2716 -
باب ما يهدم الزوج من الطلاق
إذا طلَّق الحرُّ ثلاثًا والعبدُ اثنتين، ثم نكح المطلَّقةَ بعد التحليل، مكث الحرُّ ثلاثًا والعبد اثنتين، وإِن طلَّق العبدُ واحدةً والحرُّ واحدةً أو اثنتين، فوطئها زوجٌ بعدهما، رجعت إلى العبد بطلقةٍ وإلى الحرِّ بطلقةٍ أو طلقتين.
2717 -
فصل في التعليق بالحيض
إذا قال لحائض: إن حِضْتِ فأنت طالقٌ، لم تطلق إلا أن تحيضَ حيضةً مستأنفةً، فإنَّ الشروط تقتضي الاستئنافَ، ولذلك لو قال والثمار مدرِكةٌ: أنتِ طالقٌ إذا أدركتِ الثمار، فلا تَطْلُقُ حتى تدرك في العام القابل، فإن رأت الدم على أدوارها فهل تطلق بأوّل الرؤية؟ فيه وجهان أصحُّهما: أنَّها لا تطلق حتى يمضي يومٌ وليلة، فيتبيَّنَ وقوعُه بأوّل الرؤية، وفي اجتنابها في اليوم والليلة خلافٌ كالخلاف في التعليق بالحيال، ومتى ادَّعت الحيضَ صُدِّقت بيمينها؛ إذ لا يُعرف إلا من جهتها، فصار كقوله: إنْ أضمَرْتِ بغضي فأنتِ طالقٌ، فادَّعت الإضمار، فإنَّها تُصدَّق بيمينها، بخلافِ ما لو علَّق الطلاق بأمر ظاهرٍ يُمْكِنُ إثباتُه بالبيِّنة؛ كدخول الدار، وإِن علَّق بما يَخْفَى غالبًا، ويمكنُ إثباته بالبيِّنة؛ كالزِّنى والولادة، لم يُقبل قولُها على الأصحِّ.
وإِن قال: إنْ حضتِ فضرَّتُك طالقٌ، لم يُقبل قولُها في الحيض؛ إذ الأمينُ لا يُصدَّق إلا بيمينٍ، ولا يمكن تحليفُها في حقِّ غيرها.
وإِن قال: إن حِضْتِ فانتِ وضرَّتُكِ طالقان، فادَّعت الحيض وحلفت، طلقت، والأصحُّ أن الضرَّة لا تطلق؛ إذ لا نيابة في الأيمان.
ولو علَّق بحيض أجنبيَّةٍ لم يُقبل قولُها اتِّفاقًا؛ إذ لا يمكنُ تحليفُها في خصومةٍ لا تتعلَّق بها.
وإِن قال: إنْ حضتِ حيضةً فأنتِ طالقٌ، طَلَقَتْ مع انقضاء الحيضة المستأنفة.
وإن قال: إنْ حِضْتُما حيضةً فأنتما طالقان، ففي كونه تعليقًا بمستحيلٍ وجهان؛ إذ اللفظُ المردَّدُ بين الاستحالة والإمكان قد يحملُه بعضُهم على الاستحالة، وبعضُهم على الإمكان، فمنه:
ما لو قال: زينبٌ طالقٌ، أو: إحداكما طالقٌ، وزعم أنَّه أراد الأجنبيّة.
وإن قال: إن حِضْتُما فأنتما طالقان، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما حتى تحيضا، وإِن قالتا: حضنا، فصدَّقهما، طَلَقتا، وإن كذَّبهما لم تَطْلُقْ واحدة منهما، وإن صدَّق إحداهما وكذَّب الأخرى، طلقت المكذَّبةُ عند الجمهور، ولم تَطْلُقِ المصدَّقة.
وإِن قال لأربعٍ: إن حضتنَّ فأنتن طوالقُ، فقلن: حضنا، فإن صَدَّقهنَّ طَلقْنَ، وإِن كذَّبهنَّ، أو صدَّق واحدة وكذَّب ثلاثًا، أو صدَّق اثنتين وكذَّب اثنتين، لم تطلق واحدةٌ منهنَّ، وإِن كذَّب واحدةً، وصدَّق ثلاثًا، طلقت المكذَّبة وحدها.
وإِن قال: إن حاضت إحداكنَّ فصواحباتُها طوالقُ، فقالت إحداهنَّ: حضتُ، فإن أَكْذَبها لم تطلق واحدةٌ منهنَّ، وإِن صدَّقها طَلَقْنَ دونها، وتردَّد أبو محمد (1) في ذلك؛ إذ لا مستَنَدَ لتصديقه سوى قولها، ولو قال: سمعتُها تدَّعي الحيض، فغلب على ظنِّي صدقُها مع تجويز كذبها، لم نحكم بوقوع الطلاق (2)، فكذلك إذا صدَّقها، وهذا لا يصحُّ؛ إذ يجوزُ إسناد الإقرار إلى القرائن والعلامات، كما يستندُ إليها الحَلِفُ على الضمائر والنيَّات.
وإِن قال: أيتكنَّ حاضت فصواحباتُها طوالقُ، فقلن: حضنا، فإن صدَّقهنّ طَلَقْنَ ثلاثًا ثلاثًا، وإِن كذَّبهنَّ لم تطلق واحدة منهنَّ، وإِن صدَّق واحدةً لم تَطْلُقْ وطَلَقَ الباقياتُ طلقةَ طلقةً، وإِن صدَّق اثثتين وكذَّب اثنتين، طلقت المصدَّقتان طلقةً طلقةً، والمكذَّبتان طلقتين طلقتين، وإِن صدَّق ثلاثًا وكذَّب واحدة، طلقت المكذَّبةُ ثلاثًا، والمصدَّقاتُ طلقتين طلقتين.
2718 -
فصل في التعليق بالولادة
إذا قال لأربع: إن ولدتنَّ فأنتنَّ طوالق، لم تطلق واحدةٌ منهنَّ حتى يَلِدْنَ.
وإِن قال: كلَّما وَلَدتْ واحدةٌ منكنَّ فأنتنَّ طوالقُ، وقلنا بالجديد، فولدت واحدةٌ، طَلَقْنَ طلقةً طلقةً، فإن ولدت أخرى انقضت عدَّتها ولم تطلق بولادتها، ويَكمل للأولى والثانية والثالثة طلقتان طلقتان، فإنْ ولدت الثالثة12
انقضت عدَّتها عن طلقتين، وكمل للباقيات ثلاثٌ ثلاثٌ، وكلُّ مَن ولدت في عِدَّثها لم تطلق بتلك الولادةِ، وعلى القديم تَطْلُقُ، وتعتدُّ بالأقراء.
وإِن قال: كلَّما ولدت واحدةٌ منكنَّ فضرَّاتُها طوالُق، فولدت واحدةٌ، طلقت الضرَّاتُ طلقةً طلقةً، فإن ولدت أخرى انقضت عدَّتها عن طلقةٍ، ووقع على الأولى طلقةٌ، وكمل للثالثة والرابعة طلقتان، فإن ولدت الثالثةُ انقضت عدَّتُها عن طلقتين، وكمل للرابعة ثلاثٌ وللأولى طلقتان، فإن ولدت الرابعةُ انقضت عدَّتها عن ثلاثِ، وكمل للأولى ثلاثٌ، وإِن ولد اثنتان معًا واثنتان معًا، وقع على الأوليين ثلاثٌ ثلاثٌ، وعلى الأخريين طلقتان طلقتان.
فإن قال: إن كنتِ حاملًا بذكرٍ فأنتِ طالقٌ طلقةً، وإِن كنتِ حاملًا بأنثى فأنتِ طالقٌ طلقتين، فولدت ذكرًا وأنثى طَلَقتْ ثلاثًا، وإِن ولدت ذكرًا أو ذَكَرينِ انقضت العدَّةُ عن طلقةٍ، وإِن ولدت أنثى أو اثنثين انقضت العدَّة عن طلقتين.
وإِن قال: إن كان حملُكِ أو: ما في بطنك ذكرًا، فأنتِ طالقٌ طلقة، وإِن كان أنثى فأنت طالقٌ طلقتين، انقضت العدَّةُ بالذكر عن طلقةِ وبالأنثى عن طلقتين، وإِن ولدث ذكرًا وأنثى لم تطلق، وإِن ولدت ذكرين أو أنثيين، فإن أراد جنسَ الذكور أو الإناث انقضث العدَّة بالذَّكر عن طلقةٍ وبالأنثى عن طلقتين، وإِن أطلق فهل يُحمل على الجنس، أو لا يقع شيء؟ فيه خلاف.
وإِن قال: إن كان في بطنك ذكرٌ فأنتِ طالقٌ طلقةً، وإِن كان فيه أنثى فأنت طالقٌ طلقتين، فولدت ذكرًا وأنثى، انقضت العدَّةُ بآخر الولدين عن ثلاث.
وإِن قال: إن كان ممَّا في بطنك ذكرٌ فأنت طالقٌ طلقة، وإِن كان ممَّا فيه أنثى فأنت طالقٌ طلقتين، انقضت العدَّة بالذَّكر أو الذكرين عن طلقةٍ، وبالأنثى أو الأنثيين عن طلقتين.
وقال الإمام: إن ولدَتْ ذكرًا لا غير، أو أنثى لا غير، فالوجهُ ألا تطلق، كما لو قال: إن كان بعضُ حملك ذكرًا أو أنثى.
2719 -
فصل في الدور
إذا قال: إن طلقتكِ فأنتِ طالقُ قبله ثلاثًا، ثم طلَّق طلقةً، ففيه أوجهٌ:
أحدها قاله المعظم: لا يقع شيء؛ إذ لو وقع المنجَّزُ لوقع المعلَّقُ، ولو وقع المعلَّقُ لم يقع المنجِّز.
والثاني قاله أبو زيد: يقع المنجَّز دون المعلَّق؛ لئلا ينسدَّ باب الطلاق.
والثالث وهو غريب: يقعُ الثلاث، وفي كيفيَّة الوقوع وجهان:
أصحُّهما: تقع المنجَّزة واثنتان من المعلَّق.
والثاني: يقع المعلَّق دون المنجَّز، وكأنَّه علَّق الثلاث بمجرَّد التلفُّظ بالطلاق.
2720 -
فرع:
إذا قال لغير الممسوسة: إن طلَّقتُكِ طلقةً فأنت طالقٌ قبلها، لم يقع شيءٌ على الدور، وتقع المنجَّزةُ على رأي أبي زيد، وعلى الثالث: هل تقع المنجَّزةُ أو المعلَّقة؟ فيه الخلاف.
2721 -
فرع:
إذا قال: إن طلَّقتُك طلقةً أمْلِكُ فيها الرجعةَ فأنتِ طالقٌ قبلها ثلاثًا، فلا يقعُ شيء على الدور.
وإِن قال: إن ظاهرتُ منك، أو: إن آلَيْتُ، أو قال للرجعية: إن راجعتُك، فأنت طالقٌ قبله ثلاثًا، ثم ظاهَرَ أوآلى أو راجَعَ، فعلى قول أبي زيد: تصحُّ جميع هذه التصرُّفات، ولا تَطْلُقُ، وعلى قول المعظم: لا يصحُّ شيء من ذلك، ولا تطلق.
2722 - فرع: إذا اشترك مُوسِران في عبد، فقال أحدهما للآخر: مهما عَتَقْتَ نصيبك فنصيبي حرٌّ قبله، وقلنا بتعجيل السراية، فاعتق نصيبَ نفسه، عَتَقَ عند أبي زيدٍ، خلافًا للمعظَم، ولو قال ذلك كلُّ واحدٍ منهما، ثم أعتق نصيبَ نفسِه، عَتَقَ عند أبي زيدٍ، خلافًا للمعظَم.
2723 - فرع: إذا قال: إن وطئتُكِ وَطْءًا مباحًا فأنت طالقٌ قبله، أو: إن دخلتِ الدار وأنت زوجتي فعبدي حرٌّ قبل دخولك، وقال للعبد: إن دخلتَ الدار وأنتَ عبدي فزوجتي طالقٌ قبل دخولك، فدخلا معًا، لم تَطْلُقْ ولم يَعْتِقْ بوفاقٍ أبي زيد؛ إذ لا ينسدُّ بذلك بابُ الطلاق ولا العتاق.
2724 - فرع: إذا قلنا بالدور، فوكَّل في الطلاق، نفذ طلاقُ الوكيل إلا أن يقول: مهما وقع عليكِ طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا، فلا يقع طلاقُ الوكيل، ويلزمُ على
القول بالدَّور انسدادُ أبوابِ الطلاق، وأنواعِ الفراق، حتى لو قال: مهما انفسخ نكاحُكِ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا، ثم فسخ، فلا ينفذ الفسخ.
2725 -
فرع:
إذا قال: إن طلَّقتكِ طلقةً أَمْلِكُ فيها الرجعةَ فأنت طالق ثلاثًا، وقلنا بالدور، لم تَطْلُقْ عند ابن سريجٍ، وقطع أبو عليٍّ بوقوع الثلاث، فإنَّ الرجعة تتعقَّب الطلقة، ثم يقع بعدها طلقتان، فتنقطعُ الرجعة بعد ثبوتها.
وإن قال: إن طلَّقتكِ طلقةً رجعيَّةً، فأنت طالق معها ثلاثًا، ففيه عند أبي علي وجهان محتملان:
أحدهما: لا يقع شيء.
والثاني: تقع الثلاثُ مرتَّبةً.
وهذا الخلافُ كالخلافِ فيما لو قال قبل الدخول: إن طلَّقتك فأنت طالقٌ معها طلقةً، ففي وقوع المعلَّقة خلافٌ.
2726 -
فصل في التعليق بولادة الذكور والإناث
إذا قال: إن وَلَدْتِ ذكرًا فأنت طالقٌ طلقةً، وإِن ولدتِ أنثى فأنت طالق طلقتين، طَلَقتْ بولادة الذَّكر طلمَةً، وبالأنثى طلقتين، وتطلقُ ثلاثًا إن ولدتهما متعانقين.
وإِن تقدَّم الذَّكر انقضت العدَّة بالأنثى في الجديد عن طلقةٍ، وإِن تقدَّمت الأنثى انقضت العدَّة بالذَّكر عن طلقتين، وإنْ أشكلَ المتقدَّم طلقت طلقةً.
وإن ولدت أنثى قبلها ذكران متعاقبان انقضت العدَّة بالأنثى عن طلقةٍ بأوّل الذَّكَرين، وإِن ولدت أنثى بعدها ذكران متعاقبان طلقت بالأنثى طلقتين، وطلقت الثالثةَ بأول الذَّكَرين، وانقضت العدَّة بالثاني.
وإن ولدت أنثى بعدها ذكران متعاقبان، طلقت بالأنثى طلقتين، وانقضت العدَّة بالذكرين، وعلى القديم: تطلق الثالثةَ بأحد الذكرين، ثم تعتدُّ بالأقراء.
وإن ولدت أنثى بين ذكرين انقضت العدَّة بالثاني عن ثلاث.
وإن قال: كلَّما ولدتْ واحدةٌ منكما فأنتما طالقان، فولدت عمرة ولدًا يوم السبت وآخرَ يوم الخميس، وولدت زينب ولدًا يوم الجمعة وآخر يوم الأحد، انقضت عدَّةُ عمرةَ بولدها الثاني عن ثلاثٍ، وانقضت عدَّة زينبَ بولدها الثاني في الجديد عن طلقتين.
وإِن قال: إن ولدتِ ولدًا فانت طالقٌ طلقةً، وإِن ولدتِ أنثى فأنت طالقٌ طلقتين، فولدت أنثى، أو قال: إن كلَّمتِ رجلاَ فأنتِ طالقٌ، وإِن كلَّمتِ زيدًا فأنت طالقٌ، وإِن كلَّمتِ فقيهًا فأنت طالقٌ، فكلَّمتْ زيدًا، وهو فقيهٌ، طلقت ثلاثًا.
2727 -
فصل في التعليق بالحلف بالطلاق
إذا قال لزينبَ وعمرةَ: إنْ حلفتُ بطلاقكما فعمرةُ طالقٌ، وكرَّر ذلك مرارًا، أو قال بعد التعليق الأوَّل: إن حلفتُ بطلاقكما فزينبُ طالق، وكرَّره مرارًا، لم تطلق واحدةٌ منهما؛ إذ لم يَحْلِفْ بطلاقهما، بل حلف بطلاق إحداهما؛ لأن المحلوف بطلاقها هي التي تَطْلُقُ، فإن قال بعد ذلك: إن حلفتُ
بطلاقكما فعمرةُ طالقٌ، طلقت عمرة وحدها؛ لوجود الحلف بطلاقهما.
وإِن قال: أيُّما امرأة لم أحلف بطلاقها منكما فصاحبتُها طالق، ثم سكت ساعةً يتمكَّن فيها من الحلف بطلاقهما، فلم يحلف، طَلَقتا، فإن كرَّر ذلك مرَّة أخرى على الاتِّصال برَّت اليمينُ الأولى، فإن كرَّره مرَّةً أخرى برَّت اليمينُ الثانية، فإن سكت بعدها زمنًا يسعُ الحَلِفَ فلم يحلف طلقتا، وقال أبو عليٍّ والإمام: لا تطلقان ما لم نيأس من الحلف، فإنَّ الفور لا يَثبت إلا بما يشتمل على الظرف، كقوله: كلَّما لم، ومتى لم، وما لم، وإذا لم، فإنَّ (ما) في هذه الكلمات ظرفٌ، بخلاف (أيّما).
2728 -
فرع:
الحلف: كلُّ ما يُقصَدُ به تصديقٌ، أو حثٌّ على إقدامٍ أو إحجامٍ، فإذا قال: إن حلفتُ بطلاقك فأنتِ طالقٌ، ثم قال: إن دخلتِ الدار فأنت طالق، طلقت بالتعليق الأوَّل، وإن قال: إذا طلعتِ الشمسُ أو هبَّت الريح فأنت طالق، لم تطلق بالتعليق بالحلف، وإِن قال: إذا دخلتِ الدار، فوجهان أجراهما بعضُهم في قوله: إن طلعت الشمس، وهو غلط؛ إذ لا تصديقَ ولا حثَّ.
2729 - فرع: إذا قال: إن طلَّقتُ زينبَ فعمرةُ طالقٌ، ثمّ قال: إن طلَّقْتُ عمرةَ فزينبُ طالقٌ، ثم بدأ بطلاقِ عمرةَ، وقع عليها طلقةٌ، وعلى زينب طلقتان 1: إحداهما بالتنجيز والأخرى بالتعليق، فإنَّ التعليق مع الصفة تطليقٌ، فأشبه
ما لو قال: إنْ دخلتِ الدار فعبدي حرٌّ، ثم قال: إنْ دخلتِ الدار فأنت طالقٌ، فدخلت، فإنَّها تَطْلُقُ ويَعتقُ العبدُ.
وإِن بدأ بطلاق زينب وقع على كلِّ واحدةٍ طلقة، كما لو قال: إن دخلتِ الدار فأنت طالق، ثم قال: إن طلَّقتكِ فعبدي حرٌّ، فدخلت، فإنَّها تطلق، ولا يعتق العبد.
2730 -
فرع:
إذا قال: إن بدأتكِ بالكلام فأنت طالقٌ، فقالت: إن بدأتكَ بالكلام فعبدي حرٌّ، فكلَّمها، ثمّ كلَّمته، لم تطلق ولم يعتق.
ولو قال لإنسان: إن بدأتكَ بالسلام، فعبدي حرٌّ، فقال: إن بدأتكَ بالسلام فعبدي حرٌّ، فسلَّم كلُّ واحد منهما على الآخر معًا، انحلَّت اليمين، ولم يحنث واحدٌ منهما وإِن انفرد بالتسليم بعد ذلك؛ لأنَّ سلامه لا يقع ابتداءً مع ما تقدَّم.
2731 - فرع: إذا قال: إن أكلتِ رمَّانةً فأنتِ طالقٌ، وإِن أكلتِ نصف رمَّانةٍ فأنت طالقٌ، فأكلت رمّانةً، طَلَقتْ طلقتين، وإِن قال: إن أكلتِ رمَّانة فأنت طالقٌ، وكلَّما أكلتِ نصفَ رمَّانةِ، فأنت طالقٌ، فأكلت رمَّانةً، طلقت ثلاثًا.
2732 -
فصل في التعليق بالبشارة والخبر
البشارة: هي الخبر الأوَّل الصادق، فإذا قال: من بشَّرني بقدوم فلانٍ
فهي طالقٌ، فبشَّرتاه معًا، طلقتا إن صدقتا، وإِن بشَّرتاه على التعاقُبِ طَلَقتِ الأولى إنْ صَدَقت، ولا تَطلقُ إن كَذَبَتْ، وإِن سبقهما أجنبيٌّ، ثم بشَّرتاه، لم تطلق واحدة منهما.
وإِن قال: مَن أخبرني أنَّ زيدًا قدم فهي طالق، فأخبرتاه معًا، أو على التعاقب، طلقتا وإنْ كذَبتا.
وإِن قال: مَن أخبرني بقدومه فهي طالقٌ، فأخبرتاه به، طلقتا إن صَدَقتا، وإِن كَذَبتا فوجهان، والظاهر وقوع الطلاق.
2733 -
فصل فيمن نادى امرأة فأجابته أخرى فقال: أنت طالق
إذا قال: يا عمرةُ، فأجابت زينبُ، فقال: أنتِ طالق، فله حالان: إحداهما: أن يقول: عرفتُ أنَّ المجيبةَ زينبُ، فيقال له: فما قصدتَ، فإن قال: أردتُ طلاق زينب وحدَها طلقت، وحدها، وإِن قال: أردتُ طلاقَ عمرة وحدها، طلقت ظاهرًا وباطنًا، وطلقت زينبُ في الظاهر، ويُدَيَّن في الباطن.
وقال الإمام: إذا استرسل في النداء، ولم يربط قولَه: أنت طالق، بانتظار جوابٍ، وظهر ذلك في جريان الكلام، واتِّحاد النغمة، لم تطلق زينب، وإِن نادى منتظِرًا للجواب، فاتَّصل جوابُ زينبَ، فقال: أنت طالق، وربط بالنغمة قولَه على جواب زينب، طلقت في الظاهر، ولا يظهر طلاقُ عمرةَ، لكن يُصدَّقُ إذا قال: نويتُها.
الحال الثانية: أن يقول: ظننتُ أنَّ المجيبةَ عمرةُ، فخاطبتُ بالطلاق بناءً على هذا الظنَّ، فلا تَطْلُقُ عمرةُ؛ لأنَّه خاطبَ غيرها بالطلاق، وتطلقُ زينبُ على أظهرِ الوجهين، ويُحتمل أن يقال: تطلقُ زينبُ في الحكم، وفي عمرةَ وجهان.
2734 -
فصل في فروع شتَّى
الأول: إذا قال: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، بل هذه، وعُلم أنَّه أراد طلاق الثانية بقوله: بل هذه، فتطلقان بدخول الأولى.
فإن قال: أردتُ تعليقَ طلاق الثانية بدخولها، فوجهان:
أحدهما: لا يُقبل، فتطلق بدخول الأولى، واختاره القفَّال مستشهدًا بمن قال: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، ثم قال لأخرى: أنت شريكتُها، فإن أراد أنَّها تطلقُ بدخول الأولى قُبِل، وإِن أراد أنَّها تطلقُ بدخولها بنفسها لم يقبل، وخرَّج الإمام ما استشهد به القفَّال على الخلاف.
والثاني: يُقبل 1، فيلغو لفظُه، فإنَّه ليس بصريحٍ، بخلافِ قوله: بل هذه.
الثاني: إذا طلَّق الحرُّ الذمِّيُّ، ثم حارب واستُرِقَّ، فاراد نكاح المطلَّقة، فإن كان قد طلَّق واحدةً فله أن ينكحها على أخرى، وإن كان قد طلَّق طلقتين، فله أن ينكحها على الأصحِّ، وقيل: لا يحل إلا بمحلِّل.
الثالث: إذا طلَّق العبدُ، ثمّ عتق، فإن كان قد طلَّق واحدة فله أن ينكح على طلقتين، وإِن كان قد طلَّق طلقتين لم يحلَّ إلا بمحلِّلٍ، وفيه وجهٌ غريب.
الرابع: إذا قال لغير الممسوسة: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ طلقةً، ثم قال: إن دخلتِها فأنتِ طالقٌ طلقتين، فدخلت قبل المسيس، طلقت ثلاثًا؛ لاتِّحاد وقت الوقوع، كما يُسوَّى بين العبدين في التدبيرين المتعاقبين.
وإِن قال: إن طلَّقتكِ فأنتِ طالقٌ مع المنجَّزة، ثم طلَّق، وقعت المنجَّزة، وفي المعلَّقة وجهان.
ولو قال: إن أعتقتُ سالمًا فغانمٌ حرٌّ معه، فأعتق سالمًا مع ضِيْقِ التركة، فهل يتقدَّم سالم؟ فيه الوجهان.
وإِن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلها طلقةٌ، فقد قيل: لا يقعُ شيءٌ، وقيل: يقع طلقةٌ، وقيل: طلقتان، ولا وجه لوقوع طلقتين.
الخامس: إذا قال العبد لزوجته: إن دخلتِ الدار فأنت طالقٌ ثلاثًا، فعتَق، ثم دخلتْ، وقع طلقتان على أقيس الوجهين؛ لأنَّه لم يملك تعليقَ الثالثة.
وإِن قال لأمته: أوَّلُ ولدٍ تلدينه فهو حرٌّ، فعلقت بعد ذلك بولدٍ، فلا تَعْتِقُ على الأقيس؛ لعدم المِلْكِ حالَ التعليق.
وإِن قال: إن مات سيِّدي فأنتِ طالقٌ طلقتين، فقال السيِّد: إن متُّ فأنتَ حرٌّ، فمات، وعتق، فله رجعتُها على المذهب؛ لأنَّ الحريّة والطلاقَ وقعا معًا، وأبعدَ مَن أوجب التحليل.
وإن قال: أنت طالقٌ في آخر جزءٍ من حياة سيِّدي، فعتق بموت السيِّد
لم تثبت الرجعة، فإنَّها لا تثبت عَقيب الطلاق، وإنَّما تثبت معه.
السادس: إذا تزوَّج بجارية أبيه، وعلَّق طلاقها بموت الأب، فمات الأبُ بريئًا من الدَّين، لم تطلق على الأصحِّ، فإنَّ الانفساخ والإرث يقعان معًا، وإِن كان على الأب دينٌ؛ فإن نقلنا التركة إلى الوارث فالجوابُ كما مضى، وإِن قلنا بمذهب الإصطخريِّ طلقت.
السابع: إذا قال: أنتِ طالقٌ مع موتي، أو: مع أوّلِ موتي، أو: مع انقضاء عدَّتك، لم تطلق على المذهب، وخرَّجه الخضري على التعليق بالولادة.
ولو قال للرجعيّة: أنت طالقٌ مع آخر جزء من عِدَّتكِ، طلقت على الأصحِّ.
الثامن: إذا نكح حاملًا من زنىً ووَطِئها، ثم قال: أنت طالقٌ للسنَّة، لم تطلق في الحال؛ إذ لا أثر لحملها، فأشبهَ الطلاقَ في طهرٍ جامعها فيه.
ولو رأت الحاملُ الدم وجعلناه حيضًا، فقال: أنت طالقٌ للسنَّة؛ فإن كان الحملُ منه فوجهان، وإِن كان من الزِّنى لم تطلق في الحال، وقال أبو محمد: يجب القطع على هذا القياسِ بأنَّ الحامل من الزِّنى تحيض، وفيما قال نظر؛ فإنَّ الأمر الطبيعيَّ لا يختلف بالحِلِّ والحرمة.
التاسع: إذا طلق العبد طلقتين وأُعتق، وأَشكلَ أيُّهما سبق، فلا تحلُّ إلّا بمحلِّلٍ على الأصحِّ، وإِن ادَّعى سَبْقَ العتق، وادَّعت سبقَ الطلاق، فإن اتَّفقا على وقت العتق؛ كيوم الجمعة مثلًا، فقال: طلَّقتُ يوم السبت، فقالت: بل يوم الخميس، فالقولُ قولُه مع يمينه، وإِن اتَّفقا على وقت الطلاق، فادَّعى
تقدُّم العتق عليه، وادَّعت التأخير عنه، فالقولُ قولُها مع اليمين.
العاشر: إذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا يومَ يَقْدَمُ فلان، فقَدِمَ ليلًا، لم تطلق على المذهب، وفيه وجهٌ، وإن قَدِمَ نصفَ النهار فهل تطلقُ عَقِيب القدوم، أو مع أوَّل الفجر؟ فيه قولان، فإن خلعها ضحىً، أو ماتت، فقدم في بقيَّة النهار، فإن قلنا: تَطْلُق عقيبَ القدوم، لم يقع شيء، وإِن قلنا: تطلق بأوَّل الفجر، وقع الثلاث.
الحادي عشر: إذا قال: أنت طالقٌ واحدةً، بل ثلاثًا، إن دخلت الدار، ففي تعلُّق الثلاث بالدخول وجهان، فإن قلنا: لا يتعلَّق، تنجَّزت واحدةٌ، وتعلَّقت ثنتان، وإِن قال ذلك قبل الدخول، فإن قلنا: تتنجَّز الواحدةُ، بانت بها، فإن نكحها بعد ذلك لم تطلق بالدخول، وأَبعدَ مَن خرَّجه على عوْدِ الحنث، وإن علمنا الثلاثَ فهل يقع قبل المسيس واحدةٌ أو ثلاث؟ فيه وجهان يجريان في كلِّ لفظين يقتضيان الوقوعَ معًا، كقوله: إن دخلتِ فأنت طالقٌ وطالقٌ.
الثاني عشر: إذا قال: إنْ دخلتِ الدار طالقًا فأنتِ طالقٌ، أو: أنت طالقٌ إن دخلتِ الدار طالقًا، فلم يطلِّق حتى دخلت، لم تطلق بالدخول.
الثالث عشر: إذا قال: لزوجته الأمة: إن اشتريتكِ فأنت طالقٌ، فقال السيّد: إن بعتكِ فأنت حرّةٌ، فاشتراها منه، عتقت في خيار المجلس، وطَلَقت إن بقَّينا المِلْكَ للبائع، وإِن نقلناه إلى المشتري لم تطلق؛ لأنَّ العتق يترتَّب على الملك.
إذا قال: إن كان أوَّلُ ولد تلدينه ذكرًا فأنت طالقٌ واحدةً، وإِن كان أنثى
فأنت طالقٌ طلقتين، فإن ولدتهما على التعاقُبِ، وأَشْكلَ السابقُ وقعت طلقةٌ، وإِن ولدتهما معًا لم تَطْلُقْ على المذهب، ويُحتمل إيقاع الثلاث، فإنَّ الأوَّل ما لا يتقدَّمه شيءٌ، ولا يُشترط أن يتأخَّر عنه شيءٌ، فإنَّها لو ولدت ذكرًا طَلَقتْ وإِن لم تلد بعده شيئًا.
ولو قال لعبديه: مَن جاء منكما أوّلًا فهو حرٌّ، فجاءا معًا، لم يعتق واحدٌ منهما اتِّفاقًا.
الرابع عشر: إذا نكح جاريةَ أخيه، ثم علَّق طلاقها بموته 1، فمات، فورثها أو بعضَها، لم تطلق على الأصحِّ، فإن قال الأخ: إذا متُّ فأنتِ حرَّةٌ، فمات وعتقت، طلقت، وإِن قال: أنت حرَّة بعد موتي بشهرٍ، فإن قلنا بالأصحِّ، وبقَّينا مِلْكَ الميت، طلقت؛ لبقاء النكاح، وإِن نقلناه إلى الوارث انفسخ النكاح على الأصحِّ، ولم تطلق.
الخامس عشر: إذا قال: أنتِ طالقٌ أعظمَ الطلاق، أو: أكبرَه، أو: ملء الأرض، أو: ملء العالم، أو: عدد التراب، طلقت طلقةً، وإِن قال: أنت طالقٌ أكثر الطلاق، أو: ملء هذه البيوت الثلاث، أو: ملء السماوات، أو: عدد أنواع التراب، وقع الثلاث.
السادس عشر: إذا قال: أنت طالقٌ هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، وقع الثلاث، وإِن أشار بواحدةٍ وقعت واحدةٌ، وإن أشار باثنتين وقع طلقتان، وهذا فيما يوجب العلم من الإشارة، فإنْ لم يتَّضح ذلك بنغمةٍ أو نظرٍ إلى الأصابع، وقعت واحدةٌ إلا أن ينويَ العدد.
السابع عشر: قال الأصحاب: إذا قال: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدار إن كلَّمتِ زيدًا، فشرطُ الطلاق أن يترتَّب الكلامُ على الدخول، فإنْ كلَّمتْه ثم دخلت، لم تطلق؛ لأنَّه علَّق الطلاق عند الدخول بالكلام، فكان تعليقًا للتعليق، والتعليقُ يقبل التعليقَ، واستبعد الإمامُ اشتراطَ الترتيب، فإنَّ ذكر الصفتين من غير عاطفٍ لا يقتضيه، وقال: لو قال: إنْ دخلتِ إن كلَّمتِ إن أكلتِ فأنت طالقٌ، فقد علَّق بهذه الصفات، فإنْ لم يشرط الأصحاب الترتيبَ هاهنا فلا فرق بين الصورتين، وإِن شرطوه فلا وجه له في الصورتين، وإِن قال: إن كلَّمتِ ودخلت فأنت طالقٌ، لم تطلق حتَّى تدخل وتكلِّم، ولا يُشترط الترتيب.
إذا قال: أنت طالقٌ إن كلمتِ فلانًا إلى أن يقدم فلان، فالتأقيتُ متعلِّقٌ بالصفة، فإن كلَّمتْه قبل القدوم طلقت، وإلّا فلا.
الثامن عشر: إذا قال: إن دخلتِ الدار فأنت طالقٌ، وكرَّر ذلك مرارًا، فان أراد التحديدَ أو التأكيدَ وقع ما أراد متعلِّقًا بدخلةٍ واحدةٍ، وإِن أراد تعليق الثلاث بثلاثِ دخلاتٍ دُيِّن، ولم يُقبل في الحكم.
التاسع عشر: قال القاضي: إذا قال: أربعُكُنَّ طوالقُ إلا فلانةَ، أو: إلّا واحدةً، على الإجمال، لم يصحَّ الاستثناء؛ إذ لا يُستعمل لذلك عرفًا، وفيه احتمالٌ ممَّا لو قال: أنت طالقٌ ثلاثًا إلّا واحدةً.
ولو قال: أربعُكُنَّ إلا فلانةَ طوالقُ، صحَّ الاستثناء، ولعلَّه يقول: إذا قال: هؤلاء العبيدُ الأربعةُ لكَ [إلا هذا]، لم يصحَّ الاستثناء، ولو قال: لكَ أربعةُ أَعْبُدٍ [عليَّ] 1 إلا عبدًا،
صحَّ؛ لأنَّ الإشارة مقوِّيةٌ للكلام، بخلاف إرسال الكلام بغير إشارةٍ.
العشرون: إذا قيل له: أطلَّقتَ امرأتكَ؟ فقال: نعم، طَلَقتْ إن نوى، وإِن لم ينوِ فقولان.
وقال أبو عليٍّ: هذه الطريقةُ غيرُ مَرْضيَّةٍ، فلا تَطْلُقُ وإِن نوى؛ لأنَّ (نعم) إخبارٌ، فلا تصلحُ للإنشاء، ولا يجوزُ أن يُختَلَف في كونه إقرارًا؛ فإنَّه لو قال لخصمه: لي 1 عليك ألفٌ، فقال: نعم، لحَكَم عليه الحاكم بأنَّه مقِرٌّ، ولو سمعه الشهودُ لتحمَّلوا الشهادةَ على صريح الإقرار، وإِن قال: أردتُ أنِّي طلَّقتها في نكاحٍ سابقٍ، فهو كما لو قال: أنت طالقٌ الشهرَ الماضي، وفسَّر بالطلاق في نكاحٍ سابق.
ولو قيل له: ألك زوجةٌ؟ فقال: لا، فهو كذبٌ صريحٌ لا حُكمَ له عند الأصحاب، وجعله المحقِّقون كنايةً في الإقرار بنفي النكاح، وجعله القاضي صريحًا في ذلك، فلو قيل له: هذه زوجتك؟ فقال: لا، كان صريحًا في الإقرار بنفي النكاح.
ولو قيل: أطلَّقْت امرأتك؟ فقال: قد كان بعضُ ذلك، لم تطلق؛ لاحتمالِ أنْ يريد التعليقَ أو سؤالَ الطلاق.
ولو قال: بعتكَ هذا، فقال: نعم، أو قال الدلَّال للمالك: بِعْ متاعَكَ من هذا، فقال: نعم، لم يصحَّ اتِّفاقًا؛ لأنَّ (نعم) خبرٌ يَحتمِلُ الصدق والكذب، فلا يَصْلُحُ للإنشاء الذي لا يحتملها.
ولو قال: بِعْ متاعك من هذا بألف، فقال: بعتُ، ولم يذكر الثمن، ولا خاطَبَ المشتري، فالوجهُ القطعُ بالبطلان، وفي جعله إقرارًا اضطرابٌ؛ لأنَّ طلب الدلَّال قرينةٌ تُشعر بالإنشاء.
ولو قالت للزوج: "طلاق ده مرا"، فقال: "دادم" 1 لم تطلق، خلافًا للقاضي.
الحادي والعشرون: إذا قال: أنت طالقٌ طلقةً فطلقتين، وقع ثلاثٌ، فإن قال: أردتُ إعادة الأولى في الثنتين، فقد ردَّه الجمهور، وقَبِلَه آخرون.
ولو قال: "تواززني مَن بيك طلاق ودو طلاق هشته اي" 2 وقع ثلاثٌ عند القفَّال، وعند القاضي اثنتان.
الثاني والعشرون: إذا قال: طلِّقي نفسَكِ إن شئتِ ثلاثًا، فشاءت واحدةً، وطلَّقت واحدة، لم يقع شيءٌ إِلّا أن يقول: أردتُ بذكر الثلاث تفسير الطلاق، فتقع الواحدة.
وإِن قال: طلِّقي نفسك إن شئتِ واحدة، فقالت: شئتُ ثلاثًا، وطلَّقتُ
ثلاثًا، لم يقع شيء؛ لأنَّه علَّق التفويض على أن تشاء واحدةً، ويُحتمل إيقاع واحدة؛ لاندراجها تحت مشيئة الثلاث، ولا يكفي في الصورتين أن تقول: شئتُ الطلاق، بل تقولُ: شئتُ واحدةً، أو: ثلاثًا، وطلَّقتُ نفسي؛ لأنَّ التفويض قد تعلَّق بمشيئة ذلك، فلا يتحقَّق بدونها.
وإِن قال: طلِّقي نفسك ثلاثًا إن شئتِ، أو: طلِّقي نفسك واحدةً إن شئتِ، فلا بدَّ من المشيئة، فإن شاءت ثلاثًا في تفويض الواحدة، أو واحدةً في تفويض الثلاث، وقعت واحدةٌ.
الثالث والعشرون: إذا كان البيتُ مملوءًا جوزًا، فقال: إن لم تُعرِّفيني عددَ هذا الجوز، أو: إن لم تذكري عدده، فأنت طالقٌ، برَّ بأن تذكر العدد المستيقَن، كعشرة آلاف مثلًا، ثم تزيد واحدةً واحدة إلى أن ينتهي إلى عددٍ يُعلم أنَّه لا يزيد عليه، واستبعد الإمام ذلك؛ لأنَّ المفهوم العرفيَّ خلافُه، وهو في قوله: إن لم تعرِّفيني، أبعدُ، إذ لم يحصل بقولها تعريفٌ.
وإِن قال: إِن لم تعدِّيه فأنت طالقٌ، فهل يبرُّ بما ذكرناه؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يبرُّ، بدأت بالعدِّ من الواحدة إلى حصول اليقين، ولم يشترط أحدٌ أن تعدَّ بالفعل، وزعموا أنَّ العدَّ بمجرَّد اللسان كافٍ، وقال الإمام: إن أخذت تعدُّ وترمق كلَّ جوزةٍ فهو عدٌّ، وإِن هَذَتْ في جانب البيت بذكر العدِّ فليس بعدٍّ عرفًا.
الرابع والعشرون: إذا اختلط دراهمُهما، أو نوى تمرٍ أكلاه، فقال: إن لم تَمِيْزي دراهمي من دراهمك، أو: إن لم تَمِيْزي نوى ما أكلتُ من نوى ما أكلتِ، فأنت طالقٌ، برَّ بأن يفرِّق الجميعَ بحيث لا يلتصق منه اثنان،
خلافًا للإمام فيه وفي نظائره؛ فإنه يَحْمِلُ اللفظ في ذلك على ما يُفهم منه في العرف.
الخامس والعشرون: إذا كان في فيها تمرةٌ، فقال: إنْ أكلتِها فأنت طالقٌ، وإِن أمسكتها فأنت طالقٌ، وإِن ألقيتِها فأنت طالقٌ، برَّ بأن كل البعض وتلقي البعض.
السادس والعشرون: إذا قال وهي في ماءٍ جارٍ: إن خرجتِ منه فأنت طالقٌ، وإِن أقمتِ فيه فأنت طالقٌ، فمكثت، لم تَطْلُقْ؛ لانحدار الجَرْية التي كانت فيها، إلا أن ينوي الخروج من جملة الماء، وخالف الإمامُ فيه.
السابع والعشرون: إذا قال وهي على سُلَّم: إن نزلت منه فأنت طالق، وإن صعدتِ فأنتِ طالق، وإن مكثتِ فأنت طالق، برَّ بأن تُحملَ عنه، أو تَطفرَ (1) منه، أو يُضْجَعَ [السُّلَّم] وهي عليه، أو يُنصَب سلَّمٌ آخَرُ، فتتحوَّل إِليه.
2735 -
فرع:
إذا قال: إن أكلتِ هذه الرمَّانة فأنتِ طالق، فأكلَتْها إلّا حبَّهً، برَّ، وفيه احتمال.
وإن قال: إن أكلتِ هذا الرغيفَ فأنت طالق، فأكلته إلا فُتاتةً، لم تَطْلُق، وقال الإمام: إن كانت الفتاتةُ محسوسةً فهي كالحبة، وإن دقَّ مدركُها على الحسِّ فلا أثر لها في بِرٍّ ولا حِنْث.1
2736 -
فرع:
إذا وصفته بما يكره من صفات الذمِّ، فقال: إن كنتُ كما قلتِ فأنتِ طالقٌ؛ فإنْ قَصَدَ مكافأتها بتنجيزِ الطلاق طَلَقتْ في الحال، وإِن قصد التعليقَ على تلك الصفة، فإن تحقَّقت طلقتْ، وإِن انْتَفَتْ أو أَشْكَلَتْ لم تطلق، وإِن أطلق فقد قيل: يتنجَّز الطلاق، وقال الإمام: يتعلَّق إلا أن يعمَّ العرفُ في ذلك بالمكافأة، وقد قالت امرأةٌ لزوجها: يا جهودروى، فقال: إن كنتُ كما قلتِ فأنتِ طالقٌ، واختلفوا فيه في زمن الإمام، فحمله بعضُهم على صَفَار الوجه، وحمله آخرون على مَخِيلة الذلِّ، وقال الإمام: لا تَطْلُقُ؛ لأنَّ المسلِمَ لا يتَّصفُ بذلك.
2737 - فرع: إذا قال: إن لم أطلِّقك اليوم فأنت طالقٌ اليوم، فمضى اليومُ، لم تطلق عند ابن سريج، وغلَّطه أبو حامد، فأوقع الطلاق في آخر اليوم، كما لو قال: إن لم أطلِّقْكِ فأنت طالقٌ، فإنَّها تطلق في آخر العمر، فإن خالف في ذلك أحدٌ فقد خرق الإجماع.
2738 - فرع: إذا قال: إن خالفتِ أمري فأنت طالقٌ، ثم قال: لا تقعدي، فقعدتْ، لم تطلق، وإِن قال: إن خالفتِ نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي، فقعدت، طلقت؛ فإنَّ الأمر بالشيء نهيٌ عن أضداده، وخالف الإمام في ذلك، وقال: لو كان نهيًا عن الأضداد لتوقَّقنا في الطلاق، فإنَّ الأيمان لا تنبني على ما يُعتقد في الأصول.
2739 -
فرع:
إذا قال: أنت طالقٌ بمكَّة، وأراد التنجيز، قُبِل، وإِن أراد التعليق على إتيان مكَّة قُبل، وإِن أطلق فوجهان.
2740 - فرع: إذا قال: إن قمتِ فأنتِ طالقٌ، ثم قال: عجَّلتُ تلك الطلقة المعلَّقة، طلقت في الحال، فإن قامت ففي وقوع الطلاق وجهان مأخذُهما: أنَّ المعلَّق هل يقبل التنجيز؟ قلتُ: وفيه إشكالٌ؛ فإنَّه إن لم يقبل التنجيز فينبغي ألَّا تطلق في الحال.
2741 - فرع: إذا قال: إذا مضى حينٌ، أو: عصرٌ، أو: دهرٌ، أو: حِقْبٌ، أو: زمانٌ، فأنت طالقٌ، طلقت بمضيِّ لحظةٍ لطيفةٍ، وهذا بعيدٌ في العصر والدهر؛ فإنَّ العصر عبارةٌ عن زمانٍ يحوي أممًا، وينقرضُ بانقراضهم، والدهرُ كالعصر؛ على بعدٍ فيه.
2742 - فرع: إذا قال: أنت طالقٌ اليوم إذا جاء الغد، لم تطلق، ولا يبعد أن تطلق إذا جاء الغد طلاقًا مستندًا إلى اليوم.
2743 - فرع: إذا قال: أنت طالقٌ طلقتين إحداهما بألفٍ، فلها حالان: إحداهما: ألَّا تقبل، فلا تقع الطلقتان، وفي الواحدة وجهان أقيُسهما
الوقوع، ووجه المنع: أنَّها تابعةٌ للمقابَلَة بالمال.
ولو قال: أنت طالق طلقتين إحداهما بألف، والأخرى بغير شيء، وقعت الواحدةُ اتِّفاقًا، ويُحتمل إجراؤها على الخلاف.
الحال الثانية: أن تقبل الألفَ؛ فإن قلنا: لا تَطْلُق إن لم تقبل، وقع إن قَبِلت طلقتان، وإِن قلنا: تطلقُ بالقبول؛ فإن أجزنا خلع الرجعيَّة وقع طلقتان أُولاهما رجعيّة، وإِن منعنا الخلع: فهل يقع طلقةٌ رجعيَّة، أو طلقتان رجعيَّتان؟ فيه وجهان.
وإِن وقع ذلك قبل الدخول فقبِلَتْ، فإن قلنا: لا تطلق قبل الدخول، وقع هاهنا طلقتان، وإِن أوقعنا الواحدةَ قبل الدخول، بانت هنا بطلقةٍ واحدة، ولم يصحَّ الخلع؛ لوقوع قبوله بعد البينونة.
2744 -
فرع:
إذا قالت: طلِّقني ثلاثًا بألفٍ، فطلَّق واحدةً، بانت، ولزمها ثلثُ الألف، وفيه وجهٌ غريب: أنَّها لا تطلق.
ولو قال: أنت طالقٌ ثلاثًا بالف، فقالت: قبلتُ واحدةً، أو قالت: قبلتُ واحدةً بثلثِ الألف، لم تَطْلُقْ، وإِن قالت: قبلتُ واحدةً بالألف، طَلَقتْ ثلاثًا على الأصحِّ، وقيل: واحدةً، وقيل: لا تطلق، كمن باع عبدين بألفٍ، فقبِلَ المشتري أحدهما بالألف.
وقال أبو عليٍّ: يُحتمل أن يصحَّ في أحد العبدين، كما لو قال: بع هذا بألفٍ، فباعه بألفٍ وثوبٍ، فإن قلنا: تَطْلُقُ، لزمها الألف، وقال ابن سريج: مهرُ المثل، وهو متَّجهٌ إن أوقعنا واحدةً، بعيدٌ إن أوقعنا الثلاث.
2745 -
فرع:
إذا خالع إحدى امرأتيه، فأرضعت الأخرى رضاعًا محرِّمًا، فإن تقدَّم الخلعُ على الرضاع صحَّ، وإلّا فلا، فإن اختلفا في التقدُّم؛ فإن اتَّفقا على وقت الخلع، فادَّعت تقدُّم الرضاع عليه، وادَّعى التأخُّر عنه، فالقولُ قولُه مع يمينه، وإِن اتَّفقا على وقت الرضاع، فادَّعت تأخُّر الخلع عنه، وادَّعى الزوج التقدُّم، فالقول قولُها.
2746 - فرع:
إذا قالت: طلِّقني بألفٍ، فقال: طلَّقتُك بخمسِ مئةٍ، طلقت على المذهب، وقيل: لا تطلق، كما لا يصحُّ نظيرُه من البيع، ويُحتمل أن يصحَّ البيعُ عند أبي عليٍّ، فإن قلنا: تطلقُ، فتستحقُّ الألفَ أو الخمسَ مئة؟ فيه خلافٌ، ويُحتمل وجوبُ مهرِ المثل.
ولو قال: إن رددتَ عبدي فلك دينار، فقال: أردُّه بنصف دينارٍ، فالوجهُ القطعُ بوجوب الدينار؛ إذ لا أثر للقبول في الجعالة، ويُحتمل أن يجري على الخلاف.
2747 - فرع:
إذا ادَّعى الخلع بألفٍ، فأنكرت، بانت، فإن أقام شاهدًا وحلف، أو شاهدًا وامرأتين، استَحَقَّ الألف.
ولو ادَّعت الخلع، فأنكر، لم يثبت إلَّا بشاهدين.
وإن ادَّعى الزوج بعد الفُرقة أنَّه وطئ؛ لتثبت العِدَّة والرجعة، لم تثبت إلَّا بشاهدين، وإِن ادَّعته المرأة لتأخذ جميع المهر، ثبت بشاهدٍ ويمين،
وبشاهد وامرأتين.
وإِن ادَّعت مهرًا في النكاح، لم يثبت النكاحُ إلَّا بشاهدين، خلافًا لأبي محمَّد؛ فإنَّ مقصوده الأظهرَ ليس بمال.
2748 -
خاتمة:
ألفاظ التعليق والصفات إذا أُطلقت؛ فإن اتَّفقت اللغةُ والعرفُ حُمل اللفظُ عليهما، وإِن اختلفا حُملت على العرف عند الإمام، وعلى اللغة عند الأصحاب، وإِن أشكل اللفظُ لغةً وعرفًا؛ فإن كان مُثَبَّجًا 1 لغا؛ إذ لا يقع الطلاقُ بمجرَّد النيَّة، وإِن تردَّد بين احتمالاتٍ رُوجع المطلِّق، والله أعلم.
الغاية في اختصار النهاية
تأليف سلطان العلماء العز بن عبد السلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (المتوفى سنة 660 هجرية)
تحقيق إياد خالد الطباع
[المجلد السادس]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْغَايَة فِي اخْتِصَار النِّهَايَة (6)
طبعة خَاصَّة الْكتاب طبع على نَفَقَة وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية وَهُوَ يوزع مجَّانا وَلَا يجوز بَيْعه turathuna@islam.gov.qa إدارة الشؤون الإسلامية ص. ب: 422
الطبعة الأولى 1437 هـ - 2016 م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار النَّوَادِر
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لبنان - بيروت ص. ب: 14/ 4462 هَاتِف: 009611652528 فاكس: 009611652529 E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com