الغاية في اختصار النهايةصفحات 380-4

3304 -

باب بيان العاقلة الذين يغرمون

ديةُ الخطأ وشبهِ العمدِ على العاقلة إجماعًا، والعاقلةُ: عصبةُ النسبِ والولاءِ وبيتِ المال، ولا أثر للتحالُفِ في عقلٍ ولا إرثٍ، فإن كان الجاني غريبًا لا يُعرف له عاقلةٌ، بحث الحاكمُ عنها، فإن لم يجدها ضرب العَقْلَ على بيت المال، ولا يُضرب على جنسه ولا على أهل بلده، كان انتسَبَ إلى طائفةٍ فصدَّقوه: فإن ثبت النسبُ لزمهم العقلُ، وإن لم يثبت فوجهان.

3305 -

فصل في معرفة العاقلة

العاقلة: كلُّ ذَكَرٍ حرٍّ بالغٍ عاقلٍ عصبةٍ للقاتل بنسبٍ أو ولاء، وفي العتيق قولان، ولا يَعْقِلُ مسلمٌ عن كافرٍ ولا كافرٌ عن مسلمٍ، ويَعْقِلُ الذِّمِّيُّ عن الذِّميِّ إن اتَّحدت ملَّتُهما، وإن اختلفت فقولان.
ولا يَعْقِلُ صبيٌّ، ولا مجنونٌ، ولا امرأةٌ، ولا فقيرٌ كسوبٌ، وفي الزَّمِن الموسِرِ المأيوسِ من برئه وجهان.
ويجب على الغنيِّ نصفُ دينارٍ، وعلى المتوسِّطِ ربعُ دينارٍ، وذلك حصةُ سنةٍ، أو حصةٌ للسنين الثلاث؟ فيه وجهان.

3306 -

فصل في كيفية الضرب على العاقلة

ديةُ الخطأ وعَمْدِ الخطأ مؤجَّلةٌ بثلاث سنين، في كلِّ سنةٍ ثلثُها، إذا كان القتيلُ حرًّا مسلمًا، سواء وجبت على الجاني، أو على العاقلة، أو بيت المال، ولا تُضْرَبُ على أصول الجاني وفروعِهِ اتِّفاقًا، وكذلك لا تُضْرَبُ عليه مهما أَمْكَنَ الضربُ على العاقلة، فإذا تمَّ الحولُ نُظِرَ إلى درجاتِ العصباتِ وترتَّبوا تَرَتُّبَهم في الإرث، إلا في الأصول والفروع، فإذا كان في بعض الدرجاتِ مَن يُدْلي بالأبوين ومَن يُدْلي بالأب، ففي تقديم المُدْلي بالأبوين قولان، فنبدأ بالدرجة الأول فنضربُ على غنيِّهم نصفَ دينارٍ وعلى متوسّطهم ربعًا، فإن بقي شيءٌ من النَّجْم ضُرِبَ على الدرجة الثانية كذلك، فإن بقي شيءُ ضُرِبَ على الثالثة، ثم على الرابعة، فإن بقي شيءٌ فعلى المُعْتَقِ، فإن لم يكن فَعَلَى عَصَباته، فإن لم يكُنْ له فعَلَى مُعْتَقِهِ، فإن لم يكن فَعَلَى عَصَباته، على ما تقدم في الإرث، فإن لم يكن فَعَلَى بيتِ المال.
ومهما قام أهلُ درجةٍ بالنجم لم نَعْدِلْ إلى مَن دونهم، وإذا انتهى الأمرُ إلى عصباتِ المُعْتَقِ فلا عَقْلَ على أصوله وفروعه عند المعظَم، وفيه وجهٌ.
وابتداءُ الأجلِ من حينِ القتلِ، ولا يقف شيء من الآجال على ضرب الحاكم إلَّا أجلُ العنَّة، وإن قطع يدَ إنسانٍ أو يديه، فابتداءُ الأَجَلِ من حين القطع اتِّفاقًا، فإنْ حالَ الحولُ قبل الاندمالِ، ففي مطالبةِ العاقلةِ خلافٌ كالخلافِ في مطالبةِ العامِدِ قبل الاندمال، ولو قطع أصبعًا فتآكَلَ بذلك الكفُّ، فالأجلُ من حينِ القطعِ، وأَبْعَدَ مَن جَعَلَه من حينَ سَقَطَ الكفُّ.

3307 -

فرع:

الغنيُّ: مَن يملكُ عشرين دينارًا أو ما يساوي قيمتَها، بعد ما يحتاج إليه من المسكن والخادم وغيرِهما ممَّا يُعتبر في الكفَّارات، والمتوسِّطُ: مَن يملكُ دون العشرين فاضلًا عمَّا يُعتبر في الكفَّارة، بشرطِ أنْ لا يردَّه ربعُ دينارٍ إلى رتبة الحاجة، ومتى بقي شيءٌ من النَّجم فأوجبناه على الجاني أو بيتِ المال، أُخِذَ منه تمامُ النَّجم وإن زاد على النصفِ والربعِ.

3308 - فرع: الاعتبارُ في صفة المتحمِّل بآخِرِ الحولِ دون ما قبله وما بعده، فإن ماتَ قبلَ الحول، أو كان مُوْسِرًا فأَعْسَرَ عند الحولِ، فلا شيءَ عليه لذلك الحولِ وإنْ أَيسرَ بعد ذلك، وإن كان موسرًا عند الحولِ فأَعْسَرَ بعد ذلك، لم يسقُطْ ما لَزِمَه، بل يؤخذ منه إذا أيسرَ، وإنْ مات أُخِذَ من تركته، ولا يؤخذ من بيتِ المالِ، ولا تقوَّمُ إبلُ الدية إلا في آخر الحول، فإذا قوِّمتْ ضُربتِ القيمةُ على العاقلة.

3309 - فرع: لا يضربُ العقلُ على عَصَباتِ المُعْتِقِ إلَّا بعد موته، فيُضْرَبُ على كلِّ واحدٍ منهم ما كان يُضْرَبُ على المعتِقِ إذا اتَّفقا في التوسُّط أو اليسار، فإنْ أعتقه اثنان لزمهما ما يَلْزَمُ المُعْتِقَ الواحدَ، فيلزمُهما نصفٌ أو ربعٌ، فإن اختلفا في التوسُّطِ واليسار، وجب على الموسِرِ ربعُ دينارٍ، وعلى المتوسّط ثُمنٌ، فإن مات المُعْتِقان أو أحدُهما، وجب على كلِّ واحدٍ من عصباتهما مثلُ ما كان يلزمُ المعتِقَ، فإنْ أعتقه ستةُ أنفسٍ فَعَلَى كلِّ واحدٍ من عصبةِ كلِّ

واحدٍ منهم نصفُ سدسُ دينارٍ، وإن اختلفتِ الدرجةُ في عصبات المعتِقِ: فهل تختصُّ الدرجةُ القُرْبَى بالتحمُّل، أو توزَّعُ على القريبِ والبعيدِ؟ فيه تردُّدٌ، والأصحُّ الضربُ على الجميع.

3310 -

فرع:

إذا كان ابن الجاني مُعْتَقًا أو ابن عمه، لزم العقلُ على أقيس الوجهين.

3311 -

فصل في ضرب العقل على الجاني

إذا ضُرِبَ على العاقلة ما يخصُّها، فبقي من النَّجم شيءٌ ضُرِبَ على بيت المال من سهم المَصَالح، فإن لم يكن في بيت المال شيءٌ، ففي الضربِ على الجاني قولان مبنيَّان على القولين في أنَّ الوجوبَ: هل يُلاقيه أم لا؟ فإن قلنا: لا يُضْربُ عليه، وبذلك قطع القاضي، فَأَيْسَرَ بيتُ المال بعد ذلك، فوجهان: أحدهما: لا يُضْرَبُ على بيت المال؛ اعتبارًا بيسارِ العاقلة بعد الإعسارِ.
والثاني: يُضْرَبُ عليه، فإنه مُرْصدٌ للمصالح من غيرِ تقيُّدٍ بزمانِ، بخلافِ العاقلةِ فإنَّ الضربَ عليهم مقيَّدٌ بالحول، فإذا أَعْسَرَتْ بعد الحولِ فلا عبرةَ باليسار بعده.
ولا وجه لِمَا قطع به القاضي؛ لأنه مخالفٌ لجميع الأصحاب.
ويمكنُ تخريجُ الخلافِ في تغريم القاتل على الخلافِ في يسار بيت المال، فإنْ قلنا: يؤخَذُ منه إذا أيسر، فلا غرمَ على الجاني، وإن قلنا: لا يُؤْخَذُ منه شيءٌ، وجب تغريمُ الجاني كيلا تُهدر الدماءُ.

ولو أقرَّ بجنايةِ الخطأ، فإن صدَّقَتْه العاقلةُ لزمها الديةُ، وإن أَكْذَبته فلا تُضْرَبُ عليها ولا على بيتِ المال، بل تُضْرَبُ عليه إجماعًا من الأصحاب، وقال الإمام: ينبغي أن يخرَّجَ على الخلاف في ملاقاة الوجوب، فان قلنا: لا يلاقيه، لم يضرب عليه؛ لأنه أقرَّ على غيره، فإن غرم الديةَ ثم صدَّقته العاقلةُ، لزمها الغرمُ، وهل يَرجِعُ بما غَرِمَ على العاقلة، أو على وليِّ الدم؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يرجعُ على الوليِّ، رجع الوليُّ على العاقلة.

3312 -

فصل في أجل الديات الناقصة

إذا كان القتيلُ حرًّا مسلمًا فديةُ نفسه مؤجَّلةٌ بثلاثِ سنينَ بإجماع المسلمين، وهل ذلك التأجيلُ لمقدارها، أو لكونها ديةَ نفسٍ؟ فيه وجهان.
وغرة الجنين على العاقلة اتِّفاقًا، وهل تتأجَّلُ بثلاثِ سنينَ؛ فيه وجهان يجريان في الديات الناقصة؛ كديةِ المجوسيِّ والمرأةِ المسلمة، فإن قلنا: لا تتأجَّلُ بالثلاث، فأجلُ ديةِ المجوسيِّ سنةٌ، وأجلُ ديةِ المرأة المسلمة في سنتين: في الأول ثلثُ ديةٍ كاملةٍ، والباقي في السنة الثانية.

3313 -

فرع:

إذا اشترك جماعةٌ في القتل ضُربت حصةُ كلِّ واحدٍ في ثلاث سنين على المذهب، وقيل: إن كانت حصةُ كلِّ واحدٍ ثُلُثَ الديةِ فما دون، ضُربت في سنةٍ واحدةٍ، فإن قتل واحدٌ ثلاثةً، فإن نظرنا إلى القَدْرِ تأجَّلَتْ بتسعِ سنين، وإن نظرنا إلى النفس فالأصحُّ التأجيلُ بثلاثِ سنينَ، وأَبعدَ مَن أجَّلها بالتسع.

وقال الإمام: إن اعتبرنا النفسَ تأجَّلَتْ بثلاثٍ، وإن اعتبرنا القَدْرَ فوجهان؛ لامتيازِ كلِّ نفسٍ عن الأخرى، بخلافِ قطع اليدين والرجلين من شخصٍ واحدٍ فإن اختلف تاريخ قتل الثلاثة وجب في كل قتل ما يخصه عند تمام حوله ثم يفعل كذلك إلى تمام التسع أو الثلاث.
وإنْ قَتَلَ امرأتين: فإن اعتبرنا القَدْرَ فالدِّيتان في ثلاثٍ، وإن اعتبرنا النفسَ: فثلاثٌ أو ستٌّ؟ فيه وجهان، وعلى رأي الإمام: إن اعتبرنا النفسَ فثلاثٌ، وإن اعتبرنا القَدْرَ: فثلاثٌ أو سنتان؟ فيه وجهان.

3314 -

فصل في عقل الرقيق

إذا كان القتيلُ عبدًا، ففي قيمته قولان: أحدهما: تجبُ حالَّةً على القاتل.
والثاني وهو أقيسُ: تجب مؤجَّلةً على العواقل، فإن بلغت ديةً كاملةً تأجَّلتْ بثلاثٍ، وإن زادت على الدية بقَدْرٍ يسيرٍ تأجَّلَ ذلك القَدْرُ بالسنة الرابعة اتِّفاقًا، فإن الأرشَ اليسيرَ لا ينقصُ أجلُه عن سنةٍ اتِّفاقًا، وإن بلغت ديتين، فالأجلُ ستٌّ إن نظرنا إلى القَدْرِ، وإن نظرنا إلى النفس فثلاثٌ.

3315 -

فصل في عقل الأرش

المذهبُ: أن أروش الأطراف على العاقلة، وفيها قولان آخران بعيدان: أحدهما: لا يلزمُ العاقلةَ بحالٍ.

والثاني: لا يلزمُها إلا قَدْرُ ثلثِ الدية الكاملة فما زاد.
وعلى كلا القولين تجبُ على الجاني، وما أظنُّ أحدًا يجعلُها حالَّةَ كقِيَمِ المتلَفات.
فإنْ قَطَعَ يَدَيْ مسلمٍ فالأجَلُ ثلاثٌ اتِّفاقًا، لأنَّها تشبهُ ديةَ النفسِ جنسًا وقَدْرًا ووصفًا، وأَبعدَ مَن قال: إنْ نظرنا إلى النفس ضُربت في سنةٍ.
ولو قطع إحدى اليدين، فإن اعتبرنا القَدْرَ، وجبت في السنة الأول ثُلُثُ الدية، وفي الثانية سُدُسها، وعلى الوجه الآخَرِ: تجب في ثلاثِ سنينَ، وإذا قلنا بالأصحِّ، فديةُ يدي المرأة في ثلاثٍ اعتبارًا بدية نفسِها، وديةُ إحدى يديها في سنةٍ اتِّفَاقًا، فإن الأرش إذا نقصَ عن دية المجنيِّ عليه نُظر إلى القَدْرِ اتِّفَاقًا.
وإنْ قطع يَدَيْ حرٍّ مسلمٍ ورجليه، فإن نظرنا إلى القَدْرِ فالأَجَلُ ستُّ سنينَ، وإن نظرنا إلى النفس: فستٌّ أو ثلاثٌ؟ فيه وجهان، وأبعدَ مَن قال: تتأجَّلُ الأروشُ سنةً واحدةً وإن بلغت دياتٍ، فيَحْصُلُ ثلاثةُ أوجهٍ.

3316 -

فرع:

إذا جنى الرجلُ على نفسه أو طرفه خطأً، لم تَحْمِلْه العاقلةُ، وفي الطرف قوله بعيدٌ: أنَّها تحمِلُ أرشَه ويجبُ طَرْدُه في دية النفس، ولا سيما إن جُعلت للورثة ابتداءً.

3317 -

باب عقل الموالي

إذا جَنَى مَن أبوه عبدٌ وأمُّه عتيقةٌ، فعَتَقَ أبوه بعد الجناية، فأنجرَّ الولاءُ إلى موالي الأب، فللجناية أحوالٌ: فإن كانت الجنايةُ قتلًا فالديةُ على موالي الأمِّ، ولا تنتقل إلى موالي الأبِ نظرًا إلى حالِ القتل، وهذا يدلُّ على وجوب الدية بالقتل، ويلزمُ منه صحةُ الإبراء عنها قبل حُلول النجوم.
وإن كانت الجنايةُ جُرحًا، فسرى بعد عِتْقِ الأبِ، فأرشُ الجرح على موالي الأمِّ، وبقيةُ الديةِ على الجاني دونَ موالي الأبِ وبيتِ المال، كما لو أَوْضَحَ ذِمِّيٌّ إنسانًا ثم أسلم، فسرتْ، فأرشُ المُوْضِحة على عاقلة الذِّمة، والباقي عليه دونَ عاقلةِ المسلمين وبيتِ المال، وإن كان الجرحُ موجبًا للحكومة، فقد أوجبها الأصحابُ على موالي الأمِّ، وهذا مشكل، فإنَّ الجرحَ لم يندمِلْ، لكنْ ينبغي أن يُجْعَلَ وقتُ انجرارِ الولاء كالاندمال، فيقوَّم حينئذٍ من غيرِ تقديرِ اندمالٍ، وإن سرى الجرحُ بعضَ السِّراية ولم يسقُطْ من الطرف شيءٌ، فإن كان الأرشُ مقدَّرًا لم يُضْرَبْ على موالي الأمِّ سواه، وإن لم يتقدَّرْ ضُرِبَ مع السِّراية على موالي الأمِّ، فإنَّ السِّراية تَتْبعُ المقدَّرات دون الحكومات.
وإن كانت الجنايةُ بقطع اليدين، أو اليدينِ مع الرِّجْلَيْنِ، فَسَرت بعد

عتق الأب، فجميعُ الدية على موالي الأمِّ.
وإن كانت الجنايةُ بأنْ قَطَعَ يديه، ثم قتله بعد عِتْقِ الأب وقبل الاندمال، فعلى النصِّ: تجبُ ديةٌ واحدةٌ على موالي الأمِّ، وعلى قول ابن سريجِ: تجب ديةٌ على موالي الأب، وديةٌ أخرى على موالي الأمِّ.
وإن قطع إحدى يديه، ثم قطع الأخرى بعد عِتْقِ الأب، أو قطعها مع الرِّجلين بعد عتقِ الأبِ، فتجبُ نصفُ الدية على موالي الأب، ونصفُها الآخَرُ على موالي الأمِّ.
وإن أوضحه ثم قطع يدَه بعد عتق الأب، فمات بالسراية، فأرشُ اليد على موالي الأب، وأرشُ الإيضاح على موالي الأُمِّ، والباقي على الجاني.

3318 -

فرع:

إذا جنى الذمِّيُّ ثم أسلم فحُكْمُه كحُكْم المتولِّد بين الرقيق والعتيقة في جميع ما ذكرناه، ويُجعل إسلامُه كعتق الأب، وما لا يُضْرَبُ على عاقلته المسلمين فلا يُضرب على بيت المال.

3319 -

باب أين تكون العاقلة

إذا حضر أهلُ الدرجة البُعدى وغاب أهل القُرْبَى المستوعِبون لجميع الواجب، فأيسر قريبُ المسافة، لم تُضرب الديةُ على البُعدى، وكذا إن بَعُدَتْ على أقيس القولين، فإن قلنا: لا تُضْرَبُ، كتب الحاكمُ إلى قاضي الناحية التي فيها أهلُ الدرجة القُربى ليأخُذَ منهم ما لَزِمَهم، وإن قلنا: تضرب على البعدى، لم يجب للوليِّ أخذُ الدية إلا بإذن الإمام، فإنْ أَخَذها بإذن الإمام ثم حضرت القُرْبَى، ففي رجوع البُعْدَى على القُرْبَى بما غَرِمَتْ احتمالٌ، ولا تُعتبر البُعْدَى بمسافةِ القصر، وضبطه الإمامُ بما لا يُمْكِنُ تحصيلُ النَّجم منه في سنةٍ.

3320 -

فرع:

إذا لم تعلم العاقلةُ بالجناية حتى انقضت السنة، أُخِذَ منهم العقلُ إذا وُجدوا.

3321 - فرع: إذا كَثُرتِ العاقلةُ وقلَّ الأرشُ بحيث يَشُقُّ جَمْعُهم وتقسيطُه عليهم، فالأصحُّ توزيعُه على الجميع؛ كما لو أتلفوا نصفَ درهمٍ على إنسانٍ، وفيه قولٌ: أنَّ للإمام أن يأخذ ممَّن شاء، ولا رجوعَ لهم على الباقين، ولو عيَّن

الوليُّ واحدًا منهم بغيرِ إذنِ الإمام (1)، ففي جوازه تردُّدٌ.

3322 -

فصل في عَقْلِ الذمي

إذا قتل الذميُّ مسلمًا فديتُه على عاقلته الذّمَّة، وإن قتل ذمِّيها خرِّج على التفصيل في ترافُعِهِم إلينا، فإن كانت عاقلتُه مسلمةً أو حربيةً فالديةُ في ماله، ولا شيءَ منها على ابنه وأبيه، وأَبعدَ مَن أوجب على ابنه وأبيه نصفَ دينارٍ أو ربعَه، وأَبعَدَ مَن جعل الديةَ عليهم أثلاثًا.
وإن كانت عاقلتُه ذمةً في دار الحرب فإنْ قَرُبتِ المسافةُ فالديةُ عليهم، وإن بَعُدَتْ بحيث لا يُمْكِنُ التحصيلُ في السَّنة، ففيه القولان المذكوران في الضَّربِ على الأباعِدِ إذا غاب الأقارِبُ.

3323 -

فرع:

المعاهَدُ فيما ذكرناه كالذميِّ إنِ اتَّسع عَهْدُه لأَجْلِ الدية، فإن كان العهدُ سنةً واحدةً، فحصَّتُها على العاقلة والباقي في ماله.
1

3324 -

باب وضع الحجر حيث لا يجوز وضعه

إذا سَمَّ طعامًا وأضاف به إنسانًا فهلك، ففي الضمان قولان، وإن سمَّ بعضَ الطعام وأَمْكَنَ الضيفَ أن يَكْتفيَ بغيرِ المسموم وأن لا يأكل المسمومَ، فقولان مرتَّبان.
وإنْ حَفَرَ بئرًا في مِلْكهِ فهلك بها إنسانٌ، لم يجب الضمانُ، وإن دعاه فسقط فيها، فإن كانت في طريقٍ ضيقٍ لا طريقَ للمالك سواه ولم يُمْكِنْ الضيف العدولُ عنها، فإن كانت مغطَّاةً أو في ظلمةٍ، فقولان رتَبهما بعضُهم على أكل الطعام المسموم، فإنه تعاطَى بأكْله السببَ المتلِفَ بخلافِ دخوله إلى الدار، وإن كانت مائلةً عن الطريق يُمْكِنُ العدولُ عنها، فلا ضمان على الأصحِّ، وقيل: على القولين في البئر المحتفَرةِ في الطَّريق.

3325 -

فرع:

إذا حفر في مِلْكِهِ بئرًا للفَضَلات، فانهارت، فتندَّى جدارُ جاره فانهدم، لم يَضْمَنِ اتِّفاقًا؛ لاحتياج الأملاك إلى الارتفاق بالبالوعات والآبار.
واتَّفق أهلُ التحقيق على أنًّا نشترِطُ في ارتفاق المِلْكِ الاقتصادَ المعتادَ، فإن حفر البئر في أرضٍ حَوَّارةٍ ولم يَطْوِها بالطُّوب، أو في حجرةٍ ضيقةٍ ستنهارُ فيها الحجرةُ، وجب الضمانُ، فإنَّ هذا لا يعدُّ ارتفاقًا بالمِلْكِ.

ولو أجَّجَ نارًا لخَبْزٍ أو طَبْخٍ أو غيرِهما، فطارت شرارةٌ منها إلى كُدْسٍ (1) أو دار فأحرقت ذلك، فإنِ اقْتصَدَ على العادة لم يَضْمَنْ، وإن خَرَجَ عن العادة بتأجيجِ نارٍ لا تَحْتَمِلُ مِثْلَها تلك الدارُ ضَمِنَ، وهكذا الحكمُ في شتَّى البساتين.
والضابط: أنَّ الرجوع في ذلك كلِّه إلى العادة، فإن اختُلِفَ في شيءٍ منه فهو للاختلاف في العادة، وكلُّ مالو فَعَلَه الوليُّ في مال الطفل لضَمِنَ به، فإنَّ المالك يَضمَنُ بمِثْلِهِ ما يُفسده على جارِهِ.
ولو وضع على السطح جَرَّةً أو حجرًا، فسقطت، لم يضمن ما يُتلفه إلا أن يَخْرُجَ على المعتاد.
ولو أجَّجَ النارَ على السطح أو بقُرْبِ السطح، فإن كان في وقت هبوب الرياح بحيثُ يَغْلِبُ على الظنِّ طيرانُ شرارها ضَمِنَ، وإن كانت الريحُ ساكنةً نادرةَ الهبوبِ، فهبتِ الريحُ ولم يتمكَّنْ من إطفائها، لم يضمن.
ومتى فَعَلَ شيئًا ممَّا ذكرناه لغيرِ منفعةٍ ولا تقصيرٍ لم يضمن، فإنَّ التصرُّفَ المقتصِدَ في المِلْكِ لا يوجِبُ الضمانَ، إلا أن يحفر بئرًا في مِلْكِه في الحرم، فيهلك به صيدٌ، ففي الضمان وجهان.

3326 -

فرع:

إذا بنَى الجدارَ مستقيمًا، فسقط أو مال إلى مِلْكِه فتركه، فطارت قطعٌ منه إلى خارج المِلْكِ فأتلفت شيئًا، لم يجب الضمانُ.
1

3327 -

فصل في حفر البئر في الشوارع وفي الموات

إذا نصب في المَوَات أعلامًا أو أحجازا، أو حفر فيه زُبْيةً 1 أو آبارًا، قاصدًا للتملُّكِ أو غيرَ قاصدٍ، فهلك بذلك شيءٌ، لم يضمنه، إلا أن يحفرها في مواتِ الحرم، فيضمنُ الصيد اتِّفَاقًا، ولو فعل ذلك في أرضٍ مغصوبةٍ وجب الضمانُ.
وإن حفر بئرًا في شارعٍ أو مكانٍ يرتَفِقُ به الناسُ، فإن كان الطريقُ ضيِّقًا قد يَغْلِبُ على الظنِّ السقوطُ فيها والتأذِّي بها، ضَمِنَ ما يتلفُ بها، وإن أذن الإمامُ في ذلك لم يَجُزْ، ولم يسقط الضمانُ؛ لأنَّ إذنه على خلافِ الشرع عدوانٌ، وإن كان الطريقُ واسعًا لا يَشُقُّ على سالكها تَوَقِّي البئرِ: فإن حفرها لغَرَضِهِ بغيرِ إذنِ الإمام ضَمِنَ، وكذا إن أَذِنَ على الأصحِّ، وإن حفرها لمنفعةِ الناس كالاستقاءِ وانصبابِ مياه المَيَازِب فطريقان: إحداهما: إن استأذنَ الإمامَ لم يَضْمَنْ، وإن لم يستأذن فقولان.
والثانية: إن لم يستأذن ضَمِنَ، وإن استأذن فقولان.
ولو أَذِنَ الإمامُ ابتداءً في الحفر، فلا نُوجِبُ الضمانَ لتقصيرهم في حفظها أو جَهْلِهم بصفتها.
وارتفاقُ المُلَّاكِ بالشوارع إنْ منعناه ضمِنَ، وإن أَجَزْناه: فإنْ خفَّتِ الحاجةُ إليه كالأجنحة والعوامل وجب الضمانُ، وإن اشتدَّت كالميازيبِ وقشورِ البطيخِ والقماماتِ فوجهان.

3328 -

فائدة:

قال الإمام: كلُّ ما أبحناه بشرطِ سلامةِ العاقبةِ كإشراع القوابيلِ فإذا تلف به شيءٌ تبيَّن أنه غيرُ مباحٍ، وعلى هذا: يجبُ أن يُرْعَى في إخراج القابول (1) من الأحكام في الابتداء، والصونِ عن السقوط في الدوام، ما لا يُرْعَى في المِلْكِ، فانْ أحكمه فسقط برجَّةٍ أو صاعقةٍ، فلا ضمان عند الإمام؛ تعليلًا منه: بأنَّ المباح الحقيقيَّ لا يوجبُ الضمانَ.
وبناءُ الجدار في المِلْكِ مردَّدٌ بين التصرُّفِ في المِلْكِ والارتفاقِ بالشارع، فإنْ بناه مائلًا إلى الشارع كان طرفُه المائلُ كالجناح، وإن بناه مستقيمًا فمالَ إلى الطريق، فإنْ لم يُمْكِنْه استدراكُه لم يضمن، وكذا إن تمكَّن على الأصحِّ، ولو فرَّق بين أن يَعْلَمَ بالميل فيُمْهِلُ الاستدراك وبينَ أن لا يعلم، لكان متَّجهًا، ولم أرَ ذلك لأحدٍ من الأصحاب.

3329 -

فرع:

إذا حفر بئرًا مضمنةً، فهلك بها شيءٌ بعد موته، تعلَّق بتركته من ذلك ما كان يتعلَّق بها في حال الحياة، فتتعلَّقُ بها القيمةُ والكفَّارةُ والديةُ على العاقلة.

3330 -

فصل في وضع الحجر في الطريق والقعود فيه والقيام

إذا وضع حجرًا في الطريق تعلَّق به الضمانُ اتِّفاقًا، إذ ليس من مصالح1

الاستطراقِ، ولو قعد في الطريقِ أو نامَ، فتعثَّر به إنسان فهلكا، فالمذهبُ: أنَّ الماشيَ مضمونٌ والقاعدَ والنائمَ مُهْدَران، فإنَّ القعودَ والنومَ ليسا من مَرافق الاستطراق.
ولو تعثَّر الماشي بواقفٍ، فالمذهبُ أنَّ الواقفَ مضمونٌ والماشيَ مُهْدَرٌ به؛ لأن الوقوفَ من جملة رفق الطروق، فصار كجزء منه.
وقيل: في المسائل قولان: أحدهما: إهدارُ العاثِر لأنه الفاعلُ، وإيجابُ ضمانِ الواقفِ والقاعِدِ والنائمِ.
والثاني: إهدارُ القاعدِ والواقفِ والنائمِ، وإيجابُ ضمان العاثر، ولم يَصِرْ أحدٌ إلى إلحاقهما بالمصطدِمِينَ.
وفي "التقريب" قولٌ ثالثٌ: أنه يتعلَّقُ بكلِّ واحدٍ كمالُ ديةِ الآخَرَ.

3331 -

فصل فيمن أَلْقَى إنسانًا [في بئر] (1) حفرها غيره، أو ألقى على شفيرها حجرًا

إذا حَفَرَ بئرًا أو نَصَبَ سكينًا، فوضع آخَرُ حجرًا، فعثَر به إنسانٌ، فسقط في البئر أو على السكِّين فهلك، فالضمانُ على واضع الحجرِ؛ لأنه كالدافع عليهما، والحافرُ وناصبُ السكِّين بمثابة مَن يهيِّءُ آلةً للقتل، ولذلك قال الأصحابُ: لو جرَّ السيلُ حجرًا فألقاه على شفيرِ البئر، أو وضعه حربيٌّ،1

فلا ضمان على الحافر، ويلزمُ على هذا: أنه لو حفر بئرًا بقُربِ نَشَزٍ من الأرض، فتعثَّر إنسانٌ بالنَّشَزِ وسقط في البئر، فلا ضمان على الحافر، ويلزمُ من ذلك: أنَّ المتردِّيَ لا يضمنُ إلا إذا [كان] (1) ترديه بسبب تخطِّيه.

3332 -

فرع للأصحاب:

إذا نَصَبَ في يده سكِّينًا، فدُفِعَ على إنساني، فهلك بالسكِّين، فإن لم يحرِّك يده في صَوْبه أو انْخَنَس قليلًا، فالضمانُ على الدافع، وإن حرَّك يده إلى صَوْبه فالضمانُ عليه.
وقال الإمام: إنْ تلقَّاه بالسكِّين فالضمانُ عليه وعلى الدافع، وإن لم يتلقَّهُ بها ولم يتمكَّن من طَرْحها فالضمانُ على الدافع.
ولو حفر بئرًا، ونصب فيها آخَرُ سكينًا، فالضمانُ على الحافر؛ لأنه كالدافع.
ولو حفر بئرًا فعمَّقها آخَرُ، فالضمانُ على الأول؛ لأنه كالدافع، وقيل: يجبُ الضمانُ عليهما وهذا يَهدُم ما قرَّرناه من الدفع.
ولو ألقاه من شاهقٍ، فقدَّه آخَرُ بنصفين، فليسا بشريكين، بل القَوَدُ والديةُ على القادِّ، وأبعدَ مَن أوجبهما على المُلْقي وجعله منفردًا بالقتل.

3333 -

فصل فيمن سقط في بئر فجذب غيرَه

إذا وقع واحدٌ على واحدٍ في بئر مضمنةٍ من غيرِ جَذْبٍ، فديتُهما على1

عاقلة الحافر، ويُحتمَلُ أن تجبَ ديةُ الأول على عاقلة الثاني، ثم يَرجِعُ بها على عاقلة الحافر.
وإن وقع واحدٌ فجذبَ ثانيًا، والثاني ثالثًا، فماتوا، فإن اختلفت مساقِطُهم فدياتُهم على عاقلة الحافر، وإن وقع الثاني على الأول والثالثُ على الثاني، فإن عمدوا ففيه أوجهٌ: أحدها وهو المذهبُ وعليه الجمهور: أنَّا نهدرُ الثلثَ من دية الأول، ونُوجِبُ ثلثَها على الثاني؛ لجذبه الثالث، وثلثَها على عاقلةِ الحافرِ لأَجْلِ صدمةِ البئر، فيسقط ما يقابِلُ فعلَه وهو جَذْبُه الثانيَ، وللثاني نصفُ الدية على الأول، ويُهْدَرُ النصفُ لاجتذابه الثالثَ، ويلزمُه ديةُ الثالث، ولا يَخْفَى حكمُ ذلك إن كان خطأً أو شبهَ عمدٍ.
وفيه وجهان آخران بعيدان: أحدهما: نُهْدِرُ ديةَ الأول والثاني؛ لأنَّهما قَطَعَا تسبُّب الحافر بمباشرتهما، وعليهما ديةُ الثالث؛ لأنه مات بجَذْبِهما، وهذا باطلٌ فإنَّ الثانيَ مات بجَذْبِ الأول وجَذْبِ الثالث، ولا وجهَ لإبطالِ أثرِ الصدمة، فإنَّ أثرها محسوسٌ.
والوجه الآخر: نُهْدِرُ نصفَ دية الأول، ويجبُ النصفُ الآخَرُ على عاقلة الحافِرِ؛ لأنه جَذَبَ الثانيَ وتسبَّبَ إلى جَذْبِ الثالث، وتجبُ نصفُ دية الثاني على الأول، ويُهدَرُ النصفُ لجذبه الثالثَ، وللثالثِ الديةُ على الثاني، ومهما أضفْنا جَذْبَ الثالث إلى الثاني، فينبغي أن يقال: إنْ جَذَبَ الأولُ الثانيَ، فسقط بحيثُ لا يتماسَكُ، فتعلَّق بالثالثِ، فالجذبُ مضافٌ إلى الثاني وحده، وإنْ جَذَبه بغتةً وهو متعلِّقٌ بالثالث قبلَ إعمالٍ للفِكْرِ

والاختيارِ في تركِ التعلُّق به، فهذا موضعُ النظر والاحتمال.
وعلى الأصحِّ: لو كانوا أربعةً، فقد مات الأولُ بأربعةِ أسبابٍ فيهدَرُ من الدية ربعُها، والثاني بثلاثةٍ فيهدرُ ثلثُها، والثالثُ بسببين فيهدرُ نصفُها، وديةُ الرابع على الثالث.

3334 -

فرع للإمام:

إذا اختصم اثنان فشَهَرا سيفين، فقتل كلُّ واحدِ منهما الآخَرَ، فادَّعى ورثةُ كلِّ واحدٍ منهما أنه كان دافعًا، حَلَفا وأُهدرت الديتان، فإنَّ فائدةَ عَرْضِ هذه اليمينِ النكولُ.
ولو التقى اثنان بسيفين، فظنَّ كلُّ واحدٍ منهما أنَّ الآخَرَ صائلٌ عليه، وغَلَبَ على ظنِّه أنه إن لم يبادِرْه أَوْقَعَ به، فلكلِّ واحدٍ مدافعةُ الآخَرَ على تدريج دَفع الصائل، فإنْ قتَلَ كلُّ واحدٍ منهما الآخَرَ أهدرنا ديتَهما.

3335 -

باب دية الجنين

للأجنَّة خمسةُ أحكامٍ: وجوبُ الغُرَّة، والكفارةُ بإجهاضه، وانقضاءُ العِدَّة بوضعه، وثبوتُ الاستيلاد لأمِّه، والإرثُ منه، ولا يَرِثُ إذا انفصل ميتًا.
فإذا جُنيَ على حاملٍ فماتت من غيرِ إجهاضٍ، فلا شيءَ في الجنين اتِّفَاقًا، وإن أَجْهضَتْ في حياتها أو بعد موتها، فإن كان الجنينُ حرًّا مسلمًا، وجبت الغرَّةُ لورثته على فرائض الله تعالى، ويجب الأرشُ في جرح الأمّ إنْ بقي شينٌ، وإن لم يَبْقَ فوجهان، وإن لم تكن الجناية إلا بمجرَّدِ ألمٍ فلا أرشَ للأمّ، وأَبعدَ مَن خالَفَ فيه.
وتجبُ الغرَّة مهما بدا في الجنين تخليقٌ أو تخطيطٌ، ولو في بعض أعضائه كالطفر أو الشعر، والتخليقُ: ظهورُ شكلِ الأعضاء، والتخطيطُ: ظهور مراسم الأعضاء بالخطوط، فإنْ القت لحمًا لم يظهر تخطيطُه، فشهد القوابلُ بظهور التخطيطِ، واخْتَصَصْنَ بمعرفة ذلك، حُكِمَ بقولهنَّ، وإن قلن: ليس بلحمِ ولدٍ، لم يثبت شيءٌ من أحكام الأجنَّة، وإنْ شَهِدْنَ بأنه لحمُ ولدٍ ففيه اختلافُ نصٍّ، وإن القت علقةً أو مضغةً لم تنتظم انتظامَ اللَّحم، فشهِدْنَ بأنها أصلُ الولد وقَطَعْنَ بذلك، أو تشكَّكن في اللحم، لم يثْبُتْ شيءٌ من الأحكام الخمسة، وأَبْعَدَ مَن خالَفَ في انقضاء العِدَّة.

3336 -

فصل في صفة الغرة

في الجنين الحرِّ المسلم غرةٌ: عبدٌ أو أمةٌ، وفي الكافر أوجهٌ: أحدها: فيه عُشْرُ ديةِ أمة، فتختصُّ الغرةُ بالحرّ المسلم.
والثاني: إن كان يهوديًّا أو نصرانيًّا ففيه ثلثُ غرة الحرِّ المسلم، وكذلك تُعتبر هذه النسبةُ في الجنين المجوسيِّ.
والثالث: فيه عبدٌ كاملٌ نسبةُ قيمتهِ إلى ديةِ الكافر كنسبة خَمسٍ من الإبل إلى دية المسلم.
ولا تُعتبر الغرةُ برقيق البلد ولا برقيقِ الغارم، بل يتخيَّر الجاني بين العبد والأمة اتِّفَاقًا، وكذلك يتخيَّر في صنفها ونوعِها، ولا تؤخذ قيمتُها مع وجودها إلا بمعاوضةٍ، ولا يُجزئ فيها معيبٌ بعيبِ يردُّ به المبيعُ اتِّفاقًا إلا أن يرضى المستحِقُّ، ولا يُجزيء فيها إلا مميِّزٌ قد بلغ سبعًا أو ثمانيًا، ولا يُجْزئُ ما أثَّر الهرمُ في حلِّ قواه، ويُجزئ ما دون الهرِمِ عند الجمهور.
وقيل: لا يُجزئ ما بلغ العشرين.
وقيل: لا يُجْزئُ ما بلغ خَمْسَ عشرةَ من الغلمان، ومن الجواري ما بلغ العشرين.
وإذا اجتمعت الصفاتُ المشروطةُ، فكانت قيمةُ الغرَّة دينارًا واحدًا، أجزأت عند الجمهور، وشَرَطَ القاضي أن تبلغ القيمةُ خمسًا من الإبل المجزئة في الدية أو خمسين دينارًا.

3337 -

فرع:

إذا وجد وليُّ الدم بالغرَّة أو بإبلِ الدية عيبًا يُردُّ بمثله المبيعُ، فله الردُّ

وإن زادت قيمةُ ذلك على القَدْرِ المستحَقِّ؛ كنظيره في المَبيع إذا زاد على قَدْرِ الثَّمن، فإذا ردَّ ذلك رجع بالقَدْرِ المستحَقِّ ولم يَرْجِعْ بقيمة المردود، ولو اشْتَرَى للطفل ما يزيدُ على الثَّمن، فوجد به عيبًا، وقيمتُه مع العيب زائدة على الثَّمن، فلا ردَّ له ولا أرشَ.

3338 -

فرع:

الاعتياضُ عن الغرَّة كالاعتياض عن إبل الدِّية حَرْفًا بحَرْفٍ.

3339 -

فصل في فَقْدِ الغرَّة

إذا فُقِدَتِ الغرَّةُ على ما ذكرناه في كيفية فَقْدِ الإبل، ففيما يجبُ طريقان: إحداهما: أنَّ فَقْدَها كفَقْدِ إبل الدية، فيُرجَعُ إلى قيمة الغُرَّة على الجديد، وإلى المقدار الذي نذكرُه على القديم.
والطريقة الثانية، وهي الصحيحة: فيما يُرْجَعُ إليه قولان: أصحهما: أنه خَمْسٌ من الإبل المُجْزِية في الدِّية، فإنْ فُقِدتِ الإبلُ: فهل تجبُ قيمتُها، أو خمسون دينارًا؟ فيه القولان.
والقول الثاني: تجب قيمةُ الغُرَّة، ومتى أوجبنا قيمتَها: فإنْ نسبناها إلى الدية بالجزية وجبت قيمةُ عبدٍ يساوي خَمْسًا من الإبل، وإن لم ننسبها إلى الدية وجبتْ قيمةُ عبدٍ له سبعُ سنينَ، سليمٍ من العيوب، من أحسن جنسٍ يُفْرَضُ.

3340 -

فصل فيما يجب في الجنين المتولِّدِ من مختلفَي الدِّين

المتولِّدُ من اليهود والنصارى كالمتولِّدِ من إحدى الطائفتين، والمتولِّدُ من اليهود والمجوس: معتبرٌ بأكثرِ أبويه ديةً، أو بأقلهما ديةً، أو بأبيه؛ فيه ثلاثةُ أوجهٍ؛ أصحُّها وهو المذهبُ أولُها.
وأحكامُ الأولاد أَضْرُبٌ: أحدها: ما يَتْبَعُ فيه أبويه وكلَّ واحدٍ منهما، وهو: الإسلامُ، وتحريمُ المتولِّد من الحلال والحرام كالبغال، وأخذُ الجزية من المتولِّد ممَّن يؤخَذُ منه الجزيةُ وممَّن لا يؤخذُ، وفي إسقاطِ الزكاة، ووجوبِ الجزاء في الإحرام، ومنعِ الإجزاءِ في التضحية والجزاءِ كالمتولِّدِ من الغنم والظِّباء، وفي إسقاطِ سهم الغنائم عن البغال.
الثاني: ما يتبعُ فيه الأبَ، وهو النسبُ وما يبتنى عليه؛ كالتزام الجزية إذا زادت على دينارٍ، والكفاءةِ في النكاح.
الثالث: ما يتبعُ فيه الأمَّ، وهو الرقُّ والحرية والنتاج.
الرابع: ما يُعتبر بالأغلظ؛ كسنِّ اليأسِ إذا اعتبرنا بنساء العشيرة، فكان حيضُ نساءِ الأبِ ينقطعُ على ستِّين سنةً، وحيضُ نساء الأمِّ ينقطعُ على سبعين سنةً، فالاعتبارُ بالسبعين، ويُعبَّر عنه: بأنَّ الاعتبارَ بأقصى امرأةٍ في العشيرةِ، والاعتبارُ في الذبائح والنكاح بجانب الأب، أو بالأغلظ؟ فيه قولان.

3341 -

فرع:

إذا جَنَى على حاملٍ بكافرٍ، فأسلمتْ ثم أَجْهضَتْ، أو على حاملٍ

برقيقٍ، فعَتَقَتْ ثم أَجْهضتْ، ففي الجنين غرةٌ كاملةٌ نظرًا إلى المآل.

3342 -

فرع:

إذا جَرَحَ حربيًّا، فأسلم ثم مات بالجُرح، لم يضمنه على الأصحِّ، وأبعدَ مَن أوجَبَ الضمانَ، فإن قلنا: لا يضمن، فرمى حربيًّا فأسلم، ثم أصابه السهمُ فقتله، لم يَضْمَنْ على الأصحِّ.
وإن جَنَى على حربيةٍ، فأسلمت ثم أَجْهضتْ: فهل يُلْحَقُ الجنينُ في ضمانه بجُرْحِ الحربيِّ، أو بالرمي إليه؟ فيه وجهان.
ولو جَنَى على مرتدَّةٍ جنينُها مسلىم، فأجهضَتْه، وجب ضمانُه، فإن كان جنينُها من مرتدٍّ: فإنْ جعلناه مسلمًا وَجَبَ ضمانُه، وإن جعلناه مرتدًّا: فإن أصرَّتْ حتى أجهضته لم يَضْمَنْ، وإن أسلمت ثم أجهضته كان كما لو جَنَى على حربية فأسلمت ثم أَجْهَضت.

3343 - فرع: إذا اشترك مسلمٌ وذمِّيٌ في وطءِ ذِمِّيةٍ بشبهةٍ، فأجهضتْ ولدًا يمكِنُ أن يكون من كلِّ واحدٍ منهما، فإن ألحقَتْه القافَةُ بالمسلم وَجَبَ فيه غرةٌ كاملةٌ، وإنْ ألحقته بالذمِّي ضَمِنَ بما يُضْمَنُ به جنينُ الذِّمِّي، وإن أَشْكَلَ على القائفِ وُقِفَ حتى يَبْلُغَ ويُنْسَبَ إلى أحدهما، ولا شيءَ على الجاني حتى يُعْرَفَ الأب.

3344 -

فصل فيمن تلزمه الغرة

الغرةُ على العاقلة إجماعًا، إذ لا يتصوَّر فيها العمدُ مع الجهل بوجود

الحَمْلِ وحياته، وإذا ضُربت الحصصُ من الدِّيةِ أو الغُرَّةِ على العاقلة، فللإمام إلزامُهم بشرائهما، وله مساعدتُهم على الشراء، فإن قالوا: نحن نشتريها، لم يَجُزْ للإمام الاستبدادُ بشرائها، وإن بذلوا القيمةَ لم يَجِبْ قبولُها، فإن لم يَفِ عددُهم إلا بثصف الغُرَّة، لَزِمَهم نصفُ قيمتها، لا قيمةُ نصفها، وأُخِذَ الباقي من بيت المال.

3345 -

فصل في الشارع في الإجهاض وغيره

إذا قالت المرأة: أجهضتُ هذا الولدَ بجنايتكَ، فأنكر الجنايةَ، أو أقرَّ بها وقال: استَعَرْتِ هذا الولدَ أو التقطتِهِ، فالقولُ قولُه مع يمينه.
وإنْ تَصادَقَا على الجناية والإجهاضِ، فقال: أَجْهضتِ بسببٍ غيرِ جنايتي، فإن أَجْهَضتْ عقيبَ الجناية، فالقولُ قولُها مع يمينها؛ كما لو مات الجريحُ عقيبَ الجرح، فقال الوليُّ: مات بالجرح، وقال الجاني: بل مات بغيره، فالقولُ قولُ الوليِّ مع يمينه.
فإن شهد القوابِلُ بأنها ألقته في أوان الولادة، لم تُسمع شهادتُهنَّ؛ اعتبارًا بالسببِ الظاهرِ وهو الجنايةُ، فإنَّ الولادةَ تتقدَّم وتتأخَّرُ وإنْ حان وقتُها.
وإن تأخَّر الإجهاضُ عن الجناية، فإن كانت ضَنِيَةً 1 متألمةً ذاتَ فراشٍ

حتى أجهضتْ، فالقولُ قولُها مع يمينها، وإلا فالقولُ قولُه مع يمينه، والاختلافُ في الإجهاضِ كالاختلافِ في أنَّ المجروحَ مات بالجُرحِ أو بسبب آخَرَ.
وإن اتَّفقا على الإجهاض بالجناية، فقالت أَجْهَضْتُه حيًّا وعليه أثرُ الجناية فمات بها، فقال: بل أجهضتِهِ ميتًا، فالقولُ قولُه مع يمينه.

3346 -

فائدة:

لا يضافُ موتُ الجنين إلى الجناية إلَّا أن يكون أثرُها على الولد، فإن اتَّفقا على انفصاله حيًّا، وأنَّ الإجهاض اتَّصل بالجناية، فادَّعى أنه مات بسببٍ آخر متَّصلٍ من غيرِ تخلُّلِ مدةٍ معتَبرةٍ، فالقولُ قولُه، فإنَّ موت الولد عقيبَ الولادة كثيرٌ غالبٌ، بخلافِ ما لو جُرِحَ جرحًا يُفضي إلى الهلاك، فهلك الجريحُ عَقيبَه، فادَّعى أنه هلك بسبب آخَرَ، فلا يُقبل قولُه إلا ببيِّنةٍ.

3347 -

فرع:

إذا شهد النسوةُ بحياة الولد، فإن طال الزمانُ إلى حدٍّ لا يَبْعُدُ اطِّلاع الرجال في مِثْلهِ على الولد، لم تُقبل شهادتُهنَّ اتِّفاقًا، وإن قَصُرَ بحيث يَبْعُدُ اطِّلاعُ الرجال عليه، قُبِلَتْ عند الأكثرين، وحكى الربيعُ قولًا: أنها لا تَثبتُ إلا برجلين.

3348 -

فصل فيما يجب في الجنين إذا انفصل حيًّا ثم هلك بالجناية

إذا انفصل الجنينُ ووُجِدَ منه ما يدلُّ على الحياة قطعًا كالصُّراخ وتحريكِ

الجفن أو الأطراف ثم هَلَكَ، حُكِمَ بحياته من غيرِ يمينٍ ووجبتِ الديةُ وإن كان على حركةِ المذبوح، وإنْ صَدَرَ منه ما يَصْدُرُ مِثْلُه من مِثْلِهِ من الجماد كالاختلاج، وجبت الغُرَّةُ ولم يُحْكَم بالحياة، وإن تردَّدْنا بين الأمرين، لم نحكم بالحياة على أصحِّ القولين، فإنْ حَكَمْنا بها وجبتِ اليمينُ.
ولو قَتَلَ حاملًا ظهر حملُها، فلم ينفصِلْ جنينُها، فلا شيءَ فيه بإجماع العلماء، وإنْ قَدَّها بنصفين، فرأيناه مقدودًا غيرَ منفصلِ وجبت الغُرةُ على الأصحِّ.
وإنْ خرج بعضُ الجنين لم تَنْقَضِ العِدَّةُ اتِّفاقًا، والأصحُّ وجوبُ الغُرَّةِ إنْ كان ميتًا والديةِ إن كان حيًّا، فإنْ صَرَخَ فقُتل، فإن كانت حياتُه مستقرَّةً فالأصحُّ وجوبُ الدية والقصاصِ، ومدارُ هذه الصورة على أنَّا نعتبرُ اليقينَ في وجهِ والانفصالَ في آخَرَ.
وإذا انفصَلَ حيًّا متأثِّرًا بالجناية، فمات وظهر أنه مات بالجناية، كمِّلت فيه الديةُ وإن كان ممَّن لا تَتِمُّ لمِثْله حياةٌ باتِّفاق الأصحاب، خلافًا للمزنيِّ.
فإنْ قُتِلَ بعد الإجهاض، فإنْ لم تكن حياتُه مستقرَّة فديتُه على المُجْهِضِ دون القاتل، وإن كانت حياتُه مستقرَّةً، فالقودُ والديةُ على القاتل وإنْ كان ممَّن لا يَتِمُّ لمِثْله حياةٌ، وفي وجوب الحكومة على المُجْهِضِ وجهان، فلو انفصل من غير جنايةٍ على حياةِ غير مستقرَّةٍ، فقتلَه إنسانٌ، لزمه القصاصُ كما لو ذُبح الواقعُ في سكراتِ الموتِ، ولا نجَعلُ ما يصيبه من عُسر الانفصال كجناية جانٍ.

3349 -

في إلقاء بعض الولد:

تكمُلُ الغرةُ بإلقاءِ عضوٍ من أعضاء الجنين إذا انفصل العضوُ اتّفاقًا، وهذا يدلُّ على وجوبها بخروج بعضِهِ، وإنْ ألقت بَدَنينِ وجبتْ غُرَّتان، وإن ألقت رأسينِ أو أربعةَ أيدٍ فما زاد، وجبت غُرَّةٌ واحدةٌ، سواءٌ ظهر عليه أثرُ انقطاع اليدِ أو لم يظهر، وإنْ ألقته حيًّا فاستمرَّتْ حياتُه، فإن كان له يدان وجبت حكومةُ اليد الساقطة، وإن كانت له يدٌ واحدةٌ فالمذهبُ وجوبُ نصف الدّية، فإنْ مات بعد ذلك بالجناية وَجَبَ نصفٌ آخَرُ.
وقال في "التقريب": نراجعُ القوابِلَ، فإنْ قُلْنَ لا تتصوَّرُ اليدُ إلا بعد الحياة، وجبَ نصفُ الدّية، وإن قلن: تُخلَقُ الأرواحُ ثم تنسلِكُ فيه، أو شكَكْنَ في ذلك، وجب نصفُ الغرَّة، وهذالا يصحُّ، إذ لا معرفةَ لهنَّ بذلك.

3350 -

باب جنين الأمة

إذا جَنَى على أمةٍ، فأجهضت الجنينَ حيًّا، فمات بالجناية، وجبت قيمتُه باعتبارِ يومِ الانفصال، وإنْ ألقته ميتًا ففيه عُشْرُ قيمةِ أمِّه أكثرَ ما كانت من حينِ الجنايةِ إلى الإجهاض، وقال المزنيُّ وبعض الأصحاب: العبرةُ بقيمتها يومَ الإجهاض، فعلى هذا: لو ماتت ثم أجهضَتْ، احتُمِلَ أن يُعتبر بيوم موتها، واحتُمِلَ أن يُعتبر بيوم الإجهاض، وتقدَّرُ الحياةُ حينئذٍ فإن كان جنينُها حرًّا أو كان جنينُ الذِّمية مسلمًا، وجبت غرَّةُ حرٍّ ومسلمٍ تقديرًا للحرية والإسلام في الأمِّ.
فإن كانت الأمَةُ سليمةً والجنينُ زَمِنًا، أو بالعكس، فالأصحُّ أنَّا نقوِّم الأمَّ بصِفَتِها، وقيل: نقدِّرُ لها صفةَ ولدها ونقوِّمها بذلك، كما نقدِّرُ حريتَها وإسلامَها، فإنْ قدَّرْنا ذلك فألقتْ يدًا يُحْتَمَلُ أن تكون زائدةً، فقد قطع الإمام بوجوب عُشرِ قيمةِ الأمِّ من غيرِ نظر إلى صفَتِه.

3351 -

فرع:

إذا جَنَى على حرة، فوضعتْ جنينًا حيًّا، فذبحه آخر، فقال الوليُّ: صيَّره [الأول] 1 إلى حركة المذبوح، برئ الثاني، والقولُ قولُ الأول مع

يمينه، فإنْ نَكَلَ حلف الوليُّ، وإن ادَّعى أنَّ الثانيَ ذبحه عن حياة مستقرةِ، فقد برئ الأول من بَدَلِ الجنينِ، وفي الحكومة الخلافُ، والقولُ قولُ الذابح مع يمينه، وله القسامةُ على أحدهما؛ لأنه قتيلٌ متردّد بين شخصين.

3352 -

فرع لابن الحداد:

إذا كان لرجلينِ أمةٌ حاملٌ برقيقٍ، فجَنَيَا عليها ثم أعتقاها، فأجْهضتِ الجنين ميتًا، فعلى كلّ واحدٍ ربعُ الغُرَّةِ، فيُصْرَفُ إلى أمِّ الجنين ثلثُ الغرَّة ممَّا غَرِماه والباقي للعَصَبة، وبنى الإمامُ هذه المسألةَ على أصلين: أحدهما: أنَّ مَن جنى على عبدِ نفسِه، ثم عَتَقَ ومات بالسراية، فالأصحُّ إهدارُ نفسه.
والثاني: إذا جنى أجنبيٌّ على عبدٍ، فعتَقَ ثم مات بالسراية، فالأصحُّ أنَّا نصرِفُ إلى اليد الأقلَّ ممَّا وجب آخِرًا بالجناية أو أرشِ جناية المِلْكِ.
فإنْ قلنا بالأصحِّ فيهما، فغَرِمَ كل واحدٍ منهما ربعَ الغرَّة، فلصاحبه من ذلك الربعِ الأقلُّ من ربع الغُرَّة أو ربعِ عُشْرِ قيمةِ الأمِّ، فإنْ فَضَلَ شيءٌ فلأمَّهِ الثلثُ والباقي للعصبة، وإن أوجبنا على السيد ضمانَ السراية الواقعة بعد العتق، فعَلَى كلِّ واحدٍ منهما نصفُ الغرَّة: نصفُه وهو الربعُ للورثة، والربعُ الآخَرُ لشريكه منه الأقلُّ من ربع الغرَّة أو ربعِ عُشْرِ قيمةِ الأمِّ.

3353 -

فصل في جناية عبد التركة على الزوجة

إذا مات عن عبدٍ وزوجة حاملِ وعصبةٍ، فجنى العبدُ على الزوجة

فأجهضت، فلا إرثَ للجنين، ولأُمِّه ثلثُ الغرَّة تقديرًا، وللعصبة الثلثان، كما لو جنى على الجنين أجنبيٌّ، فيسقطُ ربعُ الغزَةِ عن نصيب الزوجة من العبد وهو ربعُ العبد، ولها نصفُ سدسِ الغرَّة متعلِّقًا بنصيب العَصَبة، ويسقط نصيبُ العصبة من الغرَّة؛ لأنَّ الذي تملُكه من العبد أكثرُ من نصيب الغرَّة.
ولو قتل عبدٌ لرجلين عبدًا لهما، فإن كان القتيلُ بينهما نصفين فلا طَلِبةَ لواحدٍ منهما، وإن كان لأحدهما ثلثٌ وللآخَرِ ثلثان، فلا يتعلَّق قَدْرُ التفاوُتِ برقبة العبد.

3354 -

فصل فيمن مات بجراحات بعضُها مهدرًا

1 إذا جَرَحَ ثلاث جراحاتٍ بعضُها مهدرًا، فمات الجريحُ بالسراية، فإن تخلَّلَ المضمونُ بين المُهْدَرينِ، مثلَ أنْ جَرَحَ مرتدًّا، فأسلم فجرحَه، ثم ارتدَّ فجرحَه، أو جَرحَ صائلًا، فهرب فجرحَه، ثم صال فجرحَه، لَزِمَه ثلثُ الدية وأُهدر الثلثان، وإن لم يتخلَّلِ المضمونُ بين المُهْدَرين، مثلَ أنْ جَرَحَ جُرحين في الرِّدَّة أو الصِّيال، ثم جَرَحَ جُرحًا آخَرَ بعد الهرب والإسلام، لزمه نصفُ الدية وأُهدر نصفُها.
فان تعدَّدتِ الجناةُ وقد جَرَحَ بعضُهم جرحًا مُهْدَرًا أو جرحًا مضمونًا، فهل توزَّعُ الديةُ على الرؤوس، أو الجراح؟ فيه وجهان؛ أظهرُهما: التوزيعُ على الجُناة.

فإنْ جَرحَ مرتدًّا فأسلم، ثم جرحه بعد الإسلام مع ثلاثةِ أنفسٍ، فإن وزعنا على الرؤوس لَزِمَ كلَّ واحدٍ من الثلاثة ربعُ الدِّية، ويجب على الجاني في الحالين ثُمنُ الدِّية، ويُهْدَرُ عنه الثُّمنُ، وإنْ وزَّعنا على الجراح أُهْدِرَ خُمسُ الدية عن الجميع، ولزم كلَّ واحدٍ خمسُها.
ولو جرحه ثلاثةٌ، فأسلم، فجرحه أحدُهم مع رابعٍ، فإنْ وزَّعنا على الرؤوس لزم الجانيَ في الحالين ثُمنٌ وأُهدر عنه ثُمنٌ، وعلى كلِّ واحدٍ من أصحابه ربعٌ، وإن وزَّعناها على الجراح، أُهْدِرَ ثلاثةُ أسباعِ الدية عن الجميع، ولزم كلَّ واحدٍ سبعٌ.
ولو جرحه أربعةٌ، فاسلم، فجرحه أحدُهم بعد الإسلام مع ثلاثةٍ، فإن وزعنا على الرؤوس أُهدر ثلاثةُ أسباع الدّية عمَّن اختصَّتْ جنايتُه بالرِّدة، وعلى كلِّ واحدٍ من جناة الإسلام سُبعٌ، ويجبُ على الجاني في الحالين نصفُ سُبعٍ، وإن وزَّعناها على الجراح، أُهدر نصفُ الدية عن الجميع، وعلى كلِّ واحدٍ منهم ثُمنُها، ولو جرحه أربعة، فأسلم، ثم جرحه أحدُهم بعد الإسلام، فإن وزَّعنا على الرؤوس، فعَلَى كلِّ واحدٍ من جناة الرِّدَّة رُبعُ الدِّية، وعلى الجاني في الحالين ثُمنٌ، ويُهْدَر عنه ثُمن، وإنْ وزَّعناها على الجراح، أُهدر أربعةُ أخماس الدِّية، ويجب الخُمس على الجاني في الحالينِ.
وإن جرحه اثنان، فأسلم، فجرحاه، أُهدِرَ نصفُ الدية، وعلى كلِّ واحدٍ ربعُها، سواءٌ وزَّعنا على الرؤوس أو الجراح.

3355 -

فصل فيمن مات بجراحٍ مضمون مختلف الحكم

إذا كان أحد الجُرْحين عَمْدًا والآخَرُ خطأً، فعلى الجاني نصفُ الدية مغلَّظًا، والنصفُ الآخَرُ على عاقلته مخفَّفًا، وإنْ جَرَحَه خطأً ثم جَرَحَه مع آخَرَ متعمِّدَيْنِ، فقياسُ التوزيع على الرؤوس: أن يجب على الثاني نصفٌ مغلَّظ، ويجبَ على الجاني في الحالين ربعٌ مغلَّظٌ وربعٌ مخفَّفٌ، وإن وزَّعنا على الجراح: فعلى كلِّ واحدٍ منهما ثلثُ الدِّيةِ مغلَّظًا وسدسُها مخفَّفًا؛ إذ لا سبيل إلى الإهدار سواءٌ وزَّعنا على الرؤوس أو الجراح، فإنَّ الجميع مضمون.
وإن جرح عبدٌ حرًّا، فعَتَقَ، ثم جَرَحَه بعد العتق مع آخَرَ، فعَلَى صاحبه نصفُ الدية، وعليه نصفُها: يتعلَّق الربعُ منها بذمَّته، والربعُ الآخَرُ برقبته، فيجب على سيده؛ لأنه التزم فداءَه بعتقه.
ولو جنى عبدٌ على حرٍّ، فقُطِعَتْ يد العبدْ عُدوانًا، ثم جَرَحَ بعد ما عَتَقَ حرًّا آخَرَ، ومات العبدُ والجريحان بالسِّراية، فقيمةُ العبد على قاطعه، ويختصُّ المجروحُ في الرقِّ بما يقابِلُ يدَ العبدِ، ويتحاصَّان فيما بقي، والأصحُّ أنه تُقابَلُ اليدُ بأرش النقصِ، وغُلِّطَ مَن قابَلَها بنصف الدِّية، إذ يلزمُ منه أن يُصْرَفَ إليه كمالُ الدية لو قَطَعَ يديه.
ولو جَنَى على حرٍّ، فقُطعت يدُه أو يداه، ثم عتق فقتلَه أجنبيٌّ، فالقيمةُ على قاتله، وعلى العبد القيمةُ إن قطع يديه، ونصفُها إن قطع يده، فيُصرف النصف إلى مَن قطع العبدُ يدَه، أو الجميعُ إلى مَن قطع يديه.

الغاية في اختصار النهاية

تأليف سلطان العلماء العز بن عبد السلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (المتوفى سنة 660 هجرية)

تحقيق إياد خالد الطباع

[المجلد السابع]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْغَايَة فِي اخْتِصَار النِّهَايَة (7)

طبعة خَاصَّة الْكتاب طبع على نَفَقَة وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية وَهُوَ يوزع مجَّانا وَلَا يجوز بَيْعه turathuna@islam.gov.qa إدارة الشؤون الإسلامية ص. ب: 422

الطبعة الأولى 1437 هـ - 2016 م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار النَّوَادِر

قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لبنان - بيروت ص. ب: 14/ 4462 هَاتِف: 009611652528 فاكس: 009611652529 E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com

جارٍ التحميل