الغاية في اختصار النهايةكِتَابُ العَارِيَّة

كِتَابُ العَارِيَّةِ

1893 -

العارِيَّة: عين حاصلةٌ في يد مَن ينتفع بها بإِذن ربّها، ثم يردُّها من غير استحقاقٍ للانتفاع.

ولا تُضمن منافعها اتِّفاقًا، وإِن تلفت أو عابت بالانتفاع المأذون؛ كما لو انسحق الثوب باللبس أو انمحق، أو عاب البعيرُ بالركوب المقتصِد، أو تلف بذلك، فلا ضمان على الأصحِّ؛ لاستناد ذلك إِلى إِذن المالك، فأشبه ما لو أذن المالك للغاصب في إِحراق الثوب المغصوب، فإِنَّه لا يضمنه وإن كان في يده الضامنة.
ولو تلفت العارِيّة أو عابت بآفة سماوَّية، فالمذهبُ أنَّها مضمونة بالردِّ عند البقاء، وبالقيمة أو الأرش عند التعيُّب أو الفناء، وفيه قول غريب: أنَّها أمانة لا تُضمن إِلا بالتعدّي، ولا تفريع عليه، وعلى المذهب فروع: الأوَّل: إِذا استعار من المستأجر فلا ضمان على الأصحِّ.
الثاني: إِذا استعار الدراهم أو الدنانير للتزيُّن، أو استأجرهما لذلك، فوجهان يجريان في الحنطة والشعير ونظائرهما: أحدهما: الصحَّة في الإِجارة والإِعارة.

والثَّاني: المنع في الإجارة والتجويز في الإِعارة (1). فإِن أفسدنا الإِعارة ففي ضمانها وجهان: أحدهما: يجب؛ لأنَّ ما ضُمن صحيحه ضُمن فاسده.
والأصحُّ: أنَّه لا يضمن ها هنا؛ لأنَّ العارِية مرتفعة من أصلها بسبب انعدام المنفعة، ومن دفع ماله إِلى غيره من غير غرض للقابض فهو أمانة.
الثالث: من جمحت دابَّته، فأركبها من يُسيِّرها ويحفظها، أو أركب إِنسانًا في شغل للمُركِب، فلا ضمان؛ إِذ الانتفاع للمالك، ولو أركب عاجزًا مُعْييًا (2) من غير التماس، أو أردفه وراءه، فعلى الرَّاكب القيمة في صورة الإِركاب، ونصفُها في صورة الإِرداف، وفي الصورتين احتمال للإِمام.
الرابع: لو استعار دابَّة ليركبها إِلى بغداد، فجاوزها، صار غاصبًا، وعليه الأجرة إِلى أن يرجع إِلى بغداد، وهل تلزمه إِلى أن يردَّها إِلى المعير؟ فيه وجهان.
الخامس: لو قال: أعرتك حماري لتعيرني حمارك، فلا ضمان؛ لأنَّها إِجارة فاسدة، ولو أعاره ثوبًا قيمته خمسةٌ على أنَّ يضمن عند تلفه عشرة، فالخمسةُ الزائدة كالعوض الفاسد، أو كشرطٍ فاسدٍ في الإِعارة؟ فيه وجهان.

1894 -

فرع:

قال العلماء: ليس للضيف إِباحة الطَّعام، ولا أن يلقي لقمة للسنَّور،12

إِلا أن يَظهر رضا المالك بذلك، والإعارة: إباحة للمنافع، فليس للمستعير أن يؤاجر، وكذلك لا يعير على الأصحِّ.

1895 -

فصل في كيفية ضمان العارِيَّة وحكم ولدها

المغصوب مضمون بأقصى قيمته من حين الغصب إِلى الإِتلاف، وهل يُضمن المستعار والمقبوض للسوم كذلك؟ فيه قولان؛ فإِن قلنا: لا يُضمنان ضمانَ الغصب، فالاعتبار بقيمته يوم القبض أو يوم التلف؟ فيه وجهان، أصحهما: أن الاعتبار في العارية بيوم التلف، وفي السوم بيوم القبض.
ولو ولدت العارية عند المستعير؛ فإِن اعتبرنا ضمان الغصب ضُمن الولد، وإن لم نعتبره فالولد كثوبٍ تلقيه الرِّيح إِلى دار إِنسان؛ إِن تلف قبل التمكُّن من ردِّه لم يضمنه، وإِن تلف بعد التمكُّن وبعد الطلب ضمن، وإِن تمكَّن من الردِّ ولا طلبَ فوجهان.

1896 -

فرع:

إِذا ظهر استحقاق العارية، فضمَّن المستحِقُّ المستعيرَ، لم يرجع بقيمة العين على المعير، ويرجع بأجرة ما لم يستوفه من المنافع، وفيما استوفاه وجهان.

1897 - فرع: إِذا أودع ثوبًا، وقال: إِن شئت فالبَسْه، فلا يضمنه حتَّى يلبَسه، فيضمنه ضمان العارية، وقال في "التقريب": لا يبعد أن يضمنه قبل اللبس، كما

يُضْمَنُ المقبوضُ للسوم، ولا يَبعُدُ ألا يُضْمَنَ المقبوض للسوم، كما لا يُضْمَنُ الثوب، والذي قاله قياس، ولا نعرف خلافًا في ضمان السوم.

1898 -

فصل في إِعارة الصيد من المحرِم والجارية والأب للخدمة

لا تحلُّ استعارة الأب للخدمة.
وإِن استعار جاريةً للخدمة؛ فإِن كانت مَحرمًا جاز، وإِن كانت أجنبيَّة، حرم استخدامها في الخلوة، وكُره من غير خلوة.
ولو أعار المحرمُ الصيدَ من الحلال؛ فإِن حكمنا بزوال مِلْكه وجب الإِرسال، فإِن تلف عند المستعير وجب الجزاء، وإِن بقَّينا ملكه صحَّت الإِعارة، ولم يجب الإِرسال.
ولو استعار المحرِم صيدًا، فتلف عنده، لزمته القيمة للمالك، والجزاء للفقراء.

1899 -

فصل فيما إِذا ادَّعى المالك الإجارة، وادَّعى القابض الإعارة أو بالعكس

إِذا تنازع المالك والقابض في ذلك فلهما حالان: الأولى: أن يدَّعي المالك الإِجارة، ويدَّعي القابض الإِعارة؛ فإِن لم تمض مدَّة لها أجرة فالقول قول القابض، فإِن حلف ردَّ العين على المالك،

وإِن نكل حلف المالك، واستحقَّ الأجرة المسمَّاة، وانتفع القابض بالعين إِلى انقضاء المدَّة.
وإِن مضت مدَّة الإِجارة، أو مضى منها ما يقابَل بأجرة، فقد نصَّ الشافعيُّ على أنَّ التنازع إِن كان في دابّة فالقولُ قول القابض، وإِن كان في أرض فالقول قول المالك، ففرَّق بعضهم بندور العارية في الأراضي، وغلَبَتها في الدوابّ.
والأصحُّ تخريج المسألتين على قولين؛ فإِن جعلنا القول قول المالك، تعرَّضَ في يمينه لنفي الإِعارة، وهل يَضمُّ إِلى ذلك إِثبات الإِجارة؟ فيه مذهبان؛ فإِن قلنا: لا يضمُّ، فحلف، استحقَّ الأقلَّ من المسمَّى أو أجرة المثل، وإِن قلنا: يضمُّ، فهل يستحقُّ المسمَّى أو الأقلَّ؟ فيه قولان منصوصان، فإِن أوجبنا المسمى لزم ذكره في الدعوى، وإِن لم نوجبه كفاه ذكر الإِجارة على الظاهر عند الإِمام، فإِن نكل المالك لم تُردَّ اليمين على القابض؛ لأنَّ اليمين لا تردُّ إِلَّا أن يثبت حقًّا للحالف، ورمز القاضي إِلى أنَّها تُردُّ؛ لنتخلَّص بها من الغرم، وإن جعلنا القول قول القابض حلف على نفي الإِجارة، وبرئ من الغرم، فإِن نكل حلف المالك على الإِجارة بالأجرة المسمَّاة، واستحقَّها، وغلط من قال: لا يستحقُّ الزائدة على أجرة المثل، ولو قال: يستحقُّ الأقلَّ من المسمَّى أو أجرة المثل، لكان أقربَ، وهذا لا يُعدُّ من المذهب.

1900 -

فرع:

لو وقع هذا النزاع بعد هلاك العين؛ فإِن لم يمض من المدَّة شيء، فالقابض مقِرٌّ بالقيمة، والمالك ينكرها، فلا يستحقُّها إِلا أن يصدق

الرَّاكب، فتثبت أحكام العارِيَّة، ولو تلفت العين بعد انقضاء المدَّة، فإِن زادت الأجرة على القيمة ففيه القولان، وإِن استويا فقد اتَّفقا على الدَّيْن واختلفا في سببه، ففي ثبوته وجهان، فإن أثبتناه سلَّم إِليه ما ادَّعاه من غير يمين ولا رد، وإن لم نثبته رجع القولان.
الثانية: أن يدَّعي المالكُ الإِعارةَ، والقابضُ الإِجارةَ، فإن لم يمض ما له أجرة فالقول قول المالك، فإن نكل حلف القابض، واستحقَّ ما حلف عليه، وإِن مضت المدَّة فالقابض مقر بالأجرة، والمالك يكذّبه، فلا يستحقُّ الأجرة ما لم يصدق القابض، ولو وقع هذا النزاع بعد التلف؛ فإن لم يمض من المدَّة ما له أجرة فالقول قول المالك، فإِن حلف استحقَّ القيمة، وإن مضت المدَّة فالقابض مقرٌّ بالأجرة، والمالك يدَّعي القيمة، فإن زادت القيمة على الأجرة فالقول قول المالك، وإِن استويا فقد اتَّفقا على الدين، واختلفا في سببه، فإِن أثبتناه سُلِّمت الأجرة إِلى المالك من غير يمين، وإن لم نثبته حلف المالك، واستحق القيمة، ولا يجري القولان إِلا إِذا تلفت المنافع في يد المنتفع مع اتّفاقهما على الإِذن، واختلافهما في ضمان المنافع بالإِتلاف.

1901 -

فصل في دعوى المالكِ الغصبَ والقابضِ الأعارةَ

إِذا اختلفا في ذلك مع بقاء العين، فالمنقول عن الشافعيّ أنَّ القول قول القابض، وللأصحاب في ذلك طرق:

إحداهنَّ: القطع بما نُقل عن الشافعيِّ؛ تحسينًا للظنِّ بذي اليد.
والثانية: فيه قولان.
والثالثة، وهي القياس: أنَّ القول قول المالك، والمنقول عن الشافعيِّ غلط من الناقل، فعلى هذا يثبت للمالك أجرة المنافع.
وإن تنازعا بعد التلف وجبت القيمة؛ لاتِّفاقهما على وجوبها، ولا يضرُّ الاختلاف في سببها، بخلاف الاختلاف في سبب الدين، والفرقُ بينهما اتِّحادُ متعلَّق الضمان.

1902 -

فرع:

إِذا تلفت العين بعد مضيِّ مدَّة، فالمالكُ مدَّعٍ للقيمة والأجرة، والقابض معترف بالقيمة دون الأجرة، ففي ثبوت الأجرة الطرق الثلاثة، وأمَّا القيمة؛ فإِن ألحقنا العارية بضمان الغصب وجبت القيمة؛ لاتِّفاقهما على وجوبها، وإن ضمَّنَّا العارية بقيمة يوم التلف، فإِن كانت القيمةُ يوم التلف أكثر وجبت، ولا أثر للتنازع، وإِن كانت أقل فلا نقل في هذه الصورة، وينبغي أن يُخرَّج على الطرق الثلاثة، والقياس: أنَّ القول قول المالك.

1903 -

فصل فيمن تعدَّى في أمانة ثمَّ ترك التعدِّي

إِذا تعدَّى المودعَ باستعمال الوديعة ضمِن، ولا يبرأ بترك الاستعمال، فإِن أبرأه المالك، أو جدَّد إِيداعه مع بقاء يده، فوجهان.
وإن فسق الوصيُّ فالظاهر انعزاله عن التصرُّف للطفل، وإن فسق

الأب ففي انعزاله وجهان، فإِن عاد الوصيُّ إِلى الأمانة لم يملك التصرُّف إِلَّا بتفويض جديد، وإِن عزلنا الأب بالفسق، فعادت الأمانة، لم يفتقر إِلى تفويض جديد، والأصحُّ: أنَّ تصرُّفه لا يقف على إِظهار القاضي الحكمَ بعوده، وإِن وقفناه على ذلك كان ردُّ المال إِليه بمثابة الإِظهار.

1904 -

فرع:

للأب والجد أن يتولَّيا طرفي العقد في مال الولد، فإِن وكَّلا رجلًا واحدًا في تولِّي الطرفين، فهل يملك ذلك؟ فيه وجهان.

1905 -

فصل في إِعارة الأرض

إِذا أعار الأرض، ولم يبيِّن المنفعة، لم تصحَّ الإِعارة، ولا يملك المستعير شيئًا من الانتفاع.
وقيل: تصحُّ، وينتفع كيف شاء.
وعلى الأوَّل لو قال: أعرتكها، فافعل بها ما بدا لك، فوجهان.
وإِن ذكر نوعًا من المنفعة ولم يفصِّله؛ كالزراعة والبناء والغراس، ولم يبيِّن المزروع والمبنيَّ والمغروس، فالمذهب الصحَّة، وقيل بالمنع؛ لِمَا في ذلك من تفاوت الآثار.
وإِن قال: أعرتك لتزرع ما شئت، فله أن يزرع ما شاء، وإِن عيَّن نوعًا من الزرع زَرَعه وما دونه، ولا يزرع ما فوقه في الإضرار؛ فإِن أذن في الحنطة، زَرعَ الشعير دون الذرة إِلَّا أن ينهاه عن زرع الشعير، فلا يملكه على المذهب،

وإِن أذن في الغرس أو البناء فله أن يزرع، وإِن أذن في الزرع لم يملك الغرس ولا البناء، وإن أذن في أحدهما لم يملك الآخر على الأصحِّ.

1906 -

فصل في قلع بناء المستعير وغراسه

تجوز العارية مطلقة ومؤقَّتة، وللمعير أن يرجع فيها متى شاء، وإن أراد المستعير قلْع بنائه وغراسه لم يُمنع، لكن يلزمه تسويةُ ما زاد من الح

ُفر ع

لى قَدْرِ الحاجة، وفي قدر الحاجة وجهان.
وإِن امتنع المستعير من القلع، تخيَّر المالك بين أن يبقي الغرس والبناء بأجرة المثل، وبين أن يقلعهما ويضمن ما بين قيمتهما مقلوعَين وقائمين، وبين أن يتملَّكَهما بقيمتهما، وليس له القلع مجَّانًا، وهل يستحقُّ الأجرة من حين طلب القلع مجَّانًا؟ فيه نظر من جهة أَنَّه قد رجع على خلاف الشرع، ولو كانت قيمة الأرض كعشر قيمة البناء، فطلب المستعير تملُّك الأرض بقيمتها، لم يكن له ذلك اتِّفاقًا.
وإن اختار المعير القلع، فامتنع المستعير، قُلع غرسه وبناؤه، وثبت له الأرش، فإِن قال: لا أريده، لم يَسْقُطْ إِلا أن يُبْرِئَ منه، وإن اختار المعير التملُّك، فطلب المستعير القلع، فله ذلك اتِّفاقًا.
وإِن امتنع المستعير من القلع والتمليك قُلع بناؤه مجَّانًا.
فإِن بذل الأجرة قيل له: إِمَّا أن تملِّك، وإِمَّا أن يقلع مجَّانًا.
وإِن اختار المالك الإِبقاء بالأجرة، وطلب المستعير البيع، لم يُجبر

المالك على ذلك، وتجب له الأجرةُ من حين طلبها، ويقال للمستعير: إِمَّا أن تبذل الأجرة، وإِمَّا أن تقلع البناء مجَّانًا.

1907 -

فرع:

إِذا اتَّفقا على بيع الأرض والبناء جاز، وفي كيفيَّة توزيع الثمن عليهما خلاف تقدَّم في باب التفليس، وللمعير أن يبيع الأرض ممَّن شاء، وله الانتفاع بالعرصة والاستظلالُ بسقوف المستعير من غير اتِّكاء أو استناد إِلى الجدران، وللمستعير أن يبيع البناء من المعير، وإِن باعه من غيره فوجهان، وللمالك أن يمنع المستعير من دخول الدار، فإِن دخل لمرمَّةِ جدارٍ أو اجتناء ثمار لم يُمنع على الأصحِّ.

1908 - فرع: إِذا رجع في العارية المؤقَّتة قبل انقضاء المدَّة أو بعدها جاز، ولا يُقلع البناء مجَّانًا، بل يتخيَّر كما في العارِيّة المطلقة حرفًا بحرف، ولا يجوز القلع بعد المدَّة مجَّانًا إِلا أن يُشرط ذلك.
ولو أعار الأرض للزرع مطلقًا أو مؤقَّتًا، فتأخَّر حصاده عن الوقت المشروط؛ لاختلاف الهواء، فرجع في العارية المطلقة أو المؤقَّتة قبل انقضاء المدَّة أو بعدها لم يملك قلعه إِلى الحصاد، بل يرجع بالأجرة على المذهب، وأبعد مَن لم يثبت الأجرة.
وخرَّج في "التقريب" وجهًا: أنَّه يقلع الزرع قبل الإِدراك، كما يقلع البناء والغرس قبل انقضاء الوقت، وخرَّج في البناء والغرس وجهًا من الزرع:

أَنَّه لا يقلعهما في العارِيَّة المؤقَّتة إِلا بعد الوقت.
والأصحُّ: الفرق، كما ذكره الأصحاب؛ لأنَّ المقصود من الزرع يحصل بعد الإِدراك، بخلاف المقصود من البناء والغراس، فإنهما يُقلعان بعد الوقت مع أنَّ المقصود بهما الدوام، فإِن

فرَّع

نا على تخريجه، فقلَعَ الزرع، غرم الأرش بأن يقوَّم الزرع قائمًا في حق من يقصد إِبقاءه، ولا يقوَّم بقلًا مقلوعًا.

1909 - فرع: إِذا حمل السيل نواة لزيد، فصارت شجرة في أرض عمرٍو، فله القلع مجَّانًا، وأبعدَ مَن ألحقه بالمُعير.

1910 -

فصل في إِعارة الجدار لوضع الجذوع

من أعار رأس جدار لوضع جذع فله الرجوع قبل الوضع، ولو رجع بعد الوضع لم يتخيَّر بين الخصال الثلاث إِذ لا أجرة لذلك، ولا قيمة لما دخل في الجدار من طرف الجذع؛ إِذ لا سبيل إِلى تملُّك جميعه مع أنَّ طرفه في ملك الواضع، ولذلك لا يقلعه، فإِنَّ قلعه تصرُّف في خالص ملك الجار، وإِن كان لحق البناء قيمةٌ فله الإجبار على شرائه.
ولو أعار رأس الجدار لبناء يستقلُّ عليه لانتصابه، تخيَّر بين الخصال الثلاث إِذا كان لمثله أجرةٌ؛ إِذ لا فرق بين رأس الجدار وعرصة الدار.

1911 -

فصل في إِعارة الأرض لدفن الأموات

نبشُ الأموات من غير ضرورة حرام، فمن أعار أرضًا للدفن فله الرجوع قبل الدفن، ولا يرجع بعده إِلا أن تنمحق آثار الميت، ويحرم النبش مهما بقي شيء من الميت، وسواءٌ تغيَّرت صورته أم بقي بحاله، وللمعير سقي أشجاره ما لم يؤدِّ إِلى إِظهار شيء من الميت، فيُمنع حينئذ، ولا حكم لزوال نعش القبور.

1912 -

فصل فيمن استعمل غيره ولم يسمِّ له أجرة

إِذا قال: إِن غسلت ثوبي فلك درهم، فهذه جعالة، وإِن قال: اغسله بدرهم، فهذه إِجارة، وإِن قال: اغسله وأنا أعطيك حقَّك، وجبت أجرة المثل؛ لفساد الإِجارة، وإِن قال: اغسله مجَّانًا، فلا شيء له، وإِن اقتصر على الأمر بالغسل، أو جلس بين يدي حلَّاق أو دلَّاك، أو استخدم غيرهما بشيء من أنواع الخدم، ففي وجوب الأجرة أوجه، ثالثها: إِن كان معروفًا بذلك العمل وبأخذ الأجرة عليه استحقَّ، وإِلا فلا.
ويُحتمل أن يختلف الحكم فيمن لا يُعرف بذلك باختلاف الرتب، كما في الهبة المطلقة، فإِن كان نظيرًا لمن يطلب الأجرة على ذلك العمل استحقَّ، وإِلا فلا.
ولو دخل الحمَّام مع سكوت الحمَّاميِّ لزمه قيمةُ الماء وأجرةُ السُّكنى، ولا يُقاس ماء الحمام بما يُسخَّن في البيوت؛ لتيسُّر الآلات.

ومأخذُ الخلاف في مسائل الاستخدام: أنَّ القرائن هل تقوم مقام الألفاظ؟ ولذلك ذكر القاضي وجهين في انعقاد البيع بالمعاطاة، كالوجهين في أن إِشارة الناطق بالعقود والحلول هل تقوم مقام الكلام؟ والله أعلم.

جارٍ التحميل