: إن دخلت الدارَ، فيدك حرٌّ، فدخلها بغير يد، ففي العتق وجهان مأخذُهما المعنيان، وما ذُكر في العتاق، فهو جارٍ في الطلاق.

4071 -

فصل في سراية العتق

لا يسري العتقُ من شخص إلى آخر، فلو كانت الأمةُ لإنسان وحَمْلُها لآخر، فأعتق أحدُهما ما يملكه، لم يسْرِ إلى ملك الآخر.
وإن ملك الجاريةَ وحملَها، فأعتقها، سرى إلى الحمل، وإن أعتق الحملَ، لم يسْرِ إلى الأمِّ، خلافًا لأبي إسحاق المروزيِّ.
وإن كان العبدُ بين اثنين يملكانه نصفين مثلًا، فأعتق أحدُهما نصيبَ الآخر، لغا لفظُه إن لم يكن مثلُه إقرارًا، وإن أعتق نصيبَ نفسه، فإن قال: أعتقتُ نصيبي منك، عتق نصفُه، وإن قال: أعتقت نصفَك، عتق نصفُه، وهل وقع عتقُ النصف أوَّلًا، أو وقع عتقُ الربع، ثمَّ سرى إلى الربع الآخر (مع الإعسار) 1 واليسار؟ فيه وجهان؛ تظهر فائدتُهما إذا علَّق الطلاقَ والعتاقَ بإعتاق نصفه، فإن قلنا: يقع عتقُ النصف أوَّلًا، وقع الطلاقُ والعتق، فإن قلنا بالسراية، لم يقعا.
وإن أقرَّ بنصف عبد أو باعه؛ فإن قال: بعتك نصيبي من هذا العبد، أو نصفي منه، نفذ البيعُ والإقرارُ في النصف الذي يختصُّ به، وإن قال: بعتك نصفَ العبد، أو قال: نصف هذا العبد لفلان، فهل ينحصر البيع والإقرار فيما يختصُّ به، أو يشيع على النصفين؟ فيه الوجهان، والأولى: أن يُرتَّب البيعُ على الإقرار؛ فإنَّ الإنسانَ لا يبيع في الغالب إلَّا ملكَه، بخلاف الإقرار، فإن قلنا بالإشاعة، بطل البيعُ في الربع، وخُرِّج الربع الآخر على تفريق الصفقة.

وإذا عتق نصيبُ المعتق؛ فإن كان معسرًا، وقف العتقُ على نصيبه، ولا يُستسعى العبدُ، فيجري على جزئه الحرِّ أحكامُ الحرية، وعلى الجزء الرقيق أحكامُ الأرقَّاء، ومتى طرأت الحرية على الرقِّ، جاز تبعيضُها، وإن طرأ الرقُّ على الحرية، ففي جواز تبعيضِه خلافٌ.
فلو أرقَّ الإمامُ بعضَ الأسير، وترك بقيَّته على أصل 1 الحرية، فقال: أرققت نصفَك؛ فإن لم يكن فيه مصلحةٌ، لم يجز ذلك باطنًا، ويُحمل في الظاهر على المصلحة، وإن وُجدت المصلحةُ؛ مثل أن يكون كَسُوبًا، فيجدَّ في الاكتساب لنصفه، ففي نفوذ إرقاق بعضه الوجهان، فإن قلنا: لا ينفذ، فهل يلغو لفظه، أو يرقُّ جميعه؟ فيه وجهان، وإن كان الأسيرُ عتيقًا لمسلم وذمي، لم يرقَّ نصيبُ المسلم، وفي إرقاقه لنصيب الذمي وجهان قدَّمناهما في (كتاب السِّيَر).
وإن كان المعتقُ موسرًا بحصَّة الشريك، سرى عتقُه إليها، ولزمته قيمتُها، وإن أيسر ببعضها، سرى بقدر ما أيسر به، ورقَّ الباقي، وفيه وجه أنَّه لا يسري.
فإن كان العبدُ لثلاثة؛ لأحدهم سدسُه، وللآخر ثلثه، وللثالث نصفُه، فأعتق صاحبُ الثلث والسدس نصيبَهما معًا، أو بلفْظ وكيلِهما، فهل تتوَّزع القيمةُ على قدر المِلْكَين، أو على عدد الرؤوس؟ فيه قولان كالشُّفْعة، وقيل: تتوَّزع على الرؤوس وجهًا واحدًا؛ كالجراحات.
والاعتبارُ في اليسار بحال العتق دون ما قبله وما بعده، والعبرةُ بيسار

الديون دون يسار (1) الكفَّارة المرتَّبة، فيُباع في السراية كلُّ ما يُباع في الدين حتَّى العبد المستغرق بالخدمة، فإن كان عليه دينٌ بقدر يساره، ففي السراية قولان، كما في اجتماع الدين والزكاة.

4072 -

فصل في بيان وقت السراية

إذا حُكم بالسراية، ففي وقتها أقوال: أصحُّها: أنَّها تحصل عقيبَ اللفظ.
والثاني: بأداء القيمة.
والثالث: الوقف، فإن أدَّى القيمةَ، تبيَّن حصولُ السراية عقيب اللفظ، وإن لم يؤدِّها، استمرَّ الرقُّ على محلِّ السراية.
فإن قلنا بالتعجيل، انتقل ملكُ الشريك إلى المعتق قُبيل السراية، وحصل العتقُ بعد ذلك، إذ لا يُتصوَّر سرايةٌ بدون نقل الملك، وغلط الأستاذُ أبو إسحاق، فقال: يحصل الملكُ والعتقُ هاهنا وفي شراء القريب معًا، وهذا جمعٌ منه بين النقيضين.

4073 -

فائدة [في نصِّ الشافعي على قولَيْن كان متردِّدًا بينهما]:

إذا نصَّ الشافعيُّ على قولين كان متردِّدًا بينهما مُبْطِلًا لما سواهما، فإن جزم قولَه بعد القولين، وجب القطعُ بأنَّ الثانيَ مذهبه، وإن قطع بشيء ثمَّ قطع بما يخالفه، فقد رجع عنه، وإن قطع بشيء، ثمَّ ذكر قولين، فقد تردَّد1

بعد القطع، وإن نُقل عنه نصوصٌ مختلفة بغير تاريخ، لم يُستشهد ببعضها على بعض، خلافًا للمزنيِّ؛ فإنَّه يستشهدُ بكثرة النصوص (1).

4074 -

فصل في فروع على أقوال السراية

أحدُها: إذا مات المعتقُ، أُخذت القيمةُ من تركته على الأقوال كلِّها، فإنَّا إذا قلنا بتأخير السراية، صار العتقُ مستحَقُّا عليه؛ الأن سببَ التلف وُجد) 2 في الحياة، وترتَّب عليه التلفُ بعد الموت، (ووجب) 3 الغرمُ، وإن مات العبدُ، وقلنا بتأخير السراية، ففي سقوط القيمة وجهان، فإن قلنا: لا تسقط، فأدَّى القيمةَ، تبيَّن حصولُ العتق قُبيل موت العبد.
الثاني: إذا استولد أحدُ الشريكين الجاريةَ المشتركة، ثبت الاستيلادُ في نصيبه، فإن كان معسرًا لم يسْر، وهل ينعقدُ الولدُ حرًّا، أو يتبعَّض رقُّه وحريته؟ فيه الخلافُ في تبعيض الرقِّ في الابتداء، فإن أولدها الثاني، صارت مستولدةً لهما، فإن أيسر أحدُ المستولدين، [فأعتق نصيبَه، فقد قال جماعةٌ من الأصحاب: يسري عتقُه، وخطَّأهم القاضي من جهة] 4 أنَّ السرايةَ تقتضي1

نقلَ الملك، وهو غير مُتصوَّر في المستولدة، وإن كان موسرًا، سرى الاستيلادُ، وفي وقت السراية الأقوالُ الثلاثة، والاستيلاد أَوْلى بأن يُتعجَّل، أو يتأجَّل، أو يستوي العتق والاستيلاد؟ فيه ثلاثُ طرق 1، فإن أخَّرنا السراية فالولدُ كلُّه حرٌّ، وعليه نصفُ قيمته في الحال، وإن عجَّلناها، كان كاستيلاد الأب جاريةَ ابنه إن نقلنا الملكَ قبيل العلوق، لزمه نصفُ قيمة الولد، وإن نقلناه قُبيل الوطء، لم يلزمه شيء.
الثالث: إذا ادَّعى أحدُهما أنَّ الآخرَ أعتق نصيبَه وهو موسرٌ، فإن عجَّلنا السرايةَ، عتق نصيبُ المدَّعي، والقولُ قولُ المدَّعى عليه مع يمينه، فإن حلف، وُقف الولاء، وإن نكل، حلف المدَّعي، واستحقَّ القيمةَ، ولا يعتق نصيبُ المدَّعى عليه على الأصحِّ؛ لأنَّ اليمينَ إنَّما رُدَّت لأجل القيمة؛ إذ لا يجوزُ لأحد أن يدَّعيَ على السيِّد أنَّه أعتق عبدَه، ولا تُسمع دعواه بذلك.
ولو ادَّعى كلُّ واحد منهما أنَّ الآخرَ أعتق نصيبَه، وهو موسرٌ، وقلنا بالتعجيل، عتق العبدُ، ووُقف ولاؤه، وغلط المزنيُّ، فأثبت 2 لكلِّ واحد منهما ولاءَ نصيبه.
وإن أقرَّ أحدُهما أنَّه أعتق نصيبَ نفسه، وهو موسرٌ، وقلنا بالتعجيل، عتق العبدُ، وكان ولاؤه للمعترف.
الرابع: إذا قلنا بتأخير السراية، فنصيبُ الشريك رقيقٌ، فإن أعتقه، ففي نفوذ عتقه وجهان كعتق الراهن، فإن نفَّذنا عتقَه، ففي بيعه وجهان، وقطع أبو

محمَّد بالبطلان، وبنى عليه أنَّه يملك مطالبةَ المعتق بالقيمة، فإن صحَّحنا بيعَه، فباعه وألزم البيع، فهل للمعتق نقضُ بيعه كما ينقض الشفيعُ بيع المشتري؟ فيه تردُّد واحتمال، وإن أبطلنا تصرُّفه، وأثبتنا له 1 طلبَ القيمة، فأعسر بها المعتقُ، فقد قال أبو عليِّ: للشريك التصرُّف كيف شاء بما شاء، وليس له طلبُ القيمة وإن أيسر المعتقُ بعد ذلك.
وقال الإمام: يُحتمل أن يمتنعَ عليه التصرُّف؛ لثبوت عُلْقة العتق، وإن نفَّذنا تصرُّفه، احتُمل أن يطالبَ بالقيمة إذا أيسر بعد ذلك، فإن رددنا العتقَ، أو نفذناه، وأبطلنا البيعَ، فللشريك طلبُ القيمة لأجل الحَجْر، وإن نفَّذنا العتقَ والبيعَ، وجب أن يتخيَّر المعتقُ في بذل القيمة، فإن بذلها، عتق، وإن لم يبذلها، لم يُطالَب بها كالشفيع في بذل الثمن.
الخامس: إذا قال الشريكُ المعسرُ أو الموسرُ لشريكه الموسر: إن أعتقتَ نصيبَك، فنصيبي حرٌّ، فأعتق نصيبَه، فإن قلنا بالتعجيل، عتق الجميعُ على المعتق اتِّفاقًا، وعليه قيمةُ نصيب المعلِّق، وإن قلنا بالتأخير، عتق نصيبُ المعتق، وهل يعتق الباقي عليه، أو على المعلِّق؟ فيه الخلاف السابق؛ لأنَّه كعتق الراهن.
السادس: الأصحُّ بطلانُ الدور اللفظيِّ؛ فإنَّ الشرطَ لا يبطل ببطلان الجزاء لغة ولا شرعًا، فلو قال لعبده: مهما أعتقتك، فأنت حرٌّ قبله، ثمَّ أعتقه، نفذ على الأصحِّ، وإن قال لشريكه: إن أعتقت نصيبَك، فنصيبي حرٌّ قبل نصيبك؛ فإن قلنا بالدور، وبتعجيل السراية، لم يعتق نصيبُ واحد منهما،

وتصحيحُ الدور هاهنا بعيدٌ؟ لما فيه من الحَجْر على غير المالك، ولو وقع مثلُ هذا التعليق من الجانبين، وقلنا بالدور، امتنع العتقُ من الجانبين، وكذلك التعليقُ على جميع التصرُّفات، فلو قال كلُّ واحد منهما: مهما 1 بعت نصيبَك، فنصيبي حرٌّ قبل البيع، فإن رددَّنا العتقَ في محلِّ السراية، خرج على الدور، فإن قلنا بالدور، لم ينفذ العتقُ، ولا البيعُ.
السابع: إذا وطئ الشريكُ الأمةَ قبل أخذ القيمة؛ فإن قلنا بالتعجيل، لزمه مهرُ المثل، وإن قلنا بالتأخير، فلها نصفُ المهر؛ لنصفها الحرِّ، ولا شيءَ عليه لنصيبه؛ لأنَّه ملكه، وأبعد مَنْ أوجب نصفَ المهر للمعتق؛ لأنَّه مستحِق لانقلاب الملك إليه، ويُحتمل أن يُصرفَ إلى الأمة؛ لأنَّه ينقلب إلى المعتق، وينقلب منه إليها، فلا يجب حتَّى تقع السراية، فإن ماتت، وقلنا: لا سرايةَ بعد الموت، فلا مهرَ لذلك النصف؛ لاستقرار ملكه عليه.
الثامن: السرايةُ على المسلم والكافر، وعلى الكافرين كالسراية على المسلِمَين، فإذا كان العبدُ لمسلم وكافر، فأعتق المسلمُ نصيبَه، سرى عليه، وإن أعتق الكافرُ نصيبَه، ففي السراية عليه خلافٌ مرتَّب على الخلاف في صحَّة شرائه أباه المسلم، وهذا أولى بالسراية؛ لأنَّه قهريٌّ، وإن قلنا بالتأخير، احتُمل أن يُجعلَ كالشراء؛ لاختياره ببذل القيمة، واحتُمل أن يفرَّق بأنَّ شراءَ الأب لا يجبُ، والسراية واجبةٌ.
التاسع: الاعتبارُ في القيمة بوقت العتق إن عجَّلنا السرايةَ، وإن أخَّرناها، فالاعتبارُ بوقت العتق، أو الأداء، أو بالأكثر من حين العتق إلى الأداء؟ فيه

ثلاثةُ أوجه: أصحُّها آخرُها، كمن جرح عبدًا، فمات بالجرح بعد مدَّة، أو غصب شيئًا، فتلف في يده بعد مدَّة، ولا يتَّجه القولُ باعتبار وقت الأداء إلَّا إذا نفذنا عتقَ الشريك وبيْعَه (1).

4075 -

فرع:

إذا قال رجلٌ لا يملك سوى دينار لأحد الشريكين: أعتق نصيبَك عنِّي بدينار، فأعتقه، وقع العتقُ عن المستدعي، فإن عيَّن الدينارَ في التماسه، لم يسر العتقُ؟ لإعساره، وإن لم يعيِّنه، ففي السراية خلافٌ.

4076 -

فصل في الاختلاف في القيمة

إذا اختلف الشريكان في القيمة، وتعذَّرت معرفتُها؛ لموت 2 العبد، وتغيُّر أوصافه وخلقه، فالقولُ قول المُعتِق في أصحِّ القولين.
وإن ادَّعى المعتقُ نقصًا من أصل الخِلْقة؛ كالكمَه، فالقولُ قولُه عند الأكثرين، وقيل: فيه القولان.
وإن ادَّعى الشريكُ صنعةً للعبد؛ كالكتابة وغيرها، فأنكرها المعتقُ، فطريقان: إحداهما: القولُ قولُ المعتقِ.
والثانيةُ: فيه القولان.1

وإن ادَّعى المعتقُ نقصًا طارئًا؛ مثل أن قال: خُلق سليمًا، ثمَّ تعيَّب قبل العتق، فقولان؛ إذ الأصلُ براءةُ الذمة، وبقاءُ السلامة، وليس تقابلُ الأصلين بأن يتساوى المأخذان؛ فإنَّهما لو تساويا، وجب التوقُّف، بل يقابلهما أن يتدانيا مع دقَّة الترجيح والاستمساك من الطرفين بالاستصحاب.

4077 -

فصل في السراية في مرض الموت

الثلثُ في مرض الموت كجميع المال في الصحَّة، فإذا أعتق المريضُ بعضَ 1 عبده، أو شِقْصًا من عبد مشترك، فإن احتمل الثلثُ السرايةَ، سرى العتق، وإن احتمل بعضَ السراية، فعلى التفصيل السابق.
وإن أوصى بأن يُعتقَ بعضُ عبده، أو يُعتقَ نصيبهُ من العبد المشترك، وأن يسريَ العتقُ عليه، لم يسْرِ في الصورتين؛ لإعساره بالموت.

4078 -

باب عتق العبيد الذين لا يخرجون من الثلث

إذا أعتق في مرض موته عبيدًا لا يملك غيرَهم، فردَّه الوارثُ، عتق منهم بقدر الثلث بالقُرْعة مع جُهْدِنا في تكميل العتق.
ولو قال لثلاثة متَّفقي القِيَم: كلُّ واحد منكم حرٌّ، أقرعنا بينهم، فمن خرجت قرعتهُ، عتق، ورقَّ صاحباه.
وإن قال: ثلث كلِّ واحد منكم حرٌّ، فهل يُقرع، أو يُعتق من كلِّ واحد ثلثه؟ فيه وجهان.
وإن قال: ثلثكم حرٌّ، وفسَّره بعتق ثلث كلِّ واحد منهم، ففيه الوجهان، وإن تركه مبهمًا، أُقرع بينهم عند الأصحاب؛ لأنَّ الواحدَ ثلثُ الثلاثة.

4079 -

باب كيفيَّة القرعة

تجب القرعةُ في العتق، ولا يقوم غيرُها من الأخطار مقامَها؛ كطيران طير لا يُتوقَّع طيرانه، أو مراجعة إنسان لا غرضَ له في عتق، ولا رقَّ، بل تُحكم القرعةُ بحيث لا يتخيَّل في خروجها تسبُّب، ولا مواطأة، وقد أقرع عليه السلام في قسم الغنيمة تارةً بالنوى، وتارةً بالبعر.
والأولى: أن يكتب أسماءُ العبيد في الرقاع، ثمَّ يقول: أخرج اسمًا على الحرية، فإذا خرج اسمٌ، عتق ورقَّ الآخران.
وله أن يكتبَ الرقَّ في رقعتين، والحريةَ في رقعة، ثمَّ يقول: أخرج على اسم فلان، فإن خرج العتقُ، عتق، ورقَّ الآخران، وإن خرج الرقُّ، حُكم برقِّه، ثمَّ يقرع، فإن خرجت الحرية، عتق، ورقَّ الآخران، وإن خرج الرقُّ، تعيَّن الثالثُ للعتق، والأوَّل أقربُ إلى فصل الأمر؛ إذ ليس فيه تكريرُ الإقراع، ولا خلافَ في جواز الأمرين.
قال الأصحابُ: إذا أقرعنا بين ثلاثة، فالرقُّ ضِعْفُ الحرية، فلتكن الرقاعُ على هذه النسبة؛ [رقعة للحرية، وللرقِّ رقعتان، وفي كلامهم ما يدلُّ على وجوب ذلك، وقيل: إنَّه استصواب] 1 وهو الأوجهُ، فيجوز أن يكتبَ

رقعة للحرية، وأُخرى للرقِّ، فإن خرجت حرية أحدهم، عتق، وإن خرج الرقُّ، أُدرجت الرقعةُ في البندقة مرَّة أخرى.
وإذا كُتبت الأسماء أو الرقُّ والحرية، فلابدَّ من تحكيم من يرجع إليه؛ ليقول: أخرج على هذا الوجه (1)، أو أخرج اسمًا على الحرية، فلو قال: أخرج على سالم، فقال غانم: بل أخرج على اسمي، أو قال: أخرج على الحرية، فقال الورثةُ: بل أخرج على الرقِّ، أو طلب العبيدُ الإخراجَ على الحرية، والورثةُ الإخراجَ على الرقِّ، فهذا لم يتعرَّض له الأصحابُ في وجوب ولا استصواب، فلا يمتنع إذا كتب الرق والحرية أن نقرع، أوَّلًا بين العبيد؛ ليتعينَ من يعرض على الرقِّ والحرية، فإذا تعيَّن أحدُهم، أخرج اسمه على الرقِّ أو الحرية، أو يكتبَ للحرية رقعةٌ، وللرقِّ رقعتان، ثمَّ يلقي رجلٌ لم يكن في أوَّل الأمر إلى كلِّ عبد رقعةً.

4080 -

فصل في الإقراع مع اختلاف القيم

إذا أمكنت التجزئةُ ثلاثةَ أجزاء، لم نعدل عنه، وإن تعذَّر ذلك؛ لتفاوت القيم؛ فإن أمكن التقريبُ من التثليث، جاز اتِّفاقًا، وإن أراد العدولَ عن مقاربة التثليث، فقولان: أحدُهما: لا نعدل عنه، بل نقاربه على قَدْر الإمكان، فنجعل السبعة: اثنين واثنين، وثلاثة، والثمانية: ثلاثة وثلاثة واثنين.1

والثاني: نجزِّئهم على الأقرب الأيسر، فإن كان الأيسر أن نجعل السبعةَ سبعةَ أجزاء؛ والثمانيةَ ثمانيةً، فُعل ذلك، وكتب سبع رقاع أو ثمانيَ، وإن سهل تجزئةُ الثمانية أربعةَ أجزاء، فعل ذلك، فإن خرجت حرية اثنين، عتقا، ثم يُقرع بين الستة، فإن خرجت لاثنين، أقرعنا بينهما، فمن خرجت قرعتهُ، عتق منه ما يكمل ثلثَ التركة، وهذان القولان اختلافٌ في الوجوب عند الصيدلانيِّ، وفي الاستصواب عند القاضي والإمام:

4081 -

فصل في الإقراع بين الدين والعتق والميراث

إذا أعتق في مرض الموت عبيدًا لا يملك غيرَهم؛ فإن كان عليه دينٌ مستغرق، لم ينفذ العتقُ، وإن لم يكن الدينُ مستغرقًا، فلا يجوز صرفُ بعض العبيد في الدين إلَّا بقرعة، فيُقرع بين التركة والدين، فإن خرجت قرعةُ الدين على عبد يوفي جميعَ الدين، فلا ينبغي أن يقرعَ للعتق حتَّى يؤدَّى الدين؛ فإنَّه لا يسقطُ بتعيين مال له، ولهذا لو تلف المعيَّن قبل التوفية، انعكس الدينُ على التركة، فلا وصيَّةَ، ولا إرثَ ما بقي درهمٌ من الدين، ولو قيل: نقرع للعتق، ونقِفُه على أداء الدين، لكان فيه نظر؛ فإنَّ القرعةَ لا تُوقَف.
ولو كتب رقعة للإرث، وأخرى للعتق، وأخرى للدين، لم يجز على الأصحِّ؛ فإنَّ قرعةَ العتق لو خرجت أوَّلًا؛ فإن قلنا: لا تنفذ، فهي باطلةٌ، وإن نفَّذناها، كان تنفيذًا للوصيًّة قبل أداء الدين، والكلامُ في هذا الفصل في الوجوب دون الاستصواب.

4082 -

فرع:

إذا عتق عبدٌ بالقرعة، ثمَّ ظهر دين؛ فإن كان مستغرقًا، بطل العتقُ، وإن لم يكن مستغرقًا، وأمكن تنفيذُه مع أداء الدين، ففي بطلان القرعة والعتق قولان كالقولين في انتقاض القسمة بظهور الدين.

4083 - فرع: إذا أعتق المريضُ ثلاثةَ أعبُد قيمةُ كلِّ واحد مئة، فأعتقنا أحدَهم بالقرعة، فظهر له مال آخر، فعِتْقُ الأوَّل نافذ، ثمَّ يُقرَع بين الآخرين، فمن خرجت قرعتُه؛ فإن كان المالُ الذي ظهر مئةً، عتق ثلثُه، وإن كان مئتين، عتق ثلثاه، وإن كان ثلاث مئة عتق جميعُه.

4084 -

فصل فيمن أعتق عبدًا فمات قبل سيده

إذا أعتق في مرض موته عبدًا، فمات العبدُ، ثمَّ مات السيِّد؛ فإن لم يملك غيرَه، ففيه أوجهٌ تجري فيما لو وهب عبدًا، وأقبضه، (فمات بيد المتَّهب) 1، ثمَّ مات الواهبُ: أحدُها: يموت حرًّا؛ فإنَّ حقَّ الورثة لا يثبت إلَّا في التركة، ولو مات رقيقًا، لما ورثوه.
والثاني: يموت رقيقًا؛ لأنَّ عتقَ المرض وصيَّة.
وعلى هذين الوجهين: لا يُحسب إذا وهبه من الثلث، ولا يزاحم

الوصايا، وهو قول الجمهور.
والثالث: يموت ثلثه حرًّا، وباقيه رقيقًا، وُيحسب الموهوبُ من الثلث.
وإن قتله المتَّهب كان كما لو بقي حيًّا؛ إن خرج من الثلث، حُسب منه، وإن لم يخرج، غرم للورثة ما زاد على الثلث، بخلاف ما لو تلف؛ لأنَّ الهبةَ ليست عقدَ ضمان، والإتلاف مضمِّن على الجملة، وألحق الإمامُ التلفَ بالإتلاف؛ لأنَّا تبيَّنَّا أنَّه وهب حقَّ غيرِه، فيشبه هبةَ الغاصب.
ولو أعتق ثلاثةً قيمةُ كلِّ واحد منهم مئةٌ، فمات أحدُهم، أُقرع بينهم عند الأصحاب، فإن خرجت قرعةُ الميت، تبَيَّنَّا أنَّه مات حرًّا، وقال الإمام: إن جعلنا الميِّت في المسألة السابقة كالمعدوم، فالقياسُ ألَّا يدخلَ هاهنا في القرعة، ويُقرع بين الحيَّيْن.
فإن قلنا: يدخل في القرعة، فقُتل أحدُهم، فخرجت قرعتُه، فعلى القاتل ديتُه لورثته، وإن خرجت القرعةُ لغيره، عتق، وكانت قيمةُ القتيل من جملة التركة.
وإن نقصت قيمةُ أحدهم، فخرجت قرعتُه، لم يُحسب نقصُه على ما قطع به الأصحابُ؛ فإنَّ الحرَّ لا قيمةَ له.
وإن مات أحدُهم 1 بعد موت المعتق؛ فإن لم تصِلْ يدُ الوارث إلى شيء من التركة، وكان مَحُولًا بينه وبينها، لم يُحسب الميِّت عليه، فإن خرجت القرعةُ للميِّت، اقتصر العتقُ عليه، وإن خرجت لأحدهما، عتق ثلثاه،

وإن قُتل أحدُهم بعد موت المعتق؛ فإن خرجت قرعتُه، عتق، وكانت ديته لورثته، وإن مات أحدُهم، والتركةُ بيد الوارث، فهل يُحسب عليه؟ فيه وجهان؛ لأنَّه ممنوع من التصرُّف فيه قبل خروج القرعة، والحيلولة الشرعيَّة كالحيلولة الحسِّيَّة.

4085 -

فصل في ترتيب التبرُّعات في مرض الموت

إنَّما يُقرعُ بين العبيد إذا وقع العتق معًا، فإن ترتَّب العتقُ أو غيره من التبرُّعات، بُدئ بالأوَّل فالأوَّل حتَّى يكمل الثلث.
فلو وهب قدرَ الثلث وأقبضَه، ثمَّ أعتق، أو أعتق، ثمَّ وهب، أو حابى، ثمَّ أعتق، أو أعتق ثمَّ أعتق، بدئ بالأوَّل فالأوَّل.
ولو وهب ولم يقبض، ثمَّ حابى، قُدِّمت المحاباة.
ولو قال: سالم حرٌّ، وغانم حرٌّ، قُدِّم سالم.
ولو أوصى بعتق أحدهما، ثمَّ أوصى بعتق الآخر بعد تطاول الزمان، أُقرع بينهما؛ فإنَّ الموتَ يجمع الوصايا إلَّا أن يوصيَ بتقديم شيء منها، فيجب تقديمُه.
ولو دبر أحدَهما، وأوصى بعتق الآخر، فهل يُقرع، أو يُقدَّم المدَّبر؟ فيه وجهان، ولعلَّ الإقراعَ أصحُّ؛ لأنَّ العتقَ صار مستحَقًّا بالموت، فيُنظر إلى استحقاقه دون إنشائه.

4086 -

فصل في إبهام العتق

إبهامُ العتق بين الأرقَّاء كإبهام الطلاق بين النساء، فإذا قال: أحدُكم حرٌّ، فله حالان: إحداهما: أن يعيِّن أحدَهما في نيَّته، فيعتق، فإن صدَّقه الباقون على النية، فذاك، وإن كذَّبوه، فالقول قولُه مع يمينه اتِّفاقًا، فإن نكل، حلف مَنْ يدَّعي النيَّة، وعتق مع الأوَّل.
وإن قال: نسيتُ مَنْ نويته، حُبس إلى أن يبيِّنه، وفيه احتمالٌ.
ولا يكون الوطءُ بيانًا في الإماء، فإن وطئ واحدةً، وقال: لم أنوها، قُبِل منه، وإن قال: نويتها، فقد أقرَّ بوطء حرَّة.
وإن مات قبل أن يبيِّن، رُجع إلى بيان الوارث، فيبني على ما سمعه منه، فإن قال: سمعته يقول: نويتُ واحدةً، وأنا لا أعرفُها، وجب الوقفُ إلى البيان.
الحال الثانية: ألَّا ينويَ شيئًا، فيلزمه التعيينُ، فإن امتنع، حُمِل عليه بالحبس، فإن عيَّن أحدَهم، عتق، وهل يعتق من حينَ لَفَظ بالعتق، أو من حينَ عيَّن؟ فيه وجهان مأخذُهما أنَّ العتقَ هل وقع في عين أو التزمه في الذمَّة، فيلزمه إيقاعُه في واحد منهم.
وإذا عيَّن أحدهم، لم يكن للآخرين الدعوى عليه، وفي كون الوطء تعيينًا وجهان، فإن جعلناه تعيينًا، ففي التمتُّع بما دون الفرج والمسِّ والقبل وجهان مرتَّبان، وفي الاستخدام وجهان مرتَّبان على الاستمتاع، ويجب طردُ الوجهين في استخدام المبيع في مدَّة الخيار فيما يرجع إلى الفسخ والإجارة.

وإن مات أحدُهما قبل التعيين، فأراد أن يعيِّنه؛ فإن قلنا: يقعُ العتق من حينِ التعيين، لم يكن له ذلك، فيتعيَّن الحيُّ للعتق بغير لفظه، وإن قلنا: يقع من حينِ اللفظ، فله ذلك.
وإن مات السيِّدُ قبل التعيين، فهل يُقرعُ، أو يُرجعُ إلى تعيين الوارث؟ فيه قولان بناهما القاضي على الخلاف في وقت وقوع العتق، فإن أوقعناه من حين التعيين، رُجع إليه، وإلَّا فلا، وعكسُ ما ذكره أولى؛ فإنَّا إذا جعلنا التعيينَ إيقاعًا، فهو من تتمَّة اللفظ، ولا ينقسم لفظُ الإيقاع بين اثنين، ولا يبعد إجراءُ القولين على كلا الوجهين.

4087 -

باب عتق مَنْ يعتق بالملك

إذا ملك الرجلُ قريبَه، لم يعتق عليه إلَّا أن يكونَ من الوالدين وإن عَلَوا، أو المولودين، وإن سفلوا، فيعتقون عليه بالملك وإن لم يرثوا، وإن ملك جزءًا من أحدهم، عتق، وسرى إن اختارَ تملُّكه بسبب يُقصد بمثله الملكُ؛ كالبيع والهبة، وقَبول الوصيَّة، وإن ملكه قهرًا؛ كالإرث، لم يسْرِ اتِّفاقًا.
ولو أوصي له بجزء من أبيه، فمات الموصي، ثمَّ الموصى له، فورثه أخوه، فقبِل الوصيَّة، وثلث الموصي وافٍ بالقيمة، قُوِّم على الميِّت اتِّفاقًا؛ لأنَّ قبولَ وارثه كقبوله، وفيه احتمالٌ؛ لأنَّه دخل في ملكه قهرًا.
ولو أوصى له بجزء من ابن أخيه، فمات، فقبِل أخوه الوصيَّة، فهل يسري على القابل؟ فيه وجهان؛ لأنَّه دخل في ملك الميِّت قهرًا، ثمَّ انتقل إليه قهرًا، فلم يتجرَّد قصده فيه.
ولو باع بعضَ ابن أخيه بثوب، ثمَّ مات، فورثه أخوه، فرُدَّ عليه بعض ابنه بالعيب، عتق، ولم يَسْر، وإن ردَّ هو الثوبَ بعيب، ففي السراية وجهان؛ إذ المقصودُ ردُّ الثوب دون المبيع، ولذلك يُردُّ مع تلف المبيع.
ولو ملك المكاتبُ بعضَ من يعتق على سيِّده، ثمَّ عجَّز نفسَه، عتق

على السيِّد، ولم يسْرِ اتِّفاقًا، وإن عجَّزه السيِّدُ، فوجهان؛ إذ القصدُ هو التعجيز.

4088 -

فصل فيمَنْ ملك مَنْ يعتق عليه في مرض موته

إذا اتَّهب في مرض الموت 1 عبدًا، أو ورثه، فأعتقه، حُسب من الثلث اتِّفاقًا.
وإن ورث مَنْ يعتقُ عليه، فهل يُحسبُ من الثلث، أو من رأس المال؟ فيه وجهان، فإن حسبناه من رأس المال، فعلَّته أنَّه ملكه قهرًا، أو مجَّانًا؟ فيه وجهان، فإن لم يملك غيرَه؛ فإن حُسب من رأس المال، عتق، وإن حُسب من الثلث، عتق ثلثُه، ورقَّ ثلثاه، فإن كان عليه دينٌ مستغرق؛ فإن حُسب من الثلث، لم يعتق منه شيءٌ، وإن حُسب من رأس المال، عتق، ولا يرث ممَّن عتق عليه إلَّا إذا حسبناه من رأس المال.
وإن اتَّهب مَنْ يعتق عليه، أو قبله في وصيَّة؛ فإن حسبناه من الثلث إذا ورثه، فهاهنا أولى، وإن حسبناه من رأس المال، فهاهنا وجهان مأخذُهما المعنيان.
وإن اشتراه بثمن مثله؛ فإن لم يكن عليه دينٌ، صحَّ الشراء، وعتق من الثلث، ولم يرثه؛ لاتِّفاقهم على أنَّ عتقَه وصيَّهَ، فإن اشتراه بمئة، وقيمته مئتان، حُسب نصفُه من الثلث، وخُرِّج الباقي على الخلاف في اتهابه، وإن

كان عليه دين مستغرق، ففي صحَّة الشراء وجهان، فإن قلنا: يصحُّ، بِيعْ في الدين، ولم يعتق.

4089 -

فصل في تمليك الطفل مَنْ يعتق عليه

إذا وُهب للطفل أبوه، (أو أُوصي له به) (1)؛ فإن كان معسرًا، قبله القيِّمُ، وإن كان الأبُ زَمِنًا عاجزًا عن الكسب، وحيث يجوزُ للقيِّم القَبولُ، ففي وجوبه تردُّد، فإن أيسر الطفلُ بعد ذلك، لزمته نفقةُ أبيه اتِّفاقًا، وإن كان الطفلُ موسرًا؛ فإن كان الأبُ كَسُوبًا، قبله القيِّمُ، وإن كان زَمِنًا، لم يقبله وإن اتَّسع مالُ الطفل.
وإن وُهب منه بعضُه؛ فإن كان معسرًا، قبله القيِّم، وعتق، وإن كان زَمِنًا، وإن كان موسرًا والأبُ كسوبٌ، ففي القَبول قولان، فإن جوَّزناه، فقبله، عتق ولم يسْر.

4090 -

فائدتان:

إحداهما: إذا قال: كلُّ ولد تلدينه حرٌّ، ففي صحَّة هذا الكلام وجهان، فإن قلنا: يصحُّ، فقال: أوَّل ولد تلدينه حرٌّ، فولدته ميتًا، انحلَّت اليمينُ، فلا يعتقُ من تلده بعده.
الثانية: إذا قال لعبده: أنت ابني؛ فإن أمكن أن يكونَ ولدَه؛ بأن كان طفلًا مجهولَ النسب، عتق، وثبت النسبُ، وإن كان بالغًا؛ فإن صدَّقه،1

عتق، وثبت النسبُ، وإن أكذبه، عتق، والقولُ قولُه في نفي النسب، وإن لم يمكن أن يكون ولدَه من حيث السنُّ، فلا عتقَ ولا نسبَ، وإن كان مشهورَ النسب من غيره، لم يثبت النسبُ، وفي العتق وجهان.
وإن قال لزوجته: أنت بنتي، فالقولُ في النسب والفراق كالقول فيما إذا قال لعبده: أنت ابني.

4091 -

فصل في ألفاظ العتق

وصريحُه: التحريرُ والإعتاق، وفي فكِّ الرقبة وجهان، ولا حصرَ لكناية العتق والطلاق، فكلُّ لفظ [تضمَّن إزالةَ الملك] 1، وأشعر بها، فهو كنايةٌ؛ كقوله: لا سلطانَ لي عليك، ولا سبيلَ، ولا ملكَ، أو أزلت يدي عنك، أو حرَّمتك، أو طلَّقتك، أو يا مولاي، وإن قال: يا سيِّدي، أو قال لأمته: "ياكدْبانوا" 2، فليس بكناية عند القاضي، وخالفه الإمامُ؛ فإنَّ السيِّدَ مطلق، ويُراد به المالك.
ولو استُرِقَّت امرأة اسمُها: حُرَّة، فقال لها السيِّدُ: يا حُرَّة، فإن أطلق، عتقت، وإن نوى الاسمَ القديم، دُيِّن، وفي قَبوله ظاهرًا خلافٌ، وكذا الحكمُ إذا كان اسم امرأته: "طالق"، فقال لها: يا طالق.
ولو قال لعبد غيره: "يا آزاد مَرْد" 3، ثمَّ ملكه، عتق عليه؛ لإقراره،

ولو لقَّب أمته بحرَّة، ثمَّ قال لها: يا حرَّة، فالعتق مأخوذٌ ممَّا ذكرناه، ومن الخلاف في اعتبار الوضع الخاصِّ.

4092 -

فصل في إعتاق الوارث إذا كان على الميت دينُ مستغرق

إذا كان على الميِّت دينٌ مستغرق، فالأصحُّ: أنَّ التركةَ ملك لوارثه، وقيل: تبقى على ملك الميِّت ما بقي عليه شيءٌ من الدين، ولو درهمًا، فإن قلنا بالمذهب، فأعتق الوارثُ عبدًا من التركة؛ فإن كان معسرًا، لم ينفذ العتقُ اتِّفاقًا، وخرَّجه أبو محمَّد على الخلاف في إعتاق الراهِن، والفرقُ: أنَّ الرهنَ طرأ على مِلْكٍ تامٍّ مستمرٍّ إلى العتق، وملكُ الوارث مشروطٌ بتقديم الدين، وإن كان موسرًا، فقولان: أحدُهما: يُوقَف العتقُ، فإن أدَّى الدينَ، تبيَّن نفوذ العتق، وإن لم يؤدِّه، بِيع في الدين.
والثماني: ينفذ العتقُ لازمًا، وينتقل الدين إلى ذمَّة الوارث بالغًا ما بلغ عند أبي عليٍّ، وقال الإمامُ: يلزمه الأقلُّ من قيمة العبد، أو قدر الدين؛ لأنَّه كالمتلف، وإن باع التركةَ مع بقاء الدين، فطريقان: إحداهما: التخريجُ على قولي بيع الجاني موسرًا كان الوارثُ أو معسرًا.
والثانية: إن كان معسرًا، لم يصحَّ البيعُ، ويُحتمل أن يخرَّجَ على القولين

في بيع المفلس، وإن كان موسرًا، فأوجه: أحدُها: لا يصحُّ.
والثاني: يصحُّ موقوفَ اللزوم، فإن أدَّى الدين، تمَّ لزومُه، وإن لم يؤدِّه، فللغرماء فسخه.
والثالث: يصحُّ لازمًا، وعلى المشتري تسليمُ الثمن إلى الغرماء، فإن سلَّمه إلى الوارث، فأتلفه، فللغرماء طلَبُه من المشتري، وقطع الإمامُ بأنَّه لا يُطالب، وجعل البيع كالإعتاق، واستبعد هذا الوجهَ، فإنَّ بيع الجاني لا يلزم مع ضعف التعلق، فما الظنُّ ببيع الوارث؟ !

4093 -

فرع:

إذا زوَّج أمتَه بعبد إنسان، وقبض المهرَ وأتلفه، ثمَّ مات قبل دخول الزوج، فأعتقها الوارثُ، نفذ العتقُ، فإن كان معسرًا، لم يثبت لها الخيارُ؛ فإنَّها لو فسخت قبل الدخول، سقط المهرُ، وصار دينًا مانعًا من نفوذ العتق، وإن كان موسرًا؛ فإن نفَّذنا عتقَه مع وجوب الدين، ثبت لها الخيارُ، فإن فسخت صار المهرُ دينًا، وعلى الوارث الأقلُّ من مهرها، أو قيمتها لا يجوز غيرُ ذلك.

4094 -

فصل في ترتب إقرار الوارث بالإعتاق

1 إذا مات الرجلُ عن ابن مستغرق لإرثه، وثلاثة أعبد قيمةُ كلِّ واحد

مئة، فقال الوارث: أَعتَقَ أبي هذا في مرض موته، ثمَّ أشار إليه، وإلى آخر، وقال: أعتق أبي هذين معًا، أو أعتق أبي هذا وهذا معًا، ثمَّ قال: أعتق أبي هؤلاء الثلاثة معًا، فالأوَّل حرٌّ بكلِّ حال، فيُقرع بينه، وبين الثاني، فإن خرجت قرعتُه، اقتصر العتقُ عليه، وإن خرجت قرعةُ الثاني، عتقا؛ لاعترافه باستحقاق الثاني للإقراع، ثمَّ يُقرع بين الثلاثة؛ فإن خرجت للثالث، عتق، وإن خرجت في الأوَّل على الثاني، وخرجت ثانيًا للثالث، عتق الثلاثة، وإن خرجت القرعتان على الأوَّل، اقتصر العتقُ عليه، وإن خرجت للأوَّل ثانيًا، وللثاني أوَّلًا، اقتصر العتقُ عليهما، [وإن خرجت للأوَّل في الأوَّل، وللثالث في الثاني، اقتصر العتقُ عليهما] 1. وإن كانت قيمةُ الأول مئة، والثاني مئتين، والثالث ثلاث مئة، فالأوّل حرٌّ بكلِّ حال، فيُقرع بينه، وبين الثاني، فإن خرجت للثاني، عتق؛ لأنَّه قدر الثلث، وقد أقرَّ بعتق الأوَّل، وإن خرجت للأوَّل، عتق مع نصف الثاني؛ تكميلًا للثلث، ثمَّ يُقرع بين الثلاثة، فإن خرجت للثاني، لم يعتق الثالث، ولا يزيدُ على ما عتق من الثاني عند الأصحاب.
وقال الإمامُ: يعتق جميعُ الثاني بخروج القرعة عليه ثانيًا؛ لاعترافه بأنَّه يستحقُّ العتقَ بالإقراع بين الثلاثة، وإن خرجت للثالث، عتق ثلثاه، وإن خرجت للأوَّل، أُقرع بين الثاني والثالث؛ فإنَّ الثلثَ لم يكمل بالأوَّل، فإن خرجت للثاني، رقَّ الثالث، ولا يحدث بهذه القرعة في الثاني شيءٌ؛ لأنَّه استوفى حظَّه من القرعة، وإن خرجت للثالث، عتق ثلثُه، فيكمل الثلثُ بثلثه،

ويعتق الأوَّل.
ولو مات عن ثلاثة بنين، وثلاثة أَعْبُد قيمةُ كلِّ واحد ثلثُ التركة، فقال أحدُهم: أعتق أبونا سالمًا، فقال الآخرُ: أعتقه مع غانم بكلمة واحدة، فقال الثالثُ: أعتق الثلاثةَ معًا، فثلثُ الأول حُرٌّ بغير قُرعة؛ لاعتراف الأوَّل، فيُقرع بينه وبين الثاني، فإن خرجت للأوَّل، عتق منه ثلثٌ آخر على الثانىِ، وإن خرجت للثاني، عتق ثلثهُ على الثاني، ثمَّ يُقرع بين الثلاثة، فأيُّهم خرجت قرعتهُ، عتق ثلثهُ، ومهما خرجت القرعتان للأوَّل، عتق جميعُه، ورقَّ صاحباه، وإن خرجتا للثاني، عتق ثلثاه مع ثلث الأوَّل، ورقَّ الثالثُ، وثلثا الأوَّل، وثلث الثاني، وإن خرجت إحداهما للثاني، والثانية للثالث، عتق من كل واحد منهم ثلثُه، فإن كانت قيمةُ الأوَّل مئة، والثاني مئتين، والثالثُ ثلاث مئة، فثلث الأوَّل حرٌّ، فيُقرع بينه وبين الثاني، فإن خرجت للثاني، عتق ثلثهُ، وإن خرجت للأوَّل، عتىَ منه ثلثٌ آخر، وعتق من الثاني سدسُه، ثمَّ يُقرع بين الثلاثة، فإن خرجت للثالث، عتق تسعاه، وإن خرجت للثاني، عتق ثلثه، وإن خرجت للأوَّل، عتق ثلثُه، ثمَّ يُقرع بين الثاني والثالث، فإن خرجت للثاني، عتق سدسُه، وإن خرجت للثالث، عتق تسعُه.

4095 -

فصل في تعليق العتق بالعتق

إذا قال أحدُ الشريكين للعبد المشترك: إن دخلت هذه الدار، فنصيبي منك حرٌّ، فقال الآخرُ بعد مدَّة: إن دخلتها، فنصيبي منك حرٌّ، فدخلها، عتق عليهما بغير سراية؛ لاقتران العتقين.

وإن قال: مهما أعتقت نصيبَك، فنصيبي حرٌّ مع نصيبك، فأعتق نصيبه، فوجهان: أحدُهما: يقع العتقان معًا، فلا سرايةَ.
والثاني: يترتَّبان، فيسري على المعتق؛ كما لو قال: مهما أعتقت نصيبك، فنصيبي حُرٌّ، فأعتق نصيبه.
ولو قال لسالم: مهما أعتقت غانمًا، فأنت حرٌّ مع عتقه، فأعتق غانمًا في مرض موته، وهو بقدر الثلث، عتق غانمٌ بغير قرعة؛ فإنَّا لو أقرعنا فربَّما خرجت القرعةُ لسالم، فلا يمكن عتقُه بدون عتق غانم؛ فإنَّ العتقَ إذا عُلِّق بتصرُّف، تعلَّق بالتصرُّف الصحيح دون مجرَّد لفظ التصرُّف، وطرد الإمامُ الخلافَ في هذه الصورة، ثمَّ بنى ذلك على أنَّ الوصيَّة إذا رُدَّت فيما زاد على الثلث، فهل يُقال: ثبتت، ثمَّ ارتفعت، أو تبيَّن أنَّها لم تثبت؟ فيه قولان، فإن قلنا: تثبت، فقد وقع العتقُ عليهما، فينبغي أن يُقرَع بينهما، وإن قلنا: لا تثبت، تعيَّن عتقُ غانم كما ذكره الأصحابُ، فإنَّا لو أقرعنا أدَّى إلى الدَّور الذي ذكرناه، لكن قياس الدور مع الوفاء بالجميع أن يُقرعَ، فإن خرجت لغانم، عتق، وإن خرجت لسالم، لم يعتق واحدٌ منهما.

4096 -

فصل في وقوع العتق على أحد الشريكين في الباطن

إذا قال أحدُ الشريكين: إن كان هذا الطائرُ غرابًا، فنصيبي حرٌّ، فقال الآخر: إن كان حمامًا، فنصيبي حرٌّ، فأشكل الطائرُ، لم يعتق نصيبُ واحد منهما.

وإن قال: إن كان غرابًا، فنصيبي حرٌّ، فقال الآخر: إن لم يكن غرابًا، فنصيبي حرٌّ، فقد عتق نصفُه في الباطن، ولا يعتق في الحكم، ولهما حالان: إحداهما: أن يكونا معسرين، فإن اشترى أحدُهما نصيبَ الآخر، صحَّ الشراء، وحُكم بحرية النصف، وإن باعاه من أجنبيٍّ، صحَّ، وعتق نصفُه في الحكم، ولا ردَّ له عليهما، ولا على واحد منهما؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما يزعم أنَّ نصيبَه مملوك، وقيل: له الردُّ عليهما إذا جهل تعليقهما، وهذا باطل؛ فإنه يُبطِل عتقًا حُكم بنفوذه.
الثانية: أن يكونا موسرين، فإن أخَّرنا السرايةَ، لم يُحكم بعتق نصيب واحد منهما، وإن عجَّلناها، عتق بالمباشرة والسراية، فإن طالب أحدُهما الآخرَ بقيمة السراية، فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن حلفا، فلا حقَّ لواحد منهما على صاحبه في الحكم.

4097 -

فصل في اختلاف أرباب الأيدي في صفة جارية بأيديهم

إذا مات رجلٌ عن ثلاثة بنين بأيديهم جاريةٌ ذات ولد، فقال أحدُهم: هي مستولدةُ أبينا، والولدُ أخونا، وقال الآخر: هي أمُّ ولدي، والولد ابني، وقال الآخر: هي والولد مملوكاي، فلا يلحق النسبُ بأبيهم، ويُلحق بمَن استحلقه إن جوَّزنا استلحاقَ الرقيق، وإن منعناه، فوجهان يجريان في استلحاق مَن بعضُه حرٌّ، وبعضُه رقيق.
فإن كان المستولدُ موسرًا فالولد حرٌّ كلُّه باعتراف من يدَّعي أنَّه أخوهم،

وبأنَّ المستولدَ كأحد الشريكين إذا استولد الجارية المشتركة، وإقراره مقبولٌ فيما يمكن إنشاؤُه، ويمكن تخريجُه على الخلاف في إقرار السفيه بالإتلاف؛ فإنَّ الإنشاءَ مُتصوَّر منه، ولكنَّه منهيٌّ عنه، ولا يمينَ على من يدَّعي استيلادَ الأب؛ فإنَّه لا يدَّعي حقًّا، والأصحُّ: أنَّ ثلثَ الجارية في يده؛ بناءً على يده المحسوسة، وقيل: لا يدَ له عليها؛ لاعترافه بحرِّيتها، فيكون في يد أخويه نصفين، فإن جعلنا له يدًا، عتق ثلثُها عليه بإقراره، ولا غرمَ عليه، ولا على أبيه، وإن قلنا: لا يدَ له عليها، لم يعتق عليه منها شيء؛ لأنَّها في يد أخويه.
وقال الإمامُ: ينبغي أن تبقى الجاريةُ على حكم يده وملكه، كما لو أقرَّ أحدُ الوارثين بثالث، فلا يلزمه أن يعطيَه شيئًا من الإرث، بل يبقى على حقيقة ملكه، ثمَّ يجري الحلفُ بين المستلحق ومدَّعي الرقِّ، فيحلف كلُّ واحد منهما على نفي ما يدَّعيه الآخر، فإن حلفا ونفَّذنا إقرارَه، تنجَّز الاستيلادُ، فإن جعلنا له يدًا، غرم قيمةَ ثلث الجارية لمدَّعي الرقِّ، وإن لم نجعل له يدًا، غرم النصفَ.

4098 -

فصل في تعليق العتق بأنوثة الحمل وذكورته

إذا قال لأمته الحامل: إن ولدت أوَّلًا ذكرًا، فهو حرٌّ، وإن ولدت أوَّلًا أنثى، فأنت حرَّة، فسبقت ولادةُ الذكر، عتق دون أمِّه، وإن سبقت ولادة الأنثى، عتقت الأمُّ دونها؛ فإنَّ الأمَّ لا تعتق إلَّا بعد انفصالها، فلا تتبعها في العتق، وإن ولدتهما على التعاقب، وأشكل السابقُ منهما، فالأنثى رقيقةٌ والذكر حرٌّ؛ لأنَّ ذلك حكمُهما في جميع الأحوال، وفي الأمِّ وجهان:

أحدُهما: يُقرع بينها وبين الابن، فإن خرجت قرعتُها، عتقت مع ابنها، وإن خرجت قرعتُه، اقتصر العتقُ عليه.
والثاني: يُحكم برقِّها؛ إذ الأصلُ بقاؤه، وهو قول الأكثرين، فلا تعتق بالاحتمال.

4099 -

فصل في إبهام العتق

إذا قال لسالم وغانم: أحدكما حرٌّ، ثمَّ قال لغانم ومبشِّر: أحدُكما حرٌّ، ومات قبل البيان، أُقرع بين سالم، وغانم، فإن خرجت القرعةُ لسالم، عتق، ثمَّ يقرع بين مبشِّر وغانم، فيعتق مَنْ خرجت قرعتُه، وإن خرجت القرعةُ أوَّلًا لغانم، عتق، ورقَّ سالم، وهل تُعاد القرعةُ بين غانم ومبشِّر؟ فيه وجهان: أحدُهما: تُعاد، فإن خرجت لغانم، رقَّ مبشِّر، وإن خرجت لمبشِّر، عتق مع غانم.
والثاني: لا تُعاد القرعةُ؛ فإنَّه إذا قال لغانم ومبشر: أحدُكما حرٌّ، فغانم هو الحرُّ، والقرعةُ كبيان المالك.
ولو قال: أردت غانمًا في الدفعتين، لم يعتق غيره، وإن قال لأربع إماء: إن وطئت واحدةً منكنَّ، فواحدة منكن حرَّة، [فوطئ إحداهنَّ؛ فإن لم نجعل الوطءَ تعيينًا للرقيقة إذا قال: إحداكما حرَّة، لم تدخل الموطوءةَ هاهنا في الإبهام، وإن جعلناه تعيينًا؛ فإن غيَّب الحشفةَ هاهنا ونزع، دخلت الموطوءة في الإبهام، وإن استدام الوطءَ، لم تدخل بابتدائه في الإبهام، وفي دخولها بالاستدامة وجهان.

وإن قال: كلَّما وطئت واحدةً منكنَّ، فواحدة منكنَّ حرَّة] 1 فله حالان: إحداهما: أن يطأ ثلاثًا، ويستديم وطْأَهنَّ، فإن جعلنا الاستدامةَ تعيينًا كالوطء، عتقن سوى الثالثة، وإن جعلنا ابتداء الوطء تعيينًا، واستدامتَه ليست بتعيين؛ فإذا وطئ الأولى، أُقرع بينها وبين الرابعة، فإن خرجت للرابعة، عتقت.
وإذا وطئ الثانيةَ، أُقرع بينها وبين الأولى، وعتق من خرجت قرعتُها، فإذا وطئ الثالثةَ؛ فإن عتقت الأولى، أُقرع بين الثانية والثالثة، وإن عتقت الثانيةُ، أُقرع بين الأولى والثالثة، ولا تدخل عتيقةٌ في القرعة ما أمكن الإقراعُ بين اثنتين لم تتعيَّن إحداهما للحرية؛ ليحصل عتقُ ثلاث؛ عملًا بصريح لفظه 2. ولو خرجت القرعةُ الأولى المضروبة بين الأولى والرابعة على الأولى، عتقت، فإذا وطئ الثانيةَ، دار العتقُ بينها وبين الرابعة، فيُقرع بينهما، فإن خرجت [الثانية، عتقت، فلمَّا وطئ الثالثة، دار العتقُ بينها وبين الرابعة، فيُقرع بينهما، فإن خرجت] 3 للثالثة، عتقت، ورقَّت الرابعةُ.
وإن لم نجعل الوطءَ تعيينًا، فلابدَّ من إعتاق ثلاث بالقرعة، وفي كيفيَّتها وجهان:

أحدُهما: تكفي قرعةٌ واحدة بسهمِ رقٍّ وثلاثة أسهم حرية، فإن خرجت لإحداهن، عتقت، ورقَّ الثلاثُ، وهذا إنَّما يستقيم إذا أوجبنا المهرَ باستدامة الوطء، فإنَّا إذا لم نوجِبْه، بقي المهرُ مبهمًا.
والوجهُ الثاني -وهو المذهبُ-: أنَّا نرتِّب القرعةَ، فيقرع لوطء الأولى بسهم للحرية، وثلاثة أسهم للرقِّ، فإن خرجت للرابعة، عتقت، ولا مهرَ لها، وإن خرجت للأولى، عتقت بابتداء الوطء، ولا مهرَ لها بابتدائه، وفي استدامته وجهان، وإن خرجت للثانية أو الثالثة، وجب المهرُ؛ لأنَّا تبينَّا أنَّها عتقت قبل الوطء، فإذا عتقت واحد بلا بالقرعة الأولى، [أُعيدت القرعةُ بسهمِ حريةٍ، وسهمي رقٍّ، فإن عتقت الأولى بالقرعة الأولى] 1، أُقرع بين الثلاث الباقيات، فإن خرجت للرابعة، عتقت، ولا مهرَ لها، وإن خرجت للثانية، عتقت، وفي المهر وجهان، ثمَّ تُعادُ القرعةُ بين الثالثة والرابعة بسهم عتقٍ، وسهم رقٍّ، فإن خرجت للرابعة، لم يجب المهرُ، وإن خرجت للثالثة، فوجهان.
والضابطُ: أنَّ من تبيَّن أنَّها وُطئت بعد الحرية، وجب مهرُها، وإن وقع أوَّل الوطء في الرقِّ، وتمامُه في الحرية، فلا مهرَ؛ لابتدائه، وفي استدامته وجهان.
فإذا خرجت قرعةُ الثانية في القرعة الأولى، فقد بان أنَّه وطئها بعد عتقها، فيجب مهرُها، وإن عتقت الأولى بالقرعة الأولى، ففي المهر الوجهان.

الحال الثانية: أن يطأ الأربعَ فيعتقن، ولا يُقرع لأجل العتق، بل يُقرع لأجل المهر، فإنَّ القرعةَ تظهر ترتُّب العتق، ثمَّ يتبعه المهرُ في ذلك، فيكتب سهمُ حريةٍ، وثلاثة أسهم عتق، فإن خرجت للثانية، فلها المهرُ، وإن خرجت للأولى، فوجهان، فمن ظهر أنَّها عتقت بوطئها، ففي مهرها الوجهان، ومن وقع وطؤها بعد عتقها، وجب مهرُها، وإن تقدَّم وطء واحدة، ثمَّ تبيَّن العتق في غيرها، فلا مهرَ لها اتِّفاقًا.

4100 -

فصل في فروع مفرَّقة

أحدها: إذا قال لرجل: أعتق عبدَك عنِّي بدرهم، فقال: أعتقتُه عنك بدرهم، عتق عن الطالب، ولزمه الدرهمُ، وكذا إن قال: أعتقته، ولم يقل: عنك، فإن قال: نويتُ إعتاقَه عن نفسي، قُبل عند الإمام، وإن قال: أعتقه بدرهم، فأعتقه، لم يقع عن الطالب، وفي وجوب الدرهم وجهان.
وإن قال: أعتق أمَّ ولدك عنِّي بدرهم، فأعتقها، وقع العتقُ عن المالك، ولم يجب الدرهم، وقيل: لا يعتق، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ من أعتق عن الكفَّارة عبدًا لا يجزئ فيها، عتق، ولم يبرأ من الكفَّارة، ولو قال: أعتقها، ولك مئة، فوجهان، كما لو قال: أعتق عبدَك، ولك مئة، وأبعد مَنْ منع ذلك؛ تعليلًا بأنَّها مملوكهَ تُضمن باليد، فلا يمكن فداؤُها، بخلاف خلع الأجنبيِّ.
الثاني: إذا قال أحدُ الشريكين: نصيبي من الحمل حرٌّ، فولدت ولدًا

يعلم أنَّه كان موجودًا وقت 1 العتق، حُكم بحريته، ولزمه قيمةُ حصَّة شريكه باعتبار يوم انفصاله اتِّفاقًا، فإن انفصل ميتًا، لم يُقوَّم على المعتق إلَّا أن ينفصل بجناية، فيجب الغُرةُ على الجاني، وفيما يغرمُه المعتقُ لشريكه وجهان: أحدُهما: نصفُ عشر قيمة الأم بالغًا ما بلغ.
والثاني: الأقلُّ من نصف الغرة، أو نصفُ عشر قيمة الأمِّ.
الثالث: إذا قال لعبديه: أحدُكما حرٌّ بألف، فقبلا ألفًا على سبيل التوزيع، لم يعتق واحد منهما، وإن قبل كلُّ واحد منهما 2 بألف، وقع عتقٌ مبهم، فإن مات السيِّد عن غير وارث، أو عن وارث، وقلنا: لا يُرجع إلى بيانه، أُقرع بينهما، فمَنْ خرجت قرعتُه، عتق، ولزمه قيمةُ رقبته؛ لفساد العِوَض بالإبهام، وأبعد مَنْ ألزمه الألفَ؛ تعليلًا بأنَّه يتبع العتقَ في الإبهام.
الرابع: إذا شهد اثنان بأنَّه أوصى بعتق سالم، فحُكم بشهادتهما، وشهد آخران أنَّه أوصى بعتق غانم، وقيمةُ كل واحد من العبدين بقدر الثلث، ثمَّ رجع الأوَّلان، أُقرع بين العبدين، فإن خرجت قرعةُ الأوَّل، لزمهما الغرمُ اتِّفاقًا، فتُسلَّم جميعُ التركة للورثة، وإن خرجت للثاني، عتق، ولا غرمَ عليهما.
الخامس: إذا شهد اثنان على شريكهما الموسر أنَّه أعتق حصَّته من العبد المشترك؛ فإن عجَّلنا السرايةَ، رُدَّت شهادتُهما؛ لجرِّها، وعتقت

حصَّتهما، ولم تعتق حصَّة الشريك، وأبعد مَنْ قال: تعتق حصَّة الشريك، ولا يلزمه قيمةُ نصيبهما، وإن قلنا بالتأخير، لم تعتق حصَّتهما، والمذهب: أنَّهما يُمنعان من التصرف فيها.
السادس: إذا شهد اثنان على أحد الشريكين أنَّه أعتق حصَّته، وهو موسر، فحكم بشهادتهما، ثمَّ رجعا، وقلنا بالتعجيل، لزمهما غرمُ حصَّة المعتق، وفي حصَّة شريكه قولا غُرْمِ الحيلولة؛ لأنَّ الاستدراكَ متوقع بان يصدِّق الشريك المعتقَ، ويكذِّب الشاهدين.
فلو شهد على كلِّ واحد منهما عدلان أنَّه أعتق نصيبَه، وهو موسرٌ، ثمَّ رجعوا بعد الحكم بعتق العبد، فعلى كلِّ واحد منهم ربعُ قيمته، وأبعد مَنْ قال: لا غرمَ على واحد منهم؛ لجواز تقدُّم أحد العتقين.
السابع: إذا شهد عدلان أنَّه أعتق سالمًا في مرض موته، فقال الوارثُ: أعتق غانمًا في مرض الموت 1، ولم يكذِّب الشاهدين، وقيمةُ كلِّ عبد ثلثُ التركة، أقرعنا بينهما، فإن خرجت لسالم، عتق وحدَه، وإن خرجت لغانم، عتقا.
الثامن: ينعقد الولدُ حرًّا في نكاح الغرور، فيغرم أبوه قيمتَه إجماعًا، ومَنْ خالف في ذلك فهو غالطٌ، وأبعد مَنْ قال: ينعقد رقيقًا، ثمَّ يعتق، فإن ظهر أن الأمةَ لأبي المغرور وجبت قيمةُ الولد، وقيل: لا تجب، فإنَّه يعتق على الجدِّ، فلا ينتفعُ برقِّه المقدَّر.

ولو نكح جاريةَ أبيه مع علمه بذلك، فظاهرُ كلام الأصحاب أنَّ الولدَ ينعقد رقيقًا، ثمَّ يعتق على الجدِّ، ويُحتمل أن ينعقدَ حرًّا.
التاسع: إذا تزوَّجت الأمةُ المشتركةُ بابن أحد الشريكين، انعقد الولدُ رقيقًا، وعتق على الجد حصته، ولا يسري؛ لأنَّه غيرُ مختار في حصول الملك، وقيل: إنَّما لا يسري؛ لأنَّه ينعقدُ على الرقِّ والحرية، ولا سرايةَ للحرية الأصلية.
العاشر: إذا كان مالُ المريض ثلاث مئة درهم، فاشترى عبدًا يساوي مئةً بمئتين، وأعتقه، صحَّ الشراءُ؛ لأنَّ المحاباةَ بقدر الثلث، ولا ينفذ العتقُ سواء أعتقه قبل توفير الثمن أو بعده.

4101 -

باب الولاء

إذا أُعتق في ملك الرجل أو المرأة عبدٌ، أو أمةٌ قهرًا، أو اختيارًا، فله عليه ولاءُ المباشرة، ويثبت ولاءُ السراية على أولاده وأحفاده وإن سفلوا، وعلى عتقائه وأولاد عتقائه وإن سفلوا، وعلى عتقاء عتقائه وإن سفلوا، ثمَّ الولاء يُورث به، ولا يورث، وله ثلاثةُ أحكام: الإرثُ، وتحمُّل العقل، وولايةُ التزويج.
فإذا تزوَّج عتيقٌ بعتيقة، فولاء أولادهما لموالي الأب، لا يشاركهم فيه موالي الأمِّ اتِّفاقًا، فإن كانت الزوجةُ عتيقةً، والزوجُ رقيقًا، فولاءُ أولادهما لموالي الأمِّ، فإن عتق الأبُ، انجرَّ الولاءُ إلى مواليه، فإن مات الولدُ، فورثه موالي أمِّه، ثمَّ عتق أبوه، استقرَّ الإرثُ على موالي الأمِّ؛ لأنَّ الولاءَ إنَّما ينتقل عند عتق الأب، وإن نفاه الأبُ باللعان، لم ينجرَّ ولاؤه إلى موالي الأب، فإن مات ورثه موالي الأمِّ، فإن استلحقه الأبُ، انجرَّ الولاء، وانقطع الإرثُ عن موالي الأمِّ، فإن اشترى هذا الولدُ أباه، فعتق عليه، استمرَّ ولاؤه على موالي أمِّه، فإنَّه لو انجرَّ، لصار الابنُ مولى نفسه، أو ارتفع ولاؤه بالانجرار، والولاءُ إذا ثبت، فلا يُتصوَّر ارتفاعُه، وقال ابن سُريج: ينجرُّ، ويسقط، ويصير كمَنْ لا ولاءَ عليه.
ولو أعتق جدَّه؛ فإن مات أبوه على الرقِّ، انجرَّ ولاؤُه إلى موالي جدِّه

اتِّفاقًا، وكذا إن بقي الأب حيًّا رقيقًا على الأصحِّ، فإن أعتق الأب، انجرَّ الولاء إلى مواليه من موالي الجد.

4102 -

فروع:

أحدها: لا يُتصوَّر فيمن مسَّه الرقُّ، ثمَّ عتق أن يثبتَ عليه الولاءُ بغير المباشرة، فأولادُ الأمة من الزوج العتيق أرقَّاء لمالكها، فإن أعتقهم، فولاؤهم له؛ إذ لا يُتصوَّر أن ينجرَّ إلى موالي الأب اتِّفاقًا، ولا أن يثبتَ ولاء المباشرة لغير المعتق.
الثاني: إذا كان الزوجُ عتيقًا، والزوجةُ حرّة أصليَّة، فولاء أولادهما لمعتق الأب، وأبعد مَنْ قال: لا ولاءَ عليهم.
وإن كان الزوجُ حرًّا أصليًّا، والزوجةُ عتيقةً، فهل يثبت ولاءُ الأولاد لموالي الأمّ؟ فيه [ثلاثةُ] 1 أوجه، ثالثها: إن عُرفت حرية الأب، فلا ولاءَ عليهم، وإن كانت ظاهرةً، بناءً على الدار، أو على أنَّ الأصلَ الحريةُ، ثبت الولاءُ.
الثالث مهما انجرَّ الولاءُ إلى معتق أبي زيد، فلا يُقال: إنَّ الولاء ثبت على زيد لأبيه، ثم انجرَّ إلى معتق الأب، بخلاف العتيق إذا أعتق عبدًا، فإنَّ ولاءَه لمعتقه، ثمَّ لمعتق معتقه، ومتى صار ولاءُ الولد لمعتق أبيه، فأعتق الولدُ عبدًا، ثمَّ مات الولدُ وعتيقه، كان 2 ولاءُ عتيقه لمعتق أبيه، كولاء عتيق عتيقه.

جارٍ التحميل