الغاية في اختصار النهايةصفحات 306-345

722 -

فرع:

لا يبرأ المالكُ بعزل الزكاة، ولا بدفعها إِلى وكيله، وإِن عجَّل الزكاةَ إِلى الوالي، أو صرفها إِليه بعد وجوبها، فقد برئ منها.
وإِن تلفت في يد الوالي بغير تفريط؛ فإِن أخرها الوالي عن المستحقِّين، ضمنها إِلا أن ينتظرَ اجتماعًا يُنتظر مثلُه، ولا يعدُّ تفريطًا، فلا ضمان عليه.

723 -

باب النية في إِخراج الصدقة

النيَّة واجبة في الزكاة، وللشافعيِّ رحمه الله نصٌّ أنَّه لو قال: هذه زكاة مالي، أجزأه، فحمله في "التقريب" على ما إِذا نوى، وقالت طائفة: يكفيه اللفظُ، واختاره القفَّال، ولا تفريعَ عليه.

724 -

فصل في كيفية النيّة

لو نوى الصدقةَ لم تجزه، وإن نوى الصدقةَ المفروضة، أو الزكاةَ المفروضة، أجزأه، وإن نوى الزكاةَ ولم يتعرَّض للفرض، فوجهان كما في نيَّة الظهر، وفيه نظر؛ إِذ الزكاةُ لا تنقسمُ إلى فرض ونفل، بخلاف الظهر، وليس عليه أن يعيّن المزكَّى من أمواله؛ فإن أطلق النيَّة عن بعضه، فله أن يُطْلقَها فيما بقي إِلى أن يبرأ، وإن نوى المالَ الغائب، فكان تالفًا عند الأداء، فنوى صرفَها إِلى الحاضر، لم ينصرف، ولو أطلق، انصرفت إِلى الباقي من أمواله، وإن نوى عن الغائب، إِن كان سالمًا، وإن كان تالفًا فعن الحاضر، أجزأه؛ كما لو نوى الغائب، وقال: فإن كان تالفًا فنافلة؛ فإِنَّه يجزئه اتّفاقًا، وفي انصرافها إِلى الحاضر احتمالٌ لأجل التردُّد، بخلاف النفل، فإنَّا نحتاط للفرض ما لا نحتاط للنفل، ولو نوى أحدَ المالين، فله

التعيينُ بعد ذلك؛ كالطلاق المبهم.

725 -

فصل في وقت النيَّة

الأولى أن يقرن النيَّةَ بالصرف إِلى المستحقِّ؛ فإن قدَّمها، فوجهان، وإِن قرنها بالدفع إِلى الوالي فيما يجب صرفُه إِليه، أو فوَّض إِلى وكيله النيَّة والأداءَ، كفى، وإن وكَّله بالأداء دون النيَّة؛ فإِن قرن الموكِّل نيَّته بالصرف إِلى الفقراء، فهو حسن، وإِن قَرَنها بالدفع إِلى الوكيل وتأخَّر تفريقُ الوكيل، فقد أجازه بعضُهم، وخرَّجه في "التقريب" على الوجهين في تقديم النيَّة.

726 -

فصل في أخذ الزكاة من الممتنِع

إِذا طلب الإِمامُ زكاةَ الأموال الظاهرة، فامتنع المالكُ أخَذَها قهرًا؛ فإِن لم ينوها أجزأته ظاهرًا، وفي الباطن وجهان، فإِن قلنا: لا تجزئه، فلا أثر لنيَّة السلطان، وإِن قلنا: تجزئه، ففي وجوب النيَّة على السلطان وجهان؛ وجهُ الوجوب أنَّه بالامتناع صار مَوْليًا عليه في النيَّة والإخراج، كما في وليِّ الطفل.

727 -

فرع:

لا خلاف أنَّ دفعَ زكاة الأموال الظاهرة إِلى الإِمام العادل أولى من تفرِقةِ المالك؛ خروجًا من الخلاف في الإِيجاب، وأمَّا المالُ الباطن: فلا خلاف أنَّ تفرقةَ المالك أَوْلى من التوكيل، وكذلك المالكُ أولى من الإِمام

على أحد الوجهين.

728 -

فصل في دفع القِيَم عن الزكوات

القِيَم والأبدال غيرُ مجزئة في الزكوات، وكلُّ ما أجزأ عن الكثير أجزأ عن القليل، وإِن وجبت أشقاصٌ بسبب الخلطة، ففي إجزاء قيمتها وجهان مخرَّجان من الوجهين في أخذ التفاوت بين الحِقاق وبنات اللَّبون إِذا أخذ الساعي غيرَ الأَغْبط.
ولو تعدَّدت الفريضةُ أُخذت قيمتُها عند الإِمام؛ اعتبارًا بما لو أتلف مثليًّا، فتعذَّر المِثْل، فإِنَّا نأخذُ القيمةَ، فإن قدرنا على المثل، ففي ردِّ القيمة والرجوع إِلى المثل وجهان يتَّجهان في وجدان الفريضة هاهنا، والأولى انقطاعُ الطَّلِبة هاهنا، ثم قال: الغرَض الأظهر من الزكاة سدُّ الخَلَّة مع التعبُّد بالنيَّة، وإِخراج المنصوص، ومقتضى هذا أن يأخذَ الإمامُ ما يجده من مال المزكِّي إِذا لم يجد الفريضةَ، كما يأخذ الزكاةَ من الممتنع، وإن لم ينو؛ فإِن كان المالكُ قادرًا على الفريضة، فامتنع، ففي إجزاء المأخوذ تردُّد كالتردُّد في امتناعه من النيَّة.

729 -

باب ما يسقط الزكاة عن الماشية

ولا زكاةَ إِلا في السائمة؛ فإِن علفها في أثناء الحول، ففيما يقطع الحولَ أربعةُ أوجه: أحدها: ينقطع بالعلف ولو في لحظة.
والثاني: يُعتبر الأغلب من العلف والإسامة؛ فإِن استويا، فالأظهر سقوط الزكاة، وكلا الوجهين بعيد.
والثالث: إِن علفها مدَّة لو أُهملت في مثلها لهلكت، انقطع، وإِلا فلا، وعلى هذا: لو أسامها نهارًا، أو علفها ليلًا، لم تسقط الزكاة.
قال الإِمام: لا يبعدُ على هذه الطريقة أن يُعتبرَ ظهور الضرر.
والرابع: إِن كان العلفُ ممَّا يُعدُّ مؤونة ظاهرة بالنظر إِلى فائدة السائمة، أثَّر، وإلَّا فلا، وإن عُلفت بما لا يُتَمَوَّل، فلا أثر له عند الإِمام، ولا صائر إِلى تلفيق الإسامة.

730 -

فصل في قصد العَلْف والإسامة

وفي اشتراط القصد في العلف والإسامة وجهان بنَوْا عليهما علفَ

الغاصب وإسامتَه، والظاهر أنَّ علفَ الغاصب لا يقطع الإسامةَ؛ إِذ لا مؤونةَ فيه على المالك؛ فإِن شرطنا القصدَ، فعلفها المالكُ قصدًا، أثَّر، وقيل: إِن قصد علفَها لعائقٍ لو زال لردَّها إِلى الإسامة، فلا أثَرَ لهذا القصد.
مثاله: لو غطَّى الثلجُ المرعى، فعلفها مرتقِبًا زوالَه؛ ليردَّها إِلى الرعي، فلا تنقطع الإسامةُ بذلك وإِن طال وكثر.

731 -

فرع:

إِذا وجبت الزكاةُ بإسامة الغاصب، ففي الرجوع بها عليه وجهان، [وإن أثبتنا الرجوعَ، فهل يرجع بها عليه قبل أدائها، فيه وجهان] 1.

732 - فرع: لو اختلت الخلطة في أثناء الحول، ثمَّ انتظمت، أو وقع الغصب والحيلولة، ثمَّ زالا، فحكم ذلك حكمُ العلف في أثناء الحول.

733 -

باب المبادلة بالماشية

إِذا باع النصابَ أو بعضَه بمثله من جنسه، انقطع حولُه؛ كبيع البقر بالبقر، والإِبل بالإِبل؛ فإِن رُدَّ عليه بعيب استأنف الحول من حين الردِّ، ولا ينقطع الحولُ بمبادلة فاسدة.
وإِن باع نقدًا بنقد؛ فإِن كانا للقُنية انقطع الحولُ، وإن كانا للتجارة كدأب الصيارفة، فلا ينقطع الحولُ إِن غلَّبنا زكاةَ التجارة، وإِن غلَّبنا زكاةَ العين، فوجهان من جهة أنَّ الزكاة إِنَّما وجبت في النقد؛ لكونه سببًا في التصرُّف المحصِّل للنماء، فلا ينقطع الحولُ بالتصرُّف الذي لأجله وجبت الزكاة.

734 -

فرع:

إِذا قصد بالمبادلة الفرارَ من الزكاة، صحَّ البيع، وفي إِثمه خلاف.

735 -

فصل في بيان متعلَّق الزكاة

إِذا وجبت الزكاةُ، ففي متعلَّقها طريقان: إحداهما: العينُ قولًا واحدًا.
والثانية: قولان:

أحدُهما: الذمَّة، والثاني (1): العينُ.
فإِن علَّقناها بالعين، فأيُّ تعلُّق؟ فيه أربعة أقوال: أحدها: تعلُّق مشاركة بقدر الزكاة.
والثاني: تعلُّق الدين بالرهن.
والثالث: تعلُّق الأَرش برقبة العبد الجاني.
والرابع: إِن أدَّى الزكاةَ من النصاب، فقد بان تعلُّق المشاركة، وإن أدَّاها من غيره، فلا شركة.
واتَّفقوا على حكمين: أحدُهما: جواز التأدية من مالٍ لم تجب فيه الزكاة، وإِن لم يوافق الساعي على ذلك.
الثاني: إِذا باع النصابَ قبل الأداء، صحَّ البيعُ على قول الذمَّة، وللساعي أخذُ الزكاة من يد المشتري إِذا لم يؤدِّها المالك.

736 -

فرع:

إِذا كان الواجبُ غيرَ مجانس للمال؛ كالشياه عن الإِبل، فقول الذمَّة أوْجَه.
قال الإِمام: تعلُّق الأَرش والرهن منقدحٌ أيضًا، وإِنما يضعف تعلُّق المشاركة، ومن قال به قدَّر الشركةَ بقيمة الشاة.
1

737 -

فصل في بيع النصاب بعد وجوب الزكاة

إِذا باع النصابَ قبل أداء الزكاة؛ مثل أنْ لزِمته شاةٌ من أربعين، فباع النصابَ قبل أدائها، فيصحُّ البيعُ على قول الذمَّة؛ فإِن اطَّلع المشتري على ذلك، ثبت له الخيارُ؛ لتعرُّض الشاة لأخذ الساعي، وقيل: لا خيارَ إِلا إِذا أخذها الساعي؛ فإِذا أخذها، انفسخ البيعُ فيها، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة؛ فإِن أدَّى الزكاةَ من مالٍ آخرَ، بطَل خيار المشتري، وقيل: لا يبطل؛ لاحتمال ظهور استحقاق المخْرَج، فيعود التعلُّق بالمشتري، بخلاف ما لو أدَّاها قبل البيع، فإِنَّه لا خيارَ، والفرق أنَّ الخيارَ إِذا ثبت لم يجز إِسقاطُه بالاحتمال، بخلاف ما قبل البيع؛ فإِنَّ الخيارَ غيرُ ثابت.
وإِن قلنا بالمشاركة، بطل البيعُ في قدر الزكاة، وأمَّا الزائدُ على قدر الزكاة؛ فإِن كان من المعشَّرات أو النقدَيْن، ففيه قولا تفريق الصفقة، وإِن كان من النَّعَم، فقد قطع بعضُهم بالإِبطال؛ للإبهام، والأشهرُ طرد القولين، وللتفريق مَراتِبُ لاحقُها أَوْلى بالإِبطال من سابقها: الأولى: أن يكون المستَحَقُّ جزءًا شائعًا، فقولان.
الثانية: أن يبيعَ عبدًا مملوكا وآخرَ مغصوبًا، فقولان مرتَّبان؛ لجهالة الثمن.
الثالثة: بيع الماشية في الزكاة، فقولان مرتَّبان؛ للجهالة، والإِبهام، وإِن

فرَّع

نا على الوقف، فلم يؤدِّ الزكاة حتَّى أخذها الساعي من المشتري، فقد بان بطلانُ بيعها، والباقي على الخلاف، وإِن أدَّاها من مالٍ آخرَ بعدَ البيع، ففي صحَّة البيع في قَدْر الزكاة قولا وقفِ العقود؛ فإِن منعناه، بطل

في قدر الزكاة، وفي الباقي القولان، وإِن أجزناه، صحَّ البيعُ في الجميع.

738 -

فرع:

إِذا قلنا بالمشاركة، فباع النصابَ إِلا قدرَ الزكاة، فهل يصحُّ أو يفسد في قَدْر الزكاة ممَّا باعه؟ فيه وجهان، وقال الإِمام: يبطل في جزءٍ من كلّ شاة على ما يقتضيه توزيعُ الشاة على الأربعين، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة.
وإن قلنا بتعلُّق الرهن، بطل في قَدْر الزكاة، وفي الباقي القولان.
وإن قلنا بتعلُّق الأَرْش، ففي بطلان البيع في قَدْر الزكاة قولان، كما في بيع العبد الجاني، إِلا أنَّ مالكَ الجاني لا يُطالَب بالأَرْش، والمالك مطالبٌ بالزكاة، وأبعدَ من أبطل البيعَ على تعلُّق الأَرْش والرهن قولًا واحدًا؛ ظنا أنَّ حقَّ الوثيقة يتعفَق بالجميع، بخلاف تعلُّق الشركة.

739 -

فصل في ردِّ النصاب بالعيب بعد وجوب زكاته

إِذا لزمت المشتري شاة، ثمَّ اطَّلع على عيب، فعلى قول الذمَّة إِنْ أدَّى الزكاة من النصاب، ففي ردِّ الباقي قولان، وإِن أدَّاها من غيره فله ردُّه، وعلى الوجه البعيد لا يردُّ قدرَ الزكاة، وفي الباقي قولان؛ لأن المخرجَ قد يظهر مُستحقًّا؛ فيتعرَّض قدر الزكاة لأخذ الساعي، وذلك عيبٌ حادث يمنع الردّ، وعلى أقوال التعلُّق إِن أدَّى الزكاةَ من النصاب، ففي ردّ الباقي قولان، وإِن أدَّاها من غيره، فله الردُّ إن قلنا بتعلُّق الرهن أو الأرش، وإِن قلنا بالمشاركة،

فوجهان؛ بناءً على أنَّ الزائلَ العائدَ كالذي لم يزل، أو كالذي لم يَعُدْ.

740 -

فصل فيمن لم يزكِّ النصابَ حتَّى مضت أحوال

إِذا لزمته شاة في أربعين، فلم يخرجها حتَّى مضت أحوالٌ؛ فإِن قلنا بالمشاركة، فلا زكاةَ فيما عدا الحولَ الأوَّل إِلا أن يكملَ النصابُ بالنتاج، وكذلك لا زكاة على الفقراء؛ بناءً على الخلطة، وإِن قلنا بتعلُّق الأرش أو الرهن أو الذمة، خُرِّج على امتناع الزكاة بالدين.

741 -

فصل في تزكية الصداق وما يرجع به الزوجُ عند الطلاق

ويجب تزكيةُ الصَّداق سواءٌ كان بيد الزوج أو الزوجة؛ فإِذا لزمتها شاة عن أربعين، فطلَّقها قبل الدخول، فلها أحوال: إحداها: أن تكونَ قد زكَّت الصداقَ من عينه، ففيما يرجع به ثلاثةُ أقوال: أحدها: نصفُ الباقي، ونصفُ قيمة المُخْرج.
والثاني: ترجع بنصف الأربعين ممَّا بقي، وقد تختلف قيمُ الشياه.
والثالث: تتخيَّر بين موجب القول الأوَّل، وبين قيمة نصف الأربعين.
الثانية: أن تقعَ التزكيةُ من غير الصداق، فله الرجوعُ بنصف الأربعين إلا على قول المشاركة، ففيه وجهان؛ بناءً على الزائل العائد؛ فإِن جعلناه كالذي لم يُزل، رجع بنصف الأربعين، وإِن جعلناه كالذي لم يَعُدْ، فوجهان:

أحدهما: يرجع بنصف القيمة؛ لإبهام الزائِل، والثاني: لا يرجع بشاة، وفيما عداها الأقوالُ الثلاثة.
الثالثة: أن يطلِّقها قبل التزكية؛ فإِن قلنا بالمشاركة، ففيما يرجع به الوجهان؛ إِذ لا أثرَ لعَوْد المِلك بعد الطلاق، وإن قلنا بتعلُّق الرهن، فأخذها الساعي من الصداق؛ لامتناعها، فحكمه حكمُ التزكية قبل الطلاق.
ولو أمكنها التزكيةُ من غير الصداق، ففي لزوم ذلك وجهان يجريان فيما لو رهنت الصداقَ قبل الطلاق، وقطع الإِمامُ بالإِلزام؛ اعتبارًا برهن المستعار للرهن.
قال: ويَحتمِل ألَّا يلزم ذلك على قول المشاركة، وإِن قلنا بتعلُّق الأرش، لم يلزمها التزكيةُ من غير الصداق، كما لا يلزم فداء العبد المُصْدَق والمرهون إِذا جنيا.

742 -

فصل في رهن النصاب بعد وجوب الزكاة

رهنُ النصاب بعد وجوب الزكاة كبيعه من غير فرق؛ لأنَّ ما جاز بيعُه جاز رهنُه، وما لا فلا، إِلا أنَّ تفريقَ الصفقة في الرهن أَولى من البيع؛ إِذ لا عوضَ.

743 -

فصل في تزكية الرهن

إِذا حال الحولُ على الرهن، ووجبت تزكيتُه بناءً على أنَّ الدينَ لا يمنع

الزكاةَ، فللراهن حالان: أحدُهما: ألَّا يملكَ سوى الرهن، فيلزمه التزكيةُ منه إِلا إِذا قلنا بتعلُّق الرهن، فقد منع أبو محمَّد من إِخراج الزكاة منه؛ إِذ المرهونُ لا يُرهن، وخالفه الإِمام؛ تعليلًا بقوة تعلُّق الزكاة، واستبعادًا لوجوب الزكاة مع منع الإِخراج؛ فإن أدَّى الزكاةَ من الرهن، ثمَّ أيسر بعد ذلك، لزمه جَبْرُ الرهن إِن علَّقنا الزكاةَ بالذمة، وإن علَّقناها بالعين، فوجهان.
الثانية: أن يمكنه التزكيةُ من غير الرهن، فيلزمه ذلك على الأقوال عند الصيدلانيِّ، وقال الإمام: إِن أوجبنا الجَبْرَ لزمه ذلك، وإِلَّا فلا.

744 -

باب زكاة الثمار

لا زكاةَ فيما دون خمسة أوسق من الزرع والثمار، والوسق: ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمدُّ: رِطْل وثلث، فذلك ثمان مئة مَنٍّ تقريبًا على ما قطع به الصيدلانيُّ، وذكر العراقيُّون وجهين؛ فإِن قلنا بالتقريب، فلا يؤثّر نقصانُ خمسة أرطال عندهم.
وقال الإِمام: لا أثرَ لما بين الحَبِّ الرزين والمتوسط من تفاوت الميزان، وبيان ذلك أنَّ ملءَ الصاع من الرزين يزيد وزنه على ملئه من الخفيف، والمتوسط، فلا أثرَ لنقصان ما بين الرزين والمتوسط، ويمكن أن يُعبَّر عن ذلك بأنَّ كلَّ نقص لو وُزِّع على الأوساق الخمسة لم يحطَّها عن الاعتدال، فلا أثَر له، وكذلك لو أشكل الأمرُ، فلا أثرَ له على الأظهر، والمُدُّ والصاع في الكفَّارة والفِدْية والفطرة تقديرٌ اتِّفاقا.
والمُوسَق هو الحبُّ والتمر والزبيب دون الرُّطَب والعنب إِلا ما يفسدُ بالتجفيف، ولا يوسق مع القشور من الحبّ إِلا ما يُطحن بقُشوره؛ كالذُّرَة ونحوها.

745 -

الخلطة في الثمار:

وإِذا خلف على ولديه نخيلًا مثمرة، فبدا صلاحُها في ملكهما، ولم

يبلغ نصيبُ كلِّ واحد نصابًا، خُرِّج على خلطة الإِشاعة؛ فإِن تميَّز النصيبان، خُرِّج على خلطة الجواز، وامتياز النصيبين؛ بأن يبتاعَ كلُّ واحد نصيبَ صاحبه من الشجر والثمر بدراهم، ثمَّ يتقاصَّا في الثمن، أو يبيع كل واحدٍ نصيبَه من ثمر أحد الجانبين بنصيب شريكه من نخل الجانب الآخر.

746 -

فصل فيما يكمل به النصابُ من الثمار وما لا يكمل

ثمار تِهامةَ أسبقُ من ثمار نجد، فيُضمُّ النجديُّ إِلى التهاميِّ إن أطلع قبل زُهوِّ التهامي، ولا يضم إن أطلع بعد جداده، وفيما بعد الزهوِّ وجهان، وقطع الصيدلانيُّ بالضمِّ، ونفاه غيره وزعم أنَّه المذهب، ووقت الجِداد كالجِداد على أحد الوجهين؛ فإِن ألحقناه بالجِداد، فقد تردَّد الإِمام بين أَوَّل وقت الجِداد وآخره، ومال إِلى اعتبار الآخر.

747 -

فرع:

لو كانت الشجرةُ تحمل حملين أحدُهما بعد جداد الآخر، فلا ضمَّ اتِّفاقا، فلو كانت التهاميةُ ذاتَ حملين، فأطلعت نجديَّة قبل جِداد الحمل الأوَّل، وضممناه إِليه، ثمَّ جُدت التهاميَّة، وبقيت النجديَّة حتَّى أطلعت التهاميَّة قبل جِدادها، فلا ضمَّ؛ لأنَّه يؤدي إِلى ضمِّ أحد الحملين إِلى الآخر بواسطة النجديَّة، ولو جُدَّ الحمل الأوَّل ثم أطلعت النجديَّة، ولحقها الحملُ الثاني قبل الجداد، وجب ضمُّه إِلى النجديَّة، لأنَّه لا يؤدِّي إِلى ضمِّ أحد الحملين إِلى الآخر.

748 -

فصل فيما يوجد من الأنواع

إِذا تيسَّر الأخذُ من جميع الأنواع؛ لانحصارها، لزم الأخذُ بالقسط، وإن عَسُر الإخراجُ من الأنواع؛ لكثرتها، أُخذ الوسط من ذلك اتّفاقًا، ولا يؤخذ الرديء؛ كالجُعْرور 1 ونحوه، ويترك الأجودُ على المالك، كالبَرْنيِّ والكبيس 2.

749 -

باب كيف تؤخذ صدقةُ النخل والكرم والخَرْص

إِذا بدا صلاحُ الثمرة، أو اشتدادُ الحبِّ، وجبت الزكاة وإِن لم يتكامل الصلاحُ والاشتداد.
ولا تجب التزكيةُ إِلا عند الجفاف والتنقية، وله قولٌ غريبٌ: أنَّها 1 لا تجب إِلا بالجفاف والتنقية، وعلى المذهب لو باع الثمارَ، أو ردَّها بعيب بعد بدوِّ الصلاح، فهو كبيع النصاب من الماشية بعد الوجوب إِلا أنَّ تصرُّفَه فيما جاوز العشرَ نافذ قولًا واحدًا؛ لأجل الحاجة، ولأنَّه لمَّا لزمه التنميةُ والتجفيفُ قُوبل ذلك بإِطلاق تصرُّفه في تسعة الأعشار.
ومراتب التصرُّف ثلاث: الأولى: التصرّف بعد الوجوب، وإِمكان الأداء إِذا منعناه في قدر الزكاة، ففي منعه في بعض النصاب خلافٌ.
الثانية: التصرُّف بعد الحَوْل، وقبل التمكُّن، فالخلاف مرتَّبٌ وأَوْلى بالنفوذ؛ دفعًا لضرر الحَجْر، ولأنَّه غيرُ مقصِّر.
الثالثة: التصرُّف في تسعة الأعشار، وهو جائز اتّفاقًا.

750 -

فرع:

مَنْ بدا الصلاحُ في مِلكه لزمته الزكاةُ وإِن كان ظهورُ الثمرة في ملك غيره، فلو أوصى بثمره، فأزهت قبل موته، زُكِّيت من تركته، وإِن أزهت بعد الموت والقَبُول، زكَّاها الموصى له، وإِن أزهت بين الموت والقَبُول، بني على أقوال الملك؛ فإِن قلنا: يملك بالموت، فالزكاة على الموصى له إِن قبل، وإن ردَّ، فوجهان.
وإن قلنا: المِلك للورثة، فالزكاة عليهم إِن ردَّ (1)، وإِن قبل، فوجهان.
وإِن قلنا: بالوقف، فالزكاة عليه إِن قبل، وعلى الورثة إِن ردَّ.
وإن قلنا: الملك للميِّت، فلا زكاةَ على أحد.

751 -

فصل في بيان حكم الخَرْص

الخَرْص: أن يحزرَ الخبيرُ ما تصير إِليه الثمارُ عند الجفاف، ثمَّ يخبر به، وهل هو عِبْرةٌ 2 للمقدار لا حكمَ له سوى ضبطِه ليطالبَ المالكُ بعشره، أو هو تضمين؟ فيه قولان؛ فإِن قلنا بالتضمين، فأتلف الثمارَ، لزمه العشر تمرًا كما ضمنه، والإِتلاف في وقت الخَرْص كالإِتلاف بعد الخَرْص على أحد الوجهين، وقال بعضُ الأصحاب: لا يلزمه التمرُ إِلا إِذا صرَّح الخارصُ بتضمينه.1

قال الإِمام: ولا يتوقف ذلك على قَبول المالك.
وإِذا قلنا: لا يضمن بمجرد الخَرْص لزمتهُ القيمةُ، وأبعد مَنْ أوجب الأكثرَ من التمر أو القيمة، [وإِن قلنا بالعبرة، فلا يجبُ إِلا القيمة] 1 وِإن صرَّح الخارص بالتضمين والمالك بالقبول، وإِن تلفت الثمار قبل الجِداد بغير تفريطه، سقطت الزكاةُ على القولين، وإِتلافُها قبل بدوِّ صلاحِها كإِتلاف النصاب قبل الحول.

752 -

فرع:

تصرُّفه في قَدْر الزكاة نافذٌ على قول التضمين إِن ألزمناه التمرَ، وحيث لا يلزمُه التمرُ أُلحق بتصرُّفه على قول العِبْرة، وهو مخرَّج على التعلُّق بالذمَّة أو العين.

753 - فرع: قطع الأصحابُ بأنَّ الخَرْصَ لا أثرَ له في الزرع، ولا حكم له.

754 - فرع: يُعَمُّ بالخَرْص جميعُ النخل، وله قول مرجوع عنه أنَّه يترك للمالك نخلةٌ أو نخلات يأكلُها مع عياله، ويختلف ذلك بكثرتهم وقِلَّتهم.

755 - فرع: إِذا خرص أحدُ الشريكين على الآخر، وضمَّنه حصتَه تمرًا، فلا أثرَ له

على قول العِبْرة، وعلى قول التضمين يملك التصرُّفَ في الجميع، ويلزمه ضمانُ التمر على ما ذكره في "التقريب"، وعلى هذا لابدَّ من رضا المخروص عليه، بخلاف الزكاة، واستبعد الإِمامُ ثبوتَ أحكام الخَرْص بين الشركاء.

756 -

فصل في الدعوى بالجوائح

إِذا ادَّعى المالكُ تلفَ الثمار بسببٍ، قُبل قولُه فيما يمكنُ من الأسباب دون ما لا يمكن، وإِن اتُّهم حُلِّف، وإِن ادعى سببًا لو وقع لشاع في الغالب، أو ادَّعاه ذو أمانة، فالقولُ قولُه مع يمينه عند أبي محمَّد، وقال العراقيُّون والصيدلانيُّ: يؤخذ بإِقامة البيّنة على السبب، ثم يحلف على هلاك الأمانة به.

757 -

فصل في دعوى الغلط في الخَرْص

إِذا صحَّ الخَرْصُ فادَّعى المالكُ تحيُّفَ الخارص، لم يُقبل، وإِن ادَّعى أنَّه غلِط بما يُغلط بمثله، أو بما لا يغلط بمثله، قُبل قولُه فيما يُغلط بمثله دون ما زاد عليه، ويُحلَّف على ذلك، وإِن اختلفا في نقص يتفاوتُ بمثله المكيال، فنسبه المالكُ إِلى غلط الخارصِ، ونسبه الخارص إلى تفاوت الكيل، فالقول قولُ الخارص على أحد الوجهين، وصحَّحه الإِمام.

758 -

فصل في تضرُّر الأشجار بعطش الثمار

إِذا عطشت الأشجارُ بحيث يضرُّها بقاءُ الثمار، فليُرفع ذلك إِلى الوالي،

فإِذا صحَّ عنده، أذِن في قطعها، ثم يُؤخَذ عشرها إِن قلنا: القسمةُ إِفراز، وإن قلنا: إِنها بيع، ففيه طرق: أحدها: البناء على بيع الرُّطَب الذي لا يتتمَّر بعضُه ببعض؛ فإِن أجزناه، أُخذ العشر بالقسمة، وإن منعناه، لم تجز القسمةُ على الأصحّ، فالوجه أن يُسلَّم الكلُّ إِلى الساعي؛ ليصيرَ بذلك قابضًا لحقّ الفقراء، ثمَّ يبيعه من المالك أو غيره، ولا يجوز للساعي بيعُها قبل قبضها وإِن قلنا بالمشاركة؛ إِذ يجوزُ للمالك الإِبدالُ، وسواء باعه من ربِّ المال أو شاركه في بيع الجميع من أجنبيٍّ؛ لأنَّ حقَّ الفقراء إِنَّما ينحصر ويتعيَّن بالقبض.
الطريقةُ الثانية: تجزئة القيمةِ؛ لتعذُّر القسمة؛ إِذ يجوزُ أخذُ البدل للحاجة.
الطريقةُ الثالثة: تجويزُ القسمة للحاجة، وأجاز أصحابُ هذه الطريقة قسمةَ الأوقاف للحاجة، وإِن امتنع بيعُها؛ فإن أجزنا القسمةَ أو أَخْذَ البدل، فقد قال المحقِّقون: يلزم الساعي أخذُ الأغبط من العُشر أو القيمة.
وقيل: يتخيَّر المالكُ، ولا يلزمه رعايةُ الغِبْطة، كما في الجُبْران، وإِن أجزنا للمالك تزكيةَ الأموال الظاهرة، فهو كالساعي في رعاية الغِبْطة.
قال الإِمام: وفيما ذكره الأصحابُ في هذه المسألة نظر؛ لأنَّ أداءَ الزكاة ليس بقسمة إِلا على قول المشاركة، ولاسيَّما على قول الذمَّة.
قلت: وجهُ ما ذكره الأصحابُ أنَّ المِلكَ يحصل للفقراء مع القسمة؛ إِذ المعلولُ مع علَّته.

759 -

صفةُ الخارص:

الحريةُ والعدالةُ شرطٌ في الخارص والقاسم، وفي الاكتفاء بالواحد أقوال يُفرَّق في الثالث بين أن يكون فيهم طفل، فيُشرط العدد، وبين ألَّا يكون، فيُكتفى بالواحد.

760 -

فصل فيما يجب زكاتُه من النبات [وما لا يجب]

1 لا تجب الزكاةُ إِلا في ثمر الكَرْم والنخل، ولا تجب إِلا في زرع يُدَّخر ويُقتات في حال الاختيار؛ كالحنطة، والشعير، والعدس، والحِمِّص، والأَرُزِّ، والباقلَّاء، والذُّرة، واللُّوبيا.
ولا زكاة في السِّمْسِم وبزر الكَتَّان، وأوجبها في القديم في الزيتون، واختلف قولُه في القديم في الوَرْس والزَّعفران والعسل والتُّرْمُس والعُصْفُر وحبِّ العُصْفُر، وسواءٌ كان النحل مِلكًا للمشتار أو مُباحًا.
فإِن أوجبنا تزكيةَ الزعفران والورس زكَّى قليلَه وكثيره، وقيل: يجب توسيقُه، ويجب توسيقُ الزيتون بلا خلاف، وهل تُخرج زكاتُه منه، أو من زيته، أو يتخير المالك في ذلك؟ فيه ثلاثة أوجه؛ فإِن أخرج الزيتَ، فقد رأى الإمامُ أنَّه يخرج عشر الكُسْب 2 إِلى المساكين؛ لوجوب الزكاة في

الزيتون، بخلاف القَصِيل 1 والتبْن في الحُبوب، ومؤونةُ عصر الزيت على المالك؛ كما يلزمه تنميةُ الثمار وتجفيفها.

761 -

باب صدقة الزرع

لا يكمل جنسٌ من الزرع بغير جنسه، وتكمل الحنطة بالعَلَس؛ لأنَّه نوع منها، وقيل: إِنَّه حنطة بالشام حبتان منه في كِمام (1)، والسُّلتُ: حبٌّ يوافق الحنطةَ بطبعه، والشعيرَ بصورته، وهل يُضمُّ إِلى الحنطة أو الشعير، أو هو أصل منفرد؟ فيه ثلاثةُ أوجه؛ فإِن جعلناه أصلًا، جاز بيعُه بالجنسين متفاضلًا، وإن ألحقناه بأحدهما، لم يجز بيعُه به متفاضلًا.

762 -

فصل في الوقت الذي تُؤخذ فيه الزكاة

لا يؤخذ العشرُ إِلا بعد جفاف الثمار وتنقية الحبوب؛ فإِنْ أخَذَ الثمارَ قبل الجفاف، لزم ردُّها؛ لعدم إجزائها إِلا أن تكونَ مما يفسدها الجفافُ، فيُؤخذ عشرها بالقسمة إِن جعلناها إفرازًا، وإن جعلناها بيعًا، خُرِّج على الخلاف في مسألة العطش.
1

763 -

باب الزرع في الأوقات

إِذا اتَّفق تاريخُ زرعين وتاريخُ حَصْدِهما، ضُمَّ أحدُهما إِلى الآخر وإِن تباعدت المزارع، وإِن تعاقبت الزروعُ واختلف التاريخُ، ففيه صور: الأولى: أن يُزرعَ أحدُهما بعد حصد الآخر، ففيه خمسةُ أقوال: أحدُها: لا ضمَّ؛ كَحَمْلَيْ 1 شجرة.
والثاني: الضمُّ إِن وقع البذران أو الحَصْدان في سنة عربية.
والثالث: الاعتبار بالبذرين.
والرابع: الاعتبار بالحَصْدين.
والخامس: إِن وقع البذران أو الحصدان، أو بَذْرُ أحدهما وحَصْدُ الآخر في السنة، وجب الضمُّ، وهو بعيدٌ؛ لأدائه إِلى ضمِّ الزروع في جميع السنين إِذا زرعت على المعتاد في ذلك.
الثانية: أن يُزرع أحدُهما بعد اشتداد الحبّ في الأوَّل، فالخلاف مرتَّب، وأولى بالضمِّ.

الثالثة: أن تتواصلَ الزراعةُ على العادة شهرًا أو شهرين، ويتَّفق إِدراكُ أحدهما، وبدوُّ الاشتداد في الآخر، فالضمّ متَّفق عليه؛ لأنَّه يُعدُّ زرعًا واحدًا.
الرابعة: أن تتواصلَ الزراعة، أو يتحدَ تاريخ زرعين، ثمَّ يدرك أحدهما والآخر بَقْل، فالأصحُّ الضمُّ، وأبعدَ من خرَّجه على الخلاف (1). الخامسة: أن تدرك إِحدى القطعتين، ويظهر حبُّ الأخرى من غير اشتداد، فهو كإطلاع ثمره مع إِدراك أخرى.

764 -

فصل في تلاحق الذرة

وفيه صور: الأولى: أن تُحصد، ثمَّ تخرج من أصولها أغصانٌ، فتدرك، ففيه أوجه: أحدها: لا ضمَّ؛ كحملي شجرة.
والثاني: الضمُّ؛ لاتحاد الزرع.
والثالث: التخريجُ على الخلاف في الزرع بعد الحَصْد.
الثانية: أن ينتثر من حبَّاتها ما ينبت ويُدرك بعد إدراك 2 الأوَّل، فوجهان: أحدُهما: الضمُّ.
والثاني: الإِلحاقُ بزراعة بعد إِدراك أخرى 3.1

الثالثة: أن تعلوَ بعض طاقاتها، ويبقى البعضُ صغارًا، فتدرك الصغار بعد حَصْد الكبار، فالأصحُّ الضمُّ.

765 -

باب قدر الصدقة

يجب العشرُ فيما سُقي بغير مَؤُونة؛ كالعُيون، والأنهار، والقنوات، والأمطار، ونصفُ العشر فيما سُقي بمؤونة؛ كنواضح الآبار، والناعور الدائر بالأنهار؛ فإِنْ سُقي بالجهتين، فهل يجب بالقِسْط أو يعتبر الأكثر؟ فيه قولان، وأبعدَ من قال: إِنْ بني على إِحدى الجهتين، فسقى بالأخرى نادرًا، فلا نظر إِلى النادر، وشبَّهَ ذلك بنُدور العلف في أثناء الحول إِلا أنَّ الخلاف في العلف في سقوط الزكاة، وهاهنا في تفاوت المقدار؛ فإِن اعتبرنا الأغلبَ، فاستويا، أو جهل أغلبهما، فهل يجب العشر؛ نظرًا للمساكين، أو يرجع إِلى قول التقسيط؟ فيه وجهان، وبماذا يعرف المقدار؟ فيه وجهان: أحدهما: بعدد السقيات المُجْدية.
والثاني: بما به النموُّ والبقاء، وعلى هذا: لو سقي ثلاثًا في شهرين، وواحدة في أربعة أشهر، فالواحدة أغلبُ، واعتبر بعضُهم النفعَ من غير تعرُّض للمدة، ويرجع في معرفة ذلك إِلى ذوي البصائر.

766 -

فرع:

الثمر الذي يفسده التجفيفُ تُؤخذ زكاته رُطَبًا، والأصحُّ توسيقُه رطبًا، وقيل: يوسق بتقدير جفافه على الفساد.

767 -

فرع:

إِذا أخذت الزكاة، بُدِءَ بالمالك، فكِيل له تسعة أو تسعةَ عشرَ، وللمساكين كيل واحد.

768 - فرع: تجب الزكاةُ على مالك الزرع والثمار وإن كان مستأجِرًا أو في أرض الخراج، وأبعد أبو زيد، فقال: لو رأى الإِمامُ صرفَ العشر إِلى خراج يضربه على أراضي المسلمين، نفذ اجتهادُه، ولا وجهَ لما ذكره.

769 -

باب صدقة الورِق

نصابُ الذهب عشرون مثقالًا، ونصابُ الورِق مئتا درهم، وزكاتُهما ربعُ عشرهما، وفيما زاد [وإن قلَّ] (1) بحسابه، ولا زكاة في مئتين من نقود ناقصة الوزن وإن راجت رواجَ الوازنة، ولا في المغشوشة إِلا أن تبلغَ نُقرتها نصابًا، وتجوز المعاملةُ بالمغشوشة عينًا ودينًا إِن عُلمت نقرتها، وإن جُهلت، فوجهان، ولا خلافَ في جواز بيع الغالية والمعجونات مع جهالة أخلاطها.

770 -

فرع:

إِذا تنوَّعت النُّقْرة الخالصة إِلى جيِّد ورديء، فإِخراج جيِّدِها أَولى، والأخذُ بالقِسْط مجزئ، وإِخراج الأردأ مجزئ مكروه عند الصيدلانيِّ، ممنوعٌ عند الإمام إِذا تفاوتت القيمةُ؛ اعتبارًا بالرديء من الماشية.
وجَوْدة النُّقْرة: بلينها تحت المطارق، ورداءتُها بتفتيتها وخشونتها.

771 - فرع: لو نقص النصابُ حبَّةً، فلا زكاةَ، وقال الصيدلانيُّ: لا حكمَ للتفاوت بين الميزانين، فإِذا خرج بأحدهما مئتا درهم، وجبت الزكاةُ، وهذا بعيدٌ؛1

لأنَّ الميزانَ الذي ظهر به النقصُ يجوز أن يكونَ هو المستقيمَ، فلا تجب الزكاة بالشكِّ، وإِن أراد بذلك ما يقوله الفقهاءُ من تفاوت الكيلين أو الوزنين، فلا يساعد على ذلك؛ فإِنَّ الوزنَ حاضرٌ، والوقوف على قدر النصاب بتكرير الوزن ممكنٌ، فلا يُتسامح به، والمعنى بتفاوت الكيل والوزن: أنَّ المقدارَ قد يُظنُّ نقصانُه في كرَّة من الكيل أو الوزن، ثم يتأنَّق في وزنه أو كيله، فيخرج وافيًا.

772 -

فصل في الجهل بقدر النقدين عند اجتماعهما بالسَّبْك إِذا خلط ستَّ مئة من أحد النقدَيْن بأربع مئة من الآخر، وجُهل الأكثر؛ فإِنْ ميَّزهما بسبكهما، أو بسَبْك بعضهما، وزكَّاهما، فذاك، وإِن تركهما، لزمه تزكيةُ ستِّ مئة من كلِّ واحد منهما، وقال العراقيُّون: يلزمه ذلك إِن دفع الزكاةَ إِلى الساعي، وإِن زكَّاهما بنفسه، فله البناء على ظنِّه، ولو زكَّى أربع مئة من كل واحد منهما، أو زكَّى أربع مئة من أحدهما، وستَّ مئة من الآخر من غير ظنٍّ، فلا يبرأُ بذلك.

773 -

فصل في انقسام النصاب إِلى حالٍّ ومؤجَّل

إِذا كان الدَّين مجحودًا ولا بيَّنة، أو كان على معسِر، وأوجبنا زكاتَه فلا يجب تعجيلُها قولًا واحدًا، والدَّين المؤجَّل على المليء الوفيِّ كالمال الغائب مع أمن الطريق يجبُ زكاتهما، وفي وجوب تعجيلها قولان، فلو ملك

مئة مؤجلة، وبيده مئة زكَّى الجميعَ إِن أوجبنا التعجيلَ عن المؤجَّل، وإِن لم نوجبه، أو كانت المئة مجحودةً، وأوجبنا زكاتها، لزمه تعجيلُ تزكية المئة التي بيده على المذهب، وأبعد من قال: لا يلزمه التعجيلُ.

774 -

باب زكاة الحُلِيِّ

يجب تزكية التِّبْر وإن لم يكن مضروبًا، وكذلك لو اتَّخذَ منه آلةً محرّمة؛ كالصُّور، والأواني، وآلات الملاهي، ولو اتخذ حِليةً مباحةً؛ ليستعملها في محرَّم وجبت الزكاةُ، وكذلك إن قصد أن يكنزَها على المذهب، وإن قصد بها استعمالًا مباحًا، فقولان، وإن لم يقصد شيئًا، فوجهان.

775 -

فصل في الحلية للرجال

استعمال التِّبْرَين حرامٌ على الرجال، ويستثنى من الذهب أَنفُ المَجْدوعِ، ومن الفضة الخاتم، وحلية آلاتِ الحرب؛ كالمِنْطَقة والسيف، وفي السرج واللجام وجهان؛ إِذ الفرسُ آلة في القتال، واتَّفقوا على المنع في دوى (1) الرجال، وكذلك قال المحقِّقون في سكاكين الامتهان، وفيه تردُّدٌ لبعضهم، وفي استعمال مُكْحُلة أو مِلْعقة صغيرةٍ للغالية دون الأكل تردُّد لصاحب "التقريب".

776 -

فرع:

لو طوِّق الخاتم بذهب تجمعه النار، فقد منعه أبو محمَّد، ولا يبعد1

إِلحاقه بالضبَّة الصغيرة من الذهب، ولو طرَّز ثوبه، أو موَّه حليةَ سيفه بذهب لا تجمعه النار، احتُمل إِلحاقه بالمُمَوَّه من الأواني، وإِن جمعته النار، حرم كثيرُه، وإن قلَّ احتمالُ إلحاقه بالضبَّة، كما في أسنان الخاتم.

777 -

فصل في حلية النساء

ولهنَّ التحلِّي بالتِّبْرين في زينة أنفسهن؛ كالسِّوار، والقُرْط، والخاتم، والمخانق (1)، ويحرم عليهنَّ التشبُّه بالرجال في تحلية آلات الحرب للاستعمال، وكذلك السرج، واللجام، وسكاكين [الامتهان] إِن أجزناها للرجال، وإن منعناها، ففي النساء احتمال.

778 -

فرع:

لو اتَّخذ أحدُ الجنسين حليةَ الآخرِ ليلبَسَها حرم ذلك، ووجبت الزكاة؛ لتحريم التشبُّه من الجانبين، ولو اتَّخذاها ليلبسها مَنْ يجوز له لبسُها، جاز، وفي تزكيتها القولان.

779 -

فصل في تحلية المساجد والكتب والمصاحف

منع أبو إسحاق المروزيُّ من تحلية الكعبة والمساجد، وأن تُعلَّقَ بها قناديلُ التِّبْرَين، ولا يجوز تحليةُ الكتب، وفي المصاحف طريقان:1

أحدُهما: يجوز للجنسين بالتبرين؛ حملًا على تعظيم القرآن.
والثانية: يجوز بالفِضة للجنسين، وبالذهب للنساء، وفي الرجال وجهان، وأبعدَ من أجاز تحليةَ المصحف دون الغلاف المتَّصل، وفي المنفصل تردُّد للإِمام.

780 -

فرع:

كلُّ حلية أبحناها لو أسرف فيها، ففي الجواز وجهان؛ كالخلخال من مئتين، وما أشبه ذلك، وكذلك حليةُ آلات الحرب، ولا يشترط فيها الصِّغَر ولا الحاجةُ.

781 -

فصل في انكسار الحُلِيِّ

لا أثرَ لكسرٍ لا يمنع الاستعمال، [وإن تعذر الاستعمال] 1 إِلا بإعادة الصنعة، جرى في الحَوْل، وإن تعذَّر مع قبول الإِصلاح، فإِن نوى ردَّه تِبرًا أو دراهمَ، جرى في الحول اتّفاقًا، وإِن نوى الإِصلاح، فوجهان، وإِن لم ينوِ شيئًا، فوجهان مرتَّبان، وأَولى بالجريان؛ فإِن اعتبرنا النيَّة، فلم يشعر بكسره إِلا بعد الحول ففي وجوب تزكيته احتمال؛ فإِن أوجبناها، فقصد الإِصلاحَ عند شعوره، ففي اعتبار قصده احتمال؛ لأنَّه لمَّا وجبت تزكيتُه التحق بالتِّبْر، فلا يثبت حكمُ الحُلِيِّ إِلا بإِعادة الصنعة.

782 -

باب ما لا زكاة فيه

1 ولا زكاةَ في العنبر، ولا في شيء من الجواهر [سوى التبرين] 2.

783 -

باب زكاة العُروض

الزكاة واجبة في عُروض التجارة، وفي القديم تردُّد لم يذكره غير الصيدلانيِّ، ويُشترط فيها الحول والنصاب، وهل يُعتبر النصاب في طرفي الحول، أو في جميعه، أو في آخره؛ فيه ثلاثةُ أقوال، أصحُّها: اعتبارُ الآخر.

784 -

فصل في شراء العَرْض بالنقد

إِذا كان الثمن نصابًا بني عليه حولُ العَرْض، كما يُبنى حولُ النقد على حول العَرْض بالاتِّفاق فيهما، وإن نَقَص الثمنُ عن النصاب، انعقد الحولُ إِن بلغ العرضُ عند الشراء نصابًا، وإِن نقص، فعلى الأقوال في وقت اعتبار النصاب.
وقال الربيع: لا ينعقد الحولُ وإن بلغ نصابًا، ومضت عليه أعوام إِلا أن يبيعَه بنصابٍ من النقد، فينعقد حولُه حيئنذٍ، ولا أصلَ لما ذكره، ويلزم عليه ألَّا ينعقدَ الحولُ فيما يُشترى بالعَرْض ما لم يبعْه بالنقد، واتَّفقوا على أنَّ الاستبدالَ بالعَرْض لا يقطعُ الحولَ.

785 -

فصل في الشراء بغير النقد

إِذا كان الثمن عَرْضَ قِنْية؛ فإِن بلغت قيمةُ المشترى عند الشراء نصابًا انعقد حولُه، وإِن نقصت، فعلى الأقوال (1).

786 -

فرع:

إِذا اعتبرنا آخرَ الحول، فنقصت السلعةُ عن النصاب في الحول، فهي جارية في الحول ما لم يبعْها، فإِن باعها بعَرْض أو نقد لا يُقَوَّم به، لم ينقطع حولها على المذهب، وإِن باعها بنقد التقويم، فوجهان.
وإِن كان الثمنُ نصابًا من السائمة، انقطع حولُها على المذهب، وقال الإصطخري: يُبنى حولُ العَرْض على حول السائمة، وهو ظاهر نقل المزنيِّ، لكن غلَّطَه بعضُهم وتأوَّله البعضُ بما لو ملك السائمةَ واشترى بها العَرْض في يوم واحد.

787 -

فصل فيما يُقوَّم به العَرْض

يُقوَّم العَرْضُ بثمنه إِن كان نصابًا من النقد، وإِن نقص، فهل يُقوَّم به أو بالغالب؟ فيه وجهان، وعن القديم قولٌ: إنَّه يُقوَّم بالغالب، وإن كان الثمن نصابًا، مع أنَّه مبنيٌّ على حول ثمنه، وهو بعيدٌ لا وجهَ له، وإِن كان الثمنُ عَرْضًا، قوِّم بالغالب في البلد على المذهب.
وأبعد مَنْ قوَّمه بالدراهم، وأسقط الزكاةَ إِذا بلغ نصابًا بالدنانير1

دون الدراهم.
وعلى المذهب: لو تساوت النقودُ، قوِّم بما يبلِّغه النصابَ دون ما يَنقصه، وإِن استوت في تبليغ النصاب، فقد قيل: يتخيَّر المالك، والجمهور على أنه يُقوَّم بالأنفع للفقراء، فإن تساوى نفعهما، فهل يتخيَّر المالكُ، أو يعتبر بالدراهم، أو بالغالب في أقرب البلاد؛ فيه ثلاثة أوجه.

788 -

فصل فيما يُقَوَّم به العَرْضُ إذا اشتري بالنقدين

إِذا كان الثمنُ نصابين من النقدين، قُوِّم بهما على ما يقتضيه التوزيعُ حالَ العقد؛ فإِن كانت قيمةُ المئتين عند العقد عشرةَ دنانير، وقيمة العشرين أربع مئة درهم، قُوِّم ثلثُ السلعة بالدراهم، وثلثاها بالدنانير، فإِن بلغ بكلِّ واحد نصابًا، زكَّاهما، وإن بلغ بأحدهما دون الآخر، زُكِّي النصابُ خاصةً، وإِن نقص كلُّ واحد عن النصاب، فلا زكاة، كما لو ملك نصابين من نقدين، ونقَص كلُّ واحد منهما حبّةً إِلا إِذا قلنا بالتقويم بالغالب على قول قديم، فيزكّيه إِن بلغت قيمةُ الكلّ نصابًا، وإلَّا فلا زكاة.

789 -

فصل في نقص النصاب عند الحول

إِذا نقَصت القيمةُ عن النصاب عند الحول، فهل يبطل الحولُ، ويُستأنف حولٌ آخر، أو ينتظر بلوغ النصاب؟ فيه وجهان، فإِن لم نبطله، فابتداء الحول الثاني من حين تمَّ النصاب اتِّفاقًا.

790 -

فرع:

لو اشترى عَرْضًا بمئتي درهم، وباعه في الحول بعشرين دينارًا، فقوِّمت عند الحول بالدراهم، وجبت زكاةُ الدراهم إِن بلغت نصابًا، وإن نقصت، وقلنا: لا يبطل الحول، فلا يزكِّي الدنانيرَ وإِن بقيت سنين إِلى أن تبلغ بالدراهم نصابًا، فيزكِّي الدراهم، وإِن أبطلنا الحولَ، ففي الرجوع إِلى زكاة الدنانير وجهان، فإِن لم نرجع، فلا زكاةَ ما لم يكمل النصاب، وإِن رجعنا، فابتداءُ حول الدنانير من حين حولها، أو من حين قُوِّمت فنقصت؟ فيه وجهان 1.

791 - فرع: إِذا بلغت القيمةُ عند الحول مئتين، ثمَّ ارتفعت مئةً أخرى، فإن كان بعد تزكية المئتين، حُسبت الزيادةُ من الحول الثاني اتِّفاقًا، وفيما قبل التزكية وجهان يلتفتان على الوجهين في بطلان الحول.

792 - فرع: إِذا بلغت قيمةُ العَرْض مئتين، [واستفاد مئةً أخرى بإرث أو غيره، وجب ضمُّها إلى المئتين] 2، وإِفرادُها بحولها، ولو بلغ العَرْضُ عند الحول ثلاث مئة، فباعه بغبن مئة، لزمه تزكيةُ ثلاث مئة، ولو بلغت قيمتُه مئتين، فوجد زبونًا اشتراه بثلاث مئة، فهل تلحق الزيادة بارتفاع القيمة بالسوق، أو بالمستفاد بالإِرث؟ فيه وجهان.

جارٍ التحميل