كِتَابُ الْصَّيدِ والذَّبَائحِ
كتاب الصيد والذبائح
3678 -
مَنْ أرسل جارحةً على صيد، فأخذته؛ فإن وجده على حياة مستقرَّة، فذبحه، حلَّ، وإن قتلته الجارحةُ قبل أن يدركَه؛ فإن لم تكن الجارحةُ معلَّمةً، لم يحلَّ اتِّفاقًا، وإِن كانت معلَّمةً؛ فإن قتلته بالجَرْح، حلَّ، وكذا إن قتلته بثقلها على الأصحِّ.
وأقربُ الجوارح إلى التعلُّم الكلابُ، ولا يحصل التعلُّم إلَّا بأن يطلبَ الصيدَ إذا أُغري به، وينزجرَ عنه إذا زجره في ابتداء الطلب، وإِن زجره بعد اشتداد عَدْوه، فلم ينزجر، فوجهان، وألَّا يأكلَ منه إذا أخذه، وألَّا ينطلق إلَّا بإطلاقه، فإن انطلق بانفراده، لم يحصل التعلُّم على ظاهر المذهب.
وشرط بعضُهم أن يجيبَ إذا دُعي، فإن أراد به الانزجارَ، فذاك، وإِن أراد الإجابة في غير وقت الحاجة، فلا وجهَ لاشتراطه، وهذا كلُّه في ابتداء التعليم، فإذا حصل التعلُّم، فكان إذا عنَّ له الصيدُ، فزجره وقف، حصل الغرضُ، ولم يشرط أحد ألَّا ينطلق إذا رأى الصيدَ، ورباطه محلولٌ منتظر للإغراء، ويُشترط في التعلم أن تتكرَّر منه هذه الصفات إلى حدٍّ يقضي أهلُ الخبرة بأنَّه صار معلَّمًا متدرِّبًا فيها، فإن تُصوِّر حصولُ هذه الأوصاف في سائر الجوارح، حلَّت فريستُه، وتصوُّرُها من غير الكلب بعيدٌ، وإنَّما تقتنى لتمسكَ
الصيدَ، فيُدْركَ على حياة مستقرَّة، فيُذبح.
وأمَّا جوارحُ الطير: فيبعد أن يُشترط فيها الطلبُ بالإغراء، والانزجار بعد الطيران، وفي اشتراط الانكفاف عن الأكل في ابتداء التعليم قولان، فإن تُصوِّر اجتماعُ هذه الصفات فيها، حلَّت فرائسُها، وإِن لم يُتصوَّر، كان الغرضُ باقتنائها أن تأخذَ الصيدَ؛ ليُدرك، فيُذبح.
3679 -
فرع:
إذا قتل الكلبُ الصيدَ بالجرح، ففي العفو عن غسل الجَرْح قولان منصوصان، فإن قلنا: لا يُعفى، فوجهان:
أحدُهما: يكفي الغسلُ سبعًا والتعفير.
والثاني: يجب أن يقطعَ قطعة من محلِّ العَضِّ، ويجري ذلك في عضِّ الكلب لسائر اللحوم، وما في معناها؛ لأنَّ اللحمَ يتسرَّب لُعابَه، فلا يمكن إزالتُه إلَّا بالقطع.
ولو أصاب لعابه موضعًا من غير عَضٍّ، كفا الغَسْلُ والتعفير اتِّفاقًا، ولو عضَّ عِرْقًا نضَّاخًا بالدم، لم يحرم اللحمُ، وحُكي عن القفَّال أنَّه حرَّمه؛ لسريان النجاسة فيه، وهو غلطٌ ممَّن حكاه؛ فإن العرقَ حائلٌ بين الدم واللحم، وإِن كان الدمُ فائرًا عند العضِّ، كان كإصابة النجاسة أعلى الماء من عين فوَّارة.
3680 - فرع: إذا قتل السهمُ الصيدَ بعُرْضه أو بثِقَله، لم يحلَّ اتِّفاقًا، وإِن قتله الكلبُ
بثقله، [حلَّ] (1) في أصحِّ القولين.
3681 -
فصل في كل الجارحة من الصيد بعد التعلُّم
إذا قتل الكلبُ المعلَّم الصيدَ؛ فإن لعق دمَه، لم يحرم على الأصحِّ، وإن أكل منه، فمات، لم يحرم ما تقدَّم من فرائسه، وفي تحريم ما أكل منه قولان، ولو فُرِّق بين أن يأكل منه عقيبَ أَخْذِه، وبين أن يتركَه زمانًا، ثمَّ يأكل منه، لاتَّجه، ولم يتعرَّض لذلك أحدٌ من الأصحاب.
فإن قلنا: لا يحرم، فاعتاد الأكلَ بحيث بطل تعلُّمه، حرم الصيدُ الذي بطل تعلُّمه بالأكل منه، وفيما تقدَّمه من الفرائس التي أكل منها وجهان، ولا يحصل التعلّم إلّا أن يتكرَّر تركُ الأكل بحيث يحكم أهلُ الخبرة بتعلُّمه، فإذا صار معلَّمًا، لم ينعطف الحلُّ إلى أوَّل فريسة تَرَكَ الأكلَ منها اتِّفاقًا.
3682 -
فائدة:
التسميةُ عند الذبح، وعند إرسال الكلب سنَّة مؤكَّدة، فإن تركها عند الإرسال، وسمَّى عند الإصابة، ففي حصول السنة تردُّد لأبي محمَّد.
3683 -
فصل في اشتراك المسلم والمجوسيِّ في الصيد
إذا اشترك مسلم ومجوسي في الذبح بآلة واحدة، أو قتلا الصيدَ1
بسهميهما، أو كلبيهما، لم يحلَّ اتفاقًا، وإِن سبق كلبُ المسلم أو سهمُه، فترك الصيدَ على حركة مذبوح، فلحقه كلبُ المجوسيِّ أو سهمُه، حلَّ، وإِن انعكس الأمرُ، لم يحلَّ.
ولو حاشه كلبُ المجوسيِّ، وردَّه على كلب المسلم، فقتله، حلَّ، وحيث يُحْكم بالحلِّ، فالملك للمسلم، فإن أثبته كلبُ المسلم، ثمَّ عقره كلبُ المجوسيِّ، [ومات بالجرحين، فعلى المجوسيِّ الضمان، كما لو ذبح شاةَ مسلم.
وإِن أرسل المسلمُ كلبَ المجوسيِّ] (1)، أو المجوسيُّ كلبَ المسلم، فالاعتبارُ بالمرسل.
3684 -
فصل في الإنماء
إذا رمى صيدًا، فهرب، فوجده ميتًا؛ فإن شك في إصابته، لم يحلَّ اتِّفاقًا، وإِن جرحه؛ فإن لم يغب عن عينه، حلَّ اتِّفاقًا، وإِن غاب، فوجد به خَدْشًا آخرَ يمكن أن يُحال على عَثْرة، أو وثبة سبع، ويمكن أن يموتَ بالجرحين، حرم، وإِن لم يجد سوى جرحِه، ففي حلِّه قولان؛ فإنَّا قد نوجب القصاصَ بالجرح إذا دام أثرُه إلى الموت، وكذلك يحلُّ الجنينُ بذكاة أمِّه؛ إحالةً على السبب الظاهر.1
3685 -
فصل في إدراك الصيد قبل موت
إذا أرسل كلبًا أو سلاحًا، فأصاب مذبحَ الصيد، فقتله، حلَّ، وإن أصاب غيرَ المذبح؛ فإن تركه على حركة المذبوح، فأدركه كذلك، لم يتعرَّض له حتَّى يبرد، وإِن تركه على حياة مستقرَّة، فأدركه ميتًا؛ فإن قصَّر في طلبه، لم يحلَّ، وإِن لم يقصِّر؛ حلَّ، وهل يُشترط في الطلب عدْو لا يبهر، ولا يظهر ضرره؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: لا يُشترط، فلا يخرج عن عادته في المشي، بل يمشي كمشيه إلى الجمعة مع ظهور علامات التحرُّم بها.
وقال الإمام: ينبغي أن يسرعَ قليلًا.
وإن أدركه على حياة مستقرَّة، ففقد السكِّين، أو نشَبَتْ 1 في غمدها، أو كانت متقلقلة 2 فيه، فسقطت، أو كانت كآلة لا تقطع، فمات الصيدُ، حرم.
وإِن شرع في الذبح، فمات في أثنائه، حلَّ، وإِن بقي متردِّدًا في حاله، أتمَّ الذبح، وإِن سُلبت منه السكين في حال الطلب؛ فإن لم يشعر بذلك، لم يحلَّ، وإِن شعر به، وكان السالبُ قويًّا، فوجهان، وقطع الإمامُ بالتحريم.
وإِن وجد الصيد متنكسًا، فقلبه؛ ليذبحه، فلم يصل إلى المذبح
حتَّى مات، حلَّ.
3686 -
فصل في اعتبار الفعل والقصد في الذبح والاصطياد
لا يحلُّ الصيد إلَّا بفعل الصائد وقصده، فإن سقط من يده سيفٌ بغير اختياره، فقتل صيدًا، أو سقط على شاة، فقطع حلقومها ومريئها، أو رمى سهمًا، ولم يخطر له صيذ، فأصاب صيدًا، لم يحلَّ.
وإِن رمى ليلًا 1 غيرَ متخيِّل الصيد؛ بناءً على أنَّه قد يصيبُ صيدًا، فأصابه، ففي الحلِّ ثلاثةُ أوجه؛ ثالثُها: إن كان بمكان يغلب على ظنِّه وجودُ الصيد فيه، حلَّ، وإلَّا فلا.
وإِن رمى إلى سرب ظباء، ولم يقصد واحدةً معيَّنة، فأصاب واحدةً منه، حلَّت، وإِن قصد إحداهن، فأصاب غيرَها، فأوجهٌ:
أصحُّها: الحِلُّ.
والثاني: التحريمُ.
والثالثُ: إن رآها، وهي في السرب، حلَّت 2، وإِن لم يرها، أو ثارت بعد مروق السهم، لم تحلَّ.
وإِن قصد شجرةً، فأصاب صيدًا، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالحرمة؛ لأنَّه لم يقصد الصيدَ، وإِن قصد صيدًا يظنُّه شجرةً، فأصاب صيدًا آخرَ، فوجهان مرتَّبان على قصد الشجرة، وأولى بالحلِّ.
وإن رمى شيئًا يظنُّه حجرًا، فبان أنَّه صيد، حلَّ، وإن ظنَّه خنزيرًا أو حيوانًا محرَّمًا، فظهر صيدًا، فأوجهٌ:
أصحُّها: الحِلُّ.
والثاني: الحرمةُ.
والثالث: إن كان من جنس يجوز رميُه حلَّ، وإلَّا فلا.
وإن رمى شيئًا لا يدري ما هو، ولم يظنَّ شيئًا، فظهر صيدًا، حلَّ عند الإمام، ورتَّبه أبو محمَّد على الخلاف في الخنزير.
وإن ظنَّ أنَّ المرميَّ خنزير، فأخطأ ظنُّه، وأصاب غيرَه، ففيه خلاف مرتَّب.
وإن أرسل الكلبَ على صيد، فأخذ غيره؛ فإن مال عن صَوْبه، وظهر أنَّه ترك الإغراءَ، ومال اليه بالطبع، لم يحلَّ، وإن لم يمل عن صَوْبه، فوجهان مرتَّبان على ما لو قصد ظبية، فأصاب غيرَها، وأولى بالحرمة عند الأكثرين؛ لاختيار الكلب، وقيل: أولى بالحِلِّ؛ إذ لا يمكن إغراؤُه بطلب ظبية معينَّة من سرب، ولو أصاب السهمُ حجرًا، فارتدَّ إلى الصيد، ففي حلِّه وجهان، وإِن نزع في القوس، فأفلت الوتر، وصدم الفُوقَ، فأصاب السهمُ الصيدَ، فوجهان، وإن رمى سهمًا يقصر عن الصيد، فوصل إليه بالريح، فقد قيل: يحلُّ، وفيه أحتمال.
3687 -
فرع:
قال الشافعيُّ: إذا قطع شيئًا ليِّنًا يظنُّه خشبة، فإذا هو رقبة شاة، حلَّ، وإن حسبه خنزيرًا، أو حيوانًا محرَّمًا، فقد قطع الإمامُ بالحلِّ؛ لقوَّة
الفعل، بخلاف الرمي.
3688 -
فصل في إغراء الكلب بعدما استرسل بنفسه
إذا استرسل الكلبُ المعلَّم بنفسه، وقتل الصيدَ، لم يحلَّ؛ فإن أكل منه، وتكرَّر ذلك مرارًا، لم يبطل تعلُّمه؛ إذ لا يشترطُ تركُ الأكل إلَّا عند الإغراء، ولو انطلق بنفسه، فزجره، فلم ينزجر، فأغراه، [فلم يزد عَدْوُه، ثمَّ قتل الصيدَ، لم يحلَّ، وإِن زجره فانزجر، فأغراه، فطلب الصيدَ، وقتله، حلَّ، وإِن زجره، فلم ينزجر، فأغراه] 1، فزاد عَدْوُه، فوجهان، فإن قلنا: يحلُّ، فأكل منه، وقلنا بتحليل ما أكل منه، ففي التحريم هاهنا احتمالٌ، وإِن لم يزجره، بل أغراه، فزاد عدوُه، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالحلِّ.
ولو أرسل كلبه، فزجره أجنبيٌّ، فانزجر، فأغراه على الصيد، فقتله؛ فإن جعل صيد المغصوب للغاصب -وهو الأصحُّ- فالصيدُ هاهنا للأجنبيِّ، [وإن جُعل للمالك، فهو هاهنا لصاحب الكلب، فإن جعلناه للأجنبيِّ] 2، فزجره، فلم ينزجر، فأغراه، فزاد عَدْوُه، فالصيد له، أو لصاحب الكلب؟ فيه وجهان، وإِن لم يزجره، فأغراه، فزاد عدوُه، فوجهان مرتَّبان، ولا يبعد الحكمُ باشتراكهما، وإِن أرسله مجوسيٌّ، فأغراه مسلمٌ قبل الزجر، أو بعده، أو أرسله مسلم، فأغراه مجوسيٌّ، ففي حلِّه الخلاف.
3689 -
فصل فيمن رمى صيدًا، فأبان بعضَ أعضائه
إذا ضرب صيدًا بسيف أو غيره، فأبان بعضَ أعضائه؛ فإن صيَّرته الإبانةُ إلى حركة مذبوح، حلَّ الصيدُ والعضو، وإِن بقي على حياة مستقرَّة، فذبحه، حلَّ، وحرم العضوُ، وإن مات قبل الإدراك، حلَّ، والأصحُّ: تحريم العضو، وإِن رماه بعد الإبانة بسهم؛ فإن ذَفَّفه، حلَّ، وحرم العضوُ، وإن بقي على حياة مستقرة، فمات بالجرحين قبل الإدراك، والإبانة غير مزمنة، ففي حلِّه خلاف مرتَّب على ما إذا مات بالإبانة وحدها، وأولى بالتحريم؛ لأنَّ الإبانةَ ثَمَّ تجرَّدت للذكاة، وهنا لم يمت بمجرَّد الابانة، فإن قلنا بالتحليل، فالوجهُ أن يُحكمَ به عند موت الصيد.
3690 -
فصل فيمن تحلُّ ذبيحتُه
مَنْ حلَّ نكاحه حلَّت ذبيحته، ومن لا يحلُّ نكاحه لا تحلُّ ذبيحته إلَّا الأمةَ الكتابيَّة، ومن تولَّد من وثنيٍّ وكتابيَّة لم تحلَّ مناكحتُه، ولا ذبيحتُه، وفيمن تولَّد من كتابي ووثنيَّة قولان، ومن توئَد من وثنيٍّ وكتابيَّة، فله حكم أبيه اتِّفاقًا، فإن دان بعد البلوغ بدين أمِّه لم يُقَرَّ على الأصحِّ، وقيل: يُحكم له بدين أمِّه، ويُوقف أمرُه قبل البلوغ.
وتحلُّ ذكاة الصبيِّ المميِّز على الأصحِّ، وإِن لم يميِّز، فالأصحُّ تحريمُ ذكاته، وذكاةُ المجنون الذي لا قصد له.
3691 -
فصل في ذكاة المقدور عليه والمعجوز عنه
ذكاةُ المقدور عليه من البهائم والصيد بقَطْع الحُلْقوم والمَرِيء، وذكاةُ الصيد بجرح الأسلحة، أو بجرح الجوارح المعلَّمة في المذبح وغيره.
وإِن شردت بهيمةٌ إنسية؛ فإن انتهت إلى مَسْبَعة أو مهلكة، وتعذَّر إدراكها بالعَدْو، والاستعانة [بمن يستقل] (1) على العادة في مثله، فحكمها حكمُ الصيد، وإِن لم تصل إلى هذا الحذ، فلا يثبت لها حكمُ الصيد عند الإمام، ودلَّ كلامُ غيره على إلحاقها بالصيد.
ولا يحلُّ بأدنى إفلات، وعلى قول الإمام: إن انتهت إلى موضع فيه لُصوص وسرَّاق، فوجهان.
ولو تنكَّست بهيمة في بئر، فعَسُر إخراجُها، والوصولُ إلى مذبحها، فجرحت فيما ظهر من جسدها جرحًا يمكن حصولُ الموت به (2)؛ فإن كان الجرحُ مذفِّفًا، حلَّت، وإلَّا فوجهان، والمحقِّقون على التحريم.
وإن رمى صيدًا، فلم يتمكَّن من طلبه، وأمكنه أن يواليَ الرميَ إلى أن يُذَفِّفه، أو يعجزه، ففي اشتراط ذلك خلافٌ مرتَّب، وأولى بألَّا يُشرط؛ لعسره مع إفلات الصيد.
3692 -
فرع:
قال الأئمَّة: إذا ذبحت الشاةُ نفسَها بسكين في يد إنسان، لم تحلَّ؛ إذ12
لا قصدَ، ولا فعلَ، فإن حرَّك يده مع احتكاك الشاة، فالوجه التحريمُ؛ لاشتراكهما في الذبح، فإن اضطربت الشاةُ في حال الذبح؛ (فإن كان) (1) اضطرابًا يؤثِّر في الذبح، فليحترز منه؛ فإن ظهر فعلُه في الذبح، وقدِّر لها فعل خفيٌّ يُتوسوس بمثله، فلا أثرَ لذلك؛ اعتمادًا على فعل الذابح، ولو نصب في الأحبولة منجلًّا، فعقر الصيدَ، فمات به، لم يحلَّ اتّفاقًا.
3693 -
فرع:
للصيد امتناعٌ بالعَدْو أو الطيران، فمن رماه، فأزال امتناعَه، ملكه اتِّفاقًا، وإن لم يضع يدَه عليه، فإن صار على حركة المذبوح، فرماه آخرُ، لزمه أَرْشُ تمزيق الجلد، وتقطيع اللحم، دىأن بقي على حياة مستقرَّة، فرماه أجنبيٌّ فله حالان:
إحداهما: أن يصيبَ المذبحَ، فيذبحه، فيحلُّ، ويجب ما بين قيمته لحمًا، وحيوانًا مثبتًا، وخصَّ الإمامُ ذلك بما إذا قصد قطعَ الحلقوم والمريء، وقال: لو رمى شاةً رَبِيطة، أو صيدًا مثبتًا، فاتَّفق أنَّه ذبحه، ففي حلِّه تردُّد، وينبغي أن يُفرَّق بين أن يقصدَ المذبح، أو يقصد الحيوان، فيصيب المذبحَ.
الثانية: أن يصيبه في غير المذبح، فإن قتله، حرم، ولزمته قيمتُه مثبتًا، وإِن لم يقتله، فمات بالجرحين، حرم، وفي قدر الضمان خلافٌ مبنيٌّ على أنَّ من جرح بهيمةً، أو عبدًا قيمتُه عشرة، فنقص بالجرح درهمًا، ثمَّ جرحه آخر، فنقص درهمًا، ومات بالجرحين، ففيما يضمنانه خمسةُ أوجه:
أحدُها: يضمن كلُّ واحد خمسةً.1
والثاني: على الأوَّل خمسة، وعلى الثاني أربعة ونصف؛ فإنَّ القاعدةَ في ضمان العبيد والبهائم والأحرار ألَّا ينظر إلى الأرش مع وقوع السراية.
والثالث: على الأوَّل خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة؛ إدراجًا لنصف الأرش في النفس، وإبقاءً للنصف الآخر.
والرابع: يُقدَّر على الأوَّل خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، ونبسط الجميعَ أنصافًا، فتبلغ أحدًا وعشرين جزءًا؛ عشرة منها على الثاني، وأحدَ عشر على الأوَّل.
والخامس: اختاره الأمام والمحقّقون: على الأوَّل خمسة ونصف، وعلى الثاني أربعة ونصف؛ فإنَّهما قاتلان، فصار كما لو جرحاه معًا جرحين مختلفي الأرش؛ فإنَّهما يضمنانه نصفين، والجرح إذا صار قتلًا، لم ينظر الشرعُ إلى الأرش، ولو صار جرحُ الأوَّل قتلًا، لزمه جميعُ القيمة، فاذا جرحه الثاني، لم يلزمه أكثرُ من نصف قيمته حالَ الجرح، فكان الأوَّل متَسَبِّبًا إلى القتل إلَّا فيما يلزم الثاني، وأبعد بعضُ العراقيِّين، فقال: يرجع الأوَّل على الثاني بنصف الأرش بعد تقديره بكماله عليه، ولا وجهَ لهذا، والأوَّل باطل؛ لما فيه من التسوية، والنظر إلى الأرش، والثاني ضعيفٌ؛ لإسقاط بعض القيمة، وكَذا الثالث والرابع؛ للنظر إلى الأرش.
ولو جرح عبدَ نفسه، وجرحه أجنبيٌّ ففيما يجب على الجاني الأوجهُ الخمسة، وأمَّا مسألةُ الصيد: ففيها ثلاثةُ أوجه:
أحدُها: يجب كمالُ قيمته مثبتًا؛ لأنَّ جرحَ الأوَّل مفيد للملك، بخلاف الجرحين المُفْسدين، فيجب عليه تسعةٌ، فإنَّ الجرحَ المثبت لو سرى، لم
يَفُت الصيد به على الجملة، والغرم يتبعُ الافسادَ، والإفاتةَ، واستدرك صاحبُ "التقريب"، فقال: إن كان المثبتُ يساوي تسعةً لو لم يمت، ولو مات بالجرح المثبت ذكيًّا فربما يساوي ثمانية، فعلى الجارح ثمانيةٌ ونصف؛ فإنَّ الدرهمَ العاشر سقط بالموت، وهو مضافٌ إليهما، فيُوزَّع عليهما، والذي ذكره واضحٌ، وفيه احتمال.
والثاني: فيه الأوجهُ الخمسة.
والثالث -وهو الأصحُّ-: إن جدَّ في طلبه، فلم يتمكَّن من ذبحه، فعلى الثاني قيمتُه مثبتًا، وإن قصَّر في الذبح، أو انتهى إليه، فلم يذبحه، ففيه الأوجه الخمسة.
3694 -
فصل في الاشتراك في الاصطياد
إذا رمى اثنان صيدًا، فلهما حالان: إحداهما: أن يصيباه معًا، فإن كان جرحُ أحدهما مذفِّفًا ملكه، ولا أرشَ على الآخر، وإِن كانا مذفِّفين، أو مزمنين، فلم يدركا ذكاته، أو أدركاها، فذكَّياه، أو كان جرحُ أحدهما مذفِّفًا، وجرح الآخر مزمنًا؛ ككسر الجناح، فالصيدُ بينهما، ومتى حصل الإثباتُ بهما، كان الصيدُ بينهما، فإن شككنا هل حصل بهما أو بأحدهما، أو علمنا حصولَه بأحدهما، وأشكل علينا، فالصيدُ بينهما في ظاهر الحكم، وقد يطرأ في مثل ذلك أن يتحرَّجَ في كلِّ واحد منهما، ثمّ يجرُّ ذلك وقفا واصطلاحًا بعد ذلك، واستحلالًا، وإِن علمنا
تذفيفَ أحدهما، وشككنا في تذفيفِ الآخر وإزمانه، أو جرح اثنان رجلًا جرحين يعلم تذفيفُ أحدهما، ويُشكُّ في تذفيف الآخر، فقد جعل القفَّال الصيد للراميين، وأوجب القصاصَ على الجارحين، ويبعد إيجابُ القصاص بالشكِّ، وفي الصيد تردُّد، فيحتمل أن يُجعلَ نصفهُ للمذفِّف، ويُجعل النصف الآخر بينهما، [والوجه: أن يُجعل النصفُ للمذفِّف، ويُوقف النصفُ الآخر بينهما] 1.
الحال الثانية: أن يتعاقبَ الجرحان، فالعبرةُ بتعاقبهما دون تعاقب الرمي، فإن أزمنه الأوَّل، ثمَّ أصابه الثاني، ففيه الأوجه الثلاثة، وإِن ذفَّفه الأوَّل، فعلى الثاني أَرْشُ قطع الجلد واللحم، وإِن لم يزمنه الأوَّل ولم يذفِّفه؛ فإن أزمنه الثاني أو ذفَّفه، ملكه، ولا أرشَ على الأوَّل، وإن تردَّد الصيدُ بين احتمالين يحل بأحدهما، ويحرم بالآخر؛ بأن شككنا هل أزمنه الأوَّلُ، وذففه الثاني، أو كان الثاني مزمنًا، والأوَّل غير مزمن، ففي حلِّه طريقان:
إحداهما: التخريجُ على قولي الإنماء؛ فإنَّ الأصلَ عدمُ إزمان الأوَّل.
والثانية: القطعُ بالتحريم؛ فإنَّ في مسألة الإنماء أصلًا يُستصحب، وهاهنا قد تعارض المبيحُ والحاظر.
وإِن أزمنه الجرحان، وكلُّ واحد منهما لا يذفِّف على انفراده، فالمذهبُ: أنَّه للثاني، وعلى قول مُخرَّج يُجعل بينهما، فان قلنا بالمذهب، فعاد الأوَّل فجرحه جرحًا آخر، فمات بالجراحات، لزمه ضمانُه، وهل يضمنه مجروحًا
بالجرحين، أو بأحدهما؟ فيه خلاف، فإن قلنا: لا يضمنه بالجرحين، فهل يلزمه ربعُ القيمة؛ توزيعًا على الجارحين، وعلى الجرح المحرَّم والمباح، أو ثلثُ القيمة؛ توزيعًا على الجراحات؟ فيه وجهان، فإن أوجبنا الثلثَ أو الربعَ، فهل يُضمُّ إليه اعتبارُ الأرش؟ فيه الخلافُ المذكور في كسر الصيد.
وإِن رمياه، وذكَّياه، وادَّعى كلُّ واحد (منهما) (1) أنَّه المزمن، كان كتنازعهما دارًا في أيديهما.
3695 -
فصل فيمن رمى صيدًا، فسقط في ماء أو غيره
إذا رمى الطائرَ، فذبحه السهمُ، أو ذفَّفه، حل، وإِن لم يذفِّفه، فسقط على الأرض، وظهر أنَّه مات بالجرح، وصدمة الأرض، حلَّ؛ لغلبة ذلك.
وإِن سقط في ماء، أو على جبل، فتدحرج من صخرة إلى أخرى إلى أن مات، لم يحلَّ؛ لندرة ذلك، وفي مسألة الجبل احتمالٌ يجري فيمن توسَّط بحرًا، أو رمى طيرَ الماء؛ فإن الصيدَ في الجبال والبحار ليس بنادر.
وإِن رماه على شجرة، فسقط من غصن إلى غصن إلى أن مات، لم يحلَّ، وفيه احتمال؛ لغلبة إصابة الطيور على الأشجار، وإِن رماه في الهواء، فكسر جناحَه من غير جرح، فسقط، ومات، لم يحلَّ.
وإن جرحه جرحًا خفيفًا لا يؤثِّر في الموت، فتعطَّل جناحه، فسقط ومات، لم يحلَّ عند الإمام.1
وإن رمى صيدًا، ولم يجرحه، فمات بثقل الآلة، أو صيَّره الثقلُ إلى حركة المذبوح، لم يحلَّ، ولو أصابه بطرف النصل، وثقل عليه النصل عرضًا في ممرِّه، أو جرحه بسهم، ورماه آخرُ ببندقة، فمات بهما، أو شككنا في موته بهما، لم يحلَّ.
3696 -
فصل فيما يملك به الصيد
إذا زال امتناعُ الصيد من الانطلاق بسبب مضاف إلى فعل إنسان، فللسبب أحوال: أحدُها: أن يكون ممَّا يُقصد به ذلك غالبًا؛ مثل أن يرميَه، أو ينصبَ له شبكة، أو يحوشه، فيدخله بيتًا، أو تدخل بيته ظبيةٌ، فيغلق عليها البابَ مع علمه بها، أو يسقي أرضَه، فيتوحَّل فيها صيدٌ، وكان السقيُ ممَّا يُقصد به ذلك، فإنَّه يملكه بهذه الأسباب، ولو حاشه إلى مضيق عليه راصدٌ، فأخذه الراصد، [ملكه الراصدُ] 1. الثانية: ما لا يقصدُ به إثباتُ الصيد؛ كبناء دار عشعش فيها طائر، فباض وفرَّخ، فلا يَملك البيضَ والفرخَ على الأصحِّ؛ لأنَّ الدورَ لا تُبنى لذلك، فإن قلنا: يُملك الفرخُ، فطار، لم يزل ملكُه عنه، وهذا يضغف القولَ بإثبات الملك؛ فإنَّ الطيورَ تحلِّق في البساتين، ولا يخطرُ لأحد أنَّها ملك لربِّ البستان.
الثالث: ما يُقصد بمثله الإثبات، ولكن يحصل الإثباتُ بغير قصد؛ مثل أن يسقطَ من يده شبكةٌ، فيتعقَّل بها صيد، أو يسقي أرضَه، أو يحصل فيها ماء بغير قصده، فيتوحَّل فيها صيدٌ، أو يغلق البابَ على ظبية من غير شُعور بها، ففيه خلافٌ مرتَّب على ما لا يُقصد بمثله الإثبات.
الرابع: أن يُقصدَ الإثبات بسبب لا يُقصد بمثله الإثبات، ففيه خلاف مرتَّب على اتِّفاق الثبوت نادرًا.
3697 -
فرع:
إذا قلنا: لا يُملك ما حصل في الدار والأرض، فإنَّه يصير أخصَّ به، فإن أخذه غيرُه، فهل يملكه بالأخذ؟ فيه تردُّد.
وإِن دخلت سمكةٌ إلى بركة له ضيِّقة، فعلم بها، فسدَّ منافذَ البركة؛ فإن صارت في مضيق يسهل عليه أخذُها ملكها، وإن تعسَّر أخذُها؛ لاتِّساع البركة، كان كمتحجِّر الموات.
3698 - فرع:
إذا دخل بستان غيره، وأخذ منه طائرًا ممتنعًا، ملكه اتِّفاقًا، وإن أفلت منه طائر، لم يزل ملكُه بالإفلات، وإِن قصد تحريرَه، وردَّه إلى الإباحة، لم يزل الملكُ على الأصحِّ، وأبعد مَنْ أزاله، وردَّه إلى الإباحة.
ولو ألقى كسرةَ خبز، وأعرض عنها، كان ذلك إباحةً على ظاهر المذهب؛ فإن القرائنَ كافيةٌ في الإباحات، وفي زوال الملك خلافٌ مرتَّب على الطائر، وأولى بألَّا يزول؛ لأنَّ سببَ ملك الطائر اليدُ، وقد زالت.
وإِن طرح إهابَ ميتة، وأعرض عنه، فدبغه آخرُ، ففيه خلافٌ مرتَّب
على الكسرة، وأولى بحصول الملك للدابغ؛ لعدم الملك في الإهاب.
3699 -
فصل في اختلاط الحمام المباح بالمملوك
إذا اختلط حمامُ رجل بحمام آخر، وعَسُرَ التمييزُ، لم يصحَّ تصرُّفهما في ذلك، فإن باع أحدُهما حمامةً من صاحبه، أو وهبه منه، ففي الصحَّة وجهان، فإن باعه من ثالث؛ فإن تساوت القيمُ، وعُلم ما يختصُّ به كلُّ واحد منهما، صحَّ البيع اتِّفاقًا، وإن جهل العدد، فإن قالا: بعناها منك لم يصحَّ؛ لجهالة الثمن، وإِن قال كلُّ واحد منهما: بعتك حمامي بكذا، فالوجه إبطالُ البيع، ويُحتمل التصحيح؛ لأجل الحاجة، وتعذُّر زوال الجهالة.
وإِن اختلط حمامٌ مملوك منحصر بحمام مباح غير منحصر، لم يحرم الاصطيادُ بذلك؛ كاختلاط الأخت بأجنبيَّات لا ينحصرن، والمعنيُّ بما لا ينحصر: ما يبعد حَصْرُه.
وإِن اختلط حمامٌ مملوك لا ينحصر بمباح لا ينحصر، جاز الاصطيادُ عند المعظم، وقيل: يحرم، وهو القياسُ؛ لأنَّ نسبةَ ما لا ينحصر إلى ما لا ينحصر كنسبة المنحصر إلى المنحصر.
3700 -
فرع:
إذا وُجدت فريسةٌ على حياة مستقرَّة، فذُبحت، حلَّت.
3701 -
فصل في صيد البحر
السمك والجراد حلالٌ وإِن ماتا بغير سبب، وسواء كان السمكُ راسبًا، أو طافيًا، ولا يحلُّ 1 اقتطاعُ جزء من سمكة حيَّة؛ لما فيه من الإيلام، فإن قطعه، وأكله، لم يحرم على المذهب.
وإِن بلع سمكةً حيَّة، لم يحرم على المذهب، وأبعد من حرَّمها، وجعل موتَها ذكاتَها، فإن قلنا: لا تحرم، فبلعها لحاجة، لم يأثم، وإِن بلعها لغير حاجة، أثم على الأصحِّ، وفي نجاسة خُرْئها ودمها خلاف.
وما عدا السمكَ من الحيوان المائيِّ ضربان:
أحدُهما: ما يعيش في البرِّ والبحر؛ كالضفدع والسرطان، فالمذهبُ تحريمُه؛ لأنَّ العربَ تستخبثه، وقيل: للشافعيِّ قول في تحليله.
الثاني: ما لا يعيشُ في البرِّ، وفيه قولان:
أحدُهما: التحريمُ، وهو غريبٌ مرجوع عنه.
والثاني: إن لم يكن له نظيرٌ في البرِّ، أو كان نظيرُه في البرِّ حلالًا؛ فإن ذُبح، فهو حلال، وإِن لم يُذبح، فقولان، وإِن كان نظيرُه في البرِّ محرَّمًا؛ ككلب الماء وخنزيره، ففي حفه قولان، فإن أحللناه، ففي اشتراط ذبحه قولان.