الغاية في اختصار النهايةصفحات 46-85

الأصابع (1)، ولا يتعمَّد فيها ضمًّا ولا تفريجًا، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رفعهما إِلى حَذْوِ منكبيه (2)، وإِلى حذو أذنيه (3)، وإلى شحمة أذنيه (4)، وللشافعي في حدِّ رفعهما قولان: أحدهما: الجمعُ بين هذه الروايات، فيحاذي بأطراف أصابعه أُذنيه، ويإِبهامَيْهِ شحمةَ أذنيه، ويظهور كفَّيْهِ منكبَيْهِ، فيتفق مذهبُه ومذهبُ أبي حنيفة.
والثاني: يرفعهما بحيث لا تجاوزُ أطرافُ أصابعه أطرافَ منكبيه، وهي رواية أبي حُميد الساعديِّ في عشرة من الصحابة (5).

301 -

وقت رفع اليدين:

وفي وقت رفعهما وخَفْضِهما ثلاثةُ أوجه: أحدُهما: يرفعهما إِلى حدِّهما، ثم يكبرِّ، ويرسلهما مع التكبير، فتنتهيان إلى قرارهما مع انتهاء التكبير أو قريبًا منه.
روى ذلك أبو حميد الساعدي 6.12345

والثاني: يبتدئ التكبير مع الرفع، وينهيه مع وصول اليد إلى حدِّها في الرفع.
روى ذلك وائلُ بن حجر (1). والثالث: يرفعهما إِلى حدِّهما، ويكبّر، وهما قارَّتان في حدِّهما، ثمَّ يرسلُهما بعد نجاز التكبير، وهذه رواية ابن عمر (2)، وهل هذا اختلاف أو يسوغ الأخذُ بالكل؟ فيه مذهبان.

302 -

فرع:

إِذا لم يمكنه رفعُ يديه إِلا بمجاوزة الحدِّ الذي ذكرناه، رفعهما على النصِّ مع مجاوزتهما للحدِّ.

303 -

فصل في تسوية الصفوف ووضع اليمين على اليسار

ينبغي للناس أن يسوُّوا صفوفَهم قبل تكبير الإِمام، ولا يكبِّر الإِمامُ حتى يظنَّ أنَّ الصفوفَ قد استوت، ولا يقومون إِلا بعد فراغ الإِقامة، فإذا تمَّت، أحرم الإِمامُ، ثمَّ تابعوه، وينبغي للمصلِّي أن يجعلَ يديه على صدره قابضًا بكفِّ اليمنى على كوع اليسرى؛ إِمَّا أن يقبضَ بكفِّ اليمنى على كُوع اليسرى، ويبسطَ أصابعه على عرض المَفْصِل، وإِمَّا أن يأخذَ كوعَ اليسرى من أعلاه، وينشرَ أصابعَه في صَوْب ساعده.
12

304 -

فصل في التعوّذ والاستفتاح

ينبغي أن يُعقِبَ عَقْدَ الصلاة بدُعاء الاستفتاح (1)، ثمَّ يتعوَّذ قبل الفاتحة في الركعة الأولى، وكذلك في سائر الركعات على الأصحِّ، والجديدُ أنَّه لا يجهر بالتعوُّذ في الصلوات الجهريَّة.

305 -

فصل في قراءة الفاتحة

يجب على مَنْ يحسنُ الفاتحةَ أن يقرأَها في كلِّ ركعة، والبسملةُ من القرآن في أول الفاتحة، وكذلك في أوَّل كلِّ سورة كتبت فيها على الأصحِّ، وهي آيةٌ من الفاتحة، وهل هي آية من غير الفاتحة، أو بعضُ آية؟ فيه قولان، ولا فرقَ بين الإِمام والمأموم والمنفرد، وفيه قولٌ: أنَّه إِن أسرَّ الإِمام وجبت على المأموم، وإن جهرَ سقطت عنه.

306 -

فصل في ترتيب الفاتحة وموالاتها ونسيانها

إِذا ترك الفاتحةَ أو فرَّقها أو نكَّسها، أو ترك حرفًا من حروفها أو خفَّف مشدَّدًا لم تصحَّ صلاتُه، وقيل: لا يضرُّ تفريقُها.
ولو أبدل ضادَ ﴿الضَّالِّينَ﴾ بظاء، لم يجز على الأصحِّ، وتسقط بالنسيان على القديم دون الجديد، فإِن قلنا: لا تسقط، وأوجبنا الوِلاء، فنكَّسها أو1

فرقها ناسيًا، بطلت بالتنكيس دون التفريق، ويبطل وِلاؤُها بالسكوت الطويل، وبالذِّكر اليسير في الزمن القصير.
وإنْ أمَّنَ لتأمين إِمامه، أو سجد لتلاوته، أو سأل عند قراءته آيةَ رحمة، ففي انقطاع الوِلاء وجهان.
وإن كرَّرها أو كرَّر كلمة منها بسبب شكٍّ في ذلك، فلا بأس، وإِن كرَّر كلمةً منها لغير سبب، لم يضرَّ عند الإِمام، وتردد فيه أبو محمد.

307 -

فرع:

لو نكَّس التشهُّدَ تنكيسًا يُخِلُّ بمعناه، لم يُعتدَّ به، وإن تعمَّد ذلك بطلت صلاتُه، وإن لم يخلَّ بمعناه جاز، وقيل: على وجهين (1)، كما في قوله: الأكبر الله.

308 -

فصل في الأُمِّيِّ الذي يُحسِنُ شيئًا من القرآن

إِذا قرأ الأمِّيُّ 2 آيةً مساويةً لحروف الفاتحة، لم تجزه، ويجزئه سبعٌ مساوية لحروفها، وفي الناقصة وجهان؛ فإِن شرطنا المساواةَ وجب الترتيبُ عند أبي محمد، فيأتي في مقابلة الأُولى بآية تساويها في الحروف أو تزيد، وكذلك إِلى آخر الفاتحة، فلو قرأ ستًّا نواقصَ عن السِّتِّ الأُوَل، ثمَّ أتى بآية1

تكمل حروفَ الفاتحة أو تزيد، لم يجزه، وإِن لم يحسن إلا القِصارَ قابل الآية بالآيتين.
وقال الإِمام: لا يشترط ما ذكره أبو محمد، ولا تجزئه سبعٌ متفرِّقات إِلا إِذا عَجَز (1) عن المتواليات، فإِن كانت آحادًا متفرقات لا تفيدُ معنىً منظومًا، كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، فينبغي أن لا يجزئه ويُردَّ إِلى الأذكار، وإِن لم يحسن إِلا آيةً، فهل يلزمه تكرارُها سبعًا، أو يأتي بها مرَّة، وبالذكر بدلًا عمَّا بقي؟ فيه وجهان، ولا يلزمه الجمعُ بين التكرار والذكر.

309 -

فصل فيمن يحسنُ بعضَ الفاتحة

وعلى من يعرف بعضَ الفاتحة أن يأتيَ بما عرفه، وبالذكر بدلًا عما جهله، ويلزمه الترتيبُ اتفاقًا، فإن عرف النصفَ الأخيرَ، بدأ بالذكر، ثم أتى بما يعرفه، وإن عرف النصفَ الأول قدَّمه، ثم عقبه بالذكر.

310 -

فرع:

إِذا عرف آيةً من الفاتحة، فهل يكفيه تكرُارها، أو يأتي بها وبسِتّ آيات من غيرِها؟ فيه وجهان؟ فإن قلنا: يكفيه التكرار، فكان يحسن آيتين، احتمل أن يكفيَه تكريرُهما أربعَ مرات.
1

311 -

فصل في الأمِّيِّ الذي لا يحسن شيئًا من القرآن

وعلى من لا يحسنُ شيئًا من القرآن أن يأتيَ بالأذكار، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه علَّم أعرابيًّا لا يحسنُ شيئًا من القرآن أن يقولَ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إِلا بالله (1). وفي تَعيُّن هذه الأذكار وجهان ذكرهما العراقيون، ولا يتعيَّن عندنا، بل يلزمُه أن يأتيَ بأذكار عربية - إِن عرف العربيةَ - مساويةٍ لحروف الفاتحة، ويجزئه التسبيحُ والتهليل، فإِن اقتصر على الدعاء، ففيه احتمالٌ عند أبي محمَّد، وقال الإمام: الأشبهُ الإِجزاء فيما يتعلَّق بأمور الآخرة دون مآرب الدنيا.
قلت: لا وجهَ لإِقامة الدعاء مقامَ الثناء، والاختيار تعيُّن ما علَّمه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابيِّ.

312 -

فصل في تعلُّم الفاتحة في أثناء الصلاة

إِذا تعلَّم الفاتحةَ في الركوع، أجزأته ركعتهُ، وإن تعلَّمها قبل الشروع في البدل، لزمه قراءتُها، وفيما بعد البدل وقبل الركوع وجهان، وإن تعلَّمها في أثناء البدل، لزمته على الأصحِّ، وقيل: لا تلزمه، كما لو وجد المكفِّرُ الرقبةَ بعد الشروع في الصوم، ولا يصحُّ هذا الإِطلاق، بل إِن أتى بنصف البدل ثمَّ تعلَّمها لزمه قراءةُ نصفها الآخرِ وجهًا واحدًا، وفي نصفها الأوَّل الخلافُ.1

313 -

فرع:

إِذا قصد إِبدالَ الفاتحة بدعاء الاستفتاح، أجزأه، وإِن قصد إِيقاعَه مسنونًا كما شُرع، لم يجزه، وإِن أتى بذكر سوى الاستفتاح، ولم يقصد البدل، ففيه تردُّد لصاحب "التقريب".

314 - فرع: لا تبطل الصلاةُ بتكرير الفاتحة في القيام، ومن ألحق تكريرَها بتكرير الركوع فقد أبعد؛ لأنَّ تكريرَ الركوع يخلُّ بنَظْم الصلاة؛ بخلاف تكرير القراءة.

315 - فرع: نقل عن الشافعيِّ أنَّه ألزم الأخرسَ بتحريك لسانه بدلًا عن تحريكه بالقراءة، كما في الاِيماء بالركوع، واستبعده الإِمامُ، وألزم عليه إِيجابَ التصويت، فإِنه أقربُ إِلى القراءة، وألحق التحريكَ الكثيرَ بالأفعال الكثيرة.

316 - فرع: لو نوى قطعَ القراءة مع استمراره عليها، فلا أثرَ لنيَّته، بخلاف ما لو نوى قطعَ الصلاة.

317 -

فصل في التأمين

التامينُ عَقيبَ الفاتحة مسنونٌ للإِمام والمأموم والمنفرد، وفيه لغتان: المدُّ والقَصْر، ويؤمِّن المأمومُ تبعًا للإِمام، وإِن لم يكن عَقيبَ فراغه من

الفاتحة، قال أبو محمَّد: لا تُستحبّ مساوقةُ (1) الإِمام إِلَّا في التأمين، ويجهر به الإِمام على حدِّ جهره بالقراءة، واختلف نصُّه في المأموم، فأطلق الجمهورُ قولين: أحدهما: لا يجهر كسائر أذكار الصلاة.
والثاني: يجهر؛ لمتابعته، كما يؤمِّن لمتابعته.
وقال العراقيون: يجهر إِن لم يجهر الإِمام، وإِن جهر الإِمام، فقولان.
وقيل: إِن بلغهم صوتُ الإِمام؛ لقربهم منه، أو لصِغر المسجد، لم يجهروا، وإِن كَبُر المسجد ولم يبلغهم صوتُه، جهروا بأجمعهم؛ تنزيلًا للنصَّين على هاتين الحالين.

318 -

فصل في قراءة السورة

قراءة السورة بعد الفاتحة سنَّةٌ للإِمام والمنفرد في الصبح والأُولَيين من غيرها، وفيما زاد على الأوليين قولان: الجديدُ: أنه يقرأ قراءة أخفَّ من قراءة الأوليين، ولا يقرؤها المأموم إِن سمع قراءةَ الإِمام، وإِن لم يسمعها، أو اقتدى في السرِّيَّة، قرأها على الأقيس، وحجَّة من لا يقرؤها: قولُه عليه السلام: "إِذا كنتم خلفي، فلا تقرؤوا إِلا بفاتحة الكتاب 2 ".1

قال أبو محمَّد: كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكتة بين الفاتحة والسورة، فينبغي للمأموم أن يقرأَ الفاتحة في سكتة الإِمام (1).

319 -

فرع:

لو قدَّم السورةَ على الفاتحة، أجزأته الفاتحةُ، وفي السورة وجهان.

320 -

فصل في القيام

القيام بقدر الفاتحة ركنٌ في الفرائض بشرط الانتصاب التامّ، فلو ثنى شيئًا من فقاره أو حَقْوه 2، لم يجزه، ولا بأس بإِطراق الرأس.

321 - فرع: لو مدَّ القيام بعد الفاتحة، فالزائدُ على الفاتحة سنَّة، وذكر أبو علي فيه وفي استيعاب الرأس بالمسح في الوضوء وجهين، وهذا باطل؛ لأنَّ ما جاز1 = وفيه: "فنهاهم عن القراءة خلف الإمام"، وأخرجه مسلم (398/ 47) دون النهي المذكور، منه، ورُوي معناه من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عند أبي داود (823). وانظر: "البدر المنير" لابن الملقن (3/ 547، 593).

تركُه لا يتَّصف بكونه فرضًا، ولا يتجه ذلك في المسح إِلا أن يقعَ دُفعةً، ولا فيما زاد على قدر الفاتحة إِلا أن يخلوَ عنها أوَّلُ القيام، فمحلُّها فرض، وفيما تقدَّمها احتمال من جهة أنَّه لا يجوزُ تركه، بخلاف ما بعدها.

322 -

فرع:

لو انحنى ولم يبلغ حدَّ الركوع، فلا يُعتدُّ بما يقرؤه في مفارقة الاعتدال، فإِن لم يقرأ شيئًا، وفعل ذلك مرَّة واحدةً، بطلت صلاتُه عند الإِمام؛ لما في ذلك من تكرير القيام، وألحقه أبو محمَّد بالأفعال فإِنْ قلَّ، لم يضرَّ، وإن كثر مع العمد، أفسد.

323 -

فصل في بيان أقلِّ الركوع

أقلُّه أن ينحنيَ إِلى حدٍّ تنال راحتاه ركبتيه، فإِن وصل إِلى هذا الحدِّ بالانحباس، أو بالانحناء والانحباس لم يجزه، ولابدَّ من الطمأنينة فيه، وحدُّها أن يفصلَ منتهى هُوِيِّه عن حركة ارتفاعه ولو بلحظة، ولو جاوز أقلَّ الحدِّ مع تواصل الحركة ليحسبَ ذلك عن الطمأنينة، لم يجز.

324 -

فصل في بيان أكمل الركوع

ينبغي أن ينصبَ قدميه من مقرِّهما إِلى حَقْوَيْه، ويَخْنِسَ ركبتيه إِلى وراء، ولا يثنيهما، ويمدَّ ظهره وعنقه على استواء؛ بحيث يقف عليه الماء، ويضمَّ راحتيه على ركبتيه، وأصابعَه نحوَ القبلة على جِبلَّتها في التفريج،

ويجافيَ مرفقيه عن جنبيه، ولا يجاوز الاستواءَ في الانحناء.

325 -

أذكارُ الركوع:

ويكبِّر مع ابتداء الهُوِيِّ، وهل يبسط التكبير على هُوِيِّه، أو يحذفه مخافة تغييره؟ فيه قولان يجريان في تكبيرات الانتقالات.
ويقول في انتهائه إلى الركوع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اللهمَّ لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وأنت ربِّي، خشع سمعي وبصري ومُخِّي وعَظْمي وعصبي، وما استقلَّ به قدمي لله ربِّ العالمين" 1، فإن جمع بين هذا وبين التسبيح، فحسنٌ، وإِن اقتصر، فالتسبيحُ أولى وأشهر.
قال أبو محمَّد: لا يزيدُ الإِمامُ على الثلاث، وكلَّما زاد المنفردُ فَحَسَنٌ.
والسنَّة أن يرفعَ يديه عند الركوع والرفع منه، فيرفعُهما مع ابتداء الهُويَّ، ويخفضُهما مع الهُويِّ حتى ينتهيَ إِلى الركوع، وقَدْ انتهيا إِلى ركبتيه، وكذلك يرفعُهما مع ابتداء الارتفاع، فيرتفعُ وقد انتهتا إِلى حدَّهما، ثمَّ يخفِضُهما بعد الاعتدال.

326 -

فصل في الاعتدال عن الركوع

ويقول في الرفع من الركوع: (سمع الله لمن حمده، ربَّنا لك الحمدُ)؛ إِمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا، ولا يزيدُ الإِمامُ على ذلك، ويقول غيره: (ربَّنا لك الحمد ملءَ السموات، وملء الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهلَ الثناءِ والمجْدِ، أحقُّ ما قال العبد كلُّنا لك عبد: لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدُّ) (1). والطمأنينة واجبةٌ في الاعتدال عن الركوع والسجود، ويحتمل أن لا تجب، ولاسيَّما إِذا جعلنا الاعتدالَ ركنًا قصيرًا، ولم يتعرَّض النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لذِكرها للأعرابي الذي علَّمه الصلاة (2)، ولم يذكرها الصيدلانيُّ.
قلتُ: صحَّ أنَّ رسولَ الله أمر بها الأعرابيَّ في الاعتدال عن السجود (3).

327 -

فصل في السجود

ثمَّ يهوي ساجدًا، فأوَّل ما يضع ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهتهُ وأنفُه.123

وأقلُّ السجود: أن يضعَ من جبهته أدنى ما ينطلق عليه الاسمُ مكشوفًا.
وفي وضع اليدين والركبتين وأطراف أصابعِ الرِّجلين قولان، وقيل: لا يجب وضعُ الركبتين والقدمين قولًا واحدًا، فإن أوجبنا ذلك، فلا يجبُ كشفُ شيء من الركبتين والقدمين، وفي كشف ما ينطلق عليه الاسمُ من اليدين قولان، ويجب أن يلقيَ جبهتَه على الأرض ويُرْخيها، فلو أمسَّها الأرضَ مع إِقلالها، لم يجزه، ولا يلزمه أن يتحاملَ على الأرض تحاملًا يَظهر أثرُه، فإِن سجد على مَحْشُوٍّ وَثيرٍ، فقد ألزمه أبو محمَّد أن يتحاملَ عليه تحاملًا يظهر أثرُه على يد لو فُرضت تحت ذلك المحشوِّ، واكتفى الإِمامُ بإِرخاء الرأس وإلقائه.
ولو اقتصر بالسجود على أنفه، أو طُرَّته، أو كَوْر عمامته، أو سجد على كمِّه، أو ذيله المتحرِّك بارتفاعه وانخفاضه، لم يجزه، وإِن طَوَّل كُمَّه أو ذيله بحيث لا يتحرك بحركته، وسجد عليه، أجزأه.
ولو سجد على ذيل إِنسان أو ظهره، وهو في انخفاض لا يغير هيئةَ السجود، أجزأه ذلك بشرط أن تكونَ قدماه على الأرض.
وإن سجد متنكِّسًا على وسادة أو غيرها، جاز.
وإن ارتفعت أعاليه، وانخفضت أسافلُه، لم يجز، وإِن استوت أسافلُه وأعاليه، ففيه تردُّد.
ولو انخنس ووضع رأسَه قريبًا من ركبتيه، لم يجز، وإِن عجز عن التنكُّس والاستواء، فهل يلزمه أن يضعَ وسادةً؛ ليسجدَ عليها، أو يكفيه

الإِيماء برأسه إِلى حدِّ الإِمكان؟ فيه وجهان.

328 -

فصل في بيان أكمل السجود

ويُستحبُّ للرجل التَّخْويةُ في السجود؛ بتفريق رُكبتيه، وإقلال بطنه عن فخذيه، ومجافاة مرفقيه عن جنبيه، بحيث تُرى عُفْرةُ إِبطيه.
وتُضادُّه المرأةُ في ذلك، فتضمُّ رجليها، وتلصق بطنَها بفخذيها.
ويضعُ يديه على حدِّهما في الرفع منشورتي الأصابع، مستقبلًا برؤوسها القبلةَ، ولا يؤمر بضمِّ الأصابع إِلا في السجود، وظاهر النصِّ أنه يضعُ أطرافَ أصابع رجليه على الأرض، ونقل المزنيُّ أنه يستقبل بها القبلةَ، وهذا يقتضي أن يتحاملَ عليها؛ لتتوجَّه رؤوسُها إِلى القبلة، والأصحُّ أنَّه لا يفعل ذلك، بل يضعها من غير تحامُل، ويقول: (سبحان ربِّيَ الأعلى) ثلاثًا، ويقتصرُ عليها إن كان إِمامًا.

329 -

الاعتدالُ عن السجود:

فرضٌ مع الطمأنينة، وينبغي أن يضعَ يديه منشورتي الأصابع على ما يتصل بركبتيه من فخذيه، ولا بأس بأن يعطفَ أطرافَ أصابعه على ركبتيه، ولو وضعهما على الأرض من جانبيه، فهو كإرسالهما في القيام، ويقول في جلوسه: (ربِّ اغفر لي واجبرني، وعافني وارزقني) 1، ثم يسجد سجدةً

أخرى كذلك، ثم يرفع؛ فإِن كان بعد السجدة قيامٌ، فالسنَّة أن يجلسَ جلسة خفيفة للاستراحة، ولا يُسنُّ في هذه الجلسة ذكرٌ مخصوص.
وهل يُكَبِّر لجلسته دون قيامه، أو لقيامه دون جلسته؟ فيه وجهان، وإِذا قام فليقم معتمدًا على يديه.

330 -

فصل فيمن هوى؛ ليسجدَ، فسقط غيرَ مختار لذلك إِذا هوى ليسجدَ، فسقط على هيئة السجود، أجزأه ذلك نصًّا من الشافعيِّ، واتِّفاقًا من أصحابه، فإِن سقط على جنب، فاستدَّ ساجدًا؛ فإن قصد باستداده السجودَ، أو لم يقصد شيئًا، أجزأه، وإِنْ قصد به الاستقامةَ؛ فإن صرف فعلَه عن الصلاة مع ذكرها، بطلت صلاتُه، وإن لم يصرفه عن الصلاة، بل غفَل عنها، فلا تبطل، ولا يجزئه ذلك عن السجود، وأبعد من قال بإجزائه.

وهذا مطَّرد في كلِّ مَن أتى بركن من العبادة؛ إِن نوى العبادةَ أو أطلق، أجزأه، وإِن صرفه عن العبادة مع ذكرها، لم يصحَّ، وإن صرفه غافلًا، لم يجزه على النصِّ، وفيه الوجهُ الضعيف؛ فلو نوى المتوضئ في أثناء طهارته تبرُّدًا، أو طاف الناسكُ في وقت الإفاضة طالبًا لعزيمة، فلا يجزئهما إِنْ صرفاه عن العبادة مع ذكرها، وكذلك إنْ غفلا على الأصحِّ.

331 -

التفريع:

إِن قلنا: لا يُعتدُّ بسجود الغافل، فاستدامَ ما هو عليه من صورة السجود، فلا يُعتدُّ له بذلك؛ لأنَّه لم يصحَّ أوَّلُه، ثمَّ يحتمل أن يقومَ ليسجد عن قيام،

والأظهر أنَّه يقعدُ ليسجد عن القعود؛ فإِن الشرعَ قد اكتفى بالقعود فَصْلًا بين السجدتين، فعلى هذا: لو قام ليسجدَ بطلت صلاتُه، وفي هذه المسألة إِشكال من جهة أنَّه إذا سقط على وجهه على هيئة السجود، فقد وقع سجودُه وهُوِيُّه إِليه ضرويًّا، ومن شرط الفعل المأمور به أن يكون فعلًا للمكلَّف داخلًا تحت اختياره، وقد تقدَّم أنَّ استدامةَ السجود لا تكفي؛ فلهذا الإِشكال ذهب الإِمامُ إِلى أنَّه لا يُعتدُّ بسجوده إِلا أن يعتدلَ ثم يسجد، وتأوَّل النصَّ بما لو سقط على جنب، ثمَّ استدَّ واستقام، ولا يصح تأويلُه؛ لما فيه من إِبطال أحد الأقسام التي ذكرها الشافعيُّ.
ويمكن تعليلُ ذلك بأنَ السقوطَ لما كان مسبَّبًا عن ابتداء الهُوِيِّ، صحَّ التكليفُ به؛ لأنَّ ما كان سببه داخلًا تحت الاختيار، صحَّ التكليفُ به وإِن كان ضروريًّا في نفسه؛ كما في التكليف بمعرفة الله، وكما في إِثمه بسراية الجرح إِلى النفس وإن كانت السرايةُ ضرورية لمَّا كان سببها داخلًا تحت الاختيار.

332 -

فصل في التشهد الأوَّل والأخير

الافتراشُ سنَّة في التشهد الأول، وفي القَعدة بين السجدتين.
وصفته: أن يفرش رِجلَه اليُسرى، ويجلسَ عليها، وظهرُ قدمها إِلى القبلة، وينصِبَ اليمنى مع نصب أطراف أصابعها على الأرض.
والتورك سنَّة في التشهُّد الأخير.
وصفته: أن يضعَ رجليه على هذه الهيئة، ثم يخرجَهما من جهة يمينه،

ويمكِّنَ وَرِكَه ومقعدتَه من الأرض.
ويضع يدَه اليسرى في التشهُّدين على فَخِذه اليسرى مُسامتًا بأطراف أصابعها الركبةَ، وينشر أصابعَها مع الاقتصاد في التفريج، ويقبض (1) الخنصرَ والبنصر والوسطى من اليمنى، ويرسل المسبِّحة، وفي الإبهام أربعةُ أوجه: أحدها: يضمُّها إِلى الوسطى؛ كعاقدِ ثلاثٍ وعشرين.
والثاني: كعاقدِ ثلاث وخمسين (2). والثالث: يُطْلِقُها، كعاقدِ ثلاثةٍ (3). والرابع: يُحَلِّقها مع الوسطى.
فإذا انتهى إِلى التوحيد، رفعَ المسَبِّحةَ مع الهمزة من قوله: (إِلا الله)، وفي استحباب تحريكها وجهان.

333 -

فرع:

إِذا أدرك المسبوقُ التشهُّد الأخيرَ، جلس مفترِشًا، وغلِط من قال: يتورَّك متابعةً؛ إذ لا متابعةَ في الهيئات.123

ولو كان على الإِمام سجودُ سهو، افترش في تشهُّده الأخير، وقيل: يتورَّك.

334 -

فرع [في] (1) الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التشهّدين:

التشهد الأوَّل سنَّة مؤكَّدة، والثاني مفروض، وكذلك الصلاةُ على النبيِّ فيه، وفي آله قولان، وهل تُشرعُ الصلاة على النبيِّ في التشهُّد الأوَّل؟ فيه قولان، وأمَّا الصلاة على آله: فلا تشرع في الأوَّل إِن لم نوجبها في الأخير، وإن أوجبناها فقولان.

335 -

صفة التشهُّد:

وأكمله أن يقول: التحيَّات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وذكر العراقيُّون في الأفضل طريقين ردَّهما المراوزةُ: إِحداهما كالذي ذكرناه إِلا أنَّه يقول: (وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله) بإِسقاط لفظ الشهادة، ويسقط لفظَ الشهادة في الطريقة الثانية، فيقول: (وأنَّ محمَّدًا رسول الله)، ويزيد الألف واللام في (السلام عليك أيُّها النبيُّ، السلام علينا).

336 -

أقل التشهد عند الشافعي:

(التحيَّات لله، سلامٌ عليك أيُّها النبي، ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أنَّ لا إِله إِلا الله وأشهد أن محمَّدًا رسول الله).1

وحكى عنه العراقيون (1): (وأنَّ محمَّدًا رسول الله).
وقال ابن سُريج: أقلُّه: (التحيَّات لله، سلام عليك أيُّها النبي، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إلا الله، وأنّ محمَّدًا رسولُ الله).
وقيل عن ابن سريج: سلامٌ على عباد الله، لا غير.

337 -

الأكمل في الصلاة على النبيِّ أن يقول: (اللهمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صلَّيت على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم، وبارِك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إِبراهيم [وعلى آل إِبراهيم] (2)، إِنَّك حميد مجيد).

قال أبو بكر: ويُسلِّم الإِمام عَقيبَ الصلاة من غير دعاء.
ولم يوجد هذا لغيره، وإِن أراد الدعاءَ فليكن أقلَّ من التشهُّد، ويدعو المنفرد بما شاء، وإِن زاد على التشهُّد فلا بأسَ.

338 -

فصل في السلام

تحليل الصلاة بالتسليم، فلا يقوم غيرُه مقامَه، وأقلُّه: (السلام عليكم) مرَّةً.
ولو قال: (سلام عليكم) فوجهان، ولو قال: (عليكم السلام)، أو قال: (الأكبر الله) فثلاثةُ أوجه، يجزئه في الثالثِ التسليمُ دونَ التكبير، وهو12

ظاهر النصِّ، ولا تجب نيَّةُ الخروج عند الأكثرين، فإِن أوجبناها، فلا يشترط فيها تعيينُ الصلاة.
ويجب أن تُقرَن (1) بالسلام اتفاقًا، فإِن تقدَّمت على السلام بطلت الصلاةُ إِلا أن ينويَ قبل السلام أن يخرجَ عند السلام، وهل تُقرن النيَّة بلفظة (السلام)، أو بقوله: (عليكم)؛ لأنه الخطاب؟ فيه احتمال.

339 -

الأكمل في السلام:

فيه ثلاثة أقوال: أحدُها: تسليمةٌ واحدة تلقاء وجهه.
والثاني وهو المشهور: تسليمتان، وعليه العمل.
والثالث: واحدة للمأموم والمنفرد، وأمَّا الإِمامُ: فواحدة إِن قلَّ الجمعُ، وإِن كثر فاثنتان.
ويُستحبُّ أن يلتفتَ في الأولى عن يمينه، وفي الثانية عن يساره، قال الشافعيُّ: حتى يُرَى خدَّاه، يعني من كلِّ جانب خدًّا، وأبعَدَ من قال: حتى يُرى خدَّاه من كل جانب، ويقول في كلِّ تسليمة: السلام عليكم ورحمة الله، وينوي بذلك مَنْ عَنْ يمينهِ ويساره من الجنِّ والإِنس والملائكة، وينوي مَنْ عن يمينه ويسارِه الردَّ عليه إِذا التفتوا إِليه.
والتسليمةُ الثانية سنَّة تابعةٌ للصلاة؛ لو 2 أحدث فيها، لم تبطل صلاتُه،1

وينبغي للإِمام أن لا يمكثَ بعد السلام، بل يَثِبُ مقبلًا على الناس بوجهه، وهل يُقبِل بشقِّه الأيمن أو الأيسر؟ فيه خلاف (1). ثم ينصرف من أيِّ جهة شاء، فإن استوت الجهات، فالتيامنُ محبوب في كلِّ شيء.
وينبغي للنساء أن يبتدِرْن الانصرافَ؛ لئلا يختلِطْنَ بالرجال، ويتأخَّر الإِمام مع الرجال إِلى أن ينصرفن.

340 -

فصل في القنوت في الصُّبْح

السنَّة أن يقنُتَ في اعتدال الركعة الأخيرة من صلاة الصبح، والأظهر أنّ الجهرَ به أَوْلى من إِسراره، فإِذا سمعه المأمومُ أمَّن، وإِن لم يسمعه، فهل يقنت أو يؤمِّن؟ فيه وجهان، وإِن قلنا: لا يجهر به، قنت المأمومُ وجهًا واحدًا.
والقنوتُ أن يقول: اللهمَّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وَقِني شرَّ ما قضيت، إِنَّك تقضي ولا يقضى عليك، ولا يذِلُّ مَن وَالَيت، تباركت وتعاليت.
وقطع الإِمامُ بتعيُّن ذلك؛ اعتبارًا بالتشهُّد، وكان أبو محمَّد يرفعُ يديه في القنوت، فإذا فرغ صلَّى على النبيِّ، ومسح بهما وجهَه، ولا يثبت شيء من ذلك، وامتنع كثير من أصحابنا من رفع اليدين، كسائر دعوات الصلاة،1

وإذا صلى على النبيِّ، فقد نقل ركنًا عن محلِّه.

341 -

فرع:

إِذا نزَل بالمسلمين نازلةٌ، فلهم أن يقنتوا في الخمس، وإن لم تنزِل، فقولان، وقال أبو محمَّد: لا قنوتَ إِن لم تنزل، وإن نزلت، فقولان.
قال الإِمام: وليس هذا القنوتُ من الأبعاض التي يتعلَّق بها سجودُ السهو.

342 -

فصل في ترتيب قضاء الفوائت

ولا ترتيبَ في قضاء الفوائت، ولا في مؤدَّاة وفائتة، ويُستحبُّ ترتيبُهما إِلا أن يخشى فواتَ المؤدَّاة، فيجب تقديمها.

343 -

صلاةُ المرأة كصلاة الرجل إِلا أنَّها لا تُخَوِّي، ولا تسبِّح لما ينوبُ الاِمامَ، بل تُصفِّق بإِحدى كفَّيها على ظهر الأخرى.

344 -

[فصل] فيما يجب ستره في الصلاة

عورةُ الرجل: ما بين سرَّته وركبته، وليست السرَّة والركبة بعورة 1، وأبعد مَن جعلهما من العورة.
وعورة الحرَّة في حقِّ الصلاة جميعُ بدنها إِلا الوجهَ والكفين إِلى

الكوعين ظهرًا وبطنًا، وفي أخمص قدمها وجهان (1)، فلو بدت شعرةٌ من غير ذلك بطلت صلاتُها، وما بين سرَّة الأمة وركبتها عورةٌ، وما يظهر منها في المهنة؛ كالرقبة، والساعد، وأطراف الساق، والرأس.
فليس بعورة، وفيما وراء ذلك وجهان.

345 -

فصل فيما يحصل به الستر

ويحصل الاستتارُ بكلِّ ما لا يظهر معه لونُ البشرة، ولا يضرُّ أن يتراءى حجم أعضائه من وراء الساتر، وكذلك لو اطَّلَى بطين، كفاه اتِّفاقًا، وإن كان قادرًا على التستُّر بالثياب، وإن قدَر العاري على تحصيل طين يَطَّلي به، ففي وجوب ذلك وجهان.
وفي هذا إِشكالٌ من جهة أنَّ من طيَّن عورتَه يُعدُّ متهتِّكًا في العُرف، ولا سيَّما إِن كان امرأةً.
ويجب التسترُ في الصلاة في الخَلْوة وغير الخلوة، ولو تكشَّف في غير الصلاة خاليًا لحاجة، جاز، ولا يجوزُ لغير حاجة عند أبي علي، وأجازه أبو محمَّد، ولا يجب الستر إِلا من الجوانب ومن فوق، دون أسفل الذَّيل والإِزار، فلو صلَّى على طرف سطح بحيث تُرى عورتُه من تحت السطح، صحَّت صلاتُه، وحَرَّمَ الإِمامُ ذلك إِذا كان على شارع مطروق؛ لأنه يُعدُّ متهتِّكًا.1

346 -

فرع:

لو صلَّى في قميص مشدود الإزار (1) جاز، وإِن كان مفتوحًا تبدو منه عورتُه لو ركع أو سجد، انعقدت صلاتهُ على المذهب، فإِذا بدت عورتُه بطلت صلاتُه، فإِن استتر موضع الإزار (2) بلحيته، أو وضع يده على خَرْق في ثوبه، صحَّت صلاتُه، وأبعد من قال: لا تصحُّ، ولا يتَّجه البتةَ فيمن كان خارج الصلاة.

347 - فرع: إِذا وجد ما لا يكفي عورتَه، ستر سوءتَيه، فإِنْ عَجَز عنهما، فأيُّهما يقدِّم؟ فيه وجهان، وقد يتَّجه أن يتخيَّر بينهما، ولا يبعدُ أن لا يلزمَه ذلك، وأن يجوزَ له سترُ جزء من فخِذه.

348 -

صلاة العُراة:

العُرْيُ عذرٌ في ترك الجماعة، ولا يمنع صحَّتها قولًا واحدًا، ويقف الإِمام وسطهم مع غضِّ الأبصار، والانفرادُ أولى من الاجتماع على القديم 3.

349 - فرع: إِذا أراد أن يكسوَ عاريًا، فحضر اثنان لو قُسِم الثوبُ بينهما لستر كلُّ واحد منهما بعضَ عورته، فليُخصَّ 4 به أحدُهما على أظهر الاحتمالين،12

وينبغي أن يُقرعَ بينهما، والمرأة أولى من الرجل اتفاقًا.

350 -

فرع:

لو كشفتِ الريحُ إِزارَه، أو انحلَّ عَقْدُه فانسلَّ، فإِنْ بعُد ردُّه، بطلت صلاتُه، وإِن ردَّه على القُرْب، لم تبطل، وإِنْ تكشَّف، أو تحرَّف عن القبلة، أو لاقى نجاسةً يابسة، بطلت صلاتُه إِنْ تعمَّد، وإِن لم يتعمَّد، بطلت بطويل 1 الزمان دون قصيره، ولعل الأقربَ في ضبط القليل أن لا يظهرَ بين انكشافه وبين ابتداء الردِّ مُكْثٌ محسوس.

351 - فرع: إذا عَتقتِ الأمةُ في الصلاة وهي مكشوفةُ الرأس، فإِن أمكنها التسترُ على قُرْب، صحَّت صلاتُها، وإِن لم يمكن إِلا بمشي كثير، فقد ألحقه المحقِّقون بسبق الحدث، فإِن قلنا: لا تبطل صلاتُها، ذهبت إِلى الخِمار، فتستَّرت به، فإِن مكثت حتى أُتيت به، فقد ذكر بعضُهم في بطلان صلاتها وجهين، كالوجهين في السكوت الطويل، وعند الإِمام لا تبطل إِذا استوت مدَّةُ مَكثِها أو مشيها، وإِنْ زادت مدَّة مكثها على مدَّة مشيها؛ فإِن لم تبن الأمرَ على أن تؤتى بالخمار، بطلت صلاتُها، وإِن بَنَتِ الأمر على ذلك، فأُتيت به، بطلت صلاتُها على أظهر الاحتمالين.

352 -

فصل في سبق الحدث

تعمُّد الحدَث مبطِل للصلاة، وكذلك سبقُه على الجديد، والقديم أنَّها لا تبطل، وهو مطَّرِد في كل ما ينقضُ الطهارةَ؛ كالإِمذاء والإِمناء، أو بنجس ما يجبُ طهارتُه، ويسعى في إِزالة ذلك بأقرب ما يقدر عليه مقتصدًا في ذلك مع الاقتصار على قدْر الحاجة من غير تطويل زمان، ولا تكلُّف عجلة، ولا بأس بكثرة الأفعال، واستدبار القبلة، ولا بالمشي الكثير وإِن بلغ فرسخًا، ويلزمه البناءُ حيث انتهى إِليه، فلو رجَع إِلى مكانه الأوَّل، أو استكمل الحدثَ، بطلت صلاتُه.
ولو قَطَرت منه قطرةُ بول، فله إِكمالُه عند صاحب "التقريب"، ولا وجهَ لذلك إِن أمكنه التماسكُ.
ولو انكشف إِزارُه، فاستتر عن قُرْب لم يضرَّه قولًا واحدًا، وإِن أبعدته الريحُ، ففيه القولان.
ولا خلافَ في بطلان الصلاة بانقضاء مدة المسح في أثنائها، وتخرُّقُ الخُفِّ كانقضاء المدة أو كسبق الحدث؟ فيه وجهان.

353 -

فرع:

قال الإِمام: إِذا أحدث في الركوع قبل الطمأنينة، لزمه إِذا تطهَّر أن يطمئنَّ، وإِن 1 أحدث بعد الطمأنينة، لم تلزمه إِعادتُها على أظهر الاحتمالين.

354 -

فصل في كلام العامد

إِذا تعمَّد كلامًا مفهومًا لم يُشرَع مثلُه في الصلاة، أو وَالَى بين حرفَيْن لا مفهومَ لهما، أو أتى بحرف مفهم؛ كقوله: (عِ)، و (لِ)، بطلت صلاتُه 1،234567891011121314151617

ولا تبطل بصوت غُفْلٍ إِلا أن يصلَه بحرف، ففيه تردُّدٌ لأبي محمَّد، ولا يجوز أن يزيدَ بالصوت حروفَ المد، وهي: الياء والواو والألف؛ لأنها من جملة الحروف.

355 -

فرع:

إِذا تعمَّد إِطالةَ السكوت حيث لا يؤمر به، لم تبطل صلاتُه على الأصحِّ، فإِن قلنا: تبطل، فأطاله ناسيًا، فهل يلحق بقليل الكلام أو بكثيره؟ فيه وجهان.

356 -

فصل في التنحنح في الصلاة

إِذا تنحنح، فظهر منه حرفان، بطلت صلاتُه، وعلى قول آخر لا تبطل بالتنحنح أصلًا؛ لأنَّ ما يظهر معه ليس بحروف (6)، وإِنَّما يداني الحروف12345 = 17 - (لِ) من ولي يلي، والولي: القرب والدنو والإمارة والولاية.

ويقاربها، فيصير كصوتٍ غُفْلٍ، وقال القفَّال: إِن تنحنح مُطْبِقًا شفتيه، فلا تبطل.

357 -

فرع:

إِذا لم يتمكَّن من القراءة المفروضة إِلا بالتنحنح، فلا بأس به، وإِن تعذَّر الجهرُ على الإِمام، لم يجز على الأقيس، ومن أجازه ألحقه بتوابع القراءة؛ كترجيع الصوت وترديده.

358 - فرع: لو أتى بشيء من القرآن يفهم منه كلامٌ آخرُ؛ كقوله: (خذها بقوَّة)، أو قوله عند حضور مستأذنين: (ادخلوها بسلام)؛ فإِن قصد به الخطاب وحدَه، بطلت صلاتُه، وإِنْ قصد القراءة أو الخطابَ والقراءةَ، لم تبطل، وإِن دعا بالفارسية أو ترجم القرآنَ، بطلت صلاتُه.

359 -

فصل في كلام الناسي والجاهل والمكرَه

إِذا نسي كونَه في الصلاة، فتكلَّم عامدًا، لم تبطل بالقليل، وفي الكثير وجهان، والبطلان معلَّلٌ بالنُّدُور أو بخَرمِه نظمَ الصلاة؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: لا تبطل -وهو القياس- فلا يبطل الصومُ بكثير 1 الأكل، وإِنْ أبطلناها، ففي الصوم وجهان مبنيَّان على العِلَّتين.
وحديثُ العهد بالإِسلام؛ إِذا تكلَّم جاهلًا بالتحريم لم يضرَّ، وإِنْ

علم التحريمَ دون الإِفساد، بطلت اتفاقًا، وهذا مطَّرد في الصوم وغيره.
وإِن علم تحريمَ الكلام، وجهل تحريمَ ما أتى به، فقد قيل بالبطلان، وعند الإِمام لا تبطل.
ولا تبطل بما يلتفُّ به اللسانُ من الكلام من غير قصد.
وإِن أُكره على الكلام في الصلاة، أو الأكل في الصوم، ففي بطلانهما قولان.

360 -

فصل فيما يُبطِل الصلاةَ من الأفعال وما لا يبطلها

لا تبطل الصلاةُ بالفعل القليل؛ كالخَطوة والخَطوتين، والضربة والضربتين، ولا بالكثير إِلا أن يتوالى؛ كثلاث ضربات، أو خطوات متواليات، ويُرجع في معرفة القليل والكثير إِلى أهل العُرْف، فأمَّا القليل: فيعفى منه عمَّا يقع من ضرورة الجِبِلَّة والخِلْقة؛ فإِن زاد على ذلك، فتركُه أولى ما لم يؤدِّ إِلى الاستهانة بالسكون والخشوع الذي هو مقصودُ الصلاة، فإِنْ أخلَّ بالسكون الذي يتميَّز به المصلِّي عمَّن ليس في صلاة، فهذا هو الكثير، وعبَّر عنه القفَّال بكلِّ مقدار من الفعل لو رآه الناظرُ من بُعْدٍ، لغَلَب على ظنِّه أن فاعلَه ليس في الصلاة، فالخطواتُ الثلاث، والضربات الثلاث بهذه المثابة.
وليس الرجوعُ في هذا التقريب إِلى العدد؛ فإِن الخطوةَ الواحدة لا تُبطل، ولو قُطِّعت ثلاثًا، لأبطلت؛ من جهة أن الخطوةَ الواسعة لا تُعدُّ كثيرًا، ولو قُطِّعت عُدَّت كثيرًا، ولا ينكر أنه لو بالغ توسيعَ خَطوتين فإِنَّهما قد يوازيان في العُرْف ثلاثَ خطوات.

وإِن أكثرَ الحركاتِ في إِصبعٍ أو كفٍّ، كحركات من يدير سُبحةً، أو يعقِد ويحلُّ، فللقفَّال فيه جوابان.

361 -

فرع:

إِذا شككنا في كثرة الفعل انقدحت أوجهٌ: أحدُها: صحَّة الصلاة، وهو الأظهر.
والثاني: البطلان؛ لأنَّا أُمرنا بهيئة لم يُتيقَّنِ الإِتيانُ بها.
والثالث: يعمل بغلبة الظنِّ؛ فإِن استوى الظنَّان، فالأصلُ بقاء الصحَّة.
وحدُّ التفريق في الأفعال: أن يتخلَّلها ما يُشعرُ بالإِضراب عن الفعل، ويتجاوز الثانيَ في جنس من الفعل يتمادى المرءُ عليه.
ولو زاد ركوعًا أو سجودًا، بطلت صلاتُه؛ لأنَّه يَخْرِم نَظْمَ الصلاة، بخلاف قليلِ الأفعال؛ فإِنَّه لا يخرِم نظامَها مع أنَّه واقع من ضرورة الجِبِلَّة.

362 - فرع: الانكفافُ عن مفسدات الصوم شرطٌ في صحَّة الصلاة، وأبعد من لم يشرِطه، وألحِق الأكل في الصلاة بالأفعال.

363 -

ما أدركه المسبوق فهو أوَّل صلاته؛ فإِذا قَنَتَ مع الإِمام، أعاد القنوتَ في آخر الصلاة.

وإِن أدرك ركعةً من المغرب تشهَّد على أثَر الثانية.
وإِن أدرك ركعتين، فقام لتدارك الأخريين، فالأصحُّ أنَّه يقرأ فيهما بالسورة مع الفاتحة، وإِن قلنا: لا يُستحبُّ لغير المسبوق قراءتها، كما لو

فاتته قراءةُ (سورة الجمعة) في الأوَّل من صلاة الجمعة، فإِنَّه يقرؤها في الثانية مع (المنافقين).

364 -

فصل في إِعادة الصلاة في الجماعة

من انفرد بإِحدى الصلوات الخمس، ثمَّ أدرك جماعةً استُحِبَّ أن يعيدَها في الجماعة، وغلط من استثنى الصبحَ والعصر والمغرب، فإِذا أعادها، فالأُول فريضة 1، أو يحتسب الله بأيِّهما شاء؟ فيه قولان، وأبعد من قال: الفريضةُ هي الثانية؛ لكمالها بالجماعة؛ فإِن قلنا: الفريضةُ هي الأولى، فإِعادةُ الصبح والعصر مستحبَّة؛ لأنَّ إِدراكَ الجماعة سببٌ لهما، ويضمُّ إِلى المغرب رابعةً على رأي الصيدلانيِّ؛ إِذ التنفُّل بالثلاث غير محبوب، ولا ينوي بالثانية الفريضةَ، خلافًا للصيدلانيِّ.
قال الإِمام: ينبغي أن يعيِّن الصلاةَ في نيَّته من ظهر أو عصر أو مغرب، فتكون ظهرًا مسنونة كظهر الصبيِّ، ولا يضمُّ إِلى المغرب رابعةً؛ [لأنَّ المغربَ لا تكون أربعًا] 2، والعجبُ أن الصيدلانيَّ قال: يضم إِليها رابعةً، وينوي بها الفريضةَ، وذلك 3 غلط ظاهر.
وإِن قلنا: الفريضةُ إحداهما، فلا بدَّ أن ينويَ الفريضةَ فيهما جميعًا.

وإِن صلَّى في جماعة ثمَّ أدرك جماعةً، فالأصحُّ عند الصيدلانيِّ أنَّه لا يعيدها؛ لأنَّ ذلك يلزم في ثالثة ورابعة، وهو خلافُ ما مضى عليه الأوَّلون، فإِن قلنا: يعيدها، فلا فرقَ بين صلاة وصلاة؛ لأنَّ الإِدراكَ سبب، وإِن قلنا: لا يعيدُها، فلا ينوي الفرضَ، ويضمُّ إِلى المغرب رابعةً، وتكره إِعادةُ الصبح والعصر.

365 -

فصل في العجز عن القيام

ولا بدَّ في القيام من الاستقلال، فلو اعتمد على شيء، أو اتَّكَأَ، لم يصحَّ، فإِنْ عَجَز عن الإِقلال لزمه القيام معتمِدًا أو متَّكِئًا، فإِن عجز عن الانتصاب، قام منحنيًا، فإِن لم يقدر إِلا على حدِّ الركوع، فلا يجزئه إِلا القعودُ على ما دلَّ عليه كلامُ الأئمَّة، فإِن قدر على الانتهاض على ركبتيه، ففيه تردُّد لأبي محمَّد من جهة أنَّه لا يُسمَّى قيامًا، بخلاف الانحناء فوقَ حدِّ الركوع، وإِن قدر على القيام دون الركوع والسجود، لزمه القيامُ والإِيماءُ بالركوع والسجود، وإِنْ عجز عن القيام دون الركوع لزمه الارتفاعُ في الركوع إِلى حدِّ الراكعين.
ولا يلزمه في القعود هيئةٌ مخصوصة، فلو جلس مفترِشًا أو متورِّكًا أو متربِّعًا أو مُقْعِيًا، جاز، وفي الأفضل قولان: أحدُهما الافتراش، والآخرُ التربُّع، وغلِط من قال: التورُّك، وقيل: ينصِب ركبته اليمنى، ويجلس على اليسرى، كالجالس بين يدي المُقرِئ.

قال الإمام: ولا بأس بأن يجلسَ على رجليه جاثيًا على ركبتيه، وليس ذلك بإقعاء، إِنما الإِقعاءُ أن يجلسَ على وركيه ناصبًا فخذيه وركبتيه.

366 -

فصل في العجز عن القعود

إِذا عجز عن القعود، لزمه أن يصلِّيَ على جنْبٍ مستقبلًا للقبلة؛ كالموضوع في اللحد، وقيل: يلزمه أن يصلِّيَ مستلقيًا مستقبلًا بأخمَصيه القِبلةَ؛ ليومئَ بالركوع والسجود في جهتها، وغلط من قال: يصلِّي على جنْبه الأيمنِ، وأخمصاه إِلى القبلة.
ومهما عجز عن الاستقبال صلَّى على قفاه وأخمصاه إِلى القبلة، وشَرَط الإمامُ في العجز عن القعود ما يشترط في التيمُّم من عدم تصوُّر القعود، أو خوف هلاك، أو مرض طويل، وغير ذلك من أعذار التيمُّم، فإِن قدَر على الركوع والسجود، سجد كسجود القائم.
وأما الركوع: فأقلُّه أن ينحنيَ إِلى حدٍّ تكون نسبتُه إِلى جلسته كنسبة أقلِّ الركوع إِلى قامة القائم، وأقلُّه في القائم أن تنالَ 1 راحتاه ركبتيه مع اعتدال خِلقته، وعبِّر عن ذلك بأن ينحنيَ حتَّى يقابلَ بوجهه ما وراءَ ركبتيه من الأرض، فيحصل الأقلُّ بأدنى مقابلة، والكمالُ بتمامها، وإِن عجز عن السجود أومأ بما يقدر عليه، فإِن لم يقدر إِلا على أقلِّ الركوع في حقِّ القاعد، فليأتِ به مرَّةً عن الركوع، وأخرى عن السجود، لا يجزئه غيره.

وإِن قدر على مجاوزة أكمل الركوع، فالوجهُ أن يأتيَ بالركوع، ثمَّ يأتيَ بالزيادة بدلًا عن السجود؛ ليُفرِّق بين الركوع والسجود، وفيه احتمال، وإِن قدر على أكمل الركوع، لم يلزمه الاقتصارُ على أقلِّه؛ لأجل التفرقة على رأي الإِمام.

367 -

فصل في عجز المضطجع عن الإيماء بالركوع والسجود

إِذا عجز عن الإِيماء بالركوع والسجود، لزمه أن يشيرَ إِليهما بطرْفه، فإِن عجز لزمه إِجراؤُهما على قلبه؛ بأن يُمِيلَ نفسَه راكعًا وساجدًا على التمام، وأن يأتيَ بالقراءة والأذكار في محالِّها، فإِن اعتُقل لسانهُ، لزمه إِجراءُ تكبيرة الإِحرام، والقراءة، والتشهُّد، والصلاة في أوقاتها على قلبه، ولا خلافَ أن القاعدَ لا يلزمُه إِجراءُ صورة القيام على قلبه، وإِن قدر على بعض الركوع والسجود، فلا يلزمُه إِجراء تمامهما على أظهر الاحتمالين.

368 -

فرع:

للقادر أن يتنفَّل قاعدًا، وفي تنفُّلِهِ متكئًا أو مستلقيًا مع القدرة على القعود وجهان، ولعلَّ الأصحَّ المنعُ، ولعلَّ من أجاز ذلك لا يجيز الاقتصارَ على ذكر القلب في القراءة والتكبير والتشهُّد والتسليم، ومتى صلَّى المريضُ على حسب إِمكانه، فلا إِعادةَ عليه.

369 - فرع: إِذا كان به رَمَدٌ مُؤْذٍ، فقال من يوثَق به: إِن اضجعتَ أيامًا برِئت بالمعالجة، فلا نصَّ للشافعيِّ في ذلك، واختلف فيه العلماء، وقال العراقيون:

مقتضى أصلِ الشافعيِّ أن لا يجوزَ ذلك، وأجازه الإِمامُ، ولا سيَّما عند خوف العمى، ولو كان قعودُه مفيدًا في دفع غائلة الرمد فينبغي أن يقعدَ بلا خلاف؛ لأنَّا نكتفي في جواز القعود بما يقلق ويسلب الخشوع، فما الظنُّ بتوقُّع العمى؟ !

370 -

فصل في طريان القدرة والعجز في أثناء الصلاة

إِذا عجز في الصلاة عن القيام، قعد وبنى، فإِن كان في أثناء الفاتحة، لزمته القراءةُ في حال هُوِيِّه، وإِن قدر القاعدُ على القيام، قام وبنى، ولا يقرأ شيئًا من الفاتحة في ارتفاعه، فإِذا قام أتمَّها، ولا يلزمه استئنافُها، وإِن خفَّ بعد القراءة وقبل الركوع، أو بعد اعتداله عن الركوع، لزمه أن يقومَ؛ ليركعَ ويسجدَ عن قيام، ولا تلزمه الطمأنينةُ لأجل هذا القيام على اختيار الإِمام، وإن خفَّ في الركوع؛ فإِن كان بعد الطمأنينة فله أن يرتفعَ راكعًا إِلى حدِّ ركوع القائم، وإن كان قبل الطمأنينة، لزمه ذلك عند الإِمام، ومتى لزمه القيامُ لم يجز له اللبثُ قاعدًا، فإِن لبث عامدًا عالمًا، بطلت صلاتُه.

371 -

فرع:

للقادر أن يقتديَ بالعاجز، ويصلِّي كلُّ واحد منهما على حسب حاله.

372 -

فصل في المرور بين يدي المصلِّي

ينبغي للمصلِّي أن يتَّخذَ علَمًا لحدِّ صلاته من جدار أو سارية أو

مصلَّى (1)، ويدنو منه على قدر ذراعين إِلى ثلاثة، فإِن كان بصحراء نصب عَنَزةً أو سوطًا أو نضَّد بين يديه شيئًا؛ ليُعلمَ به حدُّ صلاته، ولا يحرم العبورُ في هذا الحدِّ، لكنَّه يكره لمن وجد طريقًا سواه، وللمصلِّي أن يدفعَه برفق وإِشارة من غير منع محقَّق، وإِن لم يجد المارُّ طريقًا غيرَه، فلا كراهيةَ ولا دفع.
وإِن قصَّر المصلِّي ولم يبيِّن عَلَمًا، فهل له الدَّفع (2)؟ فيه وجهان، وإِن كان بصحراء، فخط خطًّا للإِعلام فقد اكتفى به في القديم، وخطَّ عليه في الجديد، واستقرَّ على أنَّه لا يكفي؛ لانتفاء الإِعلام.

373 -

فصل في الدعاء في الصلاة عند تلاوة آية للرحمة أو العذاب

حَسُن للإِمام أن يسألَ عند قراءته آيةَ رحمة، وأن يستعيذَ عند آية العذاب، ويتابعه المأموم المستمِعُ في ذلك، وله أن يدعوَ في الصلاة بما شاء، ولا يشترط أن يكون دعاؤه واردًا في الصلاة، ولا مأثورًا في غيرها، فإِنْ دعا بشيء موصوف؛ كقوله: ارزقني جاريةً من صفتها كذا، فالوجه الجوازُ، خلافًا لأبي محمَّد، ولا يجوز أن يدعوَ بعَجَمِيَّة، ولا بما يشتمل على خطاب آدميٍّ.12

وللعاجز أن يترجم التشهُّد وتكبيرةَ الإِحرام، وفي الأذكار المسنونة؛ كالتكبيرات والتسبيحات ثلاثةُ أوجه: يترجم في الثالث [أما يُجبر] بسجود السهو دون ما لا يُجبر.

374 -

فصل في سجود التلاوة

سجود التلاوة أربعَ عشْرةَ سجدةً، وزادها ابن سُريج سجدةَ (ص)، فصارت خمسَ عشْرةَ؛ منها اثنتان في الحجِّ، وثلاث في المُفصَّل، وأسقط في القديم سجَدات المفصَّل، فمن تلا آيةً منهنَّ، فليسجد، وإِنْ سمع تلاوةَ غيره فلا يسجد إِلا أن يقصدَ الاستماعَ، فإِن قصده فليسجد إِن سجد التالي، وليترك إِن ترك، وفيه قول آخرُ: أنَّه يسجد من غير تأكُّد.
ولا يسجد المقتدي إِلا بسجود إِمامه، فإِن خالف بطلت صلاتُه، ولا يسجد الإِمامُ والمنفرد إِلا لتلاوتهما، وأشار بعضُهم إِلى أنَّهما يسجدان لاستماع تلاوة غيرهما، ولا يصحُّ ذلك؛ إِذ لا حكمَ لاستماعهما من جهة أنهما ممنوعان منه.

375 -

فصل في كيفية سجود التلاوة

إِذا سجد في الصلاة، فالمستحبُّ أن يكبِّرَ لهُويِّه وارتفاعه؛ اعتبارًا بسجدات الصلاة، واتِّباعًا للسلف، وأبعدَ مَن قال: لا يُستحبُّ.
وإِذا سجد خارجَ الصلاة، اشتُرِط في سجوده ما يشترط في الصلاة؛

من السَّتر، والاستقبال، وطهارة الحدث والخَبَث، وفيما وراء ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: يجب التحرُّم بالنيَّة والتكبير، والتحلُّل بالتسليم، ولا يشترط التشهُّد على الأظهر، وفي استحبابه اضطراب.
والثاني: يجب الإحرامُ دون السلام، وفي وجوب النيَّة نظرٌ.
والثالث وهو الموافق للنصِّ: لا يُشترط شيء من ذلك، لكن يُستحبُّ التكبير على المذهب، وأبعد من كرهه (1).

376 -

فصل في قضاء سجود التلاوة

إِذا ترك السجدةَ حتَّى طال الفصلُ، أو استمعها وهو مصلٍّ أو محدِث، ففي قضائها قولان، والمعتبر في طول الفصل: أن يغلبَ على الظنِّ إِضرابُه عنها بسبب أو بغير سبب، ولا نظرَ إِلى مفارقة المجلس أو ملازمته.

377 -

فرع:

نقل في "التقريب" عن أصحابنا: أنَّ من خضع لله فسجد من غير سبب، فله ذلك، ولا بأس، وكان أبو محمَّد والإِمام يكرهان ذلك.

378 -

فصل فيما يقضيه المرتدُّ من الصلوات

من ارتدَّ أو سكِر لزمه قضاءُ ما فاته من الصلوات في رِدَّته وسُكْره.1

ولو فاتته صلوات، فارتدَّ، لم يسقط عنه قضاؤُها.
ولا قضاءَ على حائض، ولا مجنون إِلا أن يُجنِّنَ نفسَه، ففي القضاء وجهان، وإِن حاضت المرتدَّة، أو جُنَّت لزمها قضاءُ ما فات في الجنون دون الحيض؛ لأن سقوطَ القضاء عن المجنون تخفيفٌ، وليس المرتدُّ أهلًا للتخفيف، وهذا مُشكِل من جهة أنَّ المعصيةَ إِنَّما تنافي الرُّخَصَ إِذا كانت سببًا فيها، والجنونُ لا معصيةَ فيه.
وإِن سكِر رجل، ثم جُنَّ، ففي قضاء ما فات في الجنون وجهان، وأنكر الإِمامُ هذا الإِطلاق، وقال: إِذا لم يكن شُربُه سببًا في جنونه، فإِذا زال السُّكْر وتجرَّد الجنونُ، لم يجب قضاءُ ما فات في الجنون وجهًا واحدًا.

جارٍ التحميل