كتاب الحوالة
كتاب الحوالَة
1681 -
يُشرط في الحوالة: رضى المُحيل، وهو المَدِين، ورضى المحتال، وهو ربُّ الدين، ولا يُشترط رضى المحال عليه، وأبعدَ مَن شَرَطَه، والحوالة: معاوضةٌ، أو استيفاء، أو مركَّبة منهما؟ فيه أوجهٌ أصحُّها التركيب، وعلى قولٍ بعيد: هي ضمانٌ بإِبراء، فكأنَّ المحال عليه ضمن الدَّين على أن يبرأ من دين المحيل، ويبرأ المحيل من دين المحتال.
1682 -
فصل فيما تجوز الحوالة به وعليه
ولا تجوز إِلا بدين على دين، وتصحُّ بكلِّ دين متجانس مستقرٍّ لازِم، ولا تجوز بحالٍّ على مؤجَّل، ولا بمؤجَّل على حالٍّ، ولا بصحاح على مكسَّر، ولا بمكسَّر على صحاح، ولا بدراهم على دنانير، ولا بدنانير على دراهم، وأبعدَ مَن أجازها بالمؤجَّل على الحالِّ إِذا غلَّبنا الاستيفاء؛ إِذ يجوز تعجيل المؤجَّل، وقد طرده بعضهم في كلِّ ما يجوز استيفاؤه بالتراضي، وهو بعيد، وذكر أبو محمَّد وجهين في كلِّ ما يتوقَّف استيفاؤه على التراضي.
والضابط: أنَّ كلَّ ما لا يُؤخذ عن الدين إِلا بمعاوضة، فلا تجوز الحوالة به، وما يُستوفى بغير تراضٍ تجوز الحوالة به، وفيما يتوقَّف على
التراضي وجهان.
وأجازها العراقيون في المثليَّات، وذكروا في المتقوِّمات كالحيوان والعرْضِ في القرض وجهين.
والأصحُّ أنَّها لا تجوز بنجم الكتابة، ولا عليه، وأجازها العراقيُّون به، ومنعوها عليه على المذهب عندهم، وقال الإِمام: إِن أحال بجميع النجوم دفعة واحدة، أو بالنجم الأخير، جاز؛ لأنَّه يعتق ويبقى الدين على المُحال عليه، ولو أُحيل عليه بالنجم الأخير لم يصحَّ، فإِنَّه لو صحَّ عتق وبرئ، ولو برئ سقط دين المحتال.
1683 -
فصل في الحوالة على من لا دين عليه
إِذا أحال على مَن لا دين عليه فوجهان مبنيَّان على المعاوضة والاستيفاء، فإِن غلِّب الاستيفاء صحَّت الحوالة، وإِلا فلا، وبناهما الإِمام على الخلاف في الضمان بشرط براءة الأصيل، فإِن صحَّحناها لزمت، وأبعدَ مَن قال بالجواز ما لم يؤدِّ الدَّين إِلى المحتال، فإِن قلنا: يلزم، فللمحال عليه مطالبةُ المحيل بتخليصه قبل أن يغرِّمه المحتال، وقال القفَّال: ليس له ذلك، لكن إِذا غرِّم رجع على المحيل إِن شرط الرجوع، وإِن لم يشرطه فوجهان.
ولو قبض المحتال الدَّين، ثمَّ وهبه منه، ففي رجوعه قولان كالقولين فيما إِذا وهبت الزوجة صداقها من زوجها، ثمِّ طلقها قبل الدخول.
ولو أبرأته؛ فإِن قلنا: لا رجوع إِذا وهبته، فالإِبراء أولى، وإِن قلنا
بالرجوع في الهبة، ففي الإِبراء قولان أجراهما أبو محمد في إِبراء المحتال، ومنع العراقيُّون الرجوع عند إِبراء المحتال.
1684 -
فصل في إفلاس المحال عليه
إِذا أفلس المحال عليه، أو جحد ولا بيِّنة، فلا رجوع على المحيل.
ولو ظنَّ المحتال يساره عند العقد، فبان إِعساره، ففي الفسخ أوجه ثالثها: إِن شرط يساره فسخ، وإِلا فلا، والخلاف في ذلك، وفي ثبوت خيار المجلسِ والشرطِ، مبنيٌّ على تغليب المعاوضة أو الاستيفاء.
1685 -
فرع:
إِذا أحال بمؤجَّل على مؤجَّل حلَّت الحوالة بموت المحال عليه، ولا تَحلُّ بموت المحيل؛ لبراءته بالحوالة.
1686 -
باب في مسائل تَحرَّى فيها المُزَنيّ معنى قول الشافعيِّ
إِذا أحال المشتري البائعَ بالثمن، ثمَّ ردَّ المبيعَ بعيب، ففي انفساخ الحوالة طريقان:
إحداهما: إِن ردَّ قبل قبض المبيع انفسخت الحوالة، وإِلا فلا.
والثانية، وعليها الجمهور: أنَّ في الانفساخ قولين في الحالين، أصلهما: تغليب المعاوضة أو الاستيفاء، فإِن غلَّبنا المعاوضة لم ينفسخ، كما لو اعتاض عن الثمن، ثمَّ ردَّ المبيع بالعيب، وإن غلَّبنا الاستيفاء انفسخت؛ لأنَّها رفق في الاستيفاء، فإِذا بطل الأصل بطل الرفق التابع، كما لو قبض الصحاح عن المكسَّر، فرُدَّ عليه المبيع بالعيب، فإِنَّه يلزمه ردُّ الصحاح؛ إِذ الصحَّة تابعة، ولو قبض المكسر عن الصحاح، لم يرجع إِلا بالمكسَّر.
1687 -
فرع:
قال أبو محمد: إِذا أحال بالثمن في مدَّة الخيار جاز على الأصحِّ، فإِن اختار الفسخ بطلت الحوالة اتِّفاقًا؛ لأنَّها إِنَّما صحَّت على تقدير الإِفضاء إِلى اللزوم، والحوالة المتعلقة بالثمن لا تقطع الخيار اتّفاقًا.
1688 -
فصل في التفريع على أنَّ الحوالة لا تنفسخ بالردِّ بالعيب
إِذا قلنا: لا تنفسخ الحوالة بالردِّ، فللبائع مطالبةُ المحال عليه بالدين، فإِن أبرأه طالَبَ المشتري البائعَ بالثمن؛ لأنَّ إِبراءه كاستيفائه، وإِن قبض الدين فللمشتري أن يرجع عليه بالمقبوض، وللبائع أن يبدله بمثله، وإن لم يقبض رجع عليه المشتري على أقيس الوجهين؛ إِذ الحوالة كالاستيفاء، فإِن قلنا: لا يرجع، فله إِلزام البائع بمطالبة المحال عليه، وأبعدَ مَن منع ذلك.
1689 -
فصل في التفريع على الانفساخ بالردِّ
إِذا قلنا بالانفساخ، فردَّ المبيع قبل قبض الحوالة، انفسخت الحوالة، وانقلب الدين إِلى المشتري، ولا طلبةَ على البائع، وإِن قبضه البائع بعد الانفساخ لم يقع عنه، ولا عن المشتري، وأبعد من أوقعه عن المشتري.
ولو أحال الزوج زوجته بالصداق، ثم انفسخ النكاح قبل الدخول، فحكمُه حكم الردِّ بالعيب، وفي طلاقها قبل الدخول طريقان:
إِحداهما: أنَّه كالانفساخ قبل الدخول.
والثانية: لا تنفسخ الحوالة قولًا واحدًا؛ لأنَّ الطلاق تصرُّف في الملك، وليس بفسخ، ولذلك يمتنع رجوع الصداق بالزيادة المتَّصلة.
ولو أحال البائع على المشتري بالثمن، ثمَّ ردَّ عليه المبيع بالعيب، فطريقان:
أصحُّهما: أنَّ الحوالة لا تنفسخ؛ لتعلُّق الحق بغير العاقدين.
والثانية: فيها الطريقان، فإِن قلنا: لا تنفسخ رجع المشتري على البائع إِن كان قد قبض الحوالة، وإِن لم يقبضها فوجهان.
1690 -
فصل في الاختلاف
إِذا أمر المدين ربَّ الدين أن يقبض دينًا للمدين على ثالث، ثم اختلفا، فلهما حالان:
الأوَّل: ألا يتَّفقا على جريان لفظ الحوالة؛ بأن يقول الآمِر: قلتُ لك: اقبض ديني من فلان، ونويتُ التوكيل، أو يقول: قلتُ: وكَّلتك في القبض، فيقول المأمور: بل قلتَ: أحلْتُك، أو يقول: قلتَ: اقبضه، ونويتَ الحوالة، فالقول قول الآمر، فإِن كان اختلافهما قبل القبض فليس للمأمور القبض، وهل له مطالبة الآمِر؟ فيه وجهان، وإِن كان اختلافهما بعد القبض، فإِن كان المقبوض تالفًا فلا مطالبة للآمِرِ على المأمور، ولا للمأمور على الآمر؛ لأنَّ الآمر مقرٌّ بالوكالة، والمأمور مقرٌّ بالبراءة بالحوالة، وإِن كان باقيًا؛ فإِن تمكَّن من استيفاء حقِّه ردَّ المقبوض، وطالب بحقِّه، وإِن عسر استيفاء حقِّه فله أخذ المقبوض؛ لأنَّه من جنسه.
ولو انعكس اختلافهما، فادَّعى الآمر الحوالة، والمأمورُ الوكالة، فالقول قول المأمور في نفي الحوالة، فإِن كان ذلك قبل القبض لم يملك القبض؛ لأنَّ جحوده للوكالة يتضمَّن العزل، وإِن قبضه؛ فإِن تلف في يده ففي
الضمان وجهان، وإِن كان باقيًا بيده؛ فإن عسر عليه استيفاء حقِّه فالوجه أن يتملَّك المقبوض؛ لأنَّه من جنسه، وإِن لم يعسر: فهل يكتفي بما قبض، أو يطالب بحقِّه؟ فيه وجهان، فإِن قلنا: يطلب حقَّه، فالمقبوض موقوف؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما يدَّعي أنَّه ملك صاحبه، فإِن قال الآمر: إِن لم تصدِّقني أنَّ المقبوض حقَّك فقد وفَّيتكه الآن، فلا خلاف في هذه الصورة، لكن قد يُحتاج إِلى الإِتيان بصورة القبض، كما ذكرناه فيمن يقبض حقًّا له ممَّا في يده.
الحال الثانية: أن يتَّفقا على جريان لفظ الحوالة، ويقول الآمر: أردتُ به الوكالة، فيقول المأمور: بل أردتَ الحوالة، فظاهر قول المزنيِّ: أنّ القول قول الآمر؛ نظرًا إِلى نيَّته التي لا تُعلم إِلا من جهته، وخرَّج ابن سُريج قولًا: أنَّ القول قول المأمور؛ نظرًا إِلى صريح اللفظ.
وقيل: إِن قال: أحلتك بما لي على فلان، فالقول قول الآمر، وإِن قال: أحلتك بما لَك عليَّ على الذي لي على فلان، فالقول قول المأمور، ومنع الإِمام إِجراء الخلاف في هذه الصورة، وقطع بأنَّ القول قول المأمور.
فإِن صدَّقنا الآمر ففي انقطاع علائق الحوالة وجهان أقيسهما الانقطاع، فإِن قلنا: لا تنقطع، فهي كالحوالة الفاسدة، إِن تسلَّم المأمور المال، ففي براءة المحال عليه وجهان، فإِن قلنا: يبرأ، فللآمر مطالبة المأمور، وإِن قلنا: لا يبرأ، ردَّ المأمور المال على المحال عليه؛ وللآمر مطالبة المحال عليه بالمال، وقال الإِمام: الوجه أن يبرأ المحال عليه؛ لاتِّفاقهما على وقوع القبض بالإِذن.
ولو قال الآمر: أردتُ لفظ الحوالة، وقال المأمور: لم أقبل إِلا الوكالة،
فقياس قول المزنيِّ: أنّ القول قول المأمور، وقياس ابن سريج أنَّ القول قول الآمر.
1691 -
فروع:
الأوّل: يجوز تعدُّد المحيل واتِّحاد المحتال؛ بأن يحيل زيد عمرًا على بكر، ثم يحيل بكر عمرًا على خالد، ويجوز اتِّحاد المحال عليه وتعدُّد المحتال؛ بأن يحيل زيد عمرًا على بكر، ثم يحيل عمرٌو خالدًا على بكر، ثم يحيل خالدٌ عبدَ الله على جعفر.
الثاني: تجوز الحوالة بأرش الجناية على أرش الجناية إِن كان من النقدين، وإن كان إِبلًا؛ فإِن منعنا الحوالة في المتقوِّمات لم تجز، وإِن أجزناها فوجهان مأخذُهما القولان في الاستيفاء والاعتياض.
الثالث: إِذا ضمن ضمانًا يوجب الرجوع، ثم أحال الضامن المضمون له بالمال فله الرجوع؛ لأنَّ الحوالة كالأداء.
ولو ضمن اثنان عن رجل خمسةً خمسةً، وضمن كلُّ واحد منهما ما على صاحبه، فأحال أحدهما المضمون له بالعشرة، فإِنَّه يرجع بخمسة على صاحبه، وبخمسة على المضمون عنه.
الرابع: إِذا أحال بثمن العبد المبيع، ثم تصادق المتبايعان على حرِّيَّته، عَتَق، ولم تبطل الحوالةُ ما لم يوافقهما المحتال.
الخامس: إِذا ظهر المحال عليه عبدًا لغير المحيل فالحوالة صحيحة، ولا طلب إِلا بعد الإِعتاق، فإِن فسخ المحتال الحوالة جاز؛ فإِن جوَّزنا الفسخ بالإِعسار نفذ فسخه، وإِن منعناه فهاهنا وجهان؛ إِذ لا نهاية للرقِّ،
وإِن ظهر أنَّه عبد للمحيل فقد قال في "التقريب": إِن كان كَسُوبًا تعلَّق الدَّين بكسبه، وإِن لم يكن كسوبًا تعلَّق بذمَّته.
وقال الإمام: لا تصحّ الحوالة إِلا إِذا جوَّزناها على من لا دين عليه، أو قلنا بأنَّ مَن ملك عبدًا له عليه دينٌ فلا يسقط دينه بالملك الطارئ، ولا وجه لصحَّة الحوالة على غير هذين التقديرين؛ إِذ لا يُتصوَّر أن يثبت للسيِّد على عبده دينٌ يتعلَّق بذمَّته أو كسبه، فإِن جوَّزنا الحوالة على من لا دين عليه تعلَّقت الحوالة بكسبه، وإِن لم يكن كسب فبذمته.
السادس: إِذا أحال على اثنين بعشرة على كلِّ واحد بخمسة، وشرط أن يكفل كلُّ واحد منهما صاحبه، فإِن غلَّبنا المعاوضة جاز، وإِن غلَّبنا الاستيفاء لم يجز.