كتاب السلم
1398 -
باب السَّلَف والنهي عن بيع ليس عندك
قال حكيم بن حزام للنبي عليه السلام: إِنَّ الرجل يأتيني فيساومني السلعة، وليست عندي، فأبيعها منه، ثمّ أدخل السوق، وأشتريها وأُسلمها إِليه، فقال عليه السلام: "لا تَبعْ ما ليس عندَكَ" 1. والسَّلَم مُجمَع عليه، وهو تعاوض على موصوف في الذمّة بثمن يُقبض عاجلًا، وله سبع شرائط؛ اثنان في رأس المال، وهما: القبض والإِعلام، وخمسة في المُسْلَم فيه: أن يكون دَيْنًا معلومًا، عامَّ الوجود عند المحلِّ، موصوفًا بما تختلف به الأعواض والأثمان، وفي بيان موضع تسليمه اختلافٌ 2. وينعقدُ بلفظ السَّلَم، وإِن أتى بلفظ الشراء ففي ثبوت أحكام السَّلَم
وجهان، فإِن قلنا: لا تثبت، لم يجب تسليم رأس المال في المجلس، وفي الاعتياض عنه قبل القبض طريقان:
إحداهما: المنع؛ لأنّه مقصودُ الجنسِ، بخلاف الثمن.
والثانية: تخريجه على الخلاف في الأثمان.
وإِن قال: أسلمت هذا الثوب في هذا العبد، لم ينعقد سَلَمًا، وفي انعقاده بيعًا قولان.
1399 -
فصل في شرط الرهن والضمان في السَّلَم
يجوز أن يُشرط فيه الرهن والضمان، فإِن تعذَّر قبضه في المحلِّ، ولم يُمْكِنِ الرفع إِلى القاضي، فهل ينفرِد ببيع الرهن، أو يُخرَّج على الخلاف في الظفر بغير جنس الحقّ؟ فيه طريقان، وإِن استوفاه من الضامن، وثبت له الرجوع، رجع في المِثْليِّ بالمثل، وهل يرجع بقيمة المتقوَّم أو بمثله؟ فيه كالقرض وجهان يجريان فيما لو قال: ألقِ متاعك في البحر، فألقاه بشرط الضمان، ويُحتمل وجوب القيمة في صورة الإِلقاء؛ لأنَّه إِتلاف بشرط الضمان.
1400 -
فصل في انقطاع المسلَم فيه قبل محلِّه
إِذا غلب على الظنِّ وجودُ المسلَم فيه عند المحل صحَّ السلَم، ولا يضرُّ عدمُه عند العقد، وإن أسلم فيما لا يوجد ببلد السلم؛ فإِن عمَّ وجوده بقربه صحَّ، وإلّا فلا، ولا نظر في ذلك إِلى مسافة القصر، وضبط الإِمامُ القريبَ
بما جرت العادة بنقله إِلى بلد السلم لأغراض المعاملة، فإن لم يُنقل لذلك فهو بعيد، ولا عبرة بما ينقله الآحاد للهدايا والتُّحَف.
1401 -
فصل في انقطاعه عند المحلِّ
إِذا انقطع جنسه عند المحلِّ ففي انفساخ السَّلَم قولان، فإِن قلنا: لا ينفسخ، فللمسلَم الخيارُ بين الفسح والإنظار، فإِنْ أَنظر ثمَّ بدا له في الفسخ جاز اتفاقًا 1، وإِن قال: أبطلت حقّي من الفسخ، لم يبطل على المذهب.
وإِن غصِبَ العبد المبيع من يد البائع أو أبق، فحُكْمُ المشتري في الخيار كحكم المسلمَ، لا يبطل خيارُه بالتأخُّر، ولا بالتصريح بالإنظار، وفي لفظ الإِبطال الخلاف، ولا يثبت الردُّ بإباقِ مرةٍ، وإِنّما يثبت باعتياد الإباق.
فإِن فسخ المسلم، أو قلنا بالانفساخ، فإِن كان رأس المال متعيِّنًا في العقد رجع به، وله أن يستبدل به قبل قبضه، وإِن تلف رجع بالمثل إِن كان مثليًّا، وبالقيمة إِن كان متقوَّمًا، وإِنْ تعيَّن رأس المال بالقبض، ففي تعيّن ردِّه وجهان مأخذهما: أنَّ المسلم فيه إِذا رُدَّ بالعيب فهل يتبيّن أنّه لم يملكه، أو ملكه ثمَّ انتقص؟ وفيه قولان.
وإِن تبايعا دراهم بدراهم وصفًا من الجانبين، وتقابضا، جاز اتِّفاقًا 2، وهل يصحّ ذلك بلفظ السلم؟ فيه وجهان مأخذهما: جواز السلم في الأثمان.
ولو جرى ذلك في رِبويٍّ من غير النقود ففي إِلحاقه بالنقود وجهان أقيسُهما الإِلحاق، وإِن اعتاض عن دَين مستقرٍّ بدراهم معيَّنةٍ أو موصوفة، ثمَّ قبضها في المجلس، جاز، وإن لم يقبضها؛ فإِن كان الدينُ نقدًا لم يجز، وإِن كان عَرْضًا فوجهان.
وإِن تعذَّر بعض المُسْلَم فيه ففي الانفساخ فيما تعذَّر القولان، فإِن قلنا: ينفسخ، ففيما لم يتعذَّر قولا تفريقِ الصفقة، مع التفرقة بين التعذُّر الواقع بعد قبض الميسور أو قبله (1)، وبين أن يكون المقبوض باقيًا أو تالفًا، على ما سبق في البيع.
1402 -
فصل في بيان الانقطاع
إِذا أسلم فيما لا يوجد إِلّا في بلد السلم، فانقطع، ففيه القولان، وإِن كان ممّا يوجد بغيرها، فانقطع منها؛ فإِن كان موجودًا في حدِّ القرب -على ما تقدَّم- فلا انفساخ؛ لعدم الانقطاع، وإِن كان بعيدًا لا يُتصوَّر نقله، كرُطَب بغداد بالنسبة إِلى خراسان، ففيه القولان، وإِن أمكن نقلُه على عُسْر فالأصحُّ بقاء العقد، كما في إِباق المبيع، وقيل: فيه القولان، وِإن انقطع قبل المحلِّ على وجهٍ يُعلَم عدمه في المحلِّ، ففي جريان القولين قبل المحلِّ مذهبان.1
1403 -
فصل في إِعلام رأس المال
إِذا كان مشاهَدًا، لكنه جزاف، ففي صحّة السَّلَم قولان، فإِن قلنا: لا يصحُّ، شُرط معرفة قَدْرِه ووصفه كالمسلَم فيه، ولا فرق بين المكيل والموزون والمذروع وغيرها، وإِن أحاطا بالصفات بالعيان، ولكن جهلا قيمته، أو جهلها أحدُهما، فالأكثرون على الصحَّة، وقيل: فيه القولان.
وإِن كان دُرَّةً مجهولةَ القيمة لا يجوز السَّلَم في مثلها، ففيها القولان، وإِن عرفا قيمتها، وبالغا في صفتها، جاز على الأصحِّ.
وقيل: يُشترط في رأس المال ما يشترط في السَّلَم، فما لا يصحُّ السَّلَم فيه ففي جعله رأسَ مالٍ القولان، وحمل الإِمام هذا الوجهَ على ما جُهلت صفتُه أو قيمته، وفي عوض السلم الحالِّ والأجرةِ في الإِجارة طريقان:
إحداهما: القطع بالصحّة.
والثانية: فيهما القولان.
1404 -
فصل في الاعتياض عن السلم والإقالة فيه
لا يجوز بيعُ المسلَم فيه قبل قبضه، ولا التوليةُ به، ولا الإِشراك، وكذلك لا يُباع من المسلَم إِليه اتِّفاقًا، ويجوز التقايلُ عليه، وإِن تقايلا على البعض جاز، ولا يُخرَّج على الخلاف في التفريق، وقد تقدَّم الخلافُ في الاستبدال عن الأثمان.
وإِن راجت الفلوس رواجَ النقود فالمذهب أنَّها كالعروض، وألحقها بعضُهم بالأثمان، إِلا أن يَمنع منها السلطان، فتلحق بالعروض اتِّفاقًا.
1405 -
فصل في إلحاق الأجل والزيادات، وحذف المفسدات
إِذا قُيِّد السَّلَم بالأجل أو الحلول صحَّ، وإِن أُطلق صحَّ وحُمل على الحلول، وأَبعدَ مَن أفسده، وعلى الأصحِّ إِذا أَلحقا به أجلًا في المجلس جاز على النصِّ، وفيه وجهٌ منقاسٌ: أنَّ الزوائد لا تلحق؛ اعتبارًا بما بعد اللزوم.
وإِن تبايعا بأجلٍ مجهول، ثمَّ حذفاه في المجلس، لم ينحذف إِلا على وجهٍ بعيد ذكره في "التقريب"، والأصحُّ اختصاصُه بالأجل، فلا يجري في الزوائد الفاسدة كالخيار والرهن والضمان إِذا فسدت.
وإِن شرطا في البيع خيارًا صحيحًا، وأجلًا مجهولًا، ثمَّ حذفاه بعد التفرُّق في مدَّة خيار الشرط، لم ينحذف على الأصحّ؛ لأنّ خيار المجلس حريم للعقد، بخلاف خيار الشرط.
وإذا أبطلنا السلم المطلق، فقيَّداه في المجلس بالحلول أو التأجيل، لم يَبعد ذلك على وجه انحذاف الأجل، وكلُّ ذلك بعيدٌ؛ إِذ المجلس حريم لعقدٍ منعقد، فإِذا لم يقع العقد فلا مجلس.
1406 -
فصل في قبض رأس المال في المجلس
وهو شرط بالاتِّفاق، فإِن افترقا من غير قبضٍ انفسخ السَّلم، وإِن قُبض البعض انفسخ فيما لم يُقبض، وسقط من المسلَم فيه بحسابه، وفي المقبوض قولا تفريقِ الصفقة، وهو متوسِّط بين التفريق في الابتداء والتفريقِ في الدوام.
وإِن ردَّه بعيبٍ انفسخ العقد من حين الردِّ، فإِن تعذَّر الردُّ بسببٍ شرعيٍّ أو حِسِّيٍّ رجع بالأرش، فإِن نقص العيب (1) عُشْرَ القيمة سقط عُشْرُ المسلَم فيه، ولا ينفسخ العقد في العشر ولا في غيره اتِّفاقًا، ولا خيار لمن سقط العشر عن استحقاقه.
1407 -
فرع:
إِذا اطَّلع على العيب مع تعذُّر الردِّ، فهل يثبت الأرش بالاطِّلاع، أو لا يثبت ما لم يطلبه؟ فيه وجهان، واختار الإِمام التوقُّف على الطلب.
1408 -
فصل في بيان أوصاف السلم
يُشترط أن يصفه بجميع صفاته المقصودة، ويُحمل في كلِّ صفة على ما ينطلق عليه الاسم من أدنى الدرجات، وكذلك الصفات المشروطة في البيع، فإِذا شرط الكتابة في البيع أو السَّلَم اكتُفي بما ينطلق عليه اسم الكتابة، وُيرجع فيما خفيت أوصافُه إِلى أهل الخبرة؛ فإِن كانت معروفةً لأهل الاستفاضة صحَّ السَّلَم، وإِن اختصَّ بمعرفتها عدلان فوجهان، وإِن اختصَّ بها العاقدان فيما زعما فالسَّلَم باطل، ويُستحبُّ الإشهادُ على الأوصاف.
وإِن ذكرا كيلًا يختصَّان بمعرفته، لم يصحَّ، وإِن عرفه أهل الاستفاضة صحَّ، وفي العدلين الوجهان.1
1409 -
فصل في إِعلام الأجل
ويُشترط فيه الإِعلام، فإِن أجَّلا بالشهور حُمل على الهلاليّة، ولا نظر إِلى نقصها وزيادتها اتِّفاقًا 1.
وإِن انكسر شهر من هذا الأجل، أو من غيره من الآجال، كمِّل ثلاثين من آخر المدّة، فإِذا أجَّلاه في صَفَر بثلاثة أشهر، فنقص الربيعان، احتُسِب الربيعان، وكمَّلنا الثلاثين من جمادى، فإِن بقي من صفر لحظةٌ واحدة حُسب الربيعان، وكمَّلنا جمادى الأولى بيومٍ من جمادى الآخرة، ولو اكْتُفي بالأشهر الثلاثة لاتَّجَهَ؛ لأنّها عربيةٌ كواملُ، وإِن أجَّلا بانقضاء شهر أو انسلاخه، أو بانقضاء سنة، جاز، وحلَّ عند انقضائهما.
وإِن احتاج العاقدان إِلى وقفة في فهم ما بقي من السنة، فقد قال الأئمة: هذا في الألفاظ يضاهي ربط أعلام المبيع بالعيان إِذا قال: بعتك من موقف قدمي إِلى الشجرة.
وإِن قال: إِلى يوم كذا، أو: إِلى شهر كذا، حلَّ بطلوع الفجر، واستهلال الشهر، وإِن قال: يؤدِّيه في شهر كذا أو سنة كذا، لم يصحَّ، وفيه وجه بعيد.
وإِن قال: إِلى أوَّل الشهر، أو إِلى آخره، لم يصحَّ عند الأصحاب؛ لوقوع لفظ الأوَّل على جميع أجزاء النصف الأوّل، ولفظِ الآخِرِ على جميع أجزاء النصف الثاني، وقال الإِمام: لا نصَّ للشافعيّ في هذه الصورة، وأرى أن يُحمل الأوَّل والآخِر على الجزءين الأوَّلين منهما، كما لو أجَّل بيوم،
فقال: إِلى يوم كذا، فإِئه يحمل على أوّله، وقد ينقدح حمل الأوَّل على الجزء الأوَّل، والآخِرِ على الجزء الأخير.
وإِن أجَّل بنَفْرِ الحاجِّ أو بجمادى أو ربيع؛ فإِن ذكر الأوَّل منهما، وأضافه إِلى سنة معلومة، جاز، وإِن لم يذكر الأوَّل، وعيَّن السنة فوجهان:
أحدهما: يصحُّ، ويُحمل على الأوَّل، كما لو أجَّل بيوم عاشوراء، فإِنَّه يُحمل على أوله؛ فإِن الاسم يتحقَّق بالأوَّل، كما يتحقَّق بأوَّل يوم عاشوراء.
والثاني: لا يصحُّ؛ للتردُّد بينهما، ولا يصحُّ التأجيل بما يتقدَّم ويتأخَّر، كالعطاء والحصاد والدِّياس.
وإِن قال: إِلى وقت الحصاد، لم يجز، وإِن قال: إِلى وقت العطاء، وكان معلومًا، جاز.
والمذهب جواز التأجيل بالنَّيْروز والمهرجان، وقيل: لا يجوز.
وأمّا فِصح النصارى، وفطير اليهود، فإِن لم يُعلم إِلّا من جهتهم لم يصحَّ، وإِن عرفه المسلمون جاز على مفهوم النصِّ، وقيل: لا يجوز.
1410 -
فصل في تعيين المكيال
إِذا شرطا الكيل بقصعة لا يُعتاد بها الكيل لم يصحَّ السَّلَم فيه اتّفاقًا؛ لأنَّ ملأَها مجهول، أو لأنَّها عُرضة للآفات، وهذا أظهر.
وإِن قال: بعتك ملءَ هذه القصعةِ من هذه الصُّبْرة، صحَّ على الأصحِّ؛ لانتفاء غَرَر الفوات، والسَّلَم الحالُّ يلحق بالمؤجَّل أو بالبيع؟ فيه وجهان.
وإِن عيَّنَّا في السَّلَم أو البيع كيلًا معلومًا لم يتعيَّن، وفي فساد العقد وجهان.
1411 -
فصل في عموم المسلَم فيه
يُشترط غلبةُ وجوده عند المحلِّ، فلا يصحُّ فيما لا يوجد عند المحلِّ أو يندر وجوده ويتعذَّر تحصيلُه، وإِن أسلم في قدرٍ كبير من الثمر في أوّل الإِدراك، وهو قليل، لم يصحَّ؛ لعسر التحصيل، كما لا يصحُّ بيع الآبِق العَسِر الردِّ، وقال الإِمام: إِذا غلب الوجود، ولم يمكن التحصيل إِلّا بمشقَّة عظيمة يُترك الطلب بمثلها غالبًا، فوجهان.
1412 -
وصف التمر والحنطة:
يُشترط في السَّلَم في التمر ذكر النوع واللون، والعُتْق والحدوث، شرط فيه وفي كلِّ ما يختلف عتيقُه وحديثه، ويُوصَف الرُّطَب بصفة التمر إلا العتق والحدوث.
ويصف الحنطة بالصفات المقصودة منها الحدارة 1 والدقَّة والنوع، كالشاميَّة والميسانية، وإِن اختلف الغرض بالناحية المجلوب منها وجب ذكرها، وفي العُتْق والحدوث وجهان؛ إِذ العتق المذموم يقرِّبها من التسويس، وهو عيب يقتضي العقدُ السلامةَ منه، ولا يجب ذكر الحلول والتأجيل إِلّا إِذا أبطلنا السلَم المطلَق.
قال الشافعيُّ: ويُذكر في الحنطة حصاد عامٍ معيَّن.
قال الإِمام: إِن كان ذلك مقصودًا وُقِف أمره على أنَّه هل يُعرف؟ وإِن عُرف فهل تَشيعُ معرفتُه، أو يختصُّ بها العاقدان أو العدلان.
1413 -
فصل في إِضافة المسلَم فيه إِلى مكان خاصّ
إِذا أسلم في تمرِ مكانٍ غيرِ متَّسِع، كقرية صغيرة أو بستان أو محلَّة، لم يصحَّ؛ لأنّه عُرضة للآفة، أو لأنَّ التعيين ينافي الدَّيْنيَّة (1)؛ لِمَا فيه من عسر الحصول.
وإِن عيَّن ناحيةً لا يعسر التحصيل منها، ويبعد أن تعمَّها الآفات؛ فإِن أفاد التعيينُ نوعيَّةً، كتمر البصرة بالنسبة إِلى تمر البلاد، ومعقِلِيِّها بالنسبة إِلى معقلي بغداد، صحَّ، وله أن يأتي بمثل المعقود عليه من أيِّ قطرٍ كان، وإِن لم يُفد نوعيَّةً ففي الصحّة وجهان؛ فإِن قلنا: يصحّ، فهل يتعيَّن، أو يكفي الإتيان بمثله؟ فيه احتمال.
1414 -
فصل في بيان محلِّ التسليم
إِذا عُقد السَّلَم بموضع لا يصلح للتسليم كالمفازة، وجب بيان موضع التسليم؛ وإِن صلح موضع العقد للتسليم ففي وجوب ذكره طرق: أصحُّها: أنَّه يجب إِن كان لحمله مؤونة، وإِن لم يكن فقولان.1
والثاني: إِن لم يكن مؤونة لم يجب، وإِن كانت فقولان.
والثالثة: في الجميع قولان.
فإِن أوجبناه فأهمله لم يصحَّ العقد، وإِن لم نوجبه حُمل الإِطلاق على موضع العقد، ولا صائر إِلى أنَّه يصحُّ ولا يتعيَّن موضع العقد إِلّا إِذا فُقد محلُّ التسليم (1). قال الإِمام: وحيث أجبرنا مستحِقَّ الدين (2) على قبضه، فإِنّما نجبره في المكان المتعيّن شرعًا أو شرطًا، وسيأتي تفصيله في الامتناع من قبض الدين.
1415 -
وصف العسل:
يجوز السَّلَم في الشهْد والعسل، فيصف العسل باللون، والجَبَليِّ والبلديِّ، والربيعيِّ والخريفيِّ، ولا يجب ذكر التصفية من الشمع.
وإِن جاء بمائع لحرارة الهواء وجب قبوله، وإِن ماع لِعَيبٍ فيه أو عَقَدتِ النار أجزاءَه لم يجب قبوله؛ لأن إِطلاق السلَم يقتضي البراءة من العيوب، فلا يجب ذكر البراءة جملةً ولا تفصيلًا.
1416 -
فصل في وصف السَّلَم بالجيِّد والأجود، والرديء والأردأ
لا يُشترط ذكر الجيِّد في شيء من الأصناف اتِّفاقًا؛ لأنّه عبارة عن12
السالم من العيب، وإِن شرط الجودة صحَّ وحُمل على أدنى الدرجات، كما في سائر الصفات، وإِن شرط الأجود لم يصحَّ، وإِن شرط الأردأ فقولان، وإِن شرط الرديء، صحَّ في رداءة النوع دون رداءة العيوب.
1417 -
وصف الرقيق:
يُشترط ذكر اللون والسن، والذكورة والأنوثة، والنوع كالتركيِّ والهنديِّ، وقد ذكر الشافعيُّ وصفَه بالخماسيِّ والسداسيِّ، فحمله بعضهم على ابن خمس سنين أو ستِّ سنين، وحمله آخرون (1) على مَن طولُه خمسةُ أشبار أو ستة، فيرجع ذلك إِلى ذكر القدِّ، وفيه اختلاف.
1418 -
فرع:
إِذا أسلم (2) في جارية معها ولدها لم يصحَّ؛ لعِزَّة الوجود، وقال الإِمام: هذا في السُّرِّية التي تكثر أوصافها، فإِن كانت زنجيَّة لا يكثر وصفها صحَّ؛ إِذ لا يعزُّ وجودهما، وإِن أسلم في جاريتين، فأحضرهما على الصفة، وإِحداهما بنت الأخرى، جاز، وإِن شرط الحَبَل، لم يصحَّ إِن أفضى إِلى العِزَّة (3)، وإِن لم يُفْضِ فقولان.
1419 -
وصف الإِبل والخيل:
ويذكر في الإِبل الذكورة والأنوثة، والسنُّ، وأنَّه من نعَم بني فلان إِن اختلف الغرض بذلك، واتَّسعت نعَمهم إِلى حدٍّ لا يُفضي إلى العِزَّة، ويذكر123
في الخيل اللون والسن والنوع، وذكرُ الشِّيَاتِ -كالغِرَّة والتحجيل- احتياط.
1420 -
وصف الثياب والحديد والنحاس:
ويذكر في الثياب الجنس، كالكَتَّان والقطن، والصَّفَاقةِ والرِّقَّة، واللِّين والخشونة، والطول والعرض، ونسج البلدان إِن اختلفت به الأغراض، وإِن تقارب النسج لم يُشترط ذكر البلد، ويذكر في النحاس النوع والقدْر واللون، وفي الحديد الذكورة والأنوثة.
1421 -
وصف اللحم:
يصحّ السَّلَم في اللحم، فيذكر جنس الحيوان ونوعَه، والرضيع والفطيم، والذكورة والأنوثة، والخصاء وعدمه، والعضو المأخوذ منه، كالجَنْب والكتِف، والرعْي والعلف، ولا يكفي في العلف إِلّا ما يؤثِّر في اللحم، والعظمُ كنوى التمر لا يُشترط نزعه، ويجب قبوله في العضو المعتاد فيه، ويجوز السَّلَم فيما لا يعزُّ وجوده من لحم الصيد.
1422 -
فرع:
إِذا شرط الأعجف الذي لم يَسْمن جاز، وإِن قصد رداءة العيب لم يجز؛ إِذ لا ضبط.
ولا يجوز السلم في مشويٍّ ولا مطبوخ، وقال الصيدلانيُّ: يجوز إِن أَمْكَن الضبط؛ إِذ الأصحُّ جواز السلم في الخبز، وفي الدبس والسكر والفانيذ ثلاثة أوجه:
أصحُّها: الجواز.
والثاني: المنع.
والثالث: يجوز في السكر والفانيذ دون الدبس.
وتردَّد في "التقريب" في ماء الورد؛ ظنًّا أنّ النار تؤثِّر فيه، وهو بعيد، ويجوز في الآجرّ على الأصحّ.
1423 -
وصف اللَّبَن:
ويذكر فيه الحيوان، كالبقر والضأن، وإِن اختلف باختلاف البلاد أو المراعي وجب ذكرهما، ولا يذكر كونه حليبًا؛ لأنّ الحموضة عيب، ولا يصحُّ السلَم في المعيب، ويجوز في اللِّبأ (1) والرائب، ولا يجوز في المخيض إِلّا أن لا يكون فيه ماء؛ لأنّ حموضته يسيرة لا تُعدُّ عيبًا.
1424 -
فصل في السلَم في المختلطات
إِذا كان الاختلاط خَلْقيًّا مضبوطًا، كالشَّهْد واللبن، أو كان أحدُ الخليطين مُصلِحًا للآخَر، وهو غير مقصود، كالملح في الخبز، والإنفحة في الجبن، جاز السلم، وألحق العراقيّون بذلك خَلَّ التمر والزبيب؛ لأنَّ ما فيهما من التمر والزبيب يُدرك بقوَّة الحُموضة وضعفِها، واستبعده الإِمام.
وإِن كانت الأخلاط مقصودةً غيرَ مضبوطة لم يجز، كالغالية والمعاجين، والجوارش 2 والطبائخ، وظنَّ المزنيُّ أنَّ الدهن المطيَّب -كدهن الورد1
والبنفسج- من هذا القسم، واتَّفقوا على تغليطه.
وما اختلط في صورته، كالخُزوز والثوب المنسوج من الإِبريسم والقطن؛ فإِن تعذَّر ضبطه لم يصحَّ السلم فيه، وإِن ضبطه العيان، كالعَتَّابي فوجهان، ونُقل عن الشافعيِّ جواز السلم في الخزوز، ولعلَّه فيما اتَّحد جنسه دون المختلط؛ إِذ لو جاز السلم في المختلط من غير تميُّز (1) في العيان لجاز في المعاجين اعتمادًا على قول العاجن، ولا عبرة بمثل هذا في السلم.
1425 -
وصف الصوف والقطن والابريسم:
ويَصِف الصوف باللون والطول والقِصَر، واللِّينِ والخشونة، ولا يُشترط ذكر الغَسْل ولا التنقية؛ إِذ لا يجب قبولُه إِلا نقيًّا، ويصِف القطن باللين والخشونة، وقد يختلف بالبقاع.
وإِن أسلم في جوزق 2 لم يجز إِلّا أن يكون متشقِّقًا، ويذكر وزنه، ولا يخرج السلم في غير المتشقِّق على شراء الغائب.
ويُذكر في الإِبريسم النوع والناحية، والدقَّة والغِلَظ، وجميع ما يختلف به الغرض.1
= جرشن) - نوع من الأدوية المركبة يقوي المعدة ويهضم الطعام، ويؤيد ما ذكرنا أنه جاء في "نهاية المطلب" (6/ 46): "والجوارشنات".
1426 -
فصل في السَّلم في المقدَّرات والمعدودات
يجوز السَّلَم في المَكيل بالكيل والوزن، وكذلك في الموزون.
وإِن جمعهما في شيءٍ واحد فشَرَطَ عشرة أرطال كيلُها كذا لم يصحَّ؛ للعزَّة، ومنع الإِمام الكيل في كلِّ خطير نفيس، كالمسك والعنبر.
ولا يجوز السلم في المعدود بالعدد، كالجوز واللوز والسفرجل والبيض؛ فإِن شَرط الوزن جاز في البطِّيخ والسَّفَرْجل، وكذلك في الجوز واللوز والبيض عند أبي محمَّد، ومنعه الإِمام في الجوز إِلا أن يُفرض نوعٌ تتقارب قشورُه، ولا يعزُّ وجودُه.
ويُذكر في اللبِن العدد والوزن، فنقول: في مئة لبِنة وزنُ الواحدة عشرة أرطال.
1427 -
وصف لحم الطير والسمك:
ويذكر في الطيور المقطَّع النوعَ والعضوَ، وإِن أسلم فيه مذبوحًا غيرَ مقطع فالوزنُ والسِّمنُ والصنف.
وكلُّ ما يختلف به الغرض كالفرخ والناهض ولا سِنَّ له، فيوصف به، وكذلك الحيتان.
1428 -
وصف الحطب والخشب والأرحية:
ويَصِف الحطب بالنوع والدقَّة والغِلَظ والوزن، ولا يُفتقر إلى ذكر اليُبوسة؛ لأنَّ رطوبته عيبٌ، ويصف الجذوع والعُمُد بالصنف واللون
والاستدارة والطول والعرض.
هذا فيما تساوت أجزاؤه، وإِن شَرط تخريطًا يختلف به الأسفل والأعلى لم يصحَّ، وتُرُدِّد في الوزن (1)، ومال أبو محمّد إلى اشتراط الوزن؛ إِذ عاقبة الخشب إِلى الحطب.
ويصف الأرحية بالطول والعرض والسُّمْك والوزن اتِّفاقًا، ويُوزن بغوص السفن في الماء (2).
1429 -
وصف العطر والأدوية:
يجوز السلَم في العطر وآلات الصيادلة -كالمِسك والعنبر والأدوية- إِذا ضُبط كلُّ صنف منها بأوصافه المقصودة عند أهل المعرفة، وقد يقصد من بعضها أن تكون قِطَعهُ كبارًا، كالعنبر، فيجب التعرُّض لذلك، ولا يجوز المعاوضة على الترياق؛ لِمَا فيه من لحوم الحيات، ويُباح أكله بما يُباح به الميتات، والسُّمُّ الطاهر المستعمَل في الأدوية كالخَرْبَق 3 والحنظل والأفيون يجوز بيعه؛ لما فيه من النفع؛ فإِنهّ يقتل بكثرته دون جوهره، وإِن قَتَل بطبعه لِمَا فيه من منافاة الحيوانية، ففي جواز شرائه لمكايد الكفَّار تردُّدٌ لأبي محمَّد، وقد منعه آخرون.12
1430 -
فائدة:
لا يجوز بيع المسلَم فيه من المسلَم إِليه اتِّفاقًا ولا من غيره (1)، ولا يجوز فيه تولية ولا إِشراك، ويجوز الإِقالةُ فيه وفي بعضه، ولا تُخرَّج الإِقالة في بعضه على تفريق الصفقة، كما لا تُخرَّج الإِقالة في بعض المبيع على التفريق.
1431 -
فصل في وصف المسلم فيه على الإجمال
يُشترط وصفُه بكلِّ ما تختلف به القيم والأغراض ما لم يؤدِّ إِلى عِزَّة الوجود، أو إِلى وصفٍ لا يعرفه أهلُ الاستفاضة، وفيما عرفه عدلان وجهان.
ويُعتبر في جميع الصفات أدنى الدرجات؛ إِذ لا ضابط للنهايات، ولا يجوز الوصف بما لا ينضبط ابتداؤه، كالرداءة والعيوب.
ويُذكر في الحيوان ما يُذكر في سائر الأموال من الأصناف والأنواع والألوان، وسنُّه؛ كالقِدَم والحدوث في غيره.
وهل يُشترط ذكر القدِّ في الجارية والعبد؟ فيه مذهبان، والوجه اشتراطه؛ لأنَّه كطول الجذوع وذَرْع المذروع؛ فإِن شرطناه فلا وجه لتقييده بالأشبار؛ لِمَا يؤدِّي إِليه من العِزَّة، ويفيد بما يَعدُّه أهل العُرف طويلًا أو رَبْعًا أو قصيرًا، ويُنزل على أدنى الدرجات.
وقد تساهَلَ العراقيُّون في وصف الحيوان، وقالوا: إِذا قَيَّد بنَعَم بني فلان -وهي مختلفة الصفات- فقولان: أحدهما: يصحّ، ويُنزَّل على أدنى1
الصفات، واستبعده الإِمام.
ولا يُشترط ذكر الصفات التي أضدادُها عيوب، ولا أن يصف كلَّ عضو على حياله -وإِن أَمْكَنَ- لأنّه يؤدِّي إِلى العِزَّة.
وهل يُشترط في الجارية ذِكْر الدَّعَج والكَحَل وتكلثُمِ الوجه ودقَّة الخصر وثقل الأرداف وريِّ الساقين؟ فيه خلاف يختصُّ بما لهج به أهلُ الخبرة من الأوصاف دون وصفِ كلِّ عضو بما يُقصد منه، ويجب ذكر سُبوطة الشعر وجُعُودته، ولا يُشترط ذكر الصنائع.
وفي المَلاَحة تردُّدٌ للقفَّال، ومال أبو محمّد إِلى اعتبارها، ونزَّلها على أقلِّ الدرجات.
وإِن اتَّفق في بعض الحيوان أن يُضبط بجميع الصفات المقصودة من غير عُسْر ولا عِزَّة وَجَب ذلك.
1432 -
باب ما لا يجوز السلم فيه
لا يجوز السَّلم في القِسِيِّ العربيَّة والعَجَميَّة، ولا في نفائس الجواهر كالزَّبرْجَد واللؤلؤ، ولا في النِّبال؛ لِمَا يجمعه من الأخلاط والنصال، ويجوز في خشب النَّبْل، ولا يجوز في الخِفاف والقنادل.
ولا في الرؤوس والأكارع قبل تنحية الشعر والصوف، وفيما بعد التنحية قولان، والأكارع أولى بالجواز، ويُشترط الوزن فيهما.
ولا يصحُّ في الجلد؛ لعدم الانضباط، فإِن قطِّع على وجهٍ يُضبط وشُرِطَ وزنه كالنِّعال السِّبْتية جاز على الأصحّ.
ولا يجوز في الأواني المنطبعة إِن اختلفت في الضيق والاتّساع، وإِن لم تختلف جاز.
1433 -
فرع:
يجوز السلم في اللؤلؤ الصغار الذي لا يُقصد آحاده 1، وأجازه أبو محمَّد فيما يُتحلَّى به من الدرِّ إِذا خَفَّ وزنُه، كسدس مثلًا، ومنعه بعضهم؛ لتعذُّر الجمع بين الوصف والوزن المذكور.
1434 -
فرع:
إِذا باع نبلًا ريشُه نجس؛ فإِن استثنى الريشَ صحَّ كالثوب النجس؛ فإِن باعه بريشه بطل البيع في الريش، وفي النبل قولا تفريقِ الصفقة.
1435 -
باب التسعير
لا يجوز التسعير في الرخاء، وفي الغلاء وجهان مشهوران، والجالب مرزوق، والمحتكِر ملعون.
فالجالب: هو الذي يجلب الطعام في الغلاء؛ ليوسِّع على المسلمين.
والمحتكر: عكسُه، وهو الذي يشتريه ويحبسه، ولا يدعُه حتى يشتريَه المساكين.
وإِن اشتراه في الرخاء ليبيعه في الغلاء، أو حبس غلَّة قريته على أيِّ وجه شاء، فلا بأس.
1436 -
باب امتناع ذي الحقِّ
إِذا أحضر المسلَم فيه على الوصف المشروط أو أجود أُجبر المسلَم على قبوله؛ وقيل: لا يُجبر على الأجود؛ لِمَا فيه من المِنَّة، وإِن جاء بما دونه جاز القبول ولا إِجبار.
وإِن جاء بنوع آخر، كالعنب الأبيض عن الأسود، ففي جواز القَبول بالتراضي وجهان، وإِن جاء بجنسٍ آخر لم يَجُز؛ لأنَّه اعتياض.
والعبد الهنديُّ مع التركيِّ جنسان أو نوعان؟ فيه طريقان.
والحنطة النفيسة مع الخسيسة، والتمر مع الرطب، نوع مختلفُ الوصف أو نوعان؟ فيه طريقان.
ولا يقبل في الحنطة من التبن والتراب إِلا ما يُحمل في باب الربا، ولا يُقبل في لحم الطير الرأسُ، وما لا لحم عليه من الرِّجْل، ولا يُقبل في لحم السمك الرأس ولا الذنب، بخلاف العظم، فإِنَّه كنوى التمر، وقال الإِمام: إِن أسلم في لحم السمك فالأمرُ كذلك، وإِن أسلم في السمك لم يُكلَّف تنحيتهما، ويجوز أن يُؤخذ بتنحية الذنب والجناح، كما في أجنحة الطير.
1437 -
فرع:
إِذا أسلم بالكيل، فقبض بالوزن، أو عكس ذلك، لم يصحَّ القبض،
وحكمُه حكم القبض جزافًا في البيع.
1438 -
فصل في امتناع المستحِقِّ من قبض الدين
إِذا أتَى الرجل بدينه المؤجَّل، فامتنع من قبضه؛ فإِن لم يكن لواحد منهما غرضٌ، ففي الإِجبار على القبض قولان؛ لتعارض براءة الذمَّة، وتحمُّل المِنَّة.
وإِن اخْتَصَّ المستحِقُّ بالغرض، بأنْ كان وقتَ نهب، أو كان الدَّين حيوانًا يحتاج إِلى مؤونة، أو كان ممَّا يُخشى فساده، فلا إِجبار.
وإِن اختصَّ الدافع بالغرض، بأن كان بالدين رهن أو ضمان، أو كان نجمًا في كتابة، فقد قطعوا بالإِجبار، وقيل: فيه القولان.
ذكر الإِمام ذلك في بيان محلِّ التسليم.
وإِن عمَّ المسلَمُ فيه قبل الأجل، وخِيفَ انقطاعه عند المحلِّ، فهل يكون ذلك عذزا للدافع؟ فيه وجهان، وإِن عمَّهما الغرض فلا إِجبار عند الأكثرين، وقيل: فيه القولان.
وإِن كان الدين حالًّا، فاختصَّ الدافع بالعذر، أو اشتركا فيه، وجب الإِجبار قولًا واحدًا.
وإِن اختصَّ المستحقُّ بالعذر، أو انتفى عذرهما، فطريقان:
إحداهما: القطع بالإِجبار.
والثانية: فيه القولان.
ومتى أجبرناه، فامتنع، قبضه القاضي عنه بنفسه أو نائبه، وبرِئت ذمَّة المَدِين، وصار المقبوض أمانةً في يد القابض.
1439 -
فرع:
إِذا بذل الدَّين في غير المحلِّ المتعيِّن شرعًا أو شرطًا، فتفاوتُ المكان كتفاوت الزمان، فلا يُجبَر على ما في قبضه مؤونةٌ، وفيما لا مؤونة له قولان.
1440 -
فروع متفرقة:
إِذا أسلم في ثوب نسُج بعد الصبغ جاز اتِّفاقًا 1، وكذلك إِن صبغ بعد النسج على الأصحّ.
1441 - فرع: قال ابن سُريجٍ: إِذا ظهر وزنُ الملح في السمك لم يجز السَّلَم فيه، وإِن لم يظهر ولم يكن متقوَّمًا جاز، وإِن كان متقوَّمًا فهو كالثوب المصبوغ بعد النسج، ولا أثر لوزن الصبغ في الثوب؛ لأنَّه غير موزون.
1442 - فرع: إِذا اطَّلع على عيب المسلَم بعد تلفه فلا ردَّ له، وله أن يرجع بقسط من رأس المال، وينفسخ العقد في ذلك المقدار، وقال المزنيُّ: لا يرجع بعد التلف بالأَرْش.
مُخْتَصَرُ كِتابِ الرَّهْنِ
مُخْتَصَرُ كِتابِ الرَّهْنِ
1443 -
يُشترط في الرهن أن يكون عينًا كالهبات، فلو وهب ألفًا في الذمَّة، ثمَّ أقبضه، لم يصحَّ، ويُشترط في المرهون به أن يكون دينًا، فلا يصحُّ الرهن بالأعيان، وكلُّ دينٍ صحَّ الرهنُ به صحَّ ضمانه، وكلُّ ما صحَّ ضمانُه صحَّ الرهنُ به إِلا العهدة؛ فإِنَّ ضمانها صحيح على المذهب، والرهنُ بها ممنوع، خلافًا للقفّال في الرهن.
والديون أقسام:
الأوَّل: دين مستقِّرٌ لازم، كالأُروش والمُهور والأثمان والأُجور، فيصحُّ الرهن به.
الثاني: جائز لا يلزم بحال، كنجوم الكتابة، فلا يجوز الرهن به.
الثالث: جائزٌ أصلُه اللزوم، كالثَّمن 1 في مدَّة الخيار، فيصحُّ الرهن به إِن قلنا بانتقال الملك إِلى المشتري، وإِن بقَّيناه على البائع فالظاهر بطلان الرهن؛ إِذ لا دين.
الرابع: جائز لا يلزمُ بنفسه؛ كالجُعْل، ففي الرهن به وجهان.
1444 -
فصل في تقدُّم الرهن على الدين وامتزاجه به
إِذا وجب الدين جاز الرهن به، والرهن بالدَّين قبل الوجوب كضمانه قبل الوجوب في كلِّ تفصيل؛ لأنَّ الرهن يجاري الضمان في محلِّ الوفاق والخلاف، إِلَّا في مثل ضمان العهدة.
وإِن تراهَنَا بالثمن قبل الشراء، ولم يتفرَّقا حتّى تبايعا، لم يصحَّ الرهن، وأبعدَ مَن ألحقه بمزج الرهن بالبيع، وإِذا مزج الرهن بالبيع؛ فإِن تقدَّم شِقَّاه أو شقٌّ منه على تمام البيع، لم يصحَّ الرهن على المذهب، وذلك كقول البائع: ارتهنتُ دارك بمئة وبعتك بها عبدي، فيقول المشتري: رهنتُ واشتريتُ، أو: اشتريتُ ورهنتُ، وكذلك لو قال: بعتُ وارتهنتُ، فقال المشتري: رهنتُ واشتريتُ.
ولو بدأ كلُّ واحد منهما بشِقِّ البيع، وعقَّبه بشقِّ الرهن، مثل أن يقول البائع: بعتُ وارتهنتُ، ويقول المشتري: اشتريتُ ورهنت، أو يقولَ المشتري: بعني ورهنتُ، فيقول البائع: بعتُ وارتهنت، فيصحُّ الرهن عند الشافعيِّ وأصحابه.
وخرَّج القاضي وجهًا فيما 1 لو قال لعبده: كاتَبْتُك بألف، وبعتُك الثوب بمئة، فقبِل الكتابة، ثمَّ البيعَ، فإِنّه لا يصحّ، والفرق: أنَّ الرهن وصفٌ للثمن، ومصلحةٌ للبيع، فجاز مزجُه به، بخلاف البيع مع الكتابة.
وقال أبو محمد: لا فرق بين أن يبدأ البائع بلفظ البيع، أو بلفظ الرهن،
والأوَّل أحسن؛ لأنّ قوله: بعت بألف، وارتهنت به، منتظِمٌ، بخلاف قوله: ارتهنتُ وبعتُ.
1445 -
فرع:
إِذا قال: بعتك بعشرة على أن ترهنني بها ثوبك، فقال: اشتريتُ ورهنتُ، وجعلنا الاستدعاء قبولًا، صحَّ الرهن على المشهور، وقال القاضي: لا يصحُّ إِلّا أن يأتي البائع بالقبول بعد إيجاب المشتري، أو بلفظ الارتهان؛ لأنَّ الذي وُجد منه شرطُ الإيجاب وليس باستيجاب (1).
1446 -
فصل في موت أحد المتراهِنَين وخروجِه عن الأهليّة قبل القبض
الرهنُ جائز قبل القبض، فينفسخُ بموت الراهن، ولا ينفسخُ بموت المرتهن على النصِّ فيهما، فقيل: فيهما قولان؛ أصحُّهما: أنّه لا ينفسخ؛ لأنَّه صائر إِلى اللزوم، كالبيع في مدَّة الخيار، ومنهم من قرَّر النصَّين، وفرَّق: بأنَّ الراهن قد يُحيط به الدَّين، فيجب تقديم الديون اللازمة على الرهن الجائز، وقال أبو محمَّد: لا يختصُّ المرتهن بثمن الرهن إِن نازعه الغرماء، وإِن رضُوا بذلك، أو لم يكن عليه دين، فهذا موضع الخلاف.
وإِن جُنَّ أحدهما؛ فإِن قلنا: لا ينفسخ بالموت، فالجنون أولى، وإِن1
قلنا: ينفسخ، ففي الجنون وجهان.
وفي الحَجْر بالسَّفَه وجهان مرتَّبان، وأولى ببقاء الرهن؛ لأنّه أهل للعبارة بالإِذن، فإِن قلنا: لا ينفسخ، فعلى الوليِّ ما هو الأصلح للمولَّى عليه.
1447 -
فصل في تصرُّف الراهن قبل القبض
إِذا باع الراهنُ الرهنَ قبل القبض، أو أعتق أو أَصْدَقَ، صحَّ تصرُّفه متضمِّنًا لفسخ الرهن، وإِن زوَّج الأمة أو أجّر الرهن، وقلنا: الإِجارة لا تمنع الرهنَ، صحَّ التصرُّف، والرهنُ بحاله، وإِن قلنا: الإِجارة تمنع الرهنَ، فالأصحُّ أنَّها تتضمَّن الانفساخ.
1448 -
فصل فيما يجوز بيعه ورهنه وما ليس كذلك
من الأشياء ما يمتنع بيعُه ورهنه؛ كالوقف، وما لا يتموَّل، وأمِّ الولد، والآبقِ، وكلِّ ما لا يُمْلَك.
ومنها ما يمتنع رهنه، وفي بيعه تفصيلٌ؛ كالديون.
ومنها: ما يجوز رهنه على وجهٍ، وفي بيعه خلافٌ؛ كالجارية دون ولدها الصغير.
ومنها: ما يجوز بيعه ورهنه، وهو سائر الأملاك مُفرَزُها ومُشاعُها، إِلا أنَّ قبضَ الشائع منها: بأن يَقْبضَ الجميع، ثمَّ يَردَّ النصيبَ الآخر إلى
المالك على مناوبةٍ ومهايأة.
1449 -
فصل في الارتهان للأطفال
إِذا باع الأب مال طفله نسيئةً بثمنٍ مضاعَفٍ وأَجَلٍ قريب من غنيٍّ وفيٍّ؛ فإِن أخذ به رهنًا جاز، وإِن لم يأخذ الرهن لم يجز باتِّفاق العراقيّين، وليس في طرقنا ما يصرِّح بخلافهم، وفي معانيها ما يجوِّز ذلك؛ كإبضاع ماله.
ويجوز الارتهان له إِذا ثبت له دين بإِتلاف، وكذلك يجوز إِقراض ماله في وقت النهب بشرط الارتهان، وكذلك بيعُ ماله نسيئةً بشرط الغبطة والرهن، وأبعدَ من شرط أن يقبض من الثمن قدر قيمة السلعة ويأخذ بالزائد رهنًا؛ مثل أن تساوي السلعة مئةً نقدًا ومئةً وعشرين نسيئة، فيقبض المئة ويرتهن بالعشرين المُنسَأة.
وإِن باعه نسيئة بمثل ثمنه نقدًا، أو أقرضه من غير حاجة ماسَّة، لم يصحَّ، وإِن أخذ بذلك رهنًا لم يصحَّ، ولا يضمن الرهن؛ لاتِّفاقهم على أنَّ ما لا يُضمن صحيحه فلا يُضمن فاسده، ويجب ضمان ما يُدفع من ماله على الوليِّ وعلى من صار إِليه.
1450 -
فصل في رهن مال الطفل
لا يجوز رهن ماله إِلّا لحاجة أو غِبطة ظاهرة عريَّةٍ عن الغرر، فالحاجةُ: أن تُعوِزَه النفقةُ، ويكونَ ماله عَقارًا، ويجد مَن يُقرضه بشرط ارتهان العقار،
فيجوز إِذا لم يبعد تأدية القرض من غلَّة العقار.
ومثال الغبطة: أن يشتري ما يساوي ألفين بألفٍ نسيئةً، ولا يُمْكِنُ ذلك إِلا برهنٍ، فإِن كانت قيمة الرهن ألفًا جاز، وإِن كانت ألفين لم يجز؛ لِمَا في ذلك من تنجيز الحَجْر، وقال أبو محمّد: إِن كان الرهن مأمون التلف -كالأراضي- ففيه احتمال، وهذا حسن، ولكنَّه خلافُ ظاهر المذهب.
وحكم المكاتَب في الرهن والبيع بنسيئة كحكم وليِّ الطفل، وقيل: إِنَّ رهنه وبيعه نسيئة كتطوُّعه، فلا يصحُّ إِن لم يأذن السيِّد، وإِن أَذِنَ فقولان.
فإِن جوَّزنا رهن المكاتب ففي المأذون في التجارة وجهان كالوجهين في الإِجازة؛ إِذ لا يُعدُّ الرهن من التجارة.
1451 -
فصل في ارتهان الأب مالَ الطفل
يُشترط في تصرُّف الأب من الغبطة والمصلحة ما يُشترط في تصرُّف غيره -كالقيِّم والوصيِّ- في الرهن والارتهان وغيرهما، وليس لأحد أن يتولَّى طرفي العقد إِلّا الأبَ والجدَّ، فيجوز لهما أن يُرْهِناه مالَ أنفسِهما، وأن يَرتهنا ماله، حيث يجوز مثلُ ذلك من الأجنبيِّ، وإِذا تولَّى الطرفين ففي اكتفائه بأحد الشقَّين وجهان، فإِن اكتفينا به اقتصر على أيِّهما شاء، وإِن شرطناهما فليقل: رهنتُ وارتهنتُ وبعتُ واشتريتُ، أو: بعتُ ورهنتُ وقبلتُ، وهل ينقطع خياره في البيع بمفارقة المجلس، أو لابدَّ من إِلزام العقد باللفظ؟ فيه وجهان، وسنذكر كيفيّة قبضه في فصل رهن الوديعة.
1452 -
فصل في تعلُّق الرهن بالدين
إِذا قُبِضَ الرهنُ لزم.
من جهة الراهن دون المرتهن، فلا ينفكُّ منه شيء وإِن بقي أقلُّ أجزاء الدين، وإِن رهن اثنان عبدًا من رجلِ على دينٍ من جهةٍ أو جهتين، فأيُّهما أدَّى ما عليه انفكَّ نصيبه من الرهن، وإِن وكَّلا رجلًا في الرهن والاقتراض، فإِن علم المرتهنُ بذلك فحكمُه ما سبق، وكذلك إِن جهله على المذهب، وقيل: لا ينفكُّ شيء منه إِلّا باداء الدَّينين.
وإِن مات الراهن فأدَّى أحدُ وارثيه نصيبه من الدين لم ينفكَّ شيء من الرهن، وفيه قول لا يُعتدُّ به.
1453 -
فرع:
يجوز إيجار الرهن من المرتهن، ورهن المأجور من المستأجر، فإِن أجَّره المستأجر من الراهن ففي صحَّة الإِجارة وجهان، ولا ينفسخ الرهن بعَوده إِلى يد الراهن وإِنْ فسدتِ الإِجارة.
1454 -
فصل في رهن الوديعة من المستودَع
إِذا رهن الوديعة أو وهبها من المستودَع صحَّ، ويقف قبض الرهن على إِذن الراهن، ولا يقف قبض الهبة على إِذن الواهب على النصِّ فيهما، فقيل: قولان نقلًا وتخريجًا، ومنهم مَن فرَّق بقوَّة الهبة وضعف الرهن، والقياس اشتراط الإِذن فيهما، ثمَّ لابدَّ أن يمضي زمان يتَّسع للذهاب إِلى موضع الوديعة سواءٌ شرطنا الإِذن أو لم نشرطه، وابتداء الزمان من حين الإِذن
إِن شرطناه، ومن حين العقد إِن لم نشرطه.
وقال حرملة (1): إِن لم نشرط الإِذنَ حصل القبض بنفس العقد، وإِن شرطناه فظاهرُ النقلِ عنه اعتبار الزمان، وقياسه ألّا يُعتبر.
وهل يُشترط أن يصير إِلى محلِّ الوديعة ويشاهدها؟ فيه أوجه؛ ثالثها: اشتراط الرجوع والمشاهدة إِلا أن تكون مأمونة التلف في غالب الظنِّ، وظاهر النصِّ الاشتراط، وعلى (2) هذا: هل يُشترط أن ينقلها نقلًا يكون مثلُه قبضًا وإِقباضا بين اثنين؟ فيه وجهان، ولا وجه لاشتراط النقل، وإِن وكَّل في الرجوع والمشاهدة جاز على الأصحِّ، وللمالك فسخ الرهن والهبة قبل مضيِّ ما اعتبرناه في القبض، وليس له ذلك بعدَه، ولو وقع ذلك في مبيع فهو في ضمان البائع إِلى أن يقع ما اعتبرناه، فينتقل الضمان حينئذ إِلى المشتري.
1455 -
فرع:
إِذا لم نشرط الإِذن، ففي جواز الفسخ قبل مضيِّ الزمان وجهان من جهة أنَّ العقد قد تضمَّن القبض.
1456 - فرع: إِذا ارتهن الأب مال طفله، أو رهنه مال نفسه، فحكمُه في القبض والإِقباض كحكم رهن الوديعة، إِلا أنَّ القصد هاهنا يقوم مقامَ الإِذن.12
1457 -
فصل في بيع الوديعة من المستوع
إِذا باع الوديعة منه، ومضى الزمان، تمَّ القبض، وانتقل الضمان إِلى المشتري، ولا يتوقَّف على الإِذن في القبض؛ لأنَّه مستحَقٌّ، ويتأكَّد ذلك إِذا نقلنا الملك إِلى المشتري، وعلى هذا في اشتراط مضيِّ الزمان وجهان لأجل التأكد باليد والملك، وفيه وجه أنَّ القبض لا يحصل، ولا يبطل حقُّ الحبس إِلّا بالإِذن أو قبض الثمن، وعلى هذا إِذا قبض الثمن أو أَذِنَ في القبض فاعتبارُ الزمان على ما ذكرناه في الارتهان، فإِن تلفت العين قبل ذلك فهو كتلف المبيع في يد المشتري قبل أداء الثمن، وله التفات على قبض الجزاف.
1458 -
فصل في الاستنابة في القبض
يجوز للمرتهن أن يقبض بنفسه وبنائبه إِذا كان أهلًا للقبض، فلا يصحّ قبض الصبيِّ، ولا مَن يدُه كيد الراهن مثل عبده ومدبَّرِه وأمِّ ولده، ويجوز قبض مكاتَبه؛ لاستقلاله، وفي مأذونه في التجارة أوجه:
أصحُّها: المنع.
والثاني: الجواز.
والثالث: المنع إِلّا أن يحيط به الدَّين.
وإِن اشترى المأذون شِقصًا من عقار لسيِّده فيه شركة فلا شفعة للسيِّد إِن لم يكن دين، وإِن كان فوجهان.
1459 -
فرع:
إِذا اتّفقا على الإِذن، واختلفا في القبض، فالقولُ قولُ مَنِ الرهنُ بيده.
1460 - فرع: كلُّ قبض نَقَل ضمان البيع فهو قبض في الهبة والرهن، فإِن اكتفينا بالتخلية في المنقول اكتُفيَ بها في الهبة والرهن على قول الجمهور؛ لأنَّ صورة القبض لا تختلف باختلاف المحلِّ، وخالف القاضي في الهبة والرهن.
1461 - فرع: لعبُ الصبيان بالجوز قمارٌ، وعلى كلِّ واحدٍ ضمانُ ما أخذه من جوز الآخر، فإِن علم به الوليُّ فلم ينتزعه، لزمه الضمان، وإِن علمته الأمُّ فلا ضمان على الأصحِّ، وإِنْ لاعَبَهم بالغ ضمن ما أخذه منهم، ولا يضمنون ما دفعه إِليهم من ماله.
1462 -
فصل فيمن أقرَّ بالقبض، ثمَّ ادَّعى خلاف ذلك
إِذا قامت البيِّنة على إِقرار الراهن بالإِقباض، فادَّعى أنَّه أشهد ولم يقبض، فإِن ذكر عذرًا لا يُستنكر، كقوله: قدَّمْتُ الإشهاد على القبض، والعرفُ جارٍ بمثله، أو قال: ظننت أنَّني قبضت فأقررت، أو: ظننتُ أنَّ القبض يصحّ بالقول، أو: اعتمدتُ على كتاب وكيلي، ثم ظهر لي أنَّ الأمر على خلاف ذلك، فإِن اقتصر على هذه الدعوى لم يُسمع، وإِن طلب تحليف الخصم حلف؛ لأنَّ قوله ممكن، والأيمان تعتمد الإِمكان.
وإِن لم يذكر عذرًا، وقال: كذبتُ في إِقراري، فله التحليف على قول معظم العراقيّين، خلافًا للمراوزة وأبي إسحاق.
وإِن أقرَّ عند الحاكم، ثمَّ اعتذر بما ذكرناه، فلا إحلاف عند القفَّال، وقال الإِمام: إِن اتَّحد المجلس كان ذلك كإِكذابه نفسَه، وإِن اعتذر في مجلس آخر قُبل؛ لإِمكان ما قال، وإِن قامت البيِّنة بنفس الإِقباض فلا إحلاف بحال.
1463 -
فصل في رهن المغصوب من الغاصب
يصحُّ رهن المغصوب من الغاصب، وحكمُه في القبض كحكم الوديعة من غير فرقٍ، وقيل: إِذا جعلنا عقد الرهن متضمِّنًا للقبض في الوديعة، فلا يثبت ذلك في الغصب؛ لأنَّ دوام يد الإِيداع كابتدائها، والجمهور على الأوَّل، ولا يسقط ضمان الغصب بلزوم الرهن، ولو أبرأ المالك الغاصب من الضمان ففي براءته وجهان، وإِن أودعه برئ على الأظهر، وإِن آجره فوجهان مرتَّبان على الإِيداع، وأولى ببقاء الضمان، وإِن وكَّله في البيع؛ فإِن استحفظه في الحال فهو إِيداع، وإِن لم يستحفظه في الحال فالتوكيل كالإِجارة؛ لأنَّ الأمانة فيه غير مقصودة، وأولى ببقاء الضمان؛ إِذ الإِيجار يتضمَّن القبض والإِمساك، بخلاف التوكيل، ولم نقِفْ على خلاف في سقوط الضمان برهن المغصوب، ولا عبرة بما يذكر في كتب الخلاف.
والفرق بين الرهن وبين ما ذكرناه من جهات الائتمان: أنَّ العرْض في يد الراهن للمرتهن، وفي الإِيداع للمالك، وفي الإِيجار على الاشتراك.
فإِن قيل: إِذا كان الغرض في الرهن للمرتهن، فهلَّا ضُمِّن كالعارية.
فالجواب: أنَّ الرهن وثيقة، والتوثيق لا يلائمه الضمان.
1464 -
فرع:
إِذا لزم رهن المغصوب فللغاصب إِجبار المالك على أن يستردَّه ثمَّ يردَّه إِلى الغاصب أمانة، وهل للمالك إجبار الغاصب على ذلك؟ فيه خلاف.
1465 - فرع: إِذا رهن العارية من المستعير، ولزم الرهن بالقبض، ففي البراءة من ضمانها وجهان يلتقيان على أنَّها هل تُضمن ضمان الغصب؟
1466 - فرع: إِذا رهن شيئين، وأقبض أحدهما، فهو رهن بجميع الدين سواءٌ تلف الآخر أو سَلِمَ.
1467 - فرع: إِذا انهدمت الدار المرهونة بعد اللزوم لم ينفسخ الرهن في العرصة، ولا في شيء من الآلات.
1468 -
فصل في الإعتاق بعد اللزوم
إِذا أعتق الراهن بعد لزوم الرهن ففيه أقوال: ثالثها: التفرقةُ بين الموسِر والمعسر، فيَنفذ عتق الموسر، وتُؤخذ القيمة، فيُجعل رهنًا مكانه، وهل ينفذ العتق في الحال، أو يُخرَّج على