الغاية في اختصار النهايةكتاب السبق والرمي

كتاب السبق والرمي

3742 -

قال عليه السلام: "لا سَبْقَ إلَّا في خُفٍّ أو نَصْل أو حافر"

1، والسبْقُ: المالُ المأخوذ في مقابلة المسابقة، والمناضلة، أجازه الشرعُ؛ تحريضًا على تعلُّم أسباب القتال، وأسبابه أقسام: الأوَّل: ما يوجد فيه لفظُ الحديث ومعناه، فيجوز أخذُ السبق عليه؛ كالخيل والإبل، وكذا الفيلُ على الأصحِّ، وفي الحمار والبغل وجهان، ولا يبعد تخريجُ الفرس الرازح 2 على القولين في الإسهام له إذا حضر القتال.
الثاني: ما يوجد فيه المعنى دون اللفظ؛ كالرمي بالمقاليع والحجارة، والسبق على الزوارق في الماء، والعَدْو على الأقدام، ففيه خلاف مرتَّب على البغل والحمار، وأولى بالمنع؛ لخروجه عن اللفظ، وكذلك الصراعُ عند أبي

محمَّد، ورمي السهام من القسم الأوَّل، والمزاريق والزانات (1) داخلةٌ في اسم النصل، فإن نسُبت إلى السهام، فهي دون الفيلة إذا نُسبت إلى الإبل، وفوق الحُمُر إذا نُسبت إلى الخيل، والتداورُ بالسيوف قريب عند أبي محمَّد من النصال؛ لوقوع اسم النصْل على السيف، وإدراج السيف تحت النصل بعيدٌ.
الثالث: ما يبعد عن المعنى، ولا يتناوله الاسمُ؛ كالحمام الناقل للأخبار، فالأصحُّ فيه المنع، والقِسِيُّ كلُّها سواء، وكذلك الرميُ بالإبر والمِسَلَّات، ويلحق بهذه الأقسام ما في معناها، والله أعلم.

3743 -

فصل في إخراج السبق

إذا أخرج الإمامُ السبقَ من مال المصالح، أو أخرجه بعضُ الرعيَّة؛ فإن خصَّه بالسابق والناضل، جاز اتِّفاقًا، ولا حاجةَ إلى محلِّل، وإن خصَّ به الفِسْكِل 2، أو فضَّل الفِسْكِل على مَنْ تقدَّمه، أو سوَّى بينهما، لم يجز اتِّفاقًا، وإن جعل له شيئًا ينقص عن سهام مَنْ تقدَّمه، فوجهان، وإن جعله للجميع وفضَّل كلَّ واحد على مَنْ بعده، جاز على الأصح، وإن فضل متأخِّرًا ليس بفِسْكِل، أو خصَّه بالجميع، أو فضَّله على مَنْ يتقدَّمه، لم يجز على1

المذهب، وفيه وجهٌ.
والأوَّل: يُسمَّى السابقَ، والثاني: المصلِّي، والثالث: التالي، والرابع: المرتاح، والفِسْكِل: الأخير.
وإن أخرج أحدُ المتسابقين السبقَ على أن يحرزَه إن سبق، ويأخذه صاحبُه إن سبق، جاز اتِّفاقًا.
وإن أخرجاه على أنَّ مَنْ سبق أحرز سبقَ نفسه، وأخذ سبقَ صاحبه؛ فإن لم يكن بينهما محلِّل، لم يجز اتّفاقًا.
وإن كان بينهما محلِّل إن سبق اختصَّ بالسبق، وإن سبق أحدُهما، لم يأخذ شيئًا، بل يحرز سبقَ نفسه، جاز اتِّفاقًا.
وإن شُرط للمحلِّل إن سبق، ولأحدهما إن سبق، فقولان يُعبَّر عنهما بأنَّه يحلُّ لنفسه، أو لنفسه ولأصحابه؟ فيه القولان، فإن منعناه، فسبق أحدُهما وصلَّى المحَلَّل، وفَسْكَلَ الثالثُ أحرز السابقُ مالَه، وهل يأخذ المحلِّل سبق الفِسْكِل؟ فيه وجهان، وإن بلغوا الغايةَ معًا، [أو سبقاه معًا] 1 أحرزا سبقيهما، وإن سبقهما وتساوقا بعده، استحقَّ السبقين، فإن سبق أحدُهما، وصلَّى الآخر، وفسْكَل المحلِّل، خاب المحَلِّل، وأحرز السابق سبقَ نفسه، وفي استحقاقه لسبق المصلِّي القولان، وإن سبق المحلِّل، وصلَّى أحدُهما، وفسكل الآخر، فالسبقان للمحلّل، وأبعد مَنْ جعل سبقَ الفِسْكِل بين المصلّي والمحلّل، وأبعدُ منه مَنْ خصَّه بالمصلِّي.

وإن ساوق المحلِّل أحدَهما، وتأخَّر الآخرُ، فهل يختصُّ المحلِّل بسبق المتأخِّر، أو يكون بينه وبين مساوقه؟ فيه القولان.
وإن سبق أحدُهما، وساوق الآخر المحلِّل، خاب المحلِّلُ، وفي استحقاق السابق سبق صاحبه القولان.
وإن سبق أحدُهما، وصلَّى المحلِّل، وفسكل الآخر، فهل يحرز الفسكلُ سبقَه، أو يختصُّ به السابق، أو يكون بينه وبين المحلِّل، أو يختصُّ به المحلل؟ فيه أربعةُ أوجه، أبعدُها آخرها.

3744 -

فصل في جواز هذه المعاملة ولزومها

عقد السباق والنضال جائز، أو لازم؟ فيه قولان خصَّهما بعضُهم بمَنْ يُخرِج السبقَ، وجعلها جائزةً في حقِّ المحلِّل، وحقِّ مَنْ لم يخرج شيئًا، وأجرى آخرون القولين في الجميع؛ فإنَّ مَن لم يخرج يستفيد التعلُّم من المخرج، فإن قلنا باللزوم، فلا بد من القَبول، وإن قلنا بالجواز، لم يُشترط القَبول على المذهب، وفي ضمان السبق طريقان: أشهرُهما: إن قلنا باللزوم، صحَّ، وإن قلنا بالجواز، فقولان، فإن منعنا الضمانَ، لم يصحَّ الرهنُ به، وإن أجزنا الضمانَ 1، ففي الرهن وجهان.
والطريقة الثانية: إن قلنا باللزوم، ففي الضمان القولان في ضمان ما لم يجب، وجرى سببُ وجوبه؛ فإنَّ السبق لا يُستحَقُّ قبل الفوز اتِّفاقًا سواء قلنا

بالجواز أو اللزوم.
وقال الإمامُ: لا يبعد أن يُوقَفَ السبقُ، فإن فاز أحدُهما، تبيَّن استحقاقُه بالعقد، فيكون كضمان العُهْدة، إلَّا أنَّ هذه عهدة تقبل الرهن؛ لقرب أمرها، بخلاف عهدة البيع؛ إذ لا أمدَ لها.

3745 -

فصل في فساد هذه المعاملة

إذا فسدت هذه المعاملةُ بسبب من الأسباب؛ كجهالة الأمد أو العِوَض، أو كونه خمرًا أو غصبًا، فسبق أحدُهما على وجهٍ يستحقُّ السبق لو صحَّ العقدُ، فوجهان: أحدُهما: لا يستحقُّ شيئًا.
والثاني: يستحقُّ البدل 1، فإن لم يمكن تقويمُ السبق؛ لجهالته، استحقَّ أجرةَ المثل لجميع ركضه، ولا تختصُّ الأجرةُ بالقدر الذي سبق به، وإن أمكن تقويمُه، فطريقان: إحداهما: تجب أجرةُ المثل.
والثانية: هل تجب أجرةُ المثل، أو قيمة السبق؟ فيه قولان، كبدل الخلع والنكاح؛ فإنَّ العوضَ غيرُ مقصود في هذه الأبواب.

3746 -

فصل فما يجب إعلامه

يُشترط إعلامُ السبق والغاية، فإن علم سبقَ أحد الفرسين، أو غلب على الظنِّ لم تصحَّ المعاملةُ، وإن غلب (1) تخلُّفُ المحلِّل؛ لرداءة فرسه، فليس بمحلِّل، وإن غلب على الظنِّ أنَّه يسبق، وجاز خلافُه، فهذا هو المحلِّل، وإن عُلم أنه يسبقُ لا محالةَ، فليس بمحلِّل على الأصحِّ.
وابتداء الغاية من حيث يتَّفق الوقوف، ويُشترط تساويهما في موقف البداية، فإن شُرط تقدُّم أحدهما في الموقف، أو شُرط التسابق إلى أن يسبقَ أحدُهما من غير إعلام غايةٍ، لم يصحَّ اتِّفاقًا، وإن ذكرا الغايةَ، وقالا: إن سبق أحدُنا [في خلال الميدان، كفى، ففي جوازه وجهان، وإن قالا: إن سبق أحدُنا] (2) إلى هذه الغاية، كفى، فإن لم يسبق، فإلى الغاية الفلانيّة، فوجهان، ولعلَّ أصحَّهما الصحَّةُ.

3747 -

فصل فيما يحصل به السبقُ

الاعتبارُ في ابتداء الميدان بالأقدام، وهل يُعتبر السبقُ بالعنق، أو القدم، أو بالعنق في الخيل، وبالخفِّ في الإبل؟ فيه ثلاثةُ أقوال، وقال العراقيُّون: إن تفاوتت الأعناقُ، فلا عبرةَ بها، وإن تساوت، ففيه الأقوال، وقال الإمامُ: إن تفاوتت الخيلُ في مَدِّ العنق حال الجَرْي، وجب النظرُ إلى الطول والقصر،12

وإن كان أحدُ الفرسين يمدُّ عنقه، والآخر يرفعه، ففيه الأقوال، وإن استويا في مدِّ العنق؛ فإن اعتبرنا القدمَ، لم يُنظر إلى الأعناق، وإن اعتبرنا بالعنق، اتَّجه اشتراطُ تساوي الأعناق.

3748 -

فصل في المناضلة

إخراجُ السبق في النِّضَال كإخراجه في السباق في الصور الثلاث، وفي المحلل وغيره، والرشقُ عبارة عن نوبة من الرمي بين الراميين، أو الرماة سهمًا سهمًا، أو على ما يقع عليه الاشتراطُ، والهدفُ شبه تُرْس يُنصب على جريدة، ويُعلَّق في وسطه شَنٌّ صغير، والترابُ للعجم كالهدف للعرب، والقرطاسُ للعجم كالشنِّ للعرب، والقرعة عبارةٌ عن الإصابة، والمارق: هو الذي ينفذ في الهدف، والزاهق: هو الذي يعلو، أو يمرُّ وراء الهدف، والخازق والخاسق والخارق 1 متقاربةُ المعاني.
ويُشترط إعلامُ عدد القرعات، ويجوز إعلام الأرشاق 2، وفي اشتراطه أوجهٌ، ثالثُها: يُشترط في المحاطَّة دون المبادرة، فإن شرط ذلك وكملت الأرشاق من غير فوز، انقضت المعاملةُ، وأحرز كلُّ واحد سبقَه.
والمبادرة: أن يشرطا قرعات معلومةً من رشقتين متساويتين، فمن بادر بإصابة تلك القرعات من ذلك الرشق، استحق السبقَ، فإن كانت المبادرةُ

إلى عشرة من مئة، فأصاب أحدُهما تسعةً من مئة، وأصاب الآخر عشرة من مئة، أو أصاب أحدُهما العشرةَ من خمسين، وأصاب الآخرُ تسعةَ من خمسين، أو ثمانيةً من تسعة وأربعين، فالسبقُ لصاحب العشرة، وهل يلزمه أن يتمَّ رميَ المئة؛ ليتعلَّم صاحبهُ من رميه؟ فيه وجهان، فإن أوجبناه، لم يقف استحقاقُ السبق عليه؛ لأنَّه استحق بإصابة العشرة، ولو أصاب أحدُهما عشرة من خمسين، وأصاب الآخرُ تسعةً من تسعة وأربعين، رُدَّ السهمُ إليه لعلَّه يصيب فيه.
والمحاطَّة: أن يشترطا أنَّ مَنْ أصاب قرعةً حطَّها من قرعات صاحبه، فإذا كملت القرعاتُ المشروطة لأحدهما، استحق السبق، ولا خلافَ في جواز ذلك وإن طال الأمرُ فيه، فإن شرطا أن يخلصَ لأحدهما عشرُ قرعات من مئة رشق، فخلصت من خمسين، ففي استحقاقه السبق وجهان؛ فإنَّ الآخر قد يصيب فيما بقي له من الخمسين الثانية ما يحطُّه عن العشرة، فلا يستحق شيئًا، ولا يُتصوَّر مثلُه في المبادرة.
فإن قلنا: يستحق، استقرَّ السبق، وهل لصاحبه إلزامُه بإكمال رمي المئة؟ فيه خلاف كالمبادرة، فإن قلنا: لا يجبُ الإكمال، أو كانت الأرشاقُ مجهولةً، فللفائز ألَّا يردَّ النصلَ إلى صاحبه؛ لأنَّه قد استحقَّ المالَ، ولو أصاب أحدُهما عشرةً من خمسين، ورمى الآخر تسعةً وأربعين، فلم يصب في شيء منها، ردَّ إليه السهم؛ لجواز أن يصيبَ، فلا تخلص العشرةُ لصاحبه.

3749 -

فصل فيما يجب إعلامُه في النِّضال

إذا أُطلقت المناضلةُ؛ فإن كان للرماة عادة مطَّردة، نزل العقدُ عليها، كما تنزل الإجارةُ على المنازل المعتادة، وقد يُختلف في صحَّة المناضلة المطلقة؛ للاختلاف في العادة، فإن فُرضت عادةٌ في المسافة بين الموقف والغرض، أو في اتساع الغرض، أو ارتفاع القرطاس، فهل يجب إعلامُ ذلك في المسافة، أو ينزل على (العادة؟ ) 1 فيه قولان، ومال أبو محمَّد إلى وجوب الإعلام، وفي اتِّساع الغرض قولان مرتَّبان، وأولى بالتنزيل على العادة، [وفي ارتفاع القرطاس قولان مرتبان على اتساع الغرض، وأولى بالتنزيل على العادة] 2، وهذا الترتيبُ مأخوذٌ من ظهور الأغراض وخفائها، ويُرجع فيمن يبدأ بالرمي إلى الشرط، فإن عيَّنوا مَنْ يبدأ بجميع الأرشاق؛ تعيَّن، وإن عيَّنوا البادئَ مطلقًا، فوجهان: أحدُهما: يتعيَّن في جميع الأرشاق.
والثاني: يتعيَّن في الرشق الأوَّل، ثمَّ يُقرع بينهم في كلِّ رشق، وإن أُقرع [بينهم] 3 مرَّة واحدة عن جميع الأرشاق، جاز، وأبعد مَنْ شرط القرعةَ في كلِّ رشق؛ لما فيه من التطويل، وبَرْدِ أيدي الرماة، وإن لم يتعرَّضوا لذكر البادئ، ففي بطلان العقد قولان، فإن قلنا: يصحُّ، ففيما يتعيَّن به البادئ قولان:

أحدُهما: يعيِّنه مخرجُ السبق؛ كالوالي، وآحاد الناس، فإن عيَّنه لجميع الأرشاق تعيَّن، وإن عيَّنه مطلقًا، فهل يتعيَّن للأوَّل، أو للجميع؟ فيه وجهان، فإن أخرج الحزبان الأسباق، فليس بعضُهم بالتعيين أولى من البعض، فهل يفسد العقدُ، أو يُقرع بينهم؟ فيه قولان.
والقول الثاني -وهو الأصحُّ-: أنَّ التعيينَ بالقرعة، فإن وضعوها لتعين في جميع الأرشاق، جاز، وأبعد مَنْ شرط القرعةَ في كلِّ رشق، فإن أقرعوا مطلقًا، فهل يتعيَّن القارعُ للأوَّل، أو للجميع؟ فيه وجهان.

3750 -

فرع:

نقل الأئمَّة في أنَّ الشافعيَّ تردَّد في أنَّ المتَّبَع القياسُ أو عادةُ الرماة، وهذا مشكِل؛ إذ [لا يجوز مخالفة] 1 حجَّة شرعيَّة بعادة غير شرعيَّة، فحمل الصيدلانيُّ التردُّدَ على عادة الرماة المجتهدين من العلماء، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ عادتَهم إن وافقت القياسَ، فالحجَّة في القياس، وإن خالفت القياسَ، فلا عبرةَ بها.
وقال [أبو محمَّد] 2: المرادُ بالعادة ما يتفاهمونه من الألفاظ، وهذا لا يصحُّ؛ إذ يجب حملُ العقود على العادة المطَّردة في الألفاظ، فحمل الإمامُ التردُّد على ما ذكرناه في البداية عند إطلاق العقد؛ فإنَّ عادةَ الرماة البداية بمخرج السبق، فيقرب الأمر في مثل ذلك، وقال: إذا عظم وَقْع

القياس، وبعدت عادتُهم عنه، وجب القطعُ باتِّباع القياس.

3751 -

فصل فيما يطرأ من النكبات

إذا أفرط تباعدُ السهم عن المقصود، أو وقع دونه بمسافة بعيدة؛ فإن كان لسوء الرمي؛ مثل أن الْتَوَت يدُ الرامي مع سلامة الآلة، حُسِبَ عليه من رشقته، ولا يُردُّ عليه؛ ليرميَه مرَّة أخرى، وإن كان لنكبة لا تُنسب إلى تقصيره؛ كانقطاع الوتر، وانكسار القوس، لم يُحسب عليه، وإن وقع قريبًا لا تبعد إصابةُ مثله، فهل يُحسب عليه؟ فيه وجهان، فإن أصاب في مثل هذه الصورة؛ فإن قلنا: لا يُحسب عليه، حُسب له، وإن قلنا: يُحسب عليه، حُسب له عند المراوزة؛ لأنَّ الإصابةَ مع النكبة دليلٌ على حِذْقه.
وذكر العراقيُّون وجهين، وخصَّ الإمامُ ما ذكره الأصحابُ في انقطاع الوتر، وانكسار القوس بما قبل نفوذ السهم، وقال: إن انقطع بعد النفوذ، حُسب عليه، وإن انكسر السهم؛ لضعف فيه غير محسوس، لم يُحسب عليه، وإن انكسر؛ لسوء الرمي؛ بأن أُخلي الفُوقُ في النزع على الوتر، أو أغرق في النزع، فنشب رأسُ النصل في كبد القوس، فانكسر، حُسب عليه.

3752 -

فرع:

إذا انقطع السهمُ قطعًا حيث يُعدُّ ذلك نكبة، فأصاب الغرضَ ببعض القطع؛ فإن انقلب، فأصاب بعرضه، أو فُوقهِ، لم يُحسب له، فإن أصابته القطعة بطولها على جهة السداد، فطريقان:

أحدُهما: إن أصابه برأس القطعة التي فيها الفُوق، لم يحسب، وإن أصابه بالنَّصْل، فعلى الخلاف فيما يطرأُ من النكبات.
والطريقةُ الثانية: إن أصاب بقطعة النصل، لم يُحسب، وإن أصاب بقطعة الفُوق، ففيه الوجهان، وإن رمى فاعترض حيوان، فأصابه السهمُ، فإن لم ينفذ فيه، لم يحسب، وإن نفذ، وأصاب الغرضَ، فوجهان، ولعلَّ الأصحَّ أنَّه يُحسب.
وإن اقترن هبوبُ الريح بالرمي، أو هبَّت بعد (1) نفوذ السهم ريح ليِّنة، فلا عبرةَ بالهبوب، وإن هبَّ بعد نفوذه ريحٌ عاصف، فوجهان؛ لغلبة هبوب الريح، وكونها تبدأ خفيفةً، ثمَّ تشتدُّ.

3753 -

فصل في صفة الإصابة

إذا شُرطت الإصابةُ، لم يُشترط ثبوتُ السهم في الغرض، فإن أصابه، ثمَّ ارتدَّ، حسب اتّفاقًا، فإن أصاب بنصله، يُحسب، وإن أصاب بعُرْضه، أو انقلب، فأصاب بفُوقه، لم يُحسب.
وإن أصاب شجرةً مائلة عن الغرض، أو جدارًا، فارتدَّ بالصدمة، وأصاب الغرضَ، لم يُحسب على الأصحِّ، وإن مرَّ على السداد، فصدم الأرضَ، ثمَّ أصاب الغرضَ، ففيه خلافٌ مرتَّب؛ لاستداده، والأصحُّ أنَّه لا يُحسب، وعلى ذلك اتَّفق الرماةُ، ويُحتمل أن يقال: إن اتَّبعنا العادةَ لم1

يُحسب، وإن لم نتِّبعها، فهذه إصابةٌ يجب بمثلها القصاصُ، وإن شقَّ طرفَ الغرض؛ فإن كان جِرْمُه (1) في حيِّز الغرض حُسب له، وإن كان بعضُ الجرم في الغرض، وبعضُه خارجٌ عنه، فوجهان، وإن شرطا (2) إصابةَ الشنِّ، وهو القرطاس، فأصاب الجريدةَ التي يُنصب عليها الترسُ، لم يُحسب له، وإن شرطا (3) إصابةَ الهدف، وهو الترس، فأصاب الجريدةَ، حُسب له عند العراقيِّين؛ لأنَّ نسبتَها إلى الهدف كنسبة القوائم إلى السرير، وذكر أبو محمَّد قولين؛ لأنَّها تُسمَّى عمادَ الغرض، وقوائمُ السرير من السرير؛ لأنّها تُتَّخذ من خشبه.

3754 -

فصل في الخَرْق والخَسْق

إذا شُرط الخَسْقُ، أو الخرق، لم يكفِ مجرَّدُ الإصابة، فإن شق طرف الغرض؛ فإن كان جرمُه في حيِّز الغرض، حُسب، وإن خرج بعضُه عن الغرض، فوجهان رتَّبهما أبو محمَّد على الوجهين في شرط الإصابة؛ إذ لا يقال: خرق الغرضَ، بل يقال: شق طرفَ الغرض، ولا اتِّجاه لما قال، وإن شرط الخسق، فخزق، ونفذ من الغرض؛ لقوَّته، فقولان 4:123

أحدُهما: لا يُحسب إلَّا أن يثبت في الغرض، وإليه ميل الرماة.
والثاني -وهو الأصحُّ (1) -: أنَّه يُحسب؛ لموافقته اللفظَ والمعنى.
وإن أصاب سهمًا في الغرض أو نقبًا فيه، فثبت، فوجهان، والأفقه: أنّه يُحسب إذا كان بحيث يخرق لو أصاب مكانًا سليمًا من الغرض؛ فإنَّ القصدَ من الخرق ألَّا ينبوَ السهمُ دون إصابة المواضع التي [لم تصبها] (2) السهامُ؛ فإن ذلك لو شُرط لَتقدَّر الغرضُ بالمحلِّ الصحيح منه دون غيره.

3755 -

فصل في شرط احتساب القريب

القريبُ ما يقع في الترس أو التراب بقرب الشِّنِّ (أو القرطاس) 3، فإن كان لقدْر القرب عادةٌ مستمرَّة، حُمل العقدُ عليها، وإن لم يكن عُرْف، ولم يبيّنوا قدرَ القُرْب، فسد العقدُ على الأصحّ، وأبعد مَنْ صحَّحه، وقدَّر القربَ بسهم وكذلك من أحتسب الأقربَ فالأقرب، وأسقط البعيد بالقريب، وقال: إذا وقعت سهامُهما في حدّ القرب، وكان في سهام أحدهما قريبٌ، وأقرب، وأبعدُها أقربُ من أقرب صاحبه، فهل يُحسب جميع سهامه، أو يسقط أبعدُها بأقربها؛ فيه وجهان.
وإن قُدِّر القربُ بشبر، أو ذراع، حُسب ما يقعُ في حدّ القرب،12

ولا يُحسب ما يقرب في مروره، ولا يقع في الهدف إلَّا أن يشرطا (1) ذلك، فيُحسب، ومهما وقع في جوانب الهدف في حدّ القرب حُسب، وأبعد مَنْ قال: لا يُحسب ما يقع في أعلى الهدف.
ولو شرطا القريبَ، ثمَّ أفردا القرطاسَ عن الترس والتراب، فمر السهم في الهواء في حد القُرْب، لم يُحسب إلَّا أن يشرطاه، فيُحسب؛ كما لو تبايعا بدراهم غريبة مخالفة لنقد البلد.
وإن شُرِط أن يُسقطَ قريبُ أحدهما أبعدَ سهام الآخر، وجب اتِّباعه، وإن لم يشرطا ذلك، حُمل العقدُ عليه؛ فإنَّه مقتضاه عند أبي محمَّد، وقال الإمام: يُحسب كلُّ ما يقع في حدّ القريب إلَّا أن يعتادَ الرماةُ إسقاطَ الأبعد بالأقرب، فينزل على الخلاف في اتّباع العادة أو اللفظ.

3756 -

فصل في المناضلة على آلات مختلفة

تجوز المسابقةُ بين البِرْذَون، والعربيِّ، وعلى جميع أنواع القسِيّ، فيرمي أحدُهما بالعربيّ، والآخر بالفارسيّ، وإذا جوَّزنا السباقَ على البغل والحمار، فسابق بهما الخيل، أو تناضلا على أن يرمي أحدهما بالمزاريق، والآخرُ بالسهام، ففي الصحَّة وجهان، وإن تناضلا على القسيِّ العربيَّة، لم يكن لأحدهما الإبدالُ بالفارسيِّ، وفي عكسه وجهان، وإن لم يتعرَّضا لذكر القسيّ؛ فإن اتحد نوعُها في الناحية، حُمل العقدُ عليه، وإن كثرت الأنواعُ1

بحيث لا يندر الرمي بجميعها صحَّ العقدُ عند الجمهور، وقيل: لا يصحُّ، فإن قلنا بالصحَّة، تناضلا على نوع واحد يختارانه، فإذا أخذ أحدُهما العربيَّ، لم يكن للآخر أخذُ الفارسيِّ.
وقال الإمامُ: إن جعلنا المعاملةَ لازمةً، بطلت عند الإطلاق؛ لما تؤدِّي إليه من النزاع في الاختيار، وإن قلنا بالجواز، فإن اتَّفقا على نوع، فذاك، وإن اختلفا، فالعقد عرضة للفسخ، وإن اتِّفقا على نوع، لم يعدل إلى ما فوقه، وفيما تحته وجهان.
ولا يجوز إبدال خيل السباق، ويجوز إبدالُ القسيِّ اتِّفاقًا وإن لم تختلَّ؛ فإنَّ التعويلَ في المسابقة على الخيل، وعلى الرُّماة في النضال، فإن شرطا ألا تبدلَ القوسُ، فسد الشرطُ على الأصحِّ، وفي فساد التناضل وجهان يجريان في كل شرط فاسد لو طُرح لاستقلَّ العقدُ بالإطلاق، وإن لم يستقل العقدُ بإطلاقه؛ كجهالة الغاية في المسابقة، وجهل عدد القرعات في المناضلة، فسدت المعاملة، وإن قلنا: يصحُّ الشرط؛ فإن شُرط ألَّا تُبدلَ إلَّا أن تنكسرَ، وجب الوفاءُ، وإن شُرط أنَّها إن انكسرت انتهت المعاملةُ، لم يصحَّ العقدُ.
وإن عقدت المسابقةُ على فرسين معيَّنين، لم يجز إبدالُهما بحال، وإن عُقدت على فرسين موصوفين، فقد منعه أبو محمَّد، وأجازه العراقيون، وقالوا: إن أحضر أحدُهما عربيًّا، والآخرُ برذونًا؛ فإن رضيا بذلك، جاز، وإن تشاحَّا، وجب إحضارُ فرسين من نوع واحد، فإن كثرت الأنواعُ في

الناحية، كان ذلك كتنوُّع القسيِّ والجَرْخ، والحُسْبان (1) نوعان، والحسبان هو النازك (2)، واختلافُ أنواع السهام كاختلاف أنواع القسيِّ، فسهام قوس اليد والجَرخُ مخالفة لسهام الحُسْبان.

3757 -

فصل في إلحاق الزيادة والنقص بالعقد

إذا صحَّ العقدُ، فألحقنا به زيادةً؛ كزيادة القرعات، والسبق، والأرشاق؛ فإن قلنا باللزوم، لم يلحق، ولا يجب تسليمُ السبق قبل الفوز، وإن قلنا باللزوم؛ إذ لا يُعرفُ مَنْ يستحقُّه من المحلِّل وغيره، وغلط مَنْ أوجب التسليمَ؛ اعتبارًا بالإجارة.
وتنفسخ المناضلةُ بموت العاقد، والمسابقةُ بموت الفرس، ولا تنفسخ بموت الفارس، ويتَّجه إيجابُ الوفاء على الوارث.
وإن قلنا بالجواز، فتراضيا بالإلحاق، لحق على الأصحِّ، وإن انفرد أحدُهما بالإلحاق، فلم يقبله الآخر، فأوجهٌ: أبعدُها: أنه يلحق، وللآخر الفسخ.
والثاني: لا يلحق.12

والثالث: يلحق من الفاضل دون المفضول، وعلى هذا: لو انفرد أحدُهما بالفسخ، (نفذ إن كان فاضلًا، وإن كان مفضولًا، لم ينفذ، وهل يحصل الفضلُ بسهم واحد؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يحصل بسهم، فلا بدَّ من عدد يُعدُّ به مُسْتعليًا.

3758 -

فرع:

زيادة الجاعل في الجعالة على العمل المشروط؛ كزيادة المفضول هاهنا، فإن زاد في أثناء العمل؛ فإن قلنا: يلحق، ففسخ العامل لذلك، فالوجه: أنه يستحقُّ الأجرةَ لما عمل؛ لأنَّه معذورٌ في الفسخ، بخلاف ما لو فسخ بغير عذر، فإذا فسخ الجاعل، والعامل مستمرٌّ على العمل؛ فإن كانت أجرةُ المثل لما عمل أقلَّ من المسمَّى، ففي نفوذ الفسخ وجهان.

3759 - فرع: إذا أخَّر أحدُهما النضالَ بغير عذر؛ فإن قلنا باللزوم، لم يجز، وإن قلنا بالجواز؛ فإن كان مفضولًا، فوجهان، وإن لم يكن مفضولًا، فله الفسخُ، والإعراض.

3760 - فرع: إذا نقصوا من الأرشاق أو القرعات، فعلى الخلاف في إلحاق الزيادات، ولو شرط السبقُ لأحدهما، فحطَّ بعضَه، خُرِّج على القولين في الإبراء عمَّا لم يجب، ووُجد سببُ وجوبه.

3761 -

فصل في جعل السبق لمَنْ يرمي وحدَه

إذا قال رجل لبعض الرماة: ارمِ عشرة، فإن كانت القرعاتُ أكثرَ، فلك هذا السبقُ، فأصاب ستَّة فما فوقها، استحقَّ السبقَ، والظاهر: أنَّه يلزمه رمي (1) بقيَّة العشرة، وأبعد مَنْ قال: لا يستحقُّ السبقَ؛ لأنَّ الكثرة مجهولةٌ.
وإن قال: ارمِ [عنِّي] (2) عشرةً، وعن نفسك عشرة؛ فإن كانت قرعاتُ عشرتك أكثرَ، فلك السبقُ، لم يصحَّ.
وإذا تناضل اثنان، فرمى أحدُهما في نوبته، فقال له أجنبيٌّ: إن أصبت بهذا السهم، فلك دينار، فأصاب به، استحقَّ الدينارَ، وحُسب له ذلك على مناضلته اتِّفاقًا.
ولو ناضل رجلًا بعشر قرعات، ثمَّ ناضل بها ثانيًا، وثالثًا إلى غير نهاية، وفاز، استحقَّ جميعَ الأسباق.

3762 -

فصل في اختلاف الموقف

إذا اصطفَّ الرماةُ في مقابلة الغرض، ورمى كل واحد منهما من موضعه، صحَّ باتفاق الفقهاء والرماة، ولا يُشترط أن يتناوبوا على الوقوف في موازاة الغرض، فإن تنافسوا في ذلك، كان كتنافسهم فيمن يبدأ، وهذا أولى بالاعتبار؛ لقُرْب الموازي، واتساع الغرض في حقِّه، وليس لأحدهم أن يتقدَّم في جهة12

الغرض، فإن رضوا بتقدُّم أحدهم؛ فإن قلَّ التقدُّم، جاز، وإن أفرط، لم يجز.
وإن أجزنا إلحاقَ الزيادة والنقص؛ فإنه مخالف لمقتضى العقد، فصار كما لو شرط لأحدهم الفوزُ بتسع قرعات، وللباقين بعشر؛ فإنَّه لا يجوز، وإن رضوا بتقدُّم الجميع أو تأخرهم، فعلى القولين في إلحاق الزيادة والنقصان، وإن تأخَّر أحدُهم عن الموقف، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وإن تقدمَّ أحدُ المتسابقين على الآخر، لم يجز، وإن تأخَّر فوجهان، وقال الإمام: لا فرقَ بين التقدُّم والتأخُّر إلَّا أن يكونَ قليلًا لا يظهر أثرُه في الحسِّ.

3763 -

فصل في العقد على ما تبعد إصابتُه

[إذا شرط إصابةً لا يبعد] (1) مثلُها، صحَّ، وإن شرطا ما لا يمكن حصولُه؛ لصغر القرطاس، أو بُعْد المسافة، أو كثرة القرعات؛ كإصابة مئة من مئة، لم يصحَّ، وإن شرطا ما يندر إصابتُه، فوجهان، وإذا عيَّنَّا المسافة، فقد قال العراقيُّون: إن كانت مئتين وخمسين ذراعًا، جاز، وإن زاد على ثلاث مئة وخمسين، لم يجز، وفيما بينهما وجهان، ولا أصلَ لما ذكروه، فإن عيَّنَّا مسافةً تَقْرب الإصابةُ فيها، صحَّ، وإن تعذَّرت الإصابةُ، لم يصحَّ، وإن كانت بحيث يقطعها السهمُ، وتندر الإصابةُ، فوجهان.

3764 -

فروع:

الأوَّل: إذا شُرط السبقُ لأبعدهما رميًا من غير إصابة، ففي الصحَّة1

قولان، فإن قلنا: يصحُّ، فقد شرط الإمامُ استواءَ القوسين في الشدَّة والضعف؛ لتنافس الرماة في ذلك حتَّى إنَّهم يرمون بقوس واحدة، وسهم واحد، وإذا شُرطت الإصابةُ، فلا يُشترط تساوي القوسين في الشدَّة اتِّفاقًا.
الثاني: إذا كانت قوسُ أحدهما شديدةً، فجلس في مسافة تليق بقوسه، وجلس صاحبُ القوس الضعيفة في تلك المسافة بحيث تندر إصابتُه، ففيه الوجهان.
الثالث: إذا تناضلا على سهم واحد على أن يرميَ كلُّ واحد منهما فردةً، صحَّ على الأصحِّ.

3765 -

فصل في تحزُّب الرماة

الأصحُّ: أنَّ المحلِّلَ يحلِّل للجميع، فإذا تسابق رجلان أو تناضلا، وأخرجا سبقين، وقلنا بالأصحِّ؛ فإن عُلم أنَّ المحلّل لا يسبق، ولا ينضل فليس بمحلِّل، والمعاملة بغير مال، وإن عُلم أنَّه يفوز، أو عُلم أنَّ أحدهما يساوقه، ويتأخر الآخر، صحَّ على الأصحِّ.
وإن أخرج أحدُهما السبقَ، ولا محلِّلَ؛ فإن عُلم أنَّ المشروطَ (له) 1 لا يفوز، كانت مناضلةً بغير مال، وإن علم فوزُه، صحَّت على الأصحِّ.
وإذا تناضل حزبان فما زاد على أن يكون قرعاتُ أحد الحزبين كقرعات رامٍ واحد على أنَّه إن فاز أحدُ الحزبين، كان السبقُ بينهم، جاز إن تساوى

الحزبان في القرعات والأرشاق، ولا عبرةَ بتفاوت العدد، فإذا ناضل خمسةٌ عشرةً، وعلى كلِّ حزب مئةُ رشق، جاز، وإن ناضل الرجلُ جمعًا؛ فإن شرط ما يطيقه، جاز، وإن علم تخلُّفه، فعلى التفصيل السابق، وإن ناضل اثنين، رمى كلُّ واحد منهما سهمًا سهمًا، ورمى هو سهمين سهمين، فلا يصحُّ العقدُ إلَّا بعد تعيُّن الرماة، ولا تدخل القرعة في ذلك؛ لأنَّها قد تُخرِج الخُرْقَ في جانب، والحُذَّاق في الجانب الآخر، بل يتساوى الحزبان في الخُرْق والحذَّاق بتحْكيمهم، ثمَّ لا بأسَ بالقرعة بعد ذلك، فإنَّها تجري بعد تعديل الحِصص.
ولا يجوز العقدُ على رماة موصوفين؛ إذ لا يثبتون في الذمَّة، وإذا صحَّحنا المعاملةَ مع العلم بالفوز، فتناضل رجلان يَجهل كلُّ واحد منهما قدْرَ معرفة الآخر، صحَّ، ولا يُشترط جريانها بين المعارف اتِّفاقًا، فإن ظهر تقاربُهما، صحَّ العقد، وإن ظهر التفاوتُ، فعلى التفصيل السابق، وإذا ظهر الحُذَّاق في جانب، والخُرْقُ في الجانب الآخر فهو كمناضلة الأخرق للحاذق.

3766 -

فرع:

إذا تحكَّموا بالتعيين، أو رضوا بما تعيِّنُه القرعةُ، جاز، فإن رضوا بما تعيِّنه، ثمَّ رجعوا قبل الإقراع، جاز، وإن استمرُّوا على الرضا، ولم يجدِّدوه بعد القرعة، فالظاهرُ بطلانه؛ لأنَّه معلَّق بما تستخرجه القرعةُ، وفيه احتمالٌ بعيد، وهذا إن فُرض بعد العقد، فالعقدُ باطل؛ لعدم التعيين، وإن فُرض قبل العقد، فليكن إنشاءُ العقد رضًا بمن تقعُ الإشارةُ إليه.

3767 -

فصل في كيفيَّة قسم (1) الأسباق

إذا دخل بين الحزبين حزبٌ محلِّل، صحَّ، وجُعلت الأحزابُ كالأشخاص، فإن اختصَّ أحدُ الحزبين بإخراج السبق، جاز، فإذا فاز أحدُ الحزبين، قُسم السبقُ عليهم بالسويَّة، وإن كان فيهم مَنْ لم يُصِب شيئًا؛ لأنَّهم كشخص واحد، فإن شرط الحزبان أن يُقسَم عند الفوز على قدر الإصابات، لم يجز، وفيه احتمال، ولا يُحمل عليه إطلاقُ العقد اتِّفاقًا؛ فإنَّ مقتضاه جَعْلُ الأحزاب كالأشخاص.

3768 -

فرع:

إذا قال أحدُ الحزبين لواحد منهم: ارمِ، فإن فزنا، فالسبقُ لنا ولك، وإن فاز أصحابُنا، فالسبق علينا دونك، لم يجز على الأصحِّ؛ فإنَّ المحلِّلَ مَنْ يفوز بجميع الأسباق، وإن وقع ذلك من الجانبين، فالخلاف مرتَّب، وأولى بالصحَّة؛ لوجود المحلِّل من الجانبين، والأوجَه: المنعُ، وإن شرط كل حزب جميعَ الفوز لمحلِّلِهم، لم يجز اتِّفاقًا؛ لأنَّه يفوز برمي غيره.

3769 - فرع: إذا تعيَّن الحزبان، فمرَّ بهما رجلان، فاختار كلُّ واحد من الحزبين واحدًا من الرجلين؛ فإن كان ذلك بعد العقد، خُرِّجَ على إلحاق الزيادة، وإن كان قبل العقد، فعقداه، ثمّ ظهر حِذْقُ أحدهما، وخَرَقُ الآخر، فلا خيار، وإن ظهر أنَّ أحدَهما لا يعرف الرميَ أصلًا، سقطا.1

وقال الإمام: إن لم يَقْدِر على النزع، سقطا، وإن تمكَّن من النزع، ففيه احتمالٌ يجري في مناضلة مَنْ هو بهذه الحال.

3770 -

فرع:

لا يجوز مقابلةُ الفضل بمال، فإذا فضل لأحدهما قرعاتٌ، فقال له صاحبه: حُطَّها، ولك عليَّ دينار، لم يجز، وإن قلنا لإلحاق الزيادات.

3771 - فرع: إذا شرطا احتسابَ القريب، وأن يسقط الأقربُ الأبعدَ، وأن يبطل القريبُ بالإصابة، جاز.
وإن كان في القرطاس علامةٌ تندر إصابتها، فشرط أن يسقطَ إصابتُها إصابةَ ما حولها من القرطاس، ففي جوازه قولان.

جارٍ التحميل