فإنْ تيمَّمَ المحدِثُ لقراءة القرآن، كان جاريًا على وَفْق الحديث.
83 -
باب فضْل الجُنُب والحائض
لا بأس بفضْل كل محدِث؛ ولا تقديرَ لماء الوضوء والغسل مع اختلاف الأبدان، بل المقصودُ الإسباغُ من غير إسراف، فقد يُرْفَقُ بالقليل فيكفي، ويُخْرَقُ بالكثير فلا يكفي.
84 -
باب التيمُّم
محلُّ التيمُّم: الوجه واليدان إلى المرفقَيْن على الجديد، وإلى الكُوعين على قول قديم.
ويجوز بكلِّ تراب طاهر خالص مطلق، وإن اختلفت ألوانُه.
ويجوزُ بالسَّبْخ 1 الذي لا ينبت شيئًا، دون الذي يعلوه ملح؛ فإنَّ الملح لا يجوز التيمُّم به، ولا يجوزُ بتراب نَجِس، ولا بماء خالطه دقيقٌ أو زعفران ظهر عليه بحيث يُرى، وإن لم يظهر عليه، فوجهان.
وإن خالطه فتاتة أوراق أو غيرها: فالظاهر أنَّ ذلك كالزَّعفران، وليس كالأوراق المُغيِّرة للماء، وتردَّد أبو محمد في إلحاق الأوراق بالزعفران.
ولا يجوز بِسُحَاقة الخزف، ويجوز بالمكول المَشْويِّ 2 على الأصحِّ؛ لأنَّ شيّه لا يسلبُ اسمَه.
وإذا منعنا الوضوءَ بالماء المستعمل، فالمذهب منع التيمم بالتراب المستعمل، وهو ما لصق بالأعضاء ثم تساقط عنها، واختلف نصُّه في الرمل،
فقيل: قولان، وحمل الجمهورُ المنعَ على رمل لا ترابَ فيه، والجوازَ على رمل فيه ترابٌ، والفرق بين مخالطة الرمل والزعفران: أن الرمل ثقيل راسب لا يعلقُ باليد مع الغبار.
85 -
فصل في النقلي
يجب نقلُ التراب إلى أعضاء التيمُّم؛ فلو ضرب يدَيْه على حجر صَلْد، أو مَدَر 1 صُلْب لا غبارَ عليه، لم يجز.
ولو برز لمهبِّ الريح ونوى، فسفتْ التراب على وجهه، لم يجزه على الأصحِّ.
وإن كان على وجهه غبار فمسحه به، لم يجز، إذ لا نقلَ.
وإن نقل من جسده إلى أعضاء تيمُّمه جاز.
وإن نقل من يدَيْه إلى وجهه؛ فوجهان.
وإن مسح غبرةً على وجهه فعلقت بيدَيْه، ثم ردَّهما إلى وجهه؛ فوجهان، ومنعه أبو محمد، ولا وجهَ لمنعه.
وإن يُمِّمَ بإذنه؛ فإن كان معذورًا جاز، وإلا فوجهان، وإن يُمِّمَ بغير إذنه، فهو كبُروزه لمهبِّ الرياح، وإن لم يمتنع ولم يأذن، فالوجهُ القطع بالمنع.
وإنْ مَعَكَ (1) وجهَه في التراب، أجزأه، وقيل: فيه وجهان.
86 -
فصل في كيفية النِّية في التيمُّم
التيمّم يُبيح الصلاةَ ولا يرفع الحدث، ويرفعُه عند ابن سريج لفريضة واحدة، فإن نوى رفعَه، لم يصحَّ إلا على رأي ابن سريج.
وإن نوى استباحةَ الفرض والنفل، استباحهما، ولا يجبُ تعيين الفريضة على المذهب.
وإن نوى استباحةَ الصلاة ولم يتعرَّض لنفل ولا فرض، استباحهما عند الإمام، ويختصُّ بالنفل عند أبي محمد؛ كما في نيَّة افتتاح الصلاة، والفرقُ إمكان الجمع في التيمُّم دون الافتتاح.
وإن نوى استباحةَ الفرض ولم يتعرَّض للنفل استباح الفريضة، وله التنفُّل بعدها على المذهب، وفيما قبلها قولان؛ فإن قلنا: يتنفَّل بعدها فخرج الوقت، فالأصحُّ أنَّه يتنفَّل.
وإن نوى النفلَ، ولم يتعرَّض للفرض ففي استباحة الفرض قولان مشهوران؛ فإن قلنا: لا يستبيح الفرضَ، ففي استباحة النفل وجهان.
87 -
فرع:
لو نوى استباحةَ فرضَيْن، ففي إباحة أحدهما وجهان، وهذه الفروع مخرَّجة على أنَّ تعيينَ الفريضةِ لا يجب.1
ولا يُستحبُّ تجديد التيمُّم؛ لأنَّه ليس مقصودًا في نفسه.
88 -
فصل في كيفيّة التيمَم
لو أخذ الترابَ فمسح به وجهَه ويدَيْه جاز، إلا أنَّ السنَّة تخفيفُ التراب، فيضرب بيدَيه على التراب، أو على ما يثور منه 1 التراب ضربةً لوجهه غير مفرِّق لأصابعه، ثم يمسح بهما وجهه، ولا يجبُ تخليلُ الشُّعور الكثيفة ولا الخفيفة اتفاقًا، ثم يضربهما مفرِّقًا لأصابعه، ويُلصق ظهورَ أصابع يده اليمنى ببطون أصابع اليسرى بحيث لا تجاوز أناملُ اليمنى مسبِّحةَ اليسرى، ولا تجاوز مسبِّحة اليمنى أطرافَ أنامل اليسرى، ويُمِرُّ اليسرى من حيث وضعَها على ظهر ساعد اليمنى والمرفق، ثمَّ يقلب بطنَ ساعد اليمنى على كفِّه اليسرى، ويحتوي بيده اليسرى إلى حيث ينتهي الكفُّ وبطون الأصابع، ويُمِرُّ يدَه كذلك، ويُجريها على ظهر إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يخلِّل أصابعهما.
وليست هذه الهيئةُ بمنصوصة في الشرع؛ فإن شكَّ في تعميم المحلِّ لزمه إيصالُ الغبار إلى محلِّ الإشكال.
ونقل المزنيُّ أنَّه يفرِّق أصابعه في الضَّربة الأُولى، واتفقوا على أنَّه لا معنى له، فإن علق بخلل الأصابع غُبارٌ من الضَّربة الأول ولم ينفضْه حتى ركبه غبارُ الثانية، فمسح بذلك يديه أجزأه على الأصحِّ؛ إذ لم يصرْ أحدٌ
إلى أنَّه يلزمه نفضُ وجهه وبدنه عن الغبار قبل التيمُّم، مع أنَّ المسافرَ لا يخلو عن غبار يغشاه.
89 -
فرع:
لو رفع يده في أثناء المسح، فالأصحُّ أنه لا يصير بفصل اليد مستعملًا؛ إذ المُستعمَل ما لَصق بالعضو.
90 -
فصل في رؤية الماء خارج الصلاة
رؤيةُ الماء خارجَ الصلاة مع تعذُّر استعمالِه بسَبُغٍ أو غيره، لا يُبطل التيمُّم، ورؤيتُه مع التمكُّن مِن استعماله، أو حُسْبان التمكُّن مبطل للتيمُّم وإن بان خلاف ظنِّه، ومهما لزمه الطلبُ بطل تيمُّمه.
وإن طلب فلم يجد؛ مثل أن يطلع عليه رَكب، أو يحسب السَّرابَ ماءً، ثم لا يجده، فيلزمه الإعادة.
وإن اطَّلع في بئر عالمًا أنَّه لا دلْوَ معه ولا رِشاء لم يبطل تيمُّمه (1). وإن ظنَّهما في رَحْلهِ فلم يجدْهما بطل تيمُّمه؛ إذ مقصود التيمُّم الإباحةُ، فمهما زالت بسبب يتعلَّق بالتيمم بطل؛ لبطلان مقصوده.
91 -
فصل في رؤية الماء في الصلاة
رؤية الماء في الفريضة لا يبطلها على الأظهر، وفي شفاء المستحاضة1
وجهان، ثم الأفضل إتمامُها، أو قلبها نفلًا، أو إبطالها؟ فيه ثلاثة أوجه، ومنع بعضُهم إبطالَ الفرضية، وأوجب الإتمام، وهو بعيد.
وجوَّز المراوزةُ إِبطالَها من غير قَلْب، ومنع الإمام من إبطالها عند ضيق وقتها، وجوَّز لغير المتيمِّم إذا شرع في فائتة متراخية، أو فريضة في أول وقتها، أن يُبطلَها؛ اعتبارًا بالمسافر الصائم، وبالمنفرد يجد جماعةً، فإنَّه يجوز لهما التحلّل، وقال: ما أرى الأصحابَ يسمحون بهذا.
92 -
فرع:
إذا تَلِفَ الماءُ في أثناء الصلاة؛ فإن علِمَ بتَلَفِهِ، فتيمّمه باقٍ إذا تحلَّل، وإن لم يعلم، بطل تيمُّمه عند التحلّل وإن طلبه فلم يجده.
93 - فرع: لو نوى الإقامةَ في أثناء الصلاة، ولم يرَ الماء، أتمَّها، وحكمُه في القضاء حكمُ حاضر تيمَّم لفقد الماء، وإن رأى الماءَ مع نيَّة الإقامة فهو كما لو لم يره أو تبطل صلاتُه؟ فيه خلاف.
94 - فرع: النافلةُ كالفريضة لا تبطل برؤية الماء، خلافًا لابن سُريج، فإن كان نوى ركعتين أتمَّهما، وإن نوى أربعًا ففي وجوب الاقتصار على ركعتين وجهان، فإن قلنا: لا يجب؛ فلا يجوز للمتحرِّم بركعتين أن يتمَّها أربعًا على المذهب؛ لأنَّه كالمتحرِّم بالنفل مع وجود الماء، ولذلك يفتقر إلى نيَّة.
95 - فرع: إذا ارتدَّ المتطهِّر، فلا يبطل غسلُه، وكذلك وضوءُه على المذهب،
وفي التيمُّم وجهان.
96 -
فصل فيما يجمع من الصلوات بتيمم واحد
ولا يجمعُ مكتوبَتيْن بتيمُّم واحد، ويجمع به بين نوافل وبين مكتوبة ونوافل؛ وفي مَنذورتَيْن، ومنذورة ومكتوبة قولان (1).
ونصَّ على جواز الجمع بين المكتوبة وصلاة الجنازة، وعلى أنَّ صلاة الجنازة لا تقام على الراحلة، ولا في حال القعود، مع إِمكان القيام، وفيهما ثلاثة أوجه، يفرَّق في الثالث بين المتعيِّنة وغيرها؛ والأصحُّ جوازُ الجمع، ومَنع القعود؛ إذ يبطل به معظمُ أركانها.
ولا يَجمعُ به مكتوبةً وطوافَ فرض، ولا تُجمع المكتوبةُ مع ركعتَي الطواف إن فرضناهما، وفيهما مع الطواف المفروض وجهان.
97 -
فرع:
إذا نسيَ صلاةً من خمس لا يعرفُ عينَها، كفاه لهنَّ تيمُّم واحد على الأظهر، وإن نسي صلاتَين من يوم وليلة، أو صلاتين مختلفتين من يومين وليلتين، كفاه صلواتُ يوم وليلة، فإن شاء صلاهُنَّ بخمس تيمُّمات، وإِن شاء صلَّى الأربعَ الأُول بتيمُّم، ثم يتيمَّم ويصلي الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاء، فإِن عكس فصلَّى الأربعَ الأُخَر قبل الأربع الأُول، لم يجزه؛ لجواز أن تكونَ الفائتةُ ظهرًا وعشاء 2.1
وإن فاته صلاتان متماثلتان، لزمه قضاءُ صلوات يومَيْن، فيقضي كلَّ يوم بتيمُّم على الأظهر، وعلى الوجه الآخر يلزمه عشرُ تيمُّمات.
98 -
فرع:
إذا أمرنا مَنْ عليه نجاسةٌ بالأداء والقضاء، أو أعاد المنفردُ في جماعة، وقلنا: الفرضُ أحدهما لا بعينه، ففي جمعهما بتيمُّم وجهان.
99 -
فصل في المطلب
إذا تيقَّن عدمَ الماء فلا طلبَ، وإن توهَّمه أو غلب على ظنِّه وجودُه أو عدمُه، لزمه الطلبُ.
وقيل: إذا غلب على ظنِّه عدمُه فلا طلبَ، وهو بعيدٌ؛ والأصحُّ أنَّه يلزمه إعادةُ المطلب ما لم يفارق مكانَه، وكان ظنُّه باقيًا.
قال أبو بكر: ولا يكلَّف في المطلب مشقَّة، بل يطلب على القُرْب واليُسْر.
وقال صاحب "التقريب": يكفيه النظرُ يمينًا وشمالًا ولا يكلَّف التردُّد.
وقال أبو محمد: يتردَّد قليلًا.
قال الإمام: ليس هذا اختلافًا، فيكفيه النظرُ إن كان في مُسْتوِ من الأرض، وإن لم ينفذ بصرُه تردَّد قليلًا، ولا يكلَّف مع الأمن أن يطلبَه من فرسخ ونصف فرسخ 1، ولا أن يخاطرَ بنفسه أو ماله، وضابطُه أن يطلبَ
من موضع لو استغاث برُفْقته لأغاثوه، مع ما هم عليه من تصرُّفاتهم.
= ذراع، وهو الميل الهاشمي، وهو برّيّ وبحريّ، فالبري يُقدّر الآن بما يساوي (1609) من الأمتار، والبحري بما يساوي (1852) من الأمتار.
وعليه فإنّ الفرسخ يُقدّر بنحو (5) كم.
انظر: "المعجم الوسيط" (مادة: فرسخ، وميل).
100 -
باب جامع التيمم
لا يصحُّ التيمُّم لفرض قبل دخول وقته، وفي مُوَقَّت النوافل وجهان، ووقت الفائتة بذِكْرها، وصلاةِ الجنازة بغسل الميت، والاستسقاء بالبُروز إلى الصحراء، والكسوفِ بالكسوف.
ولو تيمَّم لفائتة قبل الزوال فلم يصلِّها، فله أن يصليَ به الظهرَ بعد الزوال على الأصحِّ.
وإن تيمَّم لمكتوبة ثم تذكَّر فائتة فأراد قضاءها بذلك التيمُّم فله ذلك، أو يخرج على الخلاف؟ فيه طريقان.
ولو تيمَّم لنافلة ضَحْوةً ولا قضاء عليه، وقلنا: تيمُّمُ النفل يصلح للفرض، فأراد أن يصلِّيَ به الظهرَ، فقد الحقه أبو عليٍّ بما لو تيمَّم لفائتة ضحوة، ثم أدَّى به الظهر، واستبعده الإمامُ؛ لأنَّه لمَّا تيمَّم للنافلة لم يكن تيمُّمه صالحًا لأداء فريضة، بخلاف التيمُّم للفائتة، بل لو تيمَّم للنافلة ذاكرًا لفائتة، وقلنا: تيمُّم النفل يصلُح للفرض، فأراد أن يصلِّي به الظُّهر في وقتها، فهذا مخرَّج على الخلاف.
ولا قضاءَ على المتيمِّم في طويل السفر، وكذلك قصيره على المذهب، وفيه قولٌ بعيد، وبُعْده من جهة أنَّ التيمُّم لا تعلُّق له بالسفر، إنَّما يتعلَّق بفقدِ الماء، فإن فقده حيث يغلبُ الفقدُ، فلا إعادة، والفَقْد يعمُّ الأسفار، طويلَها
وقصيرَها؛ ولذلك لا يجب القضاءُ على القاطن بالبادية إذا صلَّى بالتيمُّم؛ لغلَبة فقد الماء في البوادي.
101 -
فصل في المرض المُبيح للتيمُّم [والفطر والقعود في الصلاة]
1
ويجوز للمريض التيمُّم إذا خاف من استعمال الماء على نفسِه، أو عضو من أعضائه، وكذلك منافع الأعضاء عند الإمام، وإن خاف مرضًا مَخُوفًا جاز قولًا واحدًا، وقيل: فيه قولان؛ أصحُّهما الجواز؛ فإن جَوَّزناه، ففي إبطاء البُرْء وشدَّة الوجع وجهان.
وألحقهما العراقيُّون بخوف المرض.
ولا يجوز بخوف شَيْن باطن، وفي الظاهر وجهان، مأخذُهما أنَّ المبيحَ خوفُ الهلاك، أو يكفي الضرر الظاهر؟
ويُباح الفِطر بكلّ مرض يُخشى من الصوم فيه ضررٌ ظاهر يزداد بالصوم، ولو أفطر لَوَقَفَ أو خَفَّ 2، ولا يشترط فيه الخوفُ على الروح، ولا على الأعضاء، ولا المرض المَخُوف، وضبطه الإمام: بكلِّ مرض يمنع من التصرُّف مع الصوم 3.
ويباح القعودُ في الصلاة بكلِّ مرض لو قام المريضُ فيه لألهته الآلامُ عن ذكر الله.
ولا خلافَ أنه لا يشترط فيه الضرورةُ والعجزُ عن تصوُّر القيام.
102 -
فصل في وضع الجبائر
إذا عمَّ العذرُ جميعَ محلِّ الطهارة اقتصر على التيمُّم، وإن اختصَّ ببعضه، غسلَ السليمَ وتيمَّم عن محلِّ العُذْر على المذهب.
وقيل: يخرج على الخلاف في الماء القاصر؛ فإن كانت الطهارة غُسلًا، فالأصحُّ أنَّه لا يلزمه تقديمُ الغسل على التيمُّم.
وقيل: يلزمه؛ لأنَّه الأصل.
وفي الوضوء ثلاثةُ أوجه، في الثالث: يُنَزَّل التيمُّم منزلةَ غسل محلّ العذر؛ فإذا كان العذر بيده، غسلَ وجهَه وما أمكن من يده، ثمَّ تيمَّم، ثمَّ مسح رأسه وغسل رجلَيْه.
فإن احتاج إلى جبيرة لتقويم خلع أو جَبْر كسر، فَلْيضعها على وضوء كامل، ولا يتعدَّى بها قدرَ الحاجة، ومالا تستمسك إلا به، ثمَّ يغسل السليم، ويمسح الجبيرة، وفي لزوم الاستيعاب وجهان، وكذلك في تأقيت مسحها خلافٌ يختصُّ بإمكان الرفع عند انقضاء كلِّ يوم وليلة، فإن أخلَّ رفعُها بالعضو، فلا يجب رفعُها اتِّفاقًا، ومتى أمكن رفعُها مِن غير ضرر لزم نزعُها، وغَسْلُ ما تحتها.
ويلزمُه التيمُّم مع مسح الجبيرة على الأصحّ؛ فإن كانت على أعضاء
التيمُّم، ففي وجوب مسحها بالتراب وجهان؛ من حيث إنه ضعيف، فلا يؤثر على حائل.
وفي القضاء ثلاثةُ أقوال؛ يفرَّق في الثالث بين المتطهِّر وغيره.
قال أبو محمد: في وجوب التطهر قبل وضعها خلافٌ مأخوذٌ من سقوط القضاء ولزومه؛ فإن أوجبناه فوضعها غير متطهِّر، فإن أمكنه النزعُ والتطهُّرِ، لزم ذلك، وإن تعذَّر فَعَل ما أمرناه ثم قضى.
103 -
فصل في حكم الجريح
إذا وضع على جرحه لَصُوقًا، فحكمه حكم الجبيرة في جميع ما ذكرت، وإن لم يمكنه وضعُ اللَّصوق، لزمه غسل السليم، والتيممُ عن الجريح، ولا يلزمه مسحُ الجرح مع إمكانه.
وإن تمكَّن مِن وضعِ شيء على الجُرح، فقد الزمه أبو محمد بذلك، لتكملَ طهارتُه، واستبعده الإمام؛ إذ لا نظيرَ له في الرُّخَص، وخَرَّج على قياسه ما لو كان مع المتطهِّر ما لا يكفيه لطهارته إلا أن يمسح على خُفَّيه، وقد أرهقه الحدثُ، فيلزمه لُبس الخُفّ؛ ليمسحَ عليه؛ توسُّلًا إلى تكميل طهارته.
104 -
فرع:
لو توهَّم الاندمالَ 1 فلم يكن، لم يبطل تيمُّمه على الأصحِّ؛ بخلاف توهُّم الماء؛ إذ لا يجب طلبُ الاندمال، بخلاف طلب الماء؛ وفيه وجه أنَّه
يبطل، وفي وجوب طلب الاندمال احتمال.
105 -
فرع:
العاري: هل يصلِّي قاعدًا مومئًا بالركوع والسجود، أو قائمًا متمًّا لركوعه وسجوده، أو يتخيَّر؛ فيه ثلاثة أوجه؛ وقطع الإمام بأنّه يُتِمُّ الركوعَ والسجود إذا كان في قوم يعمُّهم العُري.
والمحبوس في حُشٍّ (1)، هل يضع جبهتَه على النجاسة، أو يُدْنيها من غير إمساس، أو يتخيَّر؛ فيه الأوجه؛ والنصُّ يشير إلى الإيماء من غير إمساس (2)، فإن كانت النجاسةُ رطبةً، فقد قطع أبو محمد بأنَّه لا يضعُ جبهتَه، وأطلق غيرُه ولم يفصّل.
وإن كان معه إزارٌ نجس لو ألقاه لصلى عاريًا، أو كان في حَشٍّ لو بسط عليه ثوبَه لصلَّى عاريًا، ففيه الأوجه الثلاثة.
106 -
فصل فيما يجب قضاؤه من الصلوات
إذا اختلَّ شرطٌ من الصلاة، أو ركنٌ، لضرورة أو حاجة؛ فإن لم يختصَّ12
وجوبُه بالصلاة؛ كالسَّتر إذا تعذَّر فصلَّى عاريًا، فلا قضاءَ عند صاحب "التقريب" 1.
وقال غيره: لا قضاء إن كان في قوم يعمُّهم العُري.
وإن ندر العُري في ناحية: فإن قلنا: يُتمُّ الرُّكوعَ والسجودَ، فلا قضاء على المذهب.
وإن قلنا: يومئ، لزمه القضاءُ على الأصحِّ.
وإن اختصَّ وجوبُه بالصلاة؛ كأركانها، وطهارتي الحدث والخبث؛ فإن كان العذرُ فيه عامًّا؛ كعدم الماء في السفر، والقعود في الصلاة بالمرض، فلا قضاء، وإن كان نادرًا؛ فإن كان إذا وقع دامَ؛ كالاستحاضة، وسلس البول، واسترخاء الأُسْر، والصلاة مضطجعًا بسبب المرض، فلا قضاءَ، سواء كان لما اختلَّ بدلٌ أم لم يكن.
وإن كان النادرُ إذا وقع لا يدوم؛ فإن كان له بدل؛ كتيمُّم المسافر لخوف البرد، وصاحب الجبيرة، وتيمُّم الحاضر لانقطاع الماء، ففي القضاء قولان.
وإن لم يكن له بدل؛ كمن لم يجد ماء ولا ترابًا، وكمن على جرحه نجاسة عند الإمام، فالمذهب وجوبُ القضاء، ولا يُستثنى عنه إلا صلاة شدَّة الخوف؛ فإن قضاها لا يجبُ قولًا واحدًا، مع نُدْرَة العُذْر، وعدم دوامه، ولا بدلَ عنه.
والنظر في الأعذار إلى جنسها، فإن انقطع ما يدوم، فهو كالدائم، وإن دام ما عادته الانقطاع، فهو كالمنقطع.
107 -
فصل فيما يجب أداؤه من الصلوات
يجبُ على كلِّ مكلَّف أن يؤدِّيَ الصلاةَ على حسب إمكانه، فلا تسقط إلا بسقوط التكليف، أو بالحيض.
وقال أبو حنيفة: كلُّ صلاة يجب قضاؤها فلا يجب أداؤها.
وقال المُزنيُّ: يلزمه أداءُ الصلاة على حسب إمكانه، ولا يلزمه القضاء.
والقولان مضافان إلى الشافعيِّ، إلا أنَّ أبا حنيفة يُحزم الأداء؛ لاختلاله، وليس هذا مذهبًا للشافعي.
وذكر بعضُهم أنَّ مذهب الشافعي في ذلك كمذهب أبي حنيفة، وهو بعيدٌ.
وإذا قضى ففي الواجب أربعة أقوال:
أحدها: الأول؛ وهو مذهب المزني.
والثاني: الثانية؛ وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالث: أنهما واجبتان؛ وهو ظاهر المذهب.
والرابع: إحداهما لا بعينها، فيلزمه فعلُهما؛ لتتأدَّى الواجبةُ منهما؛ كناسي صلاةٍ من خمس، ويمكن أن لا يجبَ القضاء؛ كالمعيد في الجماعة إذا قلنا: الفرض إحداهما، وإذا أوجبنا القضاء والأداء، فالظاهر أنَّ الأداء صلاة.
وقيل: بل تشبُّهٌ بالصلاة؛ كالإمساك في رمضان وهو بعيدٌ؛ لأنَّ النية واجبة في هذه الصلاة، وغير واجبة في الإمساك.
108 -
فرع:
إذا صلَّى المصلوبُ إلى غير القبلة، لزمه القضاء، وإن صلَّى إلى القبلة، فلا قضاءَ عليه عند أبي بكر، وفيه نظر؛ لنُدْرة العُذْر، وعدم دوامه.
109 -
فصل في وجود الماء القاصر عن الطهارة
إذا وجد ماء قاصرًا؛ ففي وجوب استعماله قولان؛ فإن أوجبناه لزم تقديمُ الماء على التيمُّم اتفاقًا.
110 - فرع: إذا وجد المتيمِّمُ ماءً علم أنَّه لا يكفيه؛ فإن لم نوجب استعمالَه لم يبطل تيمُّمه، وإِن أوجبناه بطل، فليستعمله ثم يتيمَّم.
111 - فرع:
لابن سريج:
إذا اغتسل الجُنُبُ وأغفل لُمْعَةً مِن أعضاء وضوئه، فنفد ماؤه، ثمَّ أحدث وتيمَّم، ثمَّ وجد ماءً يكفي اللُّمْعَةَ دون الوضوء؛ فإن أوجبنا استعمالَ القاصر بطل تيمُّمه؛ لأنَّه وقع عن اللُّمْعة وعن الحدث، فلمَّا وجد الماءَ، لزمه غسل اللُّمعة، فبطل التيمُّم عن الغسل، والتيممُ لا يتبعَّض بطلانُه.
وإن لم نوجب استعمالَ القاصر لم يبطل التيممُ؛ لأَنَّ وضوءَه لم يبطل بوجود القاصر، وهذالا يصحُّ؛ لأن التيمُّم وقع عن بقية الغسل وعن الحدث، فإن لم يبطل بسبب الحدث، وجب أن يبطلَ في حقِّ الغسل، ثم
لا يتبعَّض بطلانه.
112 -
فصل في وجود الماء في آخر الوقت
إذا علم وجود الماء آخر الوقت، فلا خلاف أن تأخير الصلاة أفضل، وإن غلب على ظنه فله الصلاة أولَ الوقت بالتيمم، وفي الأفضل قولان.
وإن لم يغلب على ظنه، فالتعجيل أفضل بلا خلاف، وإن أداها في أولَ الوقت بالتيمم، وفي آخره بالوضوء، فهو الغايةُ في الفضيلة، ولا خلافَ أن المبادرةَ في أول الوقت منفردًا أفضلُ من انتظار الجماعة في آخره.
113 -
فرع:
إذا تيقَّن الماءَ على يمين المنزل أو يساره، لزم طلبُه ما لم يخرج الوقت، وإن كان أمامَه وهو مارٌّ، فله التيممُ أولَ الوقت، فقيل: قولان بالنقل والتخريج.
وفرَّق بعضُهم بأنَّ ما على اليمين واليسار منسوبٌ إلى النازل، بخلاف ما بين يديه وما وراءه.
فإِن أوجبنا الطلبَ، فشرطُه الأمنُ على نفسه وماله، وأن لا ينقطعَ عن رفقته، وإِن جوَّزنا التيممَ، فكان الماء على حدِّ الغَوْث، لم يجز التيمم، وإن بَعُدَ قليلًا، فلا يبعدُ أن يلزمَه قصدُه إذا كان بموضع يقصدُه المسافر للاحتشاش، والاحتطاب، [والرعي] 1.
114 -
فصل في تناوب الجماعة على ماء أو ثوب إذا لاح للمسافر ماء لو اشتغل بطلبه، لفاتته الصلاة؛ لضيق وقتها، أو تناوب المسافرون على بئر، أو دلو، أو تناوبَ العراةُ على ثوب
[إذا لاح للمسافر ماءٌ لو اشتغل بطلبه لفاتته الصلاة؛ لضيق وقتها] (1)، وعلم بعضُهم أنَّ النَّوبةَ لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت، فالنصُّ أنَّه يصبر حتى يخرجَ الوقتُ، فيقضي الصلاةَ متوضئًا ومكتسيًا.
ولو كانوا في بيت ضيق، أو سفينة لا يمكن فيها القيام إلا في موضع واحد، فعلم بعضُهم أنَّ النَّوبةَ لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت، فالنَّص أنَّه يُصَلّي قاعدًا ولا يصبر، فقيل: في الصُّور كلها قولان.
وفَرَّق بعضُهم بأنَّ أمرَ القعود أيسرُ، فإنْ جوَّزنا التيممَ فلا قضاء، وإن جَوَّزنا القعودَ، ففي القضاء احتمال؛ لأنَّه عُذْر نادر ليس من جنس المرض، وإن ضاق الوقتُ على المقيم، وخاف الفواتَ، فلا خلافَ أنَّه لا يتيمَّم.
115 -
فصل في المتيمِّم إذا نسي الماءَ أو جهله
إذا نسيَ الماءَ فتيمَّم، لزمه القضاءُ في أصحِّ القولين، وإن أُدْرِج في رَحْله بحيث لا يعلم، فلا قضاء، وقيل: يُلحق بالنسيان.
وإِن أضلَّ الماءَ في رَحْله، فاجتهد في طلبه، فلم يجده، فعلى قولي1
الخطأ في القبلة، وإن لم يجتهد في طلبه، لزمه القضاءُ اتفاقًا؛ وكذلك إن أضلَّ رَحْلَه في الرِّحال، ولم يجتهد في طلبه، وإن اجتهد فهو كإضلال الماء في رَحْلِه، وفيه وجهٌ أنه لا يلزمه القضاء.
وإن رأى بئرًا بالقُرْب منه؛ فإن كان عَهِدها قديمًا ثم نسيها، فهو كالنسيان، وإن لم يَعْهدها، فهو كالإدراج.
فإن طال عهدُه بالبئر بحيث لا ينسبُ في مثل ذلك إلى الذُّهول، ففيه احتمال.
116 -
فصل في شراء الماء
إذا بيع الماء بِغَبْنٍ، أو احتاج إلى ثمنه في نفقة ذهابه وإيابه إلى وطنه، كما في استطاعة الحج، أو أقرضه ولا وفاءَ عنده، أو وهب ثمن الماء، أو الدلو، أو الرِّشاء، أو لم يجد ثمنه، فله التيمُّم.
وكذلك إذا كان عليه دَيْن مستغرق عند أبي محمد، وإن وُهِب منه الماء، أو أُعِير منه الدلوُ والرِّشاء، أو أُقرض ثمنَه، وهو قادر على وفائه، لزمه القبولُ، وهل يلزمه استيهابُ الماء، واستعارة الدلو والرِّشاء؟ فيه وجهان.
والأصح أنَّ ثمنَ المثل 1 معتبرٌ بمكان الحاجة وزمانها، وقيل: يعتبر بحال السلامة، ووجود الماء، وقيل: يعتبر بأجرة النقل؛ لأنَّ الماء لا يملك، وكلاهما بعيد 2.
117 -
فصل في التيمم (1) بسبب العطش
إذا احتاج إلى الماء لعطشه حالًا أو مآلًا، أو لعطش دوابِّه أو رفيقه في الحال أو في المال، على رأي أبي محمد فله التيمم، فيسلِّمه إلى رفيقه بثمنه، ولا يحل له الوضوءُ به.
فإن عَمَّتهما الحاجةُ فهو أولى بمائه، وله أن يؤثر به، وإن اضطرَّ إليه في المال، واضطر إليه رفيقهُ في الحال، ففي ذلك احتمال، ويعتبر في تضرره بالعطش ما يعتبر في تضرُّره بالمرض.
118 -
فصل في صبِّ الماء
إذا صبَّ الماء قبل الوقت فلا قضاء، وكذلك إذا صبَّه في الوقت على الأصح وإن أثم بذلك، فإن أوجبنا القضاءَ لم يقض إلا صلاة الوقت على الأصح، وقيل: يقضي أغلبَ ما كان يؤدِّيه بالوضوء في اعتدال حاله.
119 -
فرع:
هبة الماء لغير المحتاج كصبِّه، فإن كان قبل الوقت فلا قضاء، وبعد الوقت يحرم بذلُه، فإن أقبضه ففي حصول المُلْك خلاف، كالخلاف في هبة المرتشي، فإن قلنا: لا يملك، استردَّه إن قدر، فإن لم يفعل، لزم القضاء وجهًا واحدًا ما دام الماءُ موجودًا، وإِن تلف في يد المُتَّهب 2، فتلفه كصبه،1
ولا ضمانَ على المُتَّهب، وإن قلنا: يملكه، فتمليكه كصبِّه.
120 -
فصل في الأَوْلَى بالطهارة
إذا قال لوكيله: سلِّم هذا الماءَ إلى أحوج مَن عليه طهارةٌ، أو أوصى بذلك، أو بذله بنفسه، فحضر ميث، وجنب، وحائض، فالميت أَوْلى، ومن عليه نجاسةٌ أولى من الجنب والحائض، وفيه مع الميت وجهان، وفي الجنب والحائض ثلاثة أوجه، يستويان في الثالث، فيقرع بينهما، وقيل: تساويهما مخرَّج على أنَّ الحائضَ تقرأ القرآن، والجنبَ لا يقرأه، فيختص الجنبَ بمَنعْ القراءة، والحائض بمنع الوطء، فعلى التسوية: لو طلب أحدُهما القسمةَ، والآخرُ القرعةَ، فأيهما يجاب؟ فيه وجهان، وإن اجتمع محدِث وجنب، والماء بقدر الوضوء، فإن لم نوجب استعمالَ القاصر، فالمُحدث أَوْلى، وإن أوجبناه، فثلاثة أوجه، يقترعان في الثالث.
وإن كان كافيًا للغسل فاضلًا عن الوضوء، فإن لم نوجب استعمالَ القاصر، فالجنب أَوْلى، وكذلك إن أوجبناه على الأصح.
وقيل: يُعطى المحدِث قدرَ الوضوء، والباقي للجنب.
وقد فرض الأصحابُ هذه المسائلَ في الازدحام على الماء المُباح، واستدرك عليهم الإمامُ بأنَّ الازدحامَ على المباح موجبٌ للتساوي في الملك من غير نظر إلى الأحداث والأحوال.
ثم الرجل أَوْلى (1) بمائه من كلِّ محدِث، ولا يجوزُ أن يُؤثرَ به محدِثًا ويتيمَّم؛ إذ لا إيثارَ في القُرُبات والعبادات.
ولو مات رجل بفلاة، وترك ماءً يحتاج إليه رفقاؤهُ للعطش، يَمَّموه وشربوا الماء، وعليهم قيمتُه حالَ إتلافه بالفلاة (2).
121 -
فرع:
إذا صلَّى الجنبُ الفرضَ بالتيمم، ثم أحدث ووجد ماءً لوضوئه، فتوضأ به، فله التنفُّلُ به عند العراقيين، وفيه نظر؛ إذ لا أثرَ للحدث مع الجنابة حتى يرفعَهُ الوضوءُ، بل يلزمه التيمُّمُ لاستباحة النافلة.
وفي استعمال القاصر في الجنابة القولان، والذي ذكروه يقتضي أنَّ الحدث لا يندرج في الجنابة؛ والمذهب خلافه.
12
122 -
باب ما يفسد الماء
إذا اتَّصلت نجاسة لا يدركها الطَّرْفُ بماء قليل، أو ثوب، نَجِس الماءُ، وفي العفو عن الثوب وجهان، وقيل: في الماء وجهان، وقيل بالعفو في الماء دون الثوب.
123 -
فصل في الماء المستعمل
إذا استعمل الماء في رفع الحدث وأداء العبادة، ثم انفصل عن الأعضاء، فهو طاهر غير طهور.
وفيه قول: إنه طهور.
وإن استعمل في أحدهما، فوجهان؛ أصحُّهما أنَّ المستعملَ في عبادة؛ كتجديد الوضوء، وتجديد الغُسْل إن شرعناه، وكالثانية والثالثة في الوضوء ليس بطهور.
وما اغتسلت به الذميةُ لتحلَّ للمسلم مستعملٌ، إن لم نوجب الإعادةَ بعد إسلامها، وإن أوجبناها فوجهان.
ولو انغمس الجنبُ أو المحدثُ في ماء قليل، وانفصل، صار مستعملًا، وفي ارتفاع حدثه وجهان.
ولو اغترف المتوضئُ الماءَ بعد غسل وجهه ناويًا للاغتراف، فلا يضرّ،
وإن نوى غسل اليد أو أطلق، فسد الماءُ، وفي طهارة يده الوجهان.
124 -
فرع:
لو صَبَّ المغتسل الماءَ على رأسه، فتقاذف في الهواء إلى بطنه، صار مستعملًا بتقاذفه.
قال الإمام: يُعفى عن التقاذف الذي لا يمكن التحرُّز منه، والنادر إن قصده لم يُعفَ عنه، وإِن اتفق بغير قصد، فلا يمتنع أن يعفى عنه؛ لتساهل الأوَّلين في ذلك.
125 - فرع: لو انغمس الجنبُ في ماء كثير، لم يفسد، وإن بلغ الماءُ المستعمل قُلَّتين كان طهورًا على الأصح؛ كالماء النجس؛ اعتبارًا للقطع بالدفع (1).
126 - فرع: إذا وقع من الماء المستعمل في إِناء ما يغيِّره لو خالفه، فقد أفسده.
127 -
فصل في إزالة النجاسة
يجب في النجاسة العينية رفعُ عينها، وقطعُ أثرها وطعمها، وكذلك لونها وريحها إن تيسَّر، وإن عَسُر عُفي عن اللون، وكذلك الريح في أصحِّ القولين.1
فإِن انقلعت بمرَّة اسْتُحِبَّتْ الثانية والثالثة، وكذلك تستحبُّ الثلاث في الحُكْمية، وتكفي المرَّةُ الواحدة، وفي وقوف الطهارة على العصر وجهان؛ بناء على الغُسالة، ويقومُ الجَفافُ مقام العصر على الأصح.
128 -
فصل في الغُسالة
إِن تغيّرت الغُسالة فنجسة، وإلا فطاهرة إن طهر المحلُّ على النص، وفيها قولٌ مخرج 1، وإن لم يطهر فنجسة، وأبعد من طرد القولين.
129 -
فرع:
إذا غسل الثوب مرارًا في إناء، وكانت المرة الأول نجسةً؛ لتغيرها، أو انفصالها قبل الطهارة، وقلنا: الغُسالة طاهرة، فالأصح هنا النجاسة؛ لأنَّ الغسلات انفصل بعضُها عن بعض، وثبت لبعضها حكمُ النجاسة.
وقيل بالطهارة؛ لأنَّ المجتمعَ في حكم غسالة واحدة.
130 - فرع:
لو أورد 2 الثوب النجس على ماء قليل، فغسله، فوجهان؛ أحدهما: ينجس الماء، ولا يطهر الثوب.
والثاني: يطهر، وهو اختيار ابن سُريج، ونقل عنه أنه يشترط النية في الإزالة، ومذهبُه أنَّ الريحَ لو ألقت الثوبَ في ماء قليل، نَجِس الماءُ، ولم
يطهر الثوبُ، بخلاف ما لو أورده الغاسل قاصدًا للإزالة، ولو انصبَّ الماء على الثوب، فأزال نجاستَه، طهر، وخولف فيما ذكره من القصد في الصورة الأول؛ إذ الغرضُ زوالُ النجاسة بالماء، فلا أثر للنية فيه.
131 -
فرع:
إذا كوثر الماءُ المتغير بالنجاسة بماءٍ؛ قصدًا لتطهيره، فزال تغيُّره، وبلغ قُلَّتين، طهر، وإن لم يبلغ قلَّتين طهر على رأي ابن سُريج إِن قصد به الغسل.
قال أبو علي: هذا تفريعٌ على أنَّ العصرَ لا يجب، وينبغي أن يكون الواردُ أكثرَ من المورود عليه، ورأى الإمامُ ذلك من هفوات ابن سُريج.
132 - فرع: ماء الغَسلة الرابعة طهورٌ، والأُولى مستعمل؛ وفي الثانية والثالثة وجهان.
133 - فرع:
المستعمل في الحدث أو الخبث لا يستعمل فيما استعمل فيه.
وكذلك لا يستعمل في الطهارة الأخرى على الأصح.
134 -
غسل الإناء من ولوغ الكلب:
إِذا ولغ الكلبُ في مائع، أو ماء قليل، أو أصابه بشيء من جسده، أو فضلات بدنه، نَجِس الماءُ والإناء، ولا يطهر ما لم يغسل سبعًا ويُعَفَّر، والخنزير كذلك [على أصح القولين] 1 عند العراقيين، فإن أبدل الترابَ بشيء
من أدوات الغسل؛ كالصابون، والأُشنان، فثلاثة أقوال، يفرَّق في الثالث بين وجود التراب وعدمه، ولا تقوم الغَسلةُ الثامنة مقامَ التراب على الأظهر، ولا وجهَ لهذا الخلاف مع وجود التراب.
وإن كان الترابُ نجسًا، أو ممزوجًا بخلٍّ، أو بشيء من المائعات، فوجهان.
وإن ولغ في حفرة في التراب، ففي تطهيرها بالتراب وجهان.
والتعفير: أن يمزجَ التراب بالماء في إحدى الغسلات، أو في غسلة ثامنة، ويتكدَّر به الماء، فإن ذَرَّه عليه بعد غسله ونفضه، لم يجزه.
135 -
فرع:
إذا ولغ في ماء قليل، فكُوثر حتى بلغ قُلَّتين، طهر الماء، وفي الإناء أربعة أوجه تجري فيما لو غمس الإناء أو الثوب في ماء كثير؛ أصحُّها: أنه يطهر؛ لعوده إلى حال لو كان عليها عند الولوغ لما تنجَّس.
والثاني: لا يطهر؛ للتعبُّد.
والثالث: إِن تنجَّس تبعًا طهر تبعًا، وإن أصابه شيء من أجزاء الكلب فلا يطهر.
والرابع: إن مكث زمانًا تتأتَّى فيه الغسلات السبع، طهر، وإلا فلا.
ولا أصلَ للوجهين الأخيرين.
فإن حكمنا بنجاسة الإناء، فنجاستُه حكمية أو عينية؟ فيه وجهان؛ فإن
جعلناها عينية، ولم يزد الماءُ على قلَّتين] (1)، وأوجبنا التباعد فالماء كلُّه نجس، كما لو كان في جلد نجس.
وإن جعلناها حكميةً، فالماء طاهر، ولا يجب التباعدُ، كمالو وقع فيه قطرةُ بول، فإن نُزِح فنقص عن القلتين، نجس الماء إن جعلناها عينيةً، ولا ينجس إن جعلناها حُكْميةً.
136 -
فصل في غُسالة الولوغ
حكم غُسالة الوُلوغ كحكم الإناء قبل تلك الغسلة، أو كحكمه بعدها، أو لها حكم سبع الإناء، أو هي طاهرة؟ فيه أربعة أوجه: فإِذا أصابت الأول ثوبًا: فإن جعلناها كالإناء قبل انفصالها، غُسل الثوبُ سبعًا إحداهن بالتراب، وإن جعلناها كالإناء بعد انفصالها، غُسل الثوب ستًّا وعفَّره إن لم يكن عُفِّر في الأول، وإن جعلنا لها حكمَ السبع، غُسل الثوب مرّة واحدة، وإن جعلناها طاهرة، فلا يغسل الثوب، ويغسل من الغُسَّالة الثالثة خمسًا، أو أربعًا، أو مرّة، أو لا يغسل؟ فيه الأوجه.
وهل يغسل من الأخيرة؟ فيه وجهان.
ولا قائل بأنَّ كلَّ غُسالة كولغة.
137 -
فرع:
لو ولغ كلبان أو أكثر، فهل يغسل سبعًا من كل ولغة ويعفَّر، أو يقتصر1
على السبع والتعفير؟ فيه وجهان.
وإن أصابته نجاسة أخرى، فلا يزاد (1) على السبع والتعفير.
138 -
فصل في بيان الطاهر والنجس من الحيوان
النجس من الحيوان: الكلبُ والخنزيرُ وفروعهما، وما عداهما من الحيوانات مأكولها ومُحرَّمِها طاهرةُ العيون واللُّعاب والسُّؤر والعرق.
139 -
فرع:
سُؤر الهرة طاهر، فإن أكلت فأرةً، أو تعاطت نجاسةً أخرى، ثم ولغت في ماء قليل؛ فإن لم تغب نَجِس الماءُ، وإن غابت وجوَّزنا أنها ولغت في ماء كثير أو جارٍ، فوجهان.
140 -
فصل فيما ينجس من الميتات وما لا ينجس
إذا مات السمك أو الجراد في ماء قليل، لم ينجس؛ لطهارتهما، وكذلك الآدمي على المذهب.
وينجس الماء بموت ما لَهُ نَفْسٌ سائلة، وفيما ليس له نفس سائلة ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين ما يعمُّ؛ كالذباب والبعوض، وما لا يعمُّ؛ كالعقارب والخنافس.
والجديدُ أنَّ الماء لا ينجس به؛ إما لتعذُّر الاحتراز منه مع نجاسته عند1
العراقيين، أو لأنه لا ينجس بالموت عند القفال (1). فإن قلنا بطهارته، فلا يحلُّ أكلُه؛ لاستقذاره، ولا فرق بين قليله وكعيره، وإن قلنا بنجاسته، فتغيَّر الماءُ القليل؛ لكثرته، ففي نجاسة الماء وجهان (2)؛ فإن قلنا: لا ينجس، فحكم تغيره بذلك حكمُ تغيره بأوراق الأشجار.
141 -
فصل في طهارة ما تولَّد من الطعام
الدود الناشئ في الماء والطعام والفواكه لا ينجس شيئًا من ذلك إذا مات فيه؛ لتعذُّر صَوْنِه عنه، فإن انعصرت بتصرف، أو عصر، أو اختلطت بغير قصد، فلا بأس، وإن جمعت لتؤكل، فالأصح التحريم، وقيل بالتحليل؛ لأنها كجزء مما خلقت منه، فإن حرمناها عاد التردُّد في نجاستها.
142 -
فصل في نجاسة خَرْء الحيوان
كلُّ حيوان يُنجِّسه الموتُ فخرؤه نجس، وما تحل ميتته؛ كالسمك والجراد، ففي خرئه وجهان.
وفي خَرْء ما حكمنا بطهارة ميتته وجهان مرتَّبان.
وبيعُ دود القَزِّ جائز كبيع النحل، وفي بيع بِزْره خلاف، وفي بيض كلِّ12
حيوان لا يؤكل ممَّا ينتفع به وجهان؛ بناء على الخلاف في طهارته.
143 -
[فرع:
المسك طاهر اتفاقًا، وفي فأرته وجهان 1].
144 - فرع: وقعت فأرة في ماء قليل، ففي نجاسته ممَّا على منفذِها وجهان 2.
145 - فرع: إذا انغمس المستجمرُ في ماء قليل نجَّسه، وإِن حمله مصلٍّ فسدت صلاتُه على الأقيس.
146 -
باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس
إذا اتصل بالماء نجاسةٌ غيرُ معفوٍّ عنها، ينجس بها ما لم يبلغ قلَّتين 1، فإِذا بلغهما، فلا ينجس إلا أن يتغير، فينجس وإن كان تغيُّره يسيرًا.
قال ابن جُريج: رأيت القُلَّة تسع قربتين، أو قربتين وشيئًا، فجعل الشافعي الشيءَ نصفًا احتياطًا، فالقلتان على الظاهر خمسُ مئة رطل، وقيل: ستُّ مئة، وأبعد من قال: ألف رطل.
وهل ذلك تحديد أو تقريب؟ فيه وجهان، أصحهما: أنه تحديد؛ فلو نقص إِسْتارًا 2، فهو قليل عند أبي بكر، وعند الإمام: إذا نقص ما يظهر، ولا يحمل على تفاوت في كُرات الوزن، فهو قليل.
وإن قلنا بالتقريب، لم يضرَّ نقصانُ رِطْلين 3، وفي الثلاثة مذهبان.
وأشار صاحب "التقريب" (1): إلى حط نصف قربة من كل قُلَّة، وهو بعيدٌ، وضبطه الإمام بما لا أصل له (2).
147 -
فرع:
إذا تروَّح الماءُ الكثير بنجاسة جامدة لم تخالطه، نَجِس على الظاهر.
واختار أبو محمد طهارتَه؛ اعتبارًا بما لو تغير بجِيفة لم تخالطه.
148 -
فصل في التباعد عن النجاسة
إذا وقع في الماء الكثير نجاسةٌ مائعة لم تغيِّره، فطهور، وإن كانت جامدةً، ففي وجوب التباعد عنها بقدر قُلَّتين قولان؛ أصحُّهما - وهو القديم -: أنه لا يتباعد، والجديد: أنه يتباعد عنها بقدر قلتين طولًا وعرضًا وعمقًا، فإن لم يكن عمقٌ، اقتصر على الطول والعَرْض.
149 - فرع: إذا وقعت نجاسة في ماء كثير عمقه شبر أو فتر، فإن لم نوجب التباعد، ففي وجوبه هاهنا وجهان، ولا قائل بأنَّ هذا المنبسط لو كان قليلًا فوقعت12
في جانبه نجاسةٌ لما تنجس الجانبُ الأقصى على الفور.
150 -
فرع:
إذا لم يزد الماء على قلَّتين فهو نجس على قول التباعد، طاهر على القول الآخر؛ فإن ألقيت عنه النجاسة، طهر على القولين.
151 - فرع:
إذا كان في بئر قُلَّتان، وفيها نجاسةٌ جامدة، فألقى فيها دلوًا لا يغمرها الماء، بل ينزل من عراقيها 1 إلى قرارها؛ فإن نزلت النجاسة قبل الماء، واختطف الدلو قبل أن يغمرها الماء، فماء البئر طاهر ما لم يقطر فيه شيءٌ مما في الدلو، وإن سبق نزولُ الماء ثم تبعته النجاسة واختطف الدلو، فماء البئر وماء الدلو كلاهما نجسٌ.
وإن انغمرت الدلو، ثم انتزعها: فإن أوجبنا التباعدَ فالماءان نجسان، وإن لم نوجبه: فإن اغترف الماء خطفًا، فالجواب كما مضى، وإن انغمرت الدلو، ثم انتزعها: فإن حصلت النجاسة في الدلو، فماؤها نجس، وفي ماء البئر وجهان، وإن بقيت في البئر، فماؤها نجس، وفي ماء الدلو وجهان.
152 - فرع: إذا جمعت قُلَّتان نجستان طهرتا، ولا يضرُّ تفريقهما بعد ذلك.
153 - فرع: إذا وقع في الماء الكثير رطلُ بول لم يغيِّره، فهو طهور، ويجوز
استعمالُ قدر الماء منه، وكذلك الزائد على الأصح.
154 -
فصل في تطهير ماء البئر
إذا نجس ماءُ البئر: فإن كان قليلًا، طهر بالمكاثرة بالماء حتى يبلغ قلَّتين ويزول تغيُّره، وإن كان كثيرًا كُوثر حتى يزول تغيُّره.
ويطهر الكثيرُ بهبوب الرياح، وطول الزمان، ولا يطهر بما له رائحةٌ غلَّابة؛ كالمسك؛ وفي التراب قولان.
155 -
فرع:
إذا انبثت النجاسة في بئر كثيرة الماء بحيث لا يخلو دلوٌ منها عن جزء من النجاسة في غالب الظن، ففي نجاسة ماء الدلو قولان؛ فإن نزحها نزحًا متواليًا بحيث لا تسكنُ حركة (1) حتى يُلحقَها أُخرى، فزالت غلبةُ الظن، جاز استعماله؛ لأنَّ ما لا تترجَّح نجاستهُ على طهارته جائزُ الاستعمال.
156 -
فصل في نجاسة الماء الجاري
الجاري: ما تدافع في استواء أو انحدار، فإن كان بين يديه ارتفاع، فهو راكدٌ على المذهب، فإذا وقع في الماء الجاري نجاسةٌ مائعة، فانمحقت ولم تغيِّره فهو طاهر، فلو وافقت الماءَ في صفته، فقد قال الإمام: يقدَّر لها1
صفة مخالفة لصفة الماء، فإن لم تغيِّره فطاهر، وإن غيَّرته فنجس.
وقال: لو وقع في ماء متغيِّر بطول المُكْث بولٌ كثير لم يغيِّره، نجس إن غيَّره بتقدير المخالفة، وإن كانت النجاسةُ جامدةً تجري مع الماء فحريمُها ومحلُّها نجس، ووراءها وأمامها طاهر، ولا تباعدَ من يمينها وشمالها وفوقها وتحتها على الأصح.
وقيل: فيه القولان؛ فإن أوجبنا التباعدَ فلم يبلغ ما بين موردها وبين الشط قُلَّتين، فما يقابلها إلى الشطِّ نجسٌ كله، وحريمُها: ما يصادمُها من يمينها ويسارها، ويضافُ إليه مثلُه من ورائها وأمامها.
وأبعدَ من طهَّر حريمَها، ومَن ألحق أمامها بيمينها، ولا يُجتنب في الراكد حريم، إذ لا حريم له.
وإن كانت النجاسة واقفةً، فحكمها ما سبق، وقلتان من المنحدر عنها نجستان، وفيما جاوزهما وجهان، والفتوى: نجاسته.
وقال الإمام: يعتبر في حريم النجاسة إذا انحدر عنها ما يعتبر في النجاسة المائعة من تقدير المخالفة.
هذا في النهر الذي تُغيِّره النجاساتُ المعتادة، أمَّا النهر العظيم الذي لا تغيِّره النجاساتُ المعتادة: فلا يجتنبُ فيه سوى حريمِ النجاسة، وقيل: حكمه في التباعد على ما سبق.
وإن كانت النجاسة راسبةً فيه، فلا خلاف أنَّا لا نحكم بنجاسة المنحدر، وليكن المنحدر عنها كما على اليمين واليسار في أمر التباعد.
وقال الإمام: لو وقع في واد من أوديتنا بعرةٌ صغيرة لا يتوقع تغيُّره بمثلها، وجب القطعُ بطهارة المنحدر؛ لأنَّ نسبتها إلى هذا الوادي كنسبة
الجِيفة الراسبة إلى النهر العظيم، وإذا تأتى التباعدُ من اليمين بقدر قلَّتين، وكذلك من اليسار، فلا شكَّ في طهارة ما ينحدر، ويلتفُّ بعضه ببعضه، ولا يتغير.
157 -
فرع:
إذا كان جريُ النجاسة أبطأَ من جَرْي الماء، فالمنحدرُ عنها كالمنحدر عن النجاسة الواقفة، وللجرية التي يتلوها حكمُ غُسالة لم تتغير، ثم يقدر في الغُسالة مع ما يلتف عليها المخالفة للون الماء.
158 - فرع: إذا اجتمع الركود والجريان، فلكلٍّ واحدٍ منهما حكمُه؛ فإذا جرى في الحوض ماءٌ ضعيف، وخرج منه، فالجاري هو الذي يدخل ويخرج، وما عن جانبيه وتحته إلى العمق راكدٌ، فإذا وقع في الجاري نجاسة، لم ينجس الراكدُ إذا لم نوجب التباعدَ، وإن وقعت في الراكد - وهو قليل - تنجَّس، وتعدَّى حكمُه إلى الجاري.
159 - فرع:
إذا كان في أسفل النهر حفرةٌ عميقة فماؤها راكدٌ على النص؛ فإن تنجس، فحكم الجاري عليه كحكم الجاري على نجاسة واقفة.
قال الإمام: إذا كان في النهر حفرة يُقلِّب الجاري ماءَها ويخلفه، فماؤها جارٍ، وإن كان يلبث قليلًا، ثم يجري، فهو في وقت لبثه راكدٌ، وإن لم يلبث، بل تناقلت حركتُه، فهو في وقت تناقله كالماء الذي بين يديه ارتفاع.
قال: والمتلولب المستدير في حكم الراكد لِتَرَادِّهِ وتدافعه.