793 -
فصل فيما يزكَّى به العُروض
المذهب أنَّ زكاةَ العروض ربعُ العشر ممَّا تُقوَّم به، وله قولان آخران، أحدُهما: يزكيها من العروض باعتبار قيمتها، والثاني: يتخيَّر بين التزكية من العَرْض أو ممَّا يقوم به.
794 -
فرع:
لو اشترى مئتي قفيز بمئتي درهم، ووجبت زكاتُها، فأتلفها بعد تمكُنه من أدائها، وقيمتُها مئتان يومَ الإِتلاف، ثمَّ بلغت أربع مئة، لزمه خمسةُ أقفزة قيمتُها عشرة إِن أوجبنا الزكاةَ من عين العَرْض، وخمسة دراهم إِن أوجبناها من القيمة، وأبعد من ألزمه عشرةَ، وإن خيَّرناه، تخيَّر بين الأقفزة وخمسة دراهم.
795 -
فصل في حَوْل الأرباح
إِذا ملك عشرين دينارًا، واشترى بها عرضًا كما ملكها، فبلغت قيمتُها عند الحول أربعين، لزمه تزكيةُ الأربعين إِن اعتبرنا النصابَ عند الحول، وإن اعتبرناه في جميع الحول، فقياسه ألَّا تجبَ تزكيةُ الربح الحاصل عند الحول وإن تخرَّج ظهورُه في أثناء الحول على القولين في نُضُوضِه.
وإن بلغت القيمةُ في نصف الحول أربعين، فباع بها العَرْض، فهل يُفرد الربح بالحول، أو يُضمُّ إلى رأس المال؟ فيه قولان، والمرضيُّ هو الإِفراد؛ لأنَّه لم يستفد العشرين من عين المال، بخلاف النتاج، وقيل: إِن
قصد بالبيع قَطْعَ التجارة، أو لم يقصد التجارةَ، وجب الإِفرادُ قولًا واحدًا، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ العشرين لا تخرج بالقصد عن كونها ربحًا، ومن يضمُّ فإنه يلحق (1) الربح بالنتاج، وهو متحقّق هاهنا، فإِن قلنا بالإِفراد، فابتداءُ الحول من حين الظهور أو النضوض؟ فيه وجهان.
796 -
فصل في ربح الربح
إِذا اشترى العَرْض بعشرين، وباعه في نصف الحول بأربعين، واشترى بها على الفور عَرْضًا، فبلغ مئةً عند الحول، فعلى الضمّ يزكِّي المئة، وعلى الإِفراد يُنظر؛ فإِن باعه عند الحول زكَّى رأسَ المال، وحصته من الربح، وذلك خمسون، كما لو اشتراه بعشرين، وباعه بها، ثمّ اشترى بذلك سلعة وباعها عند الحول بخمسين؛ فإِنّه يلزمه تزكيةُ الخمسين، فإذا مضت ستَّة أشهر زكَّى العشرين التي نضَّت في نصف الحول، فإِذا مضت ستَّة أشهر أخرى، زكَّى الثلاثين التي هي ربحُ الربح، وإن لم يبع العرضَ عند الحول، لزمه حينئذٍ تزكيةُ خمسين، ويزكِّي الخمسين الأخرى بعد ستَّة أشهر، ولا ينتظر بالثلاثين تمامَ حولها؛ لأنَّها لم تنضَّ على رأس الحول، وأبعد من ظنَّ أنَّ الربحَ لا يُضمُّ إلَّا إِذا دام العرض سنةً، وقال يزكِّي رأسَ المال على حوله، والعشرين بعد ستَّة أشهر، والستِّين على رأس الحول الثاني، وقال: لو اشترى عَرْضًا بعشرين قد مضى عليها ستةُ أشهر، ثمَّ باعه عند الحول بمئة، فإِنَّه يزكِّي1
العشْرين، ويبتدئ حولَ الثمانين من آخر حول العشرين.
797 -
فصل في الزيادات المتَّصلة والمنفصلة
إِذا زادت القيمةُ بسبب زيادة متَّصلة، اعتُبر ذلك اتّفاقًا، ولو اشترى جارية بألف، فولدت في آخر الحول ولدًا يساوي مئتين، فقد قال ابن سُريج: إِن لم تنقص بالطَّلْق، زكَّى الألفَ دون المئتين؛ لأنَّ الولدَ مستفاد بغير التجارة، وإِن نقصت بذلك مئة أو مئتين، لزمه تزكيةُ الألف؛ جبرًا للنقص بالولد، وفي هذا إِشكال، وسنذكر ما يخالفه، ويقضي عليه في إطْلاع نخيل التجارة، وتزكية المعادن، ومقتضى ما ذكره ألَّا يلزمه تزكيةُ الولد فيما يُستقبل من السنين.
798 -
فصل [في بيع العَرْض بعد وجوب الزكاة
وفي ذلك طرق:
أحدُهما: أنَّه كبيع السائمة.
والثانية: أنَّه كالسائمة إِن أوجبنا الزكاةَ من العرض، وإِن أوجبناها من القيمة، فهو كبيع خَمس من الإِبل بعد وجوب الشاة.
والثالثة: تجويزُ البيع، وبه قطع الإِمام، وقال: لا يتَّجه الخلافُ إِلا إِذا وهب العَرْض؛ لما فيه من إِبطال الماليَّة، ولا فرقَ بين أن يقصدَ بالبيع القُنْية
أو التجارة، ولهذا لو قصد القنيةَ، انقطع الحولُ.
799 -
فصل فيما ينعقدُ به حولُ التجارة
إِذا اشترى عَرْضًا بنيَّة التجارة، انعقد حولُه، وإن نوى ذلك مع الإِصداق، أو بدل الخُلْع، فوجهان؛ إِذ لا يُعدَّان تجارةً.
وإِن اشترى عَرْضًا للقنية أو مطلقًا، ثمَّ نوى التجارة بعد ذلك، أو نواها فيما لا عوضَ فيه؛ كالإِرث، والاتهاب، والاصطياد، والاحتطاب، فلا ينعقدُ الحولُ، وقال الكرابيسيُّ: ينعقد الحولُ بمجرد النية؛ اعتبارًا بنية القِنْية، ولا يعدُّ هذا من المذهب؛ لأن نيةَ التجارة لم يقترن بها منويُّها، بخلاف نية القِنْية.
800 -
فصل في ردِّ العَرْض بالعَيْب
إِذا اشترى عبدًا للتجارة بثوب، فرُدَّ عليه الثوبُ بالعَيْب، عاد الثوبُ إِلى ما كان عليه من قُنية أو تجارة، ولو أَطلق شراءَ العبد بثوب تجارة، ثمَّ ردَّ الثوب، لم ينقطع الحول، ولو اشترى عبدَ تجارةٍ بثوب قنية، فرُدَّ الثوب، ونوى باسترداده التجارةَ لم ينقطع الحول؛ إِذ لا يُعدُّ الردُّ تجارة، ولو اشترى عبدَ تجارةٍ بثوب تجارةٍ، فنوى اقتناءَ العبد، فرُدَّ عليه الثوبُ، لم يَعُدْ إِلى التجارة؛ لانقطاع الحول بنيَّة القِنْية، وفي عَوده احتمال.
801 -
فصل في الاتِّجار فيما يجب الزكاة في عينه
إِذا اتَّجر في العبيد، لزمه زكاتُهم وفطرتُهم، وإِن اتَّجر فيما تُزكى عينُه، لم تلزمه الزكاتان، وأيُّهما يغلب؟ فيه قولان؛ فإِن غلَّبْنا إحداهما، فنقص نصابُها عند الحول، ففي الرجوع إِلى الأخرى وجهان.
ولو بذر أرضَ التجارة ببذر قِنْية، لزمه عشرُ البذر، وزكاة الاتِّجار في الأرض وجهًا واحدًا، ولاجتماع السببين صورٌ:
الأولى: أن يقترن السببان؛ بأن يشتريَ نصابًا من السائمة للاتِّجار، فأيُّهما يغلَّب؟ فيه القولان.
الثانية: أن يتقدَّم أحدُ السببين، فهل يعتبر الأوَّل أو الآخِر، أو يجري القولان؟ فيه طرق أصحُّهنَّ إِجراءُ القولين، فإِذا علف المالَ نصفَ الحول، وأسامه باقيَه؛ فإِن غلِّبت العَيْنُ عند اجتماع السببين، ففي التغليب هاهنا الخلافُ، فإن غلَّبنا التجارة، ابتدأ حولُ الإسامة من مُنتهى حول التجارة، وبطلت مدَّةُ الإسامة، وإِن غلَّبنا العينَ، ابتُدئ حولُها من حين الإسامة، وبطلت مدةُ العلف.
الثالثة: أن يتجرَ في الثمار، فتَزْهَى في ملكه، فهل يغلَّب العشر أو التجارة؟ فيه القولان، فإن غلَّبنا إحداهما، فنقص نصابُها دون الأخرى، ففي الرجوع إِلى الأخرى الوجهان، فإِن غلَّبنا العشرَ، ابُتدئ حولُ الاتِّجار بعدَه، ولا يبتدأ بعد الزهو، ثم يزكي التجارةَ لما يستقبله من الأعوام.
الرابعة: أن يشتريَ الأرضَ مع الأشجار والثمار، ثمَّ تزهى، فيلزمه تزكيةُ الجميع على تغليب الاتِّجار، وعلى تغليب العين يلزمه عشرُ الثمار،
وفي تزكية الأشجار بزكاة الاتِّجار وجهان، فإِن لم نوجب ذلك، ففي المغارس؛ لبُعدها عن الاتباع 1 وجهان، خصَّهما الإِمامُ بما يدخل من الأرض في المساقاة، وقطع بالإِيجاب فيما لا يدخل.
الخامسة: أن يتَّجر في الأشجار، فتُطْلع، ثمَّ تَزْهَى في ملكه، فقد نصَّ الصيدلانيُّ على قولَي التغليب، فإِن غلَّبنا الاتِّجارَ، لزم تزكيةُ الأشجار والثمار، كما تزكى الزيادات المتَّصلة، والأرباح المتجدِّدة، ويُحتمل تخريج الثمار على قولي نُضوض الأرباح؛ لثقتنا بحُصولها، كما وثقنا بحصول الأرباح، وهذا يخالف ظهورَ الربح من غير نضوض؛ إِذ لا ثقةَ به، والذي ذكره الصيدلانيُّ مخالفٌ لما ذكره ابن سُريج في الولد؛ إِذ لا فرقَ بين الولد الحادث والثمر الحادث، فتحصَّل من قوليهما اختلاف.
السادسة: أن يشتريَ أرضًا مزروعةً، فيجب تزكيةُ الجميع إِن غلَّبنا الاتجار، وإِن غلَّبنا العينَ، وجب عشرُ الزرع، وفي الأرض الوجهان.
السابعة: أن يشتري أرضًا وبذرًا للاتجار، فيزرعه فيها، فيلزمه تزكيةُ الجميع إِن غلَّبنا الاتجار، لأن زياداتِ البذر متَّصلة، ويلزمه العشرُ إِن غلَّبنا العينَ، وتزكيةُ الأرض على الوجهين.
802 -
باب زكاة مال القِراض
إِذا ربح القراضُ، فهل يملك العاملُ حصَّتَه بظهور الربح، أو بالمقاسمة؟ فيه قولان؛ فإِن ملَّكناه بالقسمة، فزكاةُ الجميع على المالك، وخرَّج الإِمامُ نصيبَ العامل على الأملاك الضعيفة، فإِن زكَّاه من عينه، فهل يلحق ذلك بالمُؤَن، أو باسترداد بعض المال؟ فيه وجهان، وقيل: إِن علَّقنا الزكاةَ بالعين، فهي كالمؤن اتِّفاقًا، وإِن علَّقناها بالذمَّة فوجهان، وليس ذلك بمَرْضيٍّ.
وإن ملَّكنا العاملَ بالظهور، ففي تزكية حصَّته ثلاثة طرق:
أحدها: الوجوبُ؛ لقدرته على التصرُّف بالمفاصلة.
والثانية: التخريجُ على المغصوب.
والثالثة: القطع بالسقوط، وهو بعيدٌ.
فإِن أوجبناها، فكانت حصَّتُه نصابًا، زكَّاها، وإِن نقصت عن النصاب، بنى على الخُلطة، وهل يستبدُّ بتزكية نصيبه من عين المال؟ فيه وجهان، يتَّجه تخريجُهما على المؤونة والاسترداد، وابتداء حوله من حين الظهور، أو من حول رأس المال؟ فيه وجهان، والظاهرُ أن التزكيةَ هاهنا كالاسترداد؛ لأنَّ انفرادَ كل واحد بتزكية حصَّته يمنع من جعلها مَؤُونةً] 1، صرَّح بهذا
الصيدلانيُّ، ولم يتعرَّض له غيره.
803 -
باب الدَّين مع الصدقة
الدَّينُ هل يمنع الزكاة؟ فيه قولان:
أحدُهما: لا؛ لتمام الملك، ونفوذ التصرف.
والثاني: نعم؛ لضعف الملك بوجوب صرفه في الدين، وتسلُّط المستحِقِّ على أخذه عند التعذُّر، أو لأدائه إِلى تثنية الزكاة.
وعن القديم أنَّه يمنع في الأموال الظاهرة دون الباطنة، فجعله بعضُهم قولًا ثالثًا، وتأَوَّله البعضُ بما لو ادَّعى الدينَ؛ ليُسقطَ به الزكاةَ، وفيه نظر، والظاهر تصديقُه كما يُصدَّق في قَطْع الحول وغيره؛ فإِن قلنا: الدَّينُ لا يمنعُ، ففي المنع بالرَّهْن وحَجْر الفَلَس وجهان، وإن قلنا بالمنع، فعليه فروعٌ:
الأول: لو ملك نصابًا من السائمة، وعليه مثلُه، أو نقص الدَّينُ عن النصاب، أو كان لكافرٍ أو مكاتَب؛ فإِن علَّلنا المنعَ بضعف الملك سقطت الزكاة، وإلَّا فلا.
الثاني: لو ملك من العقار أو غيره ما يقضي دينَه، فقد قطعوا بالوجوب، وذكر أبو محمَّد تردُّدًا؛ أخذًا من تثنية الزكاة، ولا يُعدُّ ذلك من المذهب.
الثالث: لو كان الدَّين غيرَ مُجانِس للنصاب، كأحَد النقدَين مع الآخر أو النَّعَم مع النقد، فالأصحُّ السقوط.
الرابع: إِذا نذر التصدُّقَ بالنصاب، أو قال في خمس من الإِبل: جعلتُها هَدْيًا، فقد خرَّجه بعضُهم على القولين، وقطع البعضُ بالإِسقاط، وهو الظاهر، ولا سيَّما إِذا جعله هدْيًا.
الخامس: إِذا نذر التصدُّقَ بمثل النصاب، فلا تسقط الزكاةُ على الأصحِّ؛ لأنَّ الالتزامَ بالنذر ضعيفٌ، فلا يصلح لإِسقاط الزكاة.
السادس: في الإِسقاط بدين الحجِّ؛ لتراخيه وجهان، والنذر مع الحج سِيَّان عند الإِمام.
السابع: إِذا مات وعليه ديونٌ من جملتها الزكاةُ، فقد قطع بعضُهم بتقديمها، وخرَّجها البعضُ على الأقوال في اجتماع دين الخالق والمخلوق.
804 -
فصل في وجوب الزكاة في الديون
تجب تزكيةُ الدين الحالِّ إِن كان على مليء وفيٍّ، وإن كان على فقير أو جاحد، فقولان إلَّا أن يكونَ على الجاحد بيِّنة، فلا أثرَ لجَحْده، والمؤجَّلُ كالمغصوب، أو الغائبِ السهلِ الإحضار؟ فيه وجهان، وأبعد مَنْ قال: لا يملك فلا يزكِّي، فإِن جعلناه كالمغصوب، لم يجب تعجيلُ زكاته على الأصحِّ لما فيه من الإِجحاف بالمالك، وفي القديم قولٌ مرجوعٌ عنه: أنَّ الزكاةَ لا تجبُ في شيء من الديون.
805 -
فرع:
لو أبرأ الفقيرَ عن قدر الزكاة بنيَّة التزكية، لم يجزئه عن الزكاة؛ إِذ
لابدَّ من تمليك محقَّق.
806 -
فرع:
اللُّقَطة في السنة الأولى على الخلاف في المغصوب، وفي الثانية على خلافٍ مرتَّب، وأولى بالسقوط؛ لتسلُّط الملتقِط على تملُّكها؛ فإِن تملَّكها، وقلنا: يملكها قبل التصرُّف، فلا زكاةَ على ربِّها، وفي تزكيته لقيمتها الخلافُ في زكاة الضالِّ، وتزكيتها على الملتقِط مُخرَّجة على الخلاف في المنع بالدين.
807 -
فصل في تزكية الأجرة
ويجب تزكيةُ الصَّداق، وأمَّا الأجرة: فالأصحُّ أنَّها تُملك بالعقد، وذكر بعضهم قولًا في وقف الملك على سلامة المنافع وفواتها، فعلى هذا: لو أجَّر دارًا أربعَ سنين بمئة دينار مقبوضة، وسلَّم الدار، فهل تلزمه زكاةُ المئة في السنة الأولى؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ اعتبارًا بالصداق؛ إِذ توقُّعُ الانفساخ كتوقُّع الطلاق.
والثاني: لا تجب؛ بناءً على الوقف عند مَنْ رآه، أو لأنَّ رجوعَ الأجرة يستند إِلى أصل العقد، بخلاف رجوع الصداق بالطلاق، وعلى هذا: إِذا تساوت حِصصُ السنين، لزمه في السنة الأولى تزكيةُ ربع الأجرة، وفي الثانية تزكيةُ نصف الأجرة لسنتين، ويُحطُّ ما أدَّاه في السنة الأولى، وفي الثالثة تزكيةُ ثلاثة أرباعها لثلاث سنين، ويُحَطُّ زكاةُ النصف لسنتين، وفي
الرابعة زكاةُ المئة لأربع سنين، ويُحطُّ ما مضى.
808 -
فصل في زكاة الغنائم قبل القسمة
إِذا حاز الجيشُ الغنيمةَ، فهل مَلَكَها أو ملك أن يُمَلِّكَها؟ فيه وجهان؛ فإِن ملَّكناه، ففي الزكاة ثلاثةُ أوجه:
أحدها: الوجوب.
والثاني وهو المذهب: السقوط؛ لضعف الملك، وسقوطه بالإعراض.
والثالث: إِن أمكن أن يختصَّ الأموالَ الزكوية بالخمس بالقسمة، فلا زكاةَ؛ لضعف الملك، وجوازُ هذا التقدير؛ إِذ يجوز للإِمام إِيقاعُ قسمة التعديل على الأجناس باعتبار القيمة.
809 -
باب البيع في المال الذي فيه الزكاة بالخيار
إِذا باع النصابَ، فتمَّ الحول في مدَّة الخيار لزمته الزكاةُ إِن قلنا ببقاء ملكه، وهل يبطل البيعُ في قَدْر الزكاة وما زاد عليها؟ فيه الخلافُ السابق في تعلُّق الزكاة، وتفريق الصفقة، وإن نقلنا الملك إِلى المشتري، انعقد حولُه، وانقطع حولُ البائع.
ولو أزهتِ الثمارُ في مدَّة الخيار، فالزكاةُ على المشتري إِن ملَّكناه، وخرَّجَها في "التقريب" على الخلاف في المغصوب، والأملاك الضعيفة.
ولو اختصَّ أحدُهما بالخيار، وملَّكناه، فمُلكه موجبٌ للزكاة اتِّفاقًا.
810 -
فصل في تزكية الوصية قبل قَبولها
إِذا أوصى بثمرة، فأزهت بعد الموت، وقبل القَبول؛ فإن قلنا: الملك للوارث، فالأصحُّ أنه لا زكاةَ عليهم إِن قبل الموصَى له، وإِن ردَّ، فوجهان من جهة أنَّ هذا الملكَ تقديريٌّ لا جدوى له، وكذلك حكمُ الفطرة، وزكاة المال.
وينفسخ النكاحُ بالملك في زمن الخيار اتِّفاقًا، والظاهرُ انفساخه بملك الغنائم قبل الاقتسام، وفي انفساخه بالملك التقديريِّ وجهان؛ كما لو أوصى
بزوجة الوارث لأجنبي، وقلنا: يملكها الوارثُ قبل القبول.
وفي عتق القريب بملك الخيار، وملك المغانم خلافٌ، ويبعدُ نفوذُ العتق في الملك التقديري، فهذه ثلاثُ مراتبَ أَولاها بالنفوذ انفساخُ النكاح؛ لمضادته الملك، ويليه العتقُ؛ لقوَّته، ويتأخر عنه أمرُ الزكاة.
811 -
فصل في زهوِّ الثمار بعد الموت وقبل قضاء الدين
إِذا خلَّف نخلًا مثمِرًا ودينًا مستغرِقًا، فالمذهبُ أنَّ الدَّينَ لا يمنع ملك الوارث، وفيه وجهٌ أنَّه يمنعه ما لم يقض الدَّين، وسنذكر فيه قولًا آخرَ في وقف الملك.
فلو أزهت الثمارُ قبل قضاء الدين، فلا تجب الزكاةُ إِن منعنا الملكَ، وإِن لم نمنعه، فالترِكة كالرهن؛ فإن أوجبنا زكاةَ الرهن، قدِّمت الزكاة هاهنا إِن علَّقناها بالعين، وإن علَّقناها بالذمَّة قدِّمت على أصحِّ الأقوال، فإن لم يملك الوارثُ سوى الثمارِ، زكَّاها منها، ولا يلزمه الجبرُ إِذا أيسر على الأصحِّ؛ لأنَّ الزكاةَ كالمؤونة، ولا خلافَ أنَّ المؤونة من التركة، وإِن ملك الوارثُ ما يزكِّي به الثمار، ففي وجوب ذلك خلافٌ مبنيٌّ على وجوب الجَبْر عند اليسار.
812 -
فصل في تزكية العروض إِذا وجبت فيها الشفعةُ
لو اشترى شِقْصًا للتجارة بعشرين دينارًا، فبلغ مئةً عند الحول، أخذه
الشفيعُ بالعشرين، ووجبت زكاةُ المئة، وفيه قول مخرَّج أنَّ الزكاةَ لا تجب؛ لتعرُّض الملك للزوال، ونقض التصرُّفات، واستثنى الإِمامُ من ذلك عشرين دينارًا؛ لبقاء ماليَّتها مع أخذ الشفيع؛ فإِن أوجبنا زكاةَ الجميع، فقد ذكر أبو علي وجهًا خرَّجه من مسألة الثمار أنَّ الزكاةَ تؤخذ من قيمة الدار، ثمَّ يأخذها الشفيعُ بالعشرين بعد ذلك، ويجعل ذلك كالتعيُّب بآفة سماويَّة، واستبعده الإِمامُ؛ لأن الوارثَ في صورة الثمار لم يتسبب إلى إِيجاب الزكاة، وهاهنا قد تسبب إِلى إِيجابها بالاتجار.
813 -
فصل في زُهُوِّ الثمار في يد المشتري ببيع صحيح أو فاسد
إِذا باع ثمرةً غيرَ مزهية، فله حالان: أحدهما: ألَّا يصحَّ بيعُها؛ لأنَّه لم يشرط قطعَها، ويتلفها المشتري بعد زهوها، فتلزمه قيمتُها إِن جعلنا الرطبَ من ذوات القيم، فإِن كانت القيمة مئة، تعلَّق حقُّ الفقراء بعشرها؛ [بناءً على الأصحِّ في تقديم الزكاة على الدين؛ لتعلُّقها بالعين، فلو حُجر على البائع بالفَلَس قدِّم الفقراء بالعشرة] (1) إِن جعلنا الخَرْصَ عبرة، وإن جعلناه تضمينًا وقلنا: وقت الخرص في تضمين التمر كالخَرْص، فكانت قيمةُ التمر عشرين، قدَّمناهم بعشرة، وضاربوا الغرماءَ بالعشرة الأخرى، فإِن
فرَّع
نا المسألة على اجتماع حقِّ الله المرسَل مع ديون العباد، ورأينا تقديمَ حقِّ الله قدِّم الفقراء بالعشرين،1
وإِن قدَّمنا الدينَ على الوجه البعيد، فلا يدفع إِلى الفقراء شيء، وإِن سوَّينا، تضاربَ الفقراءُ والغرماء بقدْر الحصص.
الحال الثانية: أن يصحَّ بيعُها لاشتراط قطعها، فتَزْهَى عند المشتري، ففيه ثلاثةُ أقوال:
أحدُها: أنَّ للبائع المطالبةَ بقطعها، فإِذا قطعت فمقاسمةُ المشتري للفقراء على ما تقدَّم في مسألة العطش، فإِن أجزنا القسمةَ، أَخَذ المساكينُ عشرَ الرطب على قول العِبْرة وقول التضمين إِن لم نجعل وقتَ الخَرْص كالخَرْص، [وإِن جعلنا وقتَ الخَرْص كالخرص] 1 في ضمان التمر، فيظهر هاهنا ألَّا يضمن التمر؛ لأنَّ الزهوَّ إِنّما يوجب ضمانَ التمر عند إِمكان التتمير، فأمَّا عند المنع من التتمير: فتضمينُه بعيدٌ.
والقول الثاني: يثبت للبائع الفسخُ؛ لأنَّه عارض حقُّه في القطع حقَّ الفقراء في الإِبقاء.
والثالث وهو بعيدٌ: أنَّ العقدَ ينفسخُ بنفس الزُّهوِّ؛ إِذ به يتعذر الإمضاء، ولا يتوقَّف ذلك على تراضيهما واختلافهما، فإِن أثبتنا الفسخَ فتراضيا على الإبقاء، جاز، وإن اختار المشتري الإِبقاءَ، وامتنع البائعُ، ثبت الفسخُ، وإِن رضي البائعُ بالإِبقاء، وأباه المشتري، فلا فسخَ على أصحِّ القولين، فإِن ارتفع العقدُ بالفسخ أو الانفساخ، فأصحُّ القولين أنَّ الزكاة على المشتري؛ لوقوع الزهو في ملكه، وفيه قول أنَّها على البائع، فإِن أوجبناها على
المشتري، لم نكلِّفه قطعَ جميع الثمار، ويُخرَّج ذلك على القسمة، فإِن منعناها وجب إِبقاءُ الجميع، وإن أخَّرناها ابتُني ذلك على جواز القسمة خَرْصًا، والأصحُّ أنَّها لا تجوز، فإِن أجزناها سُلِّط البائعُ على مراده في تسعة الأعشار؛ لأنَّها انقلبت إِلى البائع ليزيد في ملكه، فإِن زكَّى المشتري من مال آخر، وقلنا بأن الزكاة لا تتعلَّق تعلُّقَ مشاركة، رجع جميعُ الثمار إِلى البائع، وإِن أخذها الساعي من الثمار، رجع البائعُ على المشتري بقَدْر الزكاة.
814 -
فرع:
لو رضي البائعُ بالإِبقاء، ثمَّ رجع، فله ذلك إِن أوجبنا القطعَ، وإِن أثبتنا الفسخَ، جاز أن يسقطَ خياره وألَّا يسقط.
815 -
فصل في بيع الساعي الزكوات
ليس للساعي بيعُ ما يحصِّله من الزكوات إِلا أن تثقلَ مؤونةُ سَوْقها، أو تكون الطرقُ مخطرة، وليس له البيعُ بغِبْطة يباع بمثلها عقارُ اليتيم إِلا أن يرى الإمامُ رأيَ أبي حنيفة في أمرٍ مجتهَد فيه، فيجب اتِّباعُ حكمه، ولو وجب نقلُ الزكاةِ لتَعَذُّر المستحِقِّ، واحتاج النقلُ إِلى مؤونة، ففي إجزاء البدل تردُّد، ولو نقلها المالكُ لزمه مؤونةُ نقلِها، ولو تلفت في الطريق لم يبرأ منها؛ لأنَّها لا تصيرُ زكاةً ما لم يقبضْها مستحِقُّها أو نائبه، وللساعي أن ينفقَ على الزكاة من الزكاة، بخلاف المالك.
816 -
فصل في شراء المتصدِّق صدقتَه
إِذا تصدَّق بقرض أو تطوَّع، كُره له شراءُ صدقته من المتصدَّق عليه؛ كيلا يحابيَه، فيضاهي الراجعَ في صدقته، وكذلك إِن وكَّل من يعرف الفقيرُ وكالته، وإن جهل الوكالة خفَّت الكراهيةُ، ويمكن ألَّا يُكره ويلحقَ ببابِ الأولى.
817 -
باب زكاة المعدن
تختصُّ زكاةُ المَعْدِن بالتِّبْرَين، وأبعد من أوجبها في كلِّ عين، وفي قدرها أقوال:
أحدها: ربعُ العشر.
والثاني: الخمس.
والثالث: الخمس إِن خفَّت المؤونة، وربعُ العشر إِن ثقُلت.
فإن كثر النَّيْل، واستغني عن الطحن والعلاج بالنار، وجب الخمس، وإِن قلَّ النيل، وافتقر إِلى الطحن والعلاج بالنار، فربعُ العشر، وإِن كثر مع الحاجة إِليهما، أو قلَّ مع الغنى عنهما، فوجهان:
أحدُهما: الاعتبار بقلَّة العمل وكثرته، فيجب الخمسُ فيما قلَّ عمله، وربعُ العشر فيما كثر عمله؛ اعتبارًا بخفَّة مؤونة السقي وثقلها في تزكية الثمار، ولا نظرَ إِلى كثرة النَّيْل وقلته، كما لا يُنظر إِلى نموِّ الزرع وعدمه.
والثاني: أنَّا ننسب النيل إِلى العمل؛ فإِن قل بالنسبة إِلى العمل، أو اقتصد فربعُ العشر، وإِن كثر بالإِضافة إِلى العمل، فالخمس، ويُرجع في ذلك إِلى أهل الخبرة به، فلو كان الدينارُ مقتصدًا في اليوم، فاستفاده إِلى قريبٍ من آخرِ النهار، ثمّ استفاد في بقيَّة اليوم دينارًا بعمل يسير، ففي
الدينار الأول ربع العشر، وفي الثاني الخمس.
ولو عمل نهارَه، فاستفاد دينارين في آخره، وجب في أحدهما ربعُ العشر؛ لأنَّه المقتصد، وفي الآخر الخمس، ويحتمل أن يجبَ فيهما الخمسُ؛ لحُبوط عمله في أوَّل نهاره.
ولو عمل نهارَه، فأصاب في آخره ما لو تفرَّق على عمله لكان مقتصدًا، فينبغي أن يجب ربعُ العشر.
818 -
فصل في الحول والنصاب
ويُشترط النصابُ إِن أوجبنا ربعَ العشر، وإِن أوجبنا الخمسَ، فقولان، فإِن لم نشرط النصابَ، فلا حولَ، وإِن شرط فقولان، واشتراطُ الحول بعيدٌ عن قاعدة المذهب، فإِن شُرط النصابُ دون الحول، فله أحوال: الأولى: ألَّا يملكَ سوى المستفاد، فيجب تكميلُ النصاب بما يواصل عملَه ونيلَه على العادة في مثله، وفيما اتَّصل عمله وانقطع نيلُه وجهان، ويرجع في التواصل إِلى عُرْف أهله، ولو قطع العمل بما يُعدُّ فصلًا؛ فإن نوى قطعَ العمل، انقطع اتِّفاقًا، وإِن كان لإِصلاح الآلات، فهو كالعمل على المعدن، وإِن كان لمرض أو مطر أو عارض شغل، فوجهان، ولا ينقطع بالقصد ما لم يحقِّقه بالترك، ومتى أوجبنا الضمَّ لزمت الزكاةُ إِذا تمَّ النصاب، وحينئذ ينعقد الحولُ اتّفاقًا، وحيث لا نرى الضمَّ واستفاد 1 تسعةَ عشر دينارًا وقطع،
ثم استفاد دينارًا متواصلًا، فلا زكاةَ في التسعةَ عشرَ، ويزكِّي الدينارَ على المذهب، وأبعد مَنْ لم يوجب الزكاةَ.
الحال الثانية: أن يملك عرضًا للتجارة قيمته مئة، ويستفيد مئة، من المعدن فله أحوال:
الأولى: أن يستفيدَها في أثناء الحول، فيلزمه تزكيتُها على المذهب.
الثانية: أن يستفيدَها مع حُؤُول الحول، فيلزمه زكاة المئتين، وهذا يبطل ما ذكره ابن سريج في نتاج التجارة.
الثالثة: أن يستفيدَها بعد الحول بشهر، فإِن لم نبطل حولَ التجارة لزمه تزكيةُ المئتين، وإن أبطلناه لزمه تزكيةُ المئة المستفادة على المذهب.
الحال الثالثة: أن يملك مئةَ درهم، ويستفيد مئة، فيلزمه تزكيةُ المستفادة على المذهب، ولا يلزمه تزكيةُ المئة القديمة، وذكر أبو عليٍّ في ذلك الأحوالَ الثلاثة المذكورة في العَرْض، وهذا سهوٌ فيما يقع مع الحول أو بعده؛ لأن حولَ المئة غيرُ منعقد، بخلاف عَرْض التجارة.
ونصُّوا على أنَّ النيلَ إِذا كمل بمال التجارة، كمل به وإِن أوجبنا الخمس.
819 -
فصل في إِخراج زكاة المعدن وبيع ترابه
ولا يزكَّى المعدن إِلا بعد التنقية والتخليص، ومؤونة ذلك على المالك؛ اعتبارًا بتنقية الحُبوب وتجفيف الثمار وصرامها، فإِن أوجبنا الخمسَ، فالمذهب أنه زكاة، ولا يجوز بيعُ تراب المعدن وفيه نيلُه؛ لجهالة المقصود،
بخلاف مغشوش النقود؛ إِذ رواجُه هو المقصود، وبخلاف المطبوخات والحلاوي والمعجونات، والفارق مسيسُ الحاجات، وأجاز القفَّال بيعَ الفواكه الجافَّة المختلطة كعادة نيسابور، واعتبرها بالمعجون؛ فإنَّها تقصد كذلك، وخالفه الإِمام؛ إِذ لا حاجةَ، ورآها أولى بالخلاف من النقود.
820 -
فصل في الرِّكاز
الركاز: مال جاهليٌّ في مكان جاهليٍّ، وتختصُّ زكاتُه بالنقدين على أصحِّ القولين، ولا يعتبر الحولُ اتّفاقًا، ولا النصابُ على أحد القولين، وواجبه الخمسُ لأهل الصدقات، وفيه قول أنَّه فَيْء، فلا تعتبر فيه النيَّة، وهذا لا يصحُّ؛ لاختصاص الواجد بأربعة أخماسه، فإِن جُعل فيئًا، فواجب المعدن زكاةٌ إِن أوجبنا ربعَ العشر، وكذلك إِن أوجبنا الخمسَ على الأصحِّ، وأبعد من ذكر قولًا أنه فيء؛ لأنه ليس بجاهليٍّ، بخلاف الركاز.
821 -
فصل في صفة الرِّكاز
الدَّفِينُ: ركازٌ إِن كان بضَرْب الجاهلية، ولُقَطةٌ إِن كان بضَرْب الإِسلام، وإن تردَّد بينهما؛ كالتِّبْر والأواني، فوجهان، وقال أبو عليٍّ: ما كان بضَرْب الإِسلام، فإِنَّه يحفظ أبدًا إِلا أن يقعَ بيد سلطان، فله حفظُه واقتراضُه في المصالح، وكذلك لو أطارت الريحُ ثوبًا إِلى إِنسان، فهو لقطة عند الأصحاب، محفوظٌ عند أبي عليٍّ.
وأمَّا التبر والأواني: فإِن لم نجعله ركازًا، ففي كونه لقطة وجهان ذكرهما أبو عليٍّ؛ لضعف أثر الإِسلام فيه، ولو انكشف الركازُ بسيل أو غيره، فقياس أبي عليٍّ أنه يُحفظ؛ اعتبارًا بموضعه؛ لأنَّه يقول: إِنَّما تثبت أحكامُ اللقطة في مال مُعرَّض للضياع؛ ترغيبًا للأمناء في أخذه وحفظه، بخلاف الركاز.
822 -
فصل في بيان مكان الركاز
إِذا وُجد بموات الإِسلام أو مكان جاهليٍّ لا يختصُّ بأحد فهو ركاز، وإِن وجد بمكان عليه آثارُ عمارة الإِسلام، وجب ردُّه على المُحيي؛ لأنَّ من أحيا أرضًا فقد جعله الأصحابُ أولى بركازها، وقالوا: لو باعها رُدَّ عليه ركازها، وإِن كثر مشتروها وتداولتها الأيدي، وعلى كلِّ مشترٍ أن يعرضَه على من قبله إِلى أن ينتهيَ الأمر إِلى المُحْيي، فيأخذه، وبنى الإِمامُ ذلك على الخلاف فيمن أَغْلق بابَه على ظبية، ولم يقصد بذلك تملُّكَها، فإِنَّه يختصُّ بها على الأظهر، وقيل: يملكها، فيجب طردُ ذلك في ملك الركاز بالإِحياء، ولو قصد بالإِغلاق التملُّكَ، ملكها، وقال: لا يبعدُ أن يزولَ اختصاصُ المُحْيي بزوال ملكه، كما يزول الاختصاصُ بالظبية عند انطلاقها.
823 -
فرع:
من أحيا أرضًا ذات معدن أو ركاز، ملك معدنَها، واختصَّ بركازها ولزمته الزكاةُ، ولو باعها ملك المشتري معدِنَها، ولم يختصَّ بركازها؛ لأنَّ
المعدنَ من جملة أجزائها، بخلاف الركاز.
824 -
فصل في التنازع في الركاز
وإذا تُنُوزِع في الركاز، فالقولُ قول ذي اليد إِن أمكنَ صِدقُه ولو على بُعْد؛ فإِذا اختلف البائع والمشتري في وضعه، أو اختلف فيه المالك والمستأجرُ، أو المستعيرُ، فالقول قولُ المشتري والمستأجر والمستعير؛ لأجل أيديهم إلَّا أن يُعلمَ كذبهم؛ بأن كان مثلُ ذلك الركاز لا يتأتى وضعُه في تلك المدَّة، فيصدَّق من قبلهم بشرط الإِمكان.
ولو رجع المأجورُ إِلى يد المالك، فقال: أنا وضعته قبل الإِيجار، وقال المستأجر: بل أنا وضعته؛ إِذ كان بيدي، فالأظهر أنَّ القولَ قول المستأجر؛ لاعتراف المالك بانتساخ يده بيد المستأجر.
825 -
فصل في الركاز في الأملاك المطروقة
وإِذا وُجد الركاز بملك مطروق لا يمنع منه أحدٌ، ولا يُعرف مَنْ أحياه، فهل يملكه الواجد؟ فيه وجهان، أظهرُهما عند الإِمام أنَّه لا يملك، وقال: إِنَّما يتَّجه هذا في اختلاف المالك والواجد إِذا كان الركازُ بيد الواجد، والأظهر أنَّ القولَ قولُ المالك، ولو تنازعا في إِخراجه، فالقول قول المالك مع يمينه بلا خلاف.
826 -
فصل في ركاز دار الحرب
إِن وجد الركاز في عمرانهم، فهو غنيمةٌ إِن أُخذ بالقتال، وفيءٌ إِن أُخذ بغير القتال كسائر أموالهم، والموجودُ في مواتهم كالموجود في موات الإِسلام، خلافًا لأبي عليٍّ فيما يذبُّون عنه من الموات كَذبِّهم عن العمران، فإنَّه ألحقه بالموجود في عمرانهم.
827 -
فرع:
يمنعُ الذمِّيُّ من إِخراج كنوز الإسلام ومعادنهم، ولو أخذ منهما شيئًا، ملكه بأخذه؛ كالصيد والحشيش، ويحتمل ألَّا يملك الركاز، لأنَّه كمحصَّل للمسلمين ضالٍّ عنهم، ولا يُؤخذ منه الخمسُ إِلا إِذا جعلناه فيئًا.
828 -
باب ما يقوله إِذا أخذ الصدقة
يُستحبُّ للسُّعاة إِذا أخذوا الزكاة أن يقولوا لباذلها: آجَرَك الله فيما أعطيت، وجعلها لك طهورًا، وبارك لك فيما أبقيت.
829 -
[الصلاة والسلام على الأصحاب]
قال الأصحاب: ولا ينبغي أن يصلِّي على غير الأنبياء إِلا تَبَعًا؛ كقولك: اللهمَّ صلِّ على محمَّد وأصحابه وأصهاره؛ اقتداءً بالسلف، وخلافًا لشعار الرافضة، وإِنّما صلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على آل أبي أَوْفَى؛ لأنَّه منصبه، فآثرَ به؛ كتكرمة الدار، والسلامُ كالصلاة عند أبي محمَّد، فلا يقال: أبو بكر وعليٌّ عليهما السلام، ومن خالف ذلك، فقد ارتكب المكروهَ عند الإمام، وخالف الأدبَ والأولى عند الصيدلانيِّ.
830 -
باب من تلزمه زكاةُ الفطر
كلُّ مسلم لزمتك نفقتُه فعليك فطرتُه، ولا فطرةَ عمَّن لا نفقةَ له، ومن اختلف في نفقته اختلف في فطرته، وأسبابُ النفقة: قرابةٌ، وملك، وزوجية.
831 -
فرع:
لو ملك الولدُ نفقةَ يوم العيد، فلا فطرةَ له إِن كان بالغًا، وإِن كان صغيرًا، وجبت فطرتُه؛ لتأكيد نفقته، ولذلك يجوزُ للأمِّ افتراضُها عند غيبة الأب وامتناعه، ولا يجوز ذلك للبالغ.
هكذا ذكره الصيدلانيُّ، وهو ظاهر المذهب عند الإِمام، وأسقط أبو محمَّد فطرتَه كالبالغ، وتردَّد في الاقتراض، والقياس منعُه إِلا بإِذن السلطان.
832 -
فصل في فطرة الزوجة والرقيق
وتجب فطرةُ الزوجة والرقيق موسرةً كانت الزوجةُ أو معسرة، ولو وجب إِخدامُها، فلا فطرةَ للخادم إِن كان بأجرة، وكذلك لو أنفق على أمتها؛ لتخدمها، فلا فطرةَ لها على الأصح؛ لأنَّ نفقتَها تتمَّةٌ لنفقة الزوجة، وقد أخرج فطرتَها.
ولو أعفَّ الولدُ أباه بزوجة، أو استعفَّ الأبُ بمستولدة، فعلى الولد
نفقتُهما، وفي فطرتهما وجهان؛ لأنَّه ليس أصلًا في التزام النفقة.
ولا يُعتبر في فطرة الرقيق ما يعتبر في الزكوات على قول المحقِّقين؛ إِذ لا نظرَ فيها إِلى الماليَّة، ولذلك تجبُ عن القرابة، وأمّ الولد، وألحقها آخرون بالزكوات، فخرَّجوا فطرةَ العبد المغصوب على الخلاف، وأسقطوا الفطرةَ إِذا لم يتمكَّن من إِخراجها حتَّى تلف العبدُ قبل رجوعه؛ كسقوط الزكاة بتلف النصاب قبل التمكُّن، وقالوا: إِن أوجبنا الفطرةَ، ففي وجوب تعجيلها وجهان، فإِن أوجبنا التعجيلَ، فالفرقُ بينه وبين النصاب المغصوب ما ذكرناه، وكذلك ترتيب 1 الفطرةِ على الزكاة، وهذا يوجب الخلاف في موت العبد قبل الإِمكان، واستبعد الإِمامُ ذلك كلَّه، وقطع بوجوب الفطرة وتعجيلها، ومن أسقط فطرةَ المغصوب تردَّد في الآبِق؛ إِذ لا يدَ عليه، وخرَّجه الإِمامُ على الخلاف في وجوب نفقته، ولا خلافَ في سقوط نفقة الزوجة بالنشوز، وإِذا لزم الزوجَ فطرةُ زوجته، فهل هو أصيل أو متحمِّل والزوجة أصل؟ فيه قولان، ولا تأصُّل للقريب والرقيق، وأبعد من طَرَد القولين.
ولو أخرجت الموسرةُ فطرتها بغير إِذن زوجها، لم تجزها إلا على قول التحمُّل، ولو أعسر الزوجُ مع يسارها، فإِن قلنا بالتحمُّل، لزمها فطرةُ نفسها، وعلى القول الآخر لا تجبُ الفطرة عليها، ولا على زوجها.
وللتحمُّل مراتبُ، أعلاها: تحمُّل الغارم، فتصرف إِليه الزكاة؛ فإِنَّ تحمَّلَه ورد على وجوب مستقرٍّ.
الثاني: تحمُّل العاقلة للدية، وفيه اختلاف، ويدلُّ على التحمُّل لزومُها للقاتل عند افتقار العواقل.
الثالثة: الفطرةُ ولو عجز متحمِّلها بعد وجوبها، فلا رجوعَ إِلى المتأصِّل.
الرابع: تحمُّل كفارة الجماع في رمضان.
833 -
فصل في وقت وجوب الفطرة
وتجب بأوَّل جزء من ليلة العيد، أو من يومه، أو بالجزأين؟ فيه ثلاثة أقوال أصحُّها الأوَّل؛ فإِن اعتبرنا أحدَ الجزأين، فلا فطرةَ لمن يتجدَّد بعده من ولد أو رقيق، ولو اقترنا بالسبب ثمّ زال الملك، أو مات الولدُ، لم تسقط الفطرةُ، وإن اعتبرنا الجزأين، فاقترنا بالجزء الأوَّل، ثم مات العبد، أو المالك قبل الفجر، فلا فطرة، وأبعد مَنْ أوجبها إِذا مات المالك؛ تفريعًا على القديم في البناء على حول المورِّث.
ولو اقترن الملك بالجزأين، وزال فيما بينهما، فعلى الوجهين في الزائل العائد، والاعتبار في اليسار والإِعسار بوقت الوجوب اتّفاقًا، فإِن كان موسرًا عند السبب استقرَّت الفطرةُ في ذمَّته، وإِن كان معسرًا، ثمَّ أيسر، فلا وجوب، والإِعسار عند أسباب الكفَّارات غيرُ مسقط لها على المذهب؛ لأنَّها كالقيمة الجابرة لما فات بالجناية، والإِعسارُ بالفطرة كنقصان النصاب.
834 -
فصل في فطرة العبد المشترَك والمهايأة فيه
وعلى الشريكين فطرةُ عبدهما إِن لم تكن مهايأة، وإن كانت مهايأة - وهي المناوبةُ على الانتفاع- فالغُرْم والغنم إِن غلبا دخلا في المهايأة، وإن ندرا لم يدخلا على المذهب، والفطرةُ كالنادر أو الغالب؟ فيه وجهان؛ فإِن جعلت غالبةً فهي على من وجبت في نوبته، وإن جعلت نادرة، فعلى الخلاف، ولا تدخل جنايةُ العبد في المهايأة باتِّفاق العلماء، ومن تبعَّض رِقُّه وحرِّيته وجبت فطرتُه، وحكمه مع مالك الرقِّ كحكم الشريكين فيما تقدَّم، ولو اعتبرنا الوقتين، فوقع أحدُهما في نوبة أحد الشريكين، والآخر في نوبة الآخر، اشتركا في الفطرة بكلِّ حال.
835 -
[فرع]
(1): الفطرة في مدَّة الخيار على الخلاف في الملك كزكاة المال، وهي أولى بالوجوب؛ إِذ لا يُعتبر فيها المالية.
836 -
فصل في فطرة العبد الموصى به بين الموت والقبول
وهي مبنيَّة على الملك، وفيه ثلاثة أقوال:
أحدُها: تحصل بالموت.
والثاني: بالقبول.1
والثالث: موقوف، فإِن قَبل، تبيَّن حصوله بالموت، وإلَّا فلا ملكَ له، فإِن ملَّكناه بالقَبول، فالملك قبله للميِّت أو الوارث؟ فيه وجهان، فإِذا وُجد سببُ الفطرة بعد الموت، وقبل القبول، فللموصى له ثلاثة أحوال:
إحداها: أن يقبل، فيلزمه الفطرةُ إلَّا إِذا ملَّكناه بالقَبول، [فلا تلزمه] 1، وهل يلزم الوارثَ إِن ملَّكناه؟ فيه وجهان؛ كزهوِّ الثمار في نظير هذه المسألة؛ لأنَّ ملكهم 2 تقديريٌّ، والفطرة أولى بالوجوب، وإن جعلنا الملكَ للميِّت، فلا فطرةَ، كما لا تجب تزكيةُ مال الجنين، وأبعد مَنْ أوجب الفطرةَ في التركة، ومن أوجب تزكيةَ مال الجنين إِذا انفصل.
الحال الثانية: أن تُردَّ الوصيَّة، فتلزمه الفطرةُ إِن ملَّكناه بالموت، وأبعد مَن قال: لا تلزمه، وإِن ملَّكناه بالقَبول، فلا فطرةَ عليه، فإِن ملَّكنا الميِّت ففي وجوبها في تركته الخلافُ، وإِن ملَّكنا الوارثَ، ففي وجوبها عليه الوجهان، وأولى بالإِيجاب؛ لأنَّ الملك التقديريَّ قد صار إِلى الاستقرار.
الحال الثالثة: أن يموت الموصى له من غير ردٍّ، ولا قَبول، فله حالان:
أحدُهما: أن يوجدَ سببُ الفطرة قبل موته، فيبتني ذلك على أصلين:
أحدهما: تخيُّر الوارث بين الردِّ والقبول، فإِن قبل، فهل يملك بموت الموصي، أو بالقبول، أو يبنى على الوقف؟ فيه الأقوال، فإِن ملَّكناه بالقَبول تعقَّبه الملك، وثبت للموصى له في ألطف زمان، وانتقل إِرثًا إِلى القابل،
وتُقضى منه ديونُ الموصى له، وتُنَفَّذ وصاياه.
الأصل الثاني: إِذا ملك عبدًا لا ملكَ له سواه، فأوجُهٌ، أصحُّها - وعليه الأكثرون-: وجوبُ فطرته.
والثاني: يجبُ إِلا أن يكون مستغرقًا بالخِدْمة.
والثالث: لا يجب؛ لأنَّ الفاضلَ ينبغي أن يغايرَ المُخرَج عنه، ولا يتَّجه هذا الإِطلاق؛ لأنَّ قدرَ الفطرة من الرقبة إن نقص ماليَّتها، فيجب إِخراجُ الفطرة عمَّا زاد عليه؛ كالعبد المشترك، ولو لم يملك الطفلُ سوى عبدٍ مستغرق بخدمته، فالنصُّ أنَّ على الأب فطرةَ الطفل والعبد.
ولو أعفَّ أباه 1 بزوجة، ففي فطرتها وجهان، ومقتضى النصِّ الإِيجابُ؛ إِذ حاجة العِفَّة كحاجة الخدمة، فإِذا تقرَّر الأصلان، فإِن قبل الوارثُ، وجبت الفطرةُ إِن علَّقنا المِلكَ بالموت أو وقفناه؛ لجريان سببها في ملك الموصى له، وقال ابن الحدَّاد: لا يجب إلَّا إِذا مات مُوسِرًا فلم يجعل ملك العبد يسارًا؛ تفريعًا منه على أضعف الوجوه في المسألة السابقة، وإن علَّقنا الملك بالقَبول، فلا فطرةَ في تركته، ولا على وارثه، وفي وجوبها على وارث الموصي أو في تركته الخلافُ السابق.
الحال الثانية: أن يقع سببُ الفطرة بعد موت الموصى له أو مع موته، فإِن علَّقنا الملكَ بالموت، فلا فطرةَ في تركته على الأصحِّ؛ لوجود السبب بعد موته أو مع موته، وبقيَّة التفريع ظاهرةٌ، واستشهد ابن الحدَّاد
بما لو أوصى له ببعض ابنه، ومات الموصي والموصى له وقبِل الوارثُ، صحَّ القبولُ على أقيس الوجهين، وقيل: لا يصحُّ؛ لتأديته إِلى صرف العِتْق والولاء إِلى ميّت، بخلاف سائر الوصايا، فإِنَّا نقدّر الملكَ للموصى له، ثمَّ نورّثه عنه، فإِن قلنا بصحَّة القبول، وعلَّقنا الملك بالموت، فإن كان الموصى له حينئذٍ صحيحًا، عَتَقَ جميعُ المقبول، وإن كان مريضًا، خُرّج على أنَّ المريض لو قبل من يعتق عليه، فهل يُحسب من رأس المال أو الثلث؟ فيه خلاف، فإِن نفذنا عتق المقبول، وكان الموصى له صحيحًا، ولم يخلّف تركة، فلا يسري العتق، وكذلك إِن خلَّف تركةَ على الأصحّ؛ لأنَّ الميّت كالمعسر، ولذلك اتَّفقوا على أنَّه لو أوصى بإعتاق نصف عبد، فأُعتق لم يسْرِ، وإن خلَّف وفاءً بذلك.
837 -
فصل في اجتماع الفطرة والزكوات والديون والكفارات
إِذا مات وعليه دينٌ وكفارة وزكاة فاتت نُصُبُها، وفطرةٌ، فهل نقدّم حقَّ الخالق أو المخلوق، أو يقع التضاربُ بالحصص؟ فيه أقوال.
وإِن خلَّف النصابَ الذي وجبت تزكيتُه، فالأصحُّ تقديمُ الزكاة؛ لتعلُّقها بالعين على حال، وأبعد من قال: إِن علَّقناها بالذمَّة، ففيها الأقوال.
838 -
فصل في فطرة العبد المستغرق بالديون
المذهب أنَّ الدَّينَ المستغرق للتركة لا يمنع ملكَ الوارث، وأبعد مَنْ
قال: لا يملك إلَّا عند سقوط الدَّين، وعلى قول الملك موقوفٌ، فإِن قضي الدَّينُ من التركة تبيَّن أنَّه لم يملك، وإِن قضي من غيرها أو أُبرئ الميِّت منه، تبين حصوله بالموت، فإن خلَّف عبدًا مستغرقًا [بالدين] (1)، فوجد سبب الفطرة قبل قضاء الدين، فعلى المذهب يجب؛ اعتبارًا بما قطعوا به من إِيجابها عن العبد المرهون والجاني، وألحقه الإمامُ بالمغصوب؛ إِذ منعُ التصرف بالرهن كمنعه بالدين، وإن منعنا ملكَ الوارث، فلا فطرةَ عليه؛ لبقاء ملك المورث في التركة على الأصح.
ولو ورث مَنْ يعتق عليه وهو مستغرقٌ بالدين، لم يعتق اتفاقًا، ولو أعتق الوارثُ العبدَ المستغرق، أو أعتق السيدُ رقيقَ عبده المأذون بعد إحاطة الديون، فعلى الأقوال في عتق المرهون، والفارق: أنَّ المعتقَ مختارٌ بخلاف الوارث؛ ولذلك يسري عليه عتقُ ما اشتراه دون ما ورثه.
839 -
فصل في اليسار المشروط في الفطرة
وتجب الفطرةُ على كل مسلم تامِّ الملك إذا فضل قدرُها عن قوته وقوت مَن يلزمه قوتُه، وعما يليق بمنصبه ومروءته من اللباس، وألحقها الإمامُ بالكفارات المرتبة، واعتبر يسارَها بيسارها، فلم يحتسب المسكَن، و [كذلك لم يحتسب] 2 العبدَ المستغرق بالخدمة في فطرة السيد، وإن كان1
محسوبًا في فطرة نفسه على المذهب، وقطع بامتناع وجوبها بالدين؛ استدلالًا بتأخرها عن نفقة الأقارب بالاتفاق.
وإذا استقر وجوبُها، بيع فيها المسكنُ والخادم؛ كما يباعان في الديون اتفاقًا، ولو حُجِر عليه بالفلس، وازدحمت الديونُ والكفاراتُ، ففي تخريجها على أقوال التقديم بعد الموت تردُّد للإمام، ويتضح تقديمُ الدين؛ لتراخي الكفارات.
840 -
فصل فيمن وجد بعض الصاع
إذا فضل بعضُ صاع، لزم إخراجُه على الأصح؛ إذ لا بدلَ له؛ اعتبارًا بوجود ما يستر بعضَ العورة، وبما لو نقضت الطهارة لعذر في المحل على الأصح، وكل ما له بدل؛ كالكفارات، فالقدرةُ على بعضه كالعجز عن كله إلا الماءَ القاصر على قول.
ولو انتهى في الكفارة المرتبة إلى إطعام الستين، فوجد طعامَ واحد أو ثلاثين، لزمه ذلك عند الإمام؛ إذ لا بدلَ، وفيما نقص عن طعام الواحد احتمالٌ.
841 -
فصل فيمن يقدم فطرته عند الازدحام
إذا فضل صاعٌ واحد، فله حالان:
إحداهما: أن يكون له زوجة، فهل يلزمه إخراجُه عن نفسه، أو عن زوجه أو يتخيَّر؟ فيه ثلاثة أوجه، أصحُّها الأول.
الثانية: أن يكونَ له قريبٌ يلزمه نفقتُه، فلا يلزمه إخراجُه عن القريب، وهل يخرجه (1) عن نفسه، أو يتخير؟ فيه وجهان، فإن خيرناه، فأخرجه عن جماعة، لم يجز على الأصح؛ لأنه متمكِّن من إخراجه عن واحد، بخلاف ما لو وجد بعضَ الصاع، ولو فضل صاعان، فأخرج أحدَهما عن نفسه، وله زوجة وأقارب، فهل يقدمها، أو يقدم القريبَ؛ أو يتخير، أو يَفُضُّ (2) الصاعَ عليهم؟ فيه أربعةُ أوجه، أصحُّها الأول، وأبعدُها الآخر.
وإن اجتمع الأقاربُ دون الزوجة؛ كالأب والأم، أو الأب والابن، ففي التقدم أوجهٌ، ثالثها التخيير، ولو اجتمع الأبُ والابن والأم، فأربعةُ أوجه، واختيار الإمام أن يقدمَ بالفطرة مَن يقدم بالنفقة وفاقًا وخلافًا، فإن استووا، ففي وجوب التوزيع وجهان منقدحان.
842 -
فرع:
يجب تعيينُ المخرج عنه في النية إن قلنا بالتحمل، ولا يجب على القول الآخر، فلو عين مَن يجب تأخيره، لم يجزه ما أخرجه؛ كما لو أخرجه عن الزكاة عن مال، فبان تلفُه.
12
843 -
فصل في صفة من يلزمه فطرةُ نفسه
ويشترط فيه الإسلامُ، ويسارُ الفطرة، والمذهبُ اشتراط كمال الملك، فلا فطرةَ على المكاتب إلا على قول مُخرَّج، وأبعد مَن أوجبها على السيد، ولا يشترط التكليفُ، فيجب في مال الصبيِّ والمجنون.
844 -
فصل فيمن يلزمه فطرة غيره
يشترط فيها يسارُ الفطرة، وفي شرط إسلامه (1) عند إسلام المؤدَّى عنه قولان بناء على التحمُّل، وفي كمال ملكه الوجهان، فلا يلزم المكاتبَ فطرةُ زوجته إلا إذا أوجبنا عليه فطرةَ نفسه، وإن كان للذمي قريبٌ مسلم، أو عبد مسلم، أو أسلمت زوجته، وألزمناه نفقةَ العِدَّة، فإن قلنا بالتحمُّل، لزمته الفطرةُ، وإلا فلا.
وقال الإمام: يحتمل على قول التحمُّل قولين؛ إذ ينبغي أن يمتنعَ التحمُّل بما يمتنع به الالتزام.
845 -
فصل في صفة من تجب الفطرة بسببه
يشترط فيه الحكمُ بإسلامه، ولا يشترط الاستقلالُ لو قُدِّرَ له مال، ولا يجب على المسلم فطرةُ عبده الكافر اتفاقًا.1
846 -
فرع:
لو أبان زوجتَه الحامل، وجبت فطرتُها؛ لوجوب نفقتها، وأبعد مَنْ أسقطها إذا جعلنا النفقةَ للحمل.
847 -
فصل في إعسار المتحمل بالفطرة
وإذا أعسر المتحملُ، فلا فطرةَ عليه ولا على المتحمَّل عنه إن لم يكن مستقلًّا؛ كالرقيق والفقير، وإن كان للفطرة جهة أخرى؛ مثل إن أعسر زوجٌ لأمة أو لحرة موسرة 1، فالنصُّ وجوبُها على السيد دون الحُرة، ففرَّق بعضُهم بأن تسلطَ الزوج على الحرة أتمُّ من تسلطه على الأمة، فقوي بذلك تحمُّل المالك، والأكثرون على تخريج قولين، فإذا كان زوج الحرة حرًّا، ففي وجوبها عليها القولان، وإن كان مكاتبًا، وقلنا: لا يلزمه الفطرة، فقولان مرتبان على زوج الحرة، وأولى بالوجوب؛ لضعف الزوجية، وقوة الملك، وإن كان زوجُ الأمة عبدًا أو مكاتبًا، فقولان مرتبان على زوجها الحر، وأولى بالإيجاب.
848 - فرع: إذا تسلم الحرُّ زوجتَه الأمة، لزمه فطرتُها؛ لوجوب نفقتها، وإن لم يتسلمها إلا بعد الخدمة، ففطرتُها تابعة لنفقتها، وهي على السيد، أو الزوج، أو بينهما كالعبد المشترك؟ فيه ثلاثةُ أوجه.
ونفقة زوجة العبد من كسبه، ولا يخرج فطرتها اتفاقًا، فإن ملكه مالًا، وقلنا بملكه، فلا يخرج الفطرةَ منه إلا أن يأذن سيدُه، فلا تلزمه فطرةُ نفسه، وفي فطرة زوجه وجهان رتَّبهما الإمام على الخلاف في زوجة المكاتب، والوجه القطعُ بأن لا وجوبَ لعدم استقلال العبد، بخلاف المكاتب، فإن أوجبناها، فلا أثرَ لرجوع السيد بعد وجوبها، ولو أدى فطرةَ نفسه مما ملكه بإذن سيده، كان ذلك رجوعًا من السيد في قدر الفطرة.
849 -
فصل في فطرة العبد الغائب
إِذا قربت غَيبتُه، ولم ينقطع خبرُه، فقد اتَّفقوا على وجوب فطرته، وإِجزاء عتقه عن كفَّارة الظهار، وإن كان على مئة فرسخ، وألحق به الإِمامُ ما لو انقطع خبرُه بعائق تنقطع بمثله الأخبار، وإِن انقطعت بغير عائق، فلا يُحكم بموت مثله في قسمة الميراث، وفي وجوب فطرته وإجزائه عن الكفَّارة قولان.
قال الإِمام: إِن أوجبنا فطرةَ المغصوب، ففي هذا القولان، وإِن لم نوجبها، فهذا أولى.
850 -
فصل في وجوب الفطرة على من يجوز له أخذُها
تجب الزكاةُ والفطرة على مَنْ يجوز له أخذُهما إِذا اتَّصف باستحقاقهما؛ كالغارم وابن السبيل، ومن لا يُخرِجه ملكُ النصاب عن حدِّ المسكنة؛
فإِنَّهم يلتزمون الزكاةَ ويأخذونها عند وجود شروطها.