كتاب الجنائز
كتاب الجنائز
601 -
ينبغي للمحتضر أن يُحسنَ الظنَّ بالله تعالى، وينبغي أن يُلقَّن الشهادةَ برفق من غير إِضجار، وأن تُقرأ عنده (سورةُ يس)، وأن يُلقى على قفاه وأخمصاه إِلى القبلة، وقال العراقيُّون: على جنبه كالموضوع في لَحْده، ولا يوثق بهذا؛ إِذ العملُ على خلافه، فإِذا تحقَّق موتُه استُحبَّ لرجل رفيق أن يُغمضَ عينيه، ويشدَّ لَحْييه بعصابة، ويليِّن مفاصلَه؛ ليتيسَّر غسلُه وإِدراجه في أكفانه، وتُنزع عنه الثياب المُدْفية، ويُسجَّى بثوب خفيف، ويوضع على بطنه سيفٌ أو غيره؛ كيلا يربوَ.
602 -
باب غسل الميت
ينبغي أن يُغسلَ بمكان خالٍ لا يراه إِلا غاسلُه ومَنْ لابدَّ من إِعانته، ويكتمون ما يرونه من علامة مكروهة، ويُلقى على قفاه على لوح أو سرير منحدِر لا يقف عليه الماءُ، ويُغسل في قميصه؛ فإِن احتاج إِلى مسِّ بدنه فتقه، وأدخل يدَه من فتقه، وإِن نزعه جاز، إِلا أنَّه يجب سترُ عورته، ويُكره النظرُ إلى سائر بدنه لغير حاجة.
قال المزني: ويعيدُ الغاسلُ تليينَ مفاصله، وتردَّدوا في ذلك، وقال الإِمام: إِن احتيج إِليه فعل، وإِلَّا فلا، ويُبعد ماءَ الغسل إِلى حدٍّ لا يصيبه رشاشُ الغسالة، ويكون معه إِناءٌ يغرف به الماءَ، ثم يجلسه مائلًا إِلى ورائه حافظًا لرأسه عن تفاحش المَيْل، ويمسح بطنَه مسحًا بليغًا؛ لإِخراج ما عساه أن يخرجَ، والماء يُصَبُّ عليه بكثرة؛ والمجمر متوقِّد بالطيب الكاتم؛ لما عساه يكون من ريح، ثمَّ يلقيه على قفاه، ويرفق به جهدَه في إِلقائه وإجلاسه وتسريحه وجميع تقليباته؛ إِكرامًا له، ورعايةً لحرمته 1، ثم يَغسل إِحدى سوءتيه بخرقة ملفوفة على يده، ثمَّ يغسل الأخرى بخرقة أخرى، وكذلك يغسل ما عليه من قَذَرٍ بخرقة، وأعوانه يغسلون ما يلقيه من الخِرَق.
603 -
فصل في توضئة الميت
ينبغي أن يتعهَّد ثَغْرَه ومِنْخَريه بالخرقة بدلًا من السواك، ثمَّ يوضِّيه ثلاثًا ثلاثًا، ويوصل ماء المضمضة والاستنشاق إِلى ثغره ومنخريه، وفي إِيصاله إِلى داخل فيه وأنفه اختلاف.
قال الإِمام: إِن كانت أسنانُه متراصَّةً، فلا يفتحها لذلك.
604 -
كيفية الغسل:
إِذا كان شعره متلبِّدًا فليسرِّحه بمشط واسع الأسنان؛ ليصلَ الماءُ إِلى أصوله، ثمَّ يُضْجِعه على يساره، ويغسل شقَّه الأيمنَ من قرنه إِلى قدمه، ويدلِكه بالخرقة، ثمَّ يلقيه على قفاه، ويضجعه على يمينه، ويغسل شقَّه الأيسر كذلك، وهذه غَسلة واحدة، والأَولى أن يقتصرَ على الثلاث إِن لم يحتجْ إَلى الزيادة.
قال الشافعيُّ رحمه الله: ويجلسه بعد الكَرَّتين الأُخريين جلستين يمسح فيهما بطنَه مسحًا أرفقَ من المسح الأول، فإِن احتاج إِلى زيادة، أوتر بخامسة أو سابعة، ويجعل في إِحدى الغسلات سِدْرًا، وفي الأخيرة كافورًا، ويبالغ في تنشيفه بالاتِّفاق، والماء البارد أَولى إِلا ألَّا يحصلَ به النقاءُ، أو يعسرَ استعمالُه لِبرد الهواء.
605 -
فرع:
لا يسقط الفرض بالماء المتغيِّر بالسِّدْر، خلافًا لأبي إسحاق المروزي.
606 -
فصل في بيان أقلِّ الغسل
أقلُّه إِمرارُ الماء على ظاهر البدن، كما في الجنابة، وفي وجوب النيَّة على الغاسل وجهان ينبني عليهما تغسيلُ الكافر المسلم، وإعادة غسل الغريق.
ولو غسل الزوجُ زوجتَه المجنونةَ من الحيض، جاز له وطؤها، ولم يتعرَّضوا لنيَّته بنفيٍ ولا إِثبات.
607 -
فرع:
لو خرج منه بعد الغسل نجاسةٌ، قال الشافعيُّ: يُعيد غسلَه، فحمله بعضُهم على ظاهره، فعلى هذا: إِن خرجت من غير السبيل، ففيه احتمال، وقيل: يقتصر على غسل النجاسة من أيِّ محلٍّ خرجت، وقيل: إِن خرجت من سبيل الحدَث وجب غسلُها، وإِعادة الوضوء.
608 -
فصل فيمن يجوز له الغسل
لكلِّ واحد من الزوجين غسلُ صاحبه، ولا نظر 1 إِلى انقضاء العِدَّة، فتغسل المرأة زوجَها وإِن وضعت بعد موته، ويغسل الرجل أَمَتَه وأمَّ ولدِه، ولا تغسله أمتهُ على الأصحِّ، وفي أم ولده وجهان، وإِن لم يحضر الرجلَ إِلا أجنبيَّةٌ، أو لم يحضر المرأَةَ إِلا أجنبيٌّ، غَسَل كلُّ واحد منهما الآخرَ في قميص، وبالغ في غضِّ طرفه، وأبعد من [قال]: يُيَمَّمان.
وإِن مات الخنثى المُشْكِلُ، ولا قريبَ له، غسله الرجالُ والنساء مع غضِّ
الطرْف، وأبعد من أوجب التيمُّم، ومن قال: يُشترى من تركته أمةٌ تغسِّله؛ إِذ الأصحُّ أنَّ الأمة لا تغسل سيِّدها؛ لانتقالها إِلى ورثته.
609 -
فصل في الأولى بالغسل
إِذا ماتت امرأة، ففي الأَولى بغسلها طريقان:
أحدهما: أنَّ نساءَ الأقارب المحارم والأجنبيَّات أولى من الزوج ومن رجال المحارم؛ فإِن عُدم النساء، فالزوج أولى من رجال المحارم، والطريقة الثانية في الزوج ونساء المحارم وجهان:
أحدهما: الزوج أولى.
والثاني: نساء المحارم أَوْلى منه، وفي رجالهم وجهان.
ورجال المحارم يترتَّبون ترتُّبَهم في الصلاة عليها.
هذا إِذا تنافسوا، فامَّا إِذا سلَّمه المتقدِّم إِلى المتأخِّر، جاز للمتأخِّر أن يتعاطاه.
وقال أبو محمّد: لا يجوز للرجال غَسلُ المرأة إِلا عند فقد النساء، وعلى هذا قال الإِمام: يَحتمل أن يتعيَّن الغَسل على المتقدِّم، وقال: لو امتنع منه الجميعُ اختُصَّ بالحرج من يقدِّمه، ولا يسقط عمَّن يؤخِّره، بل لا يسقط عن الأجانب.
والرجال في غسل النساء كالنساء في غسل الرجال، والزوجة في حقِّ الزوج كالزوج في حقِّها، وتقديمها على رجال المحارم كما ذكرناه، وأبعد أبو إِسحاق المروزيُّ، فقال: لا تُقدَّم الزوجة على أحد.
610 -
فصل في تزيين الميت بالحَلْق والقَلْم
في قلم أظفار الميِّت وحلق شعره المندوب إِلى إِزالته في الحياة كشعر العانة والإِبط قولان، ولا يُحلَق ما كان يبقيه تزينًا؛ كاللحية واللِّمَّة وذوائب المرأة، وما كان يأخذه تزيينًا من غير نَدْب؛ كشعر الرأس لمن لا لِمَّةَ له، فقد قيل: لا يؤخذ قولًا واحدًا، وقيل: فيه القولان.
611 -
فصل في حكم الإحرام بعد الموت
يجب إِدامةُ شعار الإِحرام في بدن المُحرم، فلا يُقرَّب طِيبًا، ولا يُخمَّر وجه المرأة، ولا رأسُ الرجل، وفي تطييب المعتدَّة المُحِدّة وجهان.
612 -
فصل في غسل الكفار ودفنهم
الصلاة على الكفار محرَّمة، وإِن مات حربيٌّ أو قتل، تُرك بالقاع طُعمةً للسباع، فإِن ووُريَ، فلتغييبه عن الأبصار، كما تُوارى الجِيَف، وللمسلم غسل الذمِّيِّ إِلَّا أنَّ قريبَه الكافرَ وإِن بَعُدَ أَولى من قريبه المسلم، فإن لم يكن له وليٌّ من أهل دينه، فلا يجب على المسلمين غَسلُه، وهل يلزمهم تكفينُه ودفنه؟ فيه خلاف.
613 -
فرع:
الحريق المسلم الذي لو غُسل لتهرَّأ يُيمَّم ولا يُغسل، ويجب غسلُ
الجريح الذي يتسارع إِليه البِلا من غير تهرٍّ.
614 -
باب عدد الكفن وكيف الحَنُوط
مَؤُونةُ تجهيز الميِّت مقدَّمة على ديونه المستغرِقة، وأقلُّ الكفن ثوبٌ ساتر لجميع البدن؛ فإن بدا من بدنه شيءٌ لم يجز عند القدرة على الإِكمال، وإِن نازع الغرماء في الثاني والثالث، ففي إِجابتهم وجهان، وإِن تنازع الورثةُ ولا دَينَ، كُفِّن في الثلاث، وأبعد من ذكر وجهين.
والفقير إِذا كُفِّن من بيت المال، فقد قطعوا بالاكتفاء بثوب واحد، وقيل: يجب الثلاثُ من بيت المال إِلا أن يُخَلِّفَ ثوبًا سابغًا، ففي الثاني والثالث وجهان، ولا يجوز الاقتصارُ على ستر العورة اتِّفاقًا.
615 -
فرع:
لو وصَّى بالاقتصار على ستر العورة، وجب تكفينُه في السابغ، وإِن وصَّى بالاقتصار على السابغ اكتفي به؛ لأنَّه رضي بإِسقاط حقِّه.
616 -
فصل في إِكمال كفن الرجل
لا يُستحبُّ تقميصُ الرجل باتِّفاق العلماء، والأولى الاقتصارُ على الثلاث من غير تقميص ولا سَرَف في الخمسة؛ فإِن كُفِّن فيها فقميصٌ وعِمامة وثلاثُ لفائف، وإِن كُفِّن في الثلاث، فالسوابغُ أولى، وقيل: يستر بأحدها
عورتَه كالمئزر، والثانية من صدره أو فويقه إِلى نصف ساقه، والعليا سابغة فاضلة من جهة رأسه وقدميه، وفضلها من جهة الرأس أكثر.
617 -
فصل في إِكمال كفن المرأة
يُستحبُّ أن تُكَفَّن المرأة في ثلاث أو خمس، والزيادة على الخمس سَرَفٌ، ولا يُجبَر الورثةُ على الرابع والخامس، فإِن كُفِّنت في الثلاث فرِباط سابغة بغير قميص، وإِن كُفِّنت في الخمس استُحبَّ تقميصُها على القديم.
قال الشافعيُّ رحمه الله: وتُشدُّ أكفانُها بشداد، وهل هو من الخمسة أو سادس؟ فيه وجهان؛ فإِن جُعل سادسًا، شُدَّت به الأكفان من فوقها، وأخرج من القبر، وإِن جُعل خامسًا فهل يُشدُّ به وسطُها دون الريطة الثالثة، أو يُشدُّ فوق اللفائف ليضمَّها؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: لا تُقمَّص والشداد سادسٌ، فإِزار وخمار وثلاثُ لفائف وشداد، وإِن جُعل خامسًا، فإِزار وخمار ولفافتان وشداد، وإِن قلنا: تقمَّص والشداد خامس، فإِزار وخمار، وقميص ولفافة، وشداد، وإِن قلنا: الشداد زائد فلفافتان، وهذا كلُّه في الأول، ولو قُمِّص الرجل أو المرأة في سابغ جاز، والثاني والثالث على ما تقدَّم.
618 -
فصل في كيفيَّة إِدراج الميت في الأكفان
ينبغي أن تُبسطَ الرَّيْطة العليا على موضع نظيف، ويبسط عليها الثانية والثالثة، ويُذَرَّ عليهنَّ الحَنوط، وعلى التي تليه أكثر، ثمَّ يلقى على
وسطها، ويُلَفَّ شيء على قدر الموزة، ويُدَسَّ بين إِليتيه، ويلصق بالحلْقة، ولا يجاوزها، ويُبسط عليه قطن عريض، ويُشَدَّ عليه التُّبَّان (1) شدًّا وثيقًا، ويُجعل الكافورُ على قطن، ويلصق على منافذه؛ كالعين والفم والأنف والأذن، ثمّ يُلَفُّ في الأكفان، فَيثْنى ما على يمينه على يساره، ويردُّ الفاضل على وجهه وقدميه.
619 -
فصل في الحَنوط
تجمير الأكفان بالعُود أَولى من المِسك؛ لكراهية ابنِ عمرَ للمسك، واختلفوا في وجوب الحنوط، فألحقه بعضُهم بالثوب الثاني والثالث، وقطع آخرون باستحبابه.
620 -
فصل في صفة الأكفان
التغالي في الكَفَن منهيٌّ عنه، وأفضلُ الثياب البياضُ، ويحرم الحريرُ على الرجال، ولا يُؤْثَر للنساء، ولو كُفِّن فيه لجاز، وإِن اختلفوا في جنس الكفن، كُفِّن كلُّ شخص فيما يليق برُتْبته، كما يفعل في حال الحياة، ومن وجبت نفقته لقرابته وجب على المُنفِق تجهيزُه وتكفينهُ، وفي الزوجة وجهان.
1
621 -
فصل في الدفن
الغَسْل، والكَفَن، والدفن، والصلاة؛ فرضٌ على الكفاية، واللحدُ أولى من الشَّقِّ، وليوضعْ على جنبه الأيمن مستقبلَ القبلة، وذلك حَتْمٌ، ويُدنى إِلى جدار اللحد، ويُدعم من ورائه بلَبِنة؛ كيلا يَنكَبَّ على وجهه، ولا يستلقي، وحَسنٌ أن يوضَع رأسُه على لَبِنة يفضي بخدِّه إِليها أو إِلى تراب قبره، ولا ينبغي أن يُوضعَ على مخدَّة أو مُضرَّبة، ثم يُنضَّد اللَّبِنُ على اللحد، وتُسَدُّ فُرَجُه بما يمنع انهيارَ التراب، ويَحثي كلُّ دانٍ ثلاثَ حثيات من التراب، ثمَّ يُهال بالمساحي، وقد قال عليه السلام: "من اتَّبع الجنازة حتَّى تُدفنَ، فله قيراطان من الأجر" (1)، ويحصلُ ذلك بأن يُرَدَّ ترابُ القبر كلُّه، وإِن نُضِّد اللَّبِن، ولم يُهَل الترابُ، ففيه تردُّد، وقال الإِمام: مهما وُوري فقد حصل القيراطان.
622 -
فصل في صفة القبر
لا يُرفع القبر إِلا قدْرَ شبِر أو ما يقاربه، ولا يُجصَّص ولا يطين، وحَسنٌ أن يوضع عليه الحصا، وإن وضع عند رأسه حجرٌ يعرفُ به، فلا بأس، وتسطيحُه أولى من تسنيمه، وقال ابن أبي هريرة 2: إِن صار التسطيحُ في ناحية، أو الجهرُ بالتسمية شعارًا للروافض، فالأولى مخالفتُهم، ونُقل مثلُه عن الشافعيِّ رحمه الله في القنوت، ولا يصحُّ هذا النقل، ولا تُترك أبعاضُ1
الصلاة وسننها لأجل المبتدعة، وكذلك رأى بعضُهم أنَّ التَّختُم في اليسار أولى؛ لأنَّ التختُّمَ في اليمين شعارُ المبتدعة، لكن صحَّ أنَّ رسول الله تختَّم في يساره (1).
623 -
فصل في أقلِّ ما يجزئ من الدفن
أقلُّه حفرة تكتم ريحَ الميِّت، وتُعسِّر على السباع الوصول إِلى الميِّت في غالب الأمر، وقيل: الأولى أن يُعمَّق قدرَ بسطة، وهي قامة رجل وسط.
624 -
[فصل] (2) في دفن الجماعة في قبر واحد
لا ينبغي أن يُدفنَ اثنان في قبر إِلا أن يكثرَ الموتى، أو يضيقَ المكان، ويُقدَّم الأفضلُ فالأفضل إِلى القبلة، وتقدَّم الأمُّ على ابنتها، وتُؤخَّر عن ابنها، ومنعوا جمعَ النساء والرجال، فإِن مسَّت حاجة، حُجِز بينهم بالتراب.
625 -
المشيُ على القبور:
يكره للرجل أن يجلسَ على قبر أو يبكيَ عليه، أو يتوطَّأ شفيرَه في مشيه، ويحرم البناءُ على القبور في البِقاع المشترَكة العامَّة دون الخاصَّة.
12
626 -
[فصل] (1) في تحريم نبش القبر وجوازه
لا يجوز نبشُ المسلم إِلَّا أن ينمحقَ أثرُه، فإِن انمحق جاز أن نقبِرَ غيرَه في مكانه، ولا يجوزُ المنعُ من ذلك مع الحاجة؛ لأنَّ الأوَّل كنازل بمكان مسبَّل رَحَلَ وتركه، ويحرم الدفنُ قبل الصلاة، ويخرج بذلك من علمه من أهل الناحية، ولا يجوز نبشُه للصلاة عليه، بل يُصلَّى عليه في قبره، وإِن دفن بغير غُسْل، ولم يمضِ زمانٌ يتغيَّر في مثله وجب نبشُه؛ ليُغسلَ ويعاد، وفيه قول: أنَّه يكره نبشُه، ولا يحرم، وفي وجوب نبشه ليُكفَّن وجهان، ولا شكَّ في تحريم النبش لغرضٍ في نقل يراه الناسُ، ويجب إِخراجُه من الأرض المغصوبة إذا طلب المالكُ، وإن تغيَّر فقد أشاروا إِلى إِخراجه، وفي ذلك احتمال، وفي الكفن المغصوب أوجه:
أحدها: يجب نبشُه ورَدُّه.
والثاني: لا يجوز نبشُه، وتدفع القيمةُ إِلى المالك؛ فإِن عسرت في الحال، ففي جواز نبشه احتمال.
والثالث: يُفرَّق بين المتغيّر وغيرِه؛ لما في نبش المتغيِّر من انتهاك حرمته، وردَّه أبو محمَّد بأنَّه لو ابتلع جوهرةً لغيره لَشُقَّ جوفُه وأُخرجت.
627 -
فصل في غسل السِّقْط وكفنه والصلاة عليه
قال أبو عليٍّ: إِذا وضعت مُضْغة لا يثبت بها استيلادٌ ولا غيره، فلا غَسل1
ولا كفن، ولا صلاةَ ولا دفن، والأولى أن تُوارى، وقال الإِمام: إِن أثبتنا الاستيلادَ والغُرّة بمثل هذا على أحد النصوص، فينبغي أن يجبَ دفنُه ولفُّه في خِرْقة، وإِن بدا فيه أثرُ التخليق، فله ثلاثة أحوال:
إِحداها: أن تُعلم حياتُه بالأدلَّة القاطعة؛ كالاستهلال والطَّرْف، فله حكمُ سائر الموتى، فيُغسل ويُكمل كفنه، ويُصلَّى عليه، ويُدفن.
الثانية: ألّا يظهرَ شيء من علامات الحياة، فيجب أن يُكفَّن بثوب، وأن يدفنَ قولًا واحدًا، وفي الغسل والصلاة عليه ثلاثةُ أقوال؛ يجب في الثالث الغسلُ دون الصلاة، ولا يجبُ إِكمالُ الكفن إِلا إِذا أوجبنا الصلاة، وقال في "التقريب": إِن بلغ مبلغًا يُتوقَّع فيه نفخُ الروح، فعلى الأقوال الثلاثة، ولا حكم له قبل ذلك [الحال] 1.
الثالثة: أن يختلجَ ويتحرَّك قليلًا، ثم يخمد، فهل يلحق بالمستهلِّ أو يُخرَّج على الأقوال؟ فيه طريقان.
628 -
باب الشهيد
المسلم إِذا قُتل في مُعْتَرَك الشِّرْك، أو قتله المسلمون خطأً، أو وَطِئَتْه دوابُّهم، أو رجع عليه سلاحُه، فمات بذلك، أو انقضت الحرب وهو على حركة المذبوح، فهو شهيد.
وإِن مات حَتْفَ أنفه في أثناء الحرب، فوجهان.
وإِن قُتل صبيٌّ أو امرأة، فكلاهما شهيد، وإِن مات من الجراحة بعد انقضاء الحرب؛ فإِن كان مَرْجُوَّ الحياة، فليس بشهيد على المذهب، وإِن قُطع بموته، فقولان؛ فإِن بقي أيَّامًا يتصرَّف، فطريقان.
ولا يثبت حكمُ الشهادة لمن قتله مسلمٌ من غير مكاوحة، ولا للباغي إِذا قتله العادل، ولا لمن ورد فيهم لفظُ الشهادة؛ كالمبطون، والغريق، والحريق.
وفي العادل إِذا قتله الباغي قولان، وفيمن قتله القُطَّاع في المكاوحة طريقان.
ولو دخل الحربيُّ بلادَ الإِسلام خُفْيةً، واغتال بها مسلمًا من غير مكاوحة، فوجهان، ويجب القطعُ بأن قتيلَ الذمِّي ليس بشهيد.
629 -
فصل في غَسل الشهيد
لا يجوز غَسلُ الشهيد، ويجب إِبقاؤُه على دمائه، وأبعد من قال: يغسل إِن كان جُنبًا، وفي وجوب إِزالة النجاسة الأخبثية أوجهٌ، أعدَلُها: التفرقةُ بين ما يؤدِّي إلى زوال دم الشهادة وما لا يؤدِّي.
630 -
فصل في الصلاة على الشهيد
لا تجب الصلاةُ على الشهيد اتِّفاقًا، وحرَّمها المحقِّقون، وأجازها آخرون، وإِن لم يكن على الشهيد دمٌ ففي جواز غسله احتمالٌ.
631 -
تكفين الشهيد:
يُنزع عن الشهيد لَبُوسُ الحرب؛ كالدِّرْع، والثياب الخشنة، ويجوز دفنُه بثيابه المتضمِّخة بدمائه، ولِوليِّه إِبدالُها بغيرها؛ فإِن لم تكن سابغةً، وجب الإتيانُ بسابغ إِلا أن يتعذَّر ذلك، وإِن كان ثوبُه سابغًا، ففي وجوب الثاني والثالث وجهان.
632 -
فصل فيمن قُتِل حدًّا
المرجومُ بالزنا، والمقتول بترك الصلاة يُغسلان ويُصلَّى عليهما، وفي قاطع الطريق أوجه: أحدُها: لا يُغسل، ولا يُصلَّى عليه؛ تغليظًا على القُطَّاع.
والثاني: إِن قلنا: يُترك على الصليب، فلا غسلَ ولا صلاةَ، وإِن قلنا: يُنزَل عنه، غُسل وصُلِّي عليه بعد إِنزاله، والمذهبُ أنَّه يُغسل ويُصلَّى عليه بعد إِنزاله إِن قلنا: ينزل، وإِن قلنا: لا ينزل، غُسل وكُفِّن وصُلِّي عليه، ثمَّ صلب، ومن قال: يقتل بعد الصلب، وضَمَّ إِليه أنَّه لا ينزل، لزمه أن يقول: يُصلَّى عليه وهو مصلوبٌ، ولم يقل أحد: إِنَّه يُقتل مصلوبًا، ثمَّ يُنزل فيُغسَّل، ويُصلَّى عليه، ويُردُّ إِلى الصليب.
ولا يُغسل المُرتدُّ، ولا يُصلَّى عليه، والوجه إِلحاقه بالحربيِّ.
633 -
اختلاط المسلم بالكفار:
إِذا اختلط مسلمٌ بمشركين، ولم يتميَّز وجب أن يُصلَّى عليه بالنيَّة، وأوجب الإِمامُ غَسلَ الجميع وتكفينَهم؛ لإِقامة ما يجب من ذلك للمسلم.
634 -
فرع:
إِذا وُجد بعضُ الآدميِّ فلا يُصلَّى عليه إِلا أن يُعلمَ موتهُ، فَيَغسله ويواريه بخرقة، ثمَّ يُقدِّمه ويُصلِّي عليه.
635 -
باب حمل الجنازة
يجوز أن يحملَها أربعةٌ من جوانبها، أو ثلاثةٌ أحدُهم بين عموديها المقدمين، والآخران خارجان عن المؤخَّرين؛ فإِن لم يستَقِلُّوا، حمَلَها خمسةٌ أحدُهم بين العمودين.
ومن أراد حملَها من جوانبها بدأ بيسارها، فحملها من مقدَّمة، ثمَّ من مؤخِّرة، وفعل كذلك بيمينها؛ لتقع البداءةُ بيمين الميِّت، والختمُ بيساره، والحمل بين العمودين أفضلُ، وأبعدَ من عكس ذلك، ومن تردَّد في التسوية.
636 -
باب المشي بالجنازة
الإِسراع بالجنازة دون الخَبَب مستحبٌّ، والمشي أولى من الركوب، والتقدُّم عليها أفضلُ للراكب والماشي، وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان.
637 -
باب من أولى بالصلاة على الميت
وليُّ الميِّت من أقاربه أولى بالصلاة عليه من الوالي في أصحِّ القولين، وإِن حضر الأقارب والأجانب قُدِّمت القرابةُ على جميع الخصال من الفقه والسنِّ والحرِّيَّة، إِلا الذكورة، وكذلك يُقدَّم ذو الرحم؛ كالخال على الأجنبيِّ وإِن كان عبدًا مفضولًا، ولا تتقدَّم النساءُ على الرجال بحال، بل يُقدَّم عليهنَّ العبدُ الأجنبيُّ، والصبيُّ المراهق.
638 - فصل في اجتماع الأقارب
إِذا اجتمع الأقاربُ قُدِّم الأب، ثمَّ الجدُّ، ثمَّ الابن، ثمَّ ابنه، وأبعدَ من ألحق ذلك بولاية النكاح، فقدم الأخَ على الابن.
الأخُ الشقيق أولى من الأخ للأب، وقيل: على القولين في ولاية النكاح، والفرق أنَّ قرابة الأمِّ لا مدخلَ لها في النكاح، بخلاف الصلاة؛ فإِن لم تكن عصبة فَذَوُو الأرحام، ولعلَّ الظاهرَ تقديمُ المولى عليهم.
639 -
فصل في اجتماع الأقارب
في درجة واحدة إِذا تساوت الدرجةُ، كالإخوة قُدِّم بالحرِّيَّة، ونصَّ على تقديم الأسنِّ
على الأفقه في الجنازة، وعلى تقديم الأفقه في سائر الصلوات، فخرَّج بعضُهم في جميع الصلوات قولين، وقطع المراوزةُ بتقديم الأفقه في الصلوات، وذكروا في الجنازة وجهين، ولا يُشترط في السنِّ الشيخوخةُ، وتردَّد أبو محمَّد في عبد فقيه وحرٍّ غيرِ فقيه، وإِن اجتمع أخٌ من أبٍ رقيقٌ، وعمٌّ حرٌّ ففي الأولى وجهان.
640 -
باب صلاة الجنازة
يجوز فعلُها في الأوقات المكروهة، وفي سقوط فرضها بالنساء خلافٌ، وفي الإكتفاء برجل واحد وجهان، فإِن قلنا: لا يُكتفى به، فهل يكتفى بثلاثة، أو لا بدَّ [من أربعة؟ فيه وجهان، ويُحتمل أن يُكتفى باثنين، ومن شَرَط العدد لم يَشرِط الجماعة، ولو صلَّوا أفرادًا، جاز.
641 -
فصل في موقف الإمام من الجنازة
يجوز إِدخالُ الجنازة إِلى المسجد، والسنَّة أن يقفَ في مقابلة صدر الرجل، وعَجِيزة المرأة، وإِذا حضرت جنائزُ في درجة، ورضي الأولياءُ بصلاة واحدة، قُرِّب أحدُهم إِلى الإِمام، والباقون بإِزائه في جهة القبلة، وقيل: يُجعلون صفًّا واحدًا على يمين الإِمام رأسُ كلِّ واحد منهم عند رجلي الآخر، ويقف الإِمام في مقابلة آخرهم.
642 -
فصل في التقديم بالسبق
للقرب من الإِمام فضلٌ يستحقُه الأسبقُ فالأسبق، إِلَّا أن تكونَ امرأة،
فتُؤخَّر؛ إِذ الحقُّ للرجال، وكذلك تؤخر لو سبقت] (1) إِلى الجماعة، والظاهر أن الصبيَّ لو سبق إلى الجماعة، ثم لحق الرجالَ قبل إِحرام الإِمام، أو سبقت جنازته، فلا يؤخر؛ إذ الحقُّ للرجال.
643 -
فصل في التقديم بالصفات
إِذا حضرت الجنائزُ معًا، قُرِّب الرجلُ إِلى الإمام، ثمَّ الصبيُّ ثمَّ الخنثى، ثمَّ المرأة، على عكس الوضع في اللحد، فإِن تساوَوا في الذكورة والأنوثة، والبلوغ والصِّبَي، قُدِّم من يُتقرَّب إِلى الله بالصلاة عليه؛ فإِن استوَوا في ذلك، فُعِل ما يَتراضى به الأولياء، فإِن تشاجروا أُقرِع بينهم، وكذلك في التقديم في اللحد، ولا يقرع عند التفاضل، ويبعد التقديمُ بالحرِّيَّة؛ لاستواء الحُرِّ والعبد بعدَ الموت، وأقرب ما يُقدَّم به الوَرَع.
644 -
فصل في الصلاة على الغائب
الصلاة مشروعة على الغائب عن البلد؛ فإِن غاب في البلد، وأمكن إِحضارُه، ففيه خلافٌ كالخلاف في القضاء على الغائب في البلد، وأولى بالجواز، ولو تقدَّم الإِمام على الجنازة مع حضورها، فقد خرَّجوه على القولين في التقدم على الإِمام، وهذا أولى بالجواز.
1
645 -
باب تكبير صلاة الجنازة
تكبيراتُ الجنازة أربعٌ بتكبيرة الإِحرام يقرأ في القَوْمة الأولى الفاتحة دون السورة، ويُسِرُّ القراءةَ نهارًا، وفي الليل خلافٌ، فإِذا قضى الفاتحة كبَّر ثانيةً، وصلى على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفي دعائه لأهل الإِيمان خلافٌ، ونقل المُزَنيُّ أنَّه يحمد الله عَقيبَ الثانية، ثمَّ يصلِّي على النبيِّ عليه السلام، واتَّفقوا على أنَّه غيرُ سديد، ولم يوجد ذلك للشافعيِّ رحمه الله، ثمَّ يكبِّر الثالثة، ويدعو للميّت، ثمَّ يكبِّر الرابعة، ويسلِّم عَقيبَها على معظم النصوص، ونقل البُويطيُّ أنَّه يقول: اللهمَّ لا تحرِمنا أجرَه، ولا تفتِنَّا بعدَه، وفي رواية أخرى: اللهم اغفر لِحيِّنا وميِّتِنا.
وفي اقتصاره على تسليمة واحدة خلافٌ كالخلاف في سائر الصلوات، وهذه الصلاة أولى بالاقتصار؛ لبنائها على الإِيجاز والاختصار، فإِن قلنا: يقتصر على واحدة، ففي قوله: (ورحمة الله) اختلاف، ويسلِّم تِلقاءَ وجهه، وله نصٌّ أنَّه يلتفت بها عن يمينه ويساره، فحمله بعضُهم على من سلَّم اثنتين، وأجراه آخرون على ظاهره، وهو جار في جميع الصلوات.
646 -
فصل في أقلِّ ما يجزئ من صلاة الجنازة
أقلها: النيَّة، والتكبيراتُ الأربع، والصلاةُ على النبيِّ، وأقلُّها: اللهمَّ صلِّ على محمَّد، والظاهر أنَّ الصلاةَ على الآل لا تجب ها هنا، والدعاء للميِّت عَقيب الثالثة، وقيل: يكفي الدعاء للمؤمنين.
والتسليمةُ، وأقلُّها: السلامُ عليك، ولو قال: السلام عليك، ففيه تردُّد لأبي عليٍّ.
قال الشافعيُّ رحمه الله: قد قيل: إِن الصلاةَ دعاء للميِّت.
قال في "التقريب": يُحتمل أن يكون هذا حكايةَ مذهبِ الغير، وإِن حُمل على أنَّه مذهب الشافعيِّ، فمقتضاه سقوطُ القراءة والصلاة على النبي، وجواز استغراق الصلاة بالدعاء للميِّت، والوجه القطعُ بحمل ذلك على مذهب الغير.
647 -
فرع:
لو سها في صلاة الجنازة، لم يسجد.
648 -
فصل في رعاية حرمة الميت في تجهيزه
كلُّ تصرُّف يظهر منه الإِزراءُ بالميِّت والاستهانة به، فهو حرام، وبالغ أبو عليٍّ في ذلك، فقال: يغسله ماهرٌ ومُعِين إِن اكتفى به، ويُوضَع على جنازة أو سرير، ولا يجوز أن يَنقُصَ حاملوه عن أربعة، ولا دافنوه عن ثلاثة، وفيما ذكره نظر؛ إِذ لا إِزراءَ في انفراد الواحد بغسله، والحمل بين العمودين
يحصل بثلاثة، فشَرْطُه الأربعةَ هفوةٌ، ولو حمله رجلان أيِّدان، ففيه احتمال، ولو حَمَل الطفلَ واحدٌ أو دفنه، فلا إِزراءَ، ويجب أن يُحمل على هيئة غيرِ قبيحة، ولا مُزْرِية بحيث يُؤمَن عليه المَيلُ والسقوط، وإِن استقلَّ بدفنه رجلان من غير إِزراءٍ في وضعه، ولم يُخْشَ عليه السقوط، فلا بأس بذلك عند الإِمام؛ إِذ المَرْعِيُّ اجتنابُ الاستهانةِ.
649 -
فصل في الاقتداء بمَنْ يخالف في تكبير العيد والجنازة
إِذا اقتدى في العيد مَن يكبِّر خمسًا بمَن يكبِّر سبعًا، أو بالعكس، ففي المتابعة قولان؛ فإِن خالف المأمومُ ما يُؤمر به من ذلك، أو ترك أصلَ التكبيرات، فلا تبطل صلاتُه عند الإِمام، وإِن اقتدى بمَنْ لا يرى القنوت، وعلم أنَّه لو قَنَت لسُبق بالسجود على ما سبق تفصيلُه، فلا يقنت، وإِن علم أنَّه لا يَسبقه، ففي قنوته القولان، وإِن زاد في صلاة الجنازة تكبيرةً خامسة، ففي بطلانها وجهان، وإِن اقتدى بمن يكبِّر خامسة، فقد قيل: لا يتابعه فيها، وقيل: على القولين في تكبيرات العيد؛ فإِن قلنا: لا يتابعه، فهل يسلِّم بعد الأربع، أو يصبر حتَّى يسلِّم مع الإِمام؟ فيه وجهان، ولهذا التفاتٌ على البطلان بالخامسة، وعلى الاقتداء بالحنفيِّ.
650 -
فصل في حكم المسبوق في صلاة الجنازة
إِذا أدرك الإِمامَ قبل التكبيرة الثانية، أحرم وقرأ، ولا ينتظر تكبيرةَ الإِمام؛
فإن لم يُكمل الفاتحةَ حتَّى كبَّر الإِمامُ، فهل يتابعه أو يُتِمُّ الفاتحة؟ فيه خلافٌ كالخلاف في المسبوق إِذا ركع الإِمام قبل إِتمامه الفاتحة، وفيه نظر من جهة أن الركوعَ يدرك به ما قبله، ولا يدرك بالتكبيرة ما قبلها، ويجري المسبوق على ترتيب صلاته، فيقرأ والإِمامُ في الصلاة على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو الدعاء.
651 -
فرع:
لو أدرك التكبيرةَ الأخيرة، فرُفعت الجنازة، وحُوِّلت عن القبلة، أتمَّ صلاتَه، وإِن لم نجوِّز الصلاةَ على الغائب في البلد، وإِن أحرم مع الإِمام، ولم يكبِّر معه الثانية حتَّى كبَّر إمامُه الثالثةَ من غير عُذْر، بطلت قُدوتُه.
652 -
فصل في تكرير الصلاة على الميت
يجوز أن يُصلِّي على الميِّت طائفةٌ بعدَ أخرى، وإِن سقط الفرض بصلاة الأولى، واتَّفقوا على أنَّ من صلَّى مرَةً فلا يُؤْثَر له إِعادتُها؛ إِذ لا يُستحبُّ التطوُّع بصلاة الجنازة، فإِن أعادها، لم تبطل على الظاهر من كلامهم، وكذلك إِن صلَّاها منفردًا، فلا يعيدها في الجماعة على الظاهر من كلامهم، وإِن صلَّت عليه طائفةٌ يسقط الفرضُ ببعضها، أو صلَّت طائفة بعد أُخرى، فصلاة الكلِّ موصوفة بالفرضيَّة، ويُحتمل أن يُخرَّج على الخلاف في مسح جميع الرأس، وفي صلاة الطائفة الثانية احتمال ظاهر.
653 -
فصل في الصلاة على القبور
لا تجوز الصلاةُ على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قول الجمهور، وأجازها بعضُهم في الانفراد دون الاجتماع، ويجوز على قبر غيرِه ما لم ينمحق أثرُه، أو إِلى شهر، أو إلى ثلاثة أيَّام، أو لا حدَّ لها؟ فيه أربعةُ أوجه: أصحُّها الأوَّل، وأبعدُها الأخير، والأصحُّ أنَّه لا يصلِّي عليه إِلا مَنْ كان أهلًا للصلاة عليه يوم موته؛ فمَنْ لم يولد، أو كان طفلًا غيرَ مميِّز فلا يُصلِّي، وفي المميِّز وجهان، وإِن كان كافرًا أو حائضًا صلَّيا على رأي الإِمام، وإِذا شككنا في بقاء الميِّت ففي الصلاة عليه احتمال من جهة أنَّ الأصل بقاؤه.
654 -
فصل فيمن يتولَّى الدفن
لا يَدفِن الميِّت إِلَّا الرجالُ؛ رجلًا كان أو امرأة.
قال الشافعيُّ رحمه الله: يتولَّى ذلك زوجُها ومحارمُها، فإِن لم يكونوا فعبيدها، فإِن لم يكونوا فخِصْيان، فإِن لم يكونوا فأرحام، فإِن لم يكونوا فأجانب.
قال الإِمام: يتحتَّم [تقديم] 1 الزوج، والمحارم دون القريب الذي ليس بمَحْرَم، وفي العبيد والخِصْيان نظر؛ لأنَّ مِلكَها قد انقطع عن العبيد، وفي الخصيان كلام يأتي في (كتاب النكاح) إن شاء الله تعالى.
والأَولى أن يتولَّى الدفنَ ثلاثة؛ فإِن زادوا فقد قيل: ينبغي أن يكونوا
وترًا، ولا تتولَّاه النساءُ إِلا إِذا فُقد الرجال، ويُسلُّ الميِّت من قِبَل رأسه إِلى القبر.
655 -
باب التعزية وما يُهيَّأ لأهل الميت
التعزية سنَّة.
قال الشافعيُّ رحمه الله: يؤخِّرها من حَضَر الجنازةَ إِلى ما بعد الدفن؛ لاشتغال أهل الميِّت بتجهيزه، ومقصودُ التعزية الحثُّ على الصبر بوعد الأجر، والتحذير من إفراط الجَزَع، والتذكير برجوع الأمر إِلى الله، ولا بأس بتعزية أهل الذِّمَّة، ولا يُدعى لميِّتهم الكافرِ، بل يقال: جَبَر الله مصيبتَك، وألهمك الصبر، ونحوهما.
ولا تتقدَّر التعزيةُ بثلاثة أيَّام على أحد الوجهين، وحَسُن لجيران الميِّت أن يصنعوا طعامًا لأهله.
656 -
باب البكاء على الميت
لا بأس بالبكاء على المحتضَر، والانكفافُ بعد موته أولى، فإِن غُلبوا، فلا يكره البكاء، بل كلُّ قول أو فعل يظهر منه الجزعُ المناقض للانقياد لقضاء الله [تعالى]، فهو محرَّم؛ كلطم الخدود، وشقِّ الجُيوب، وضرب الرؤوس، والمبالغة في رفع الصوت، وقد نُهي عن النُّدْبة، وهي ذكر الميِّت بمناقبه؛ كقولهم: واكهفاه، واجبلاه، ونحوه.
ولا يُعذَّب أحدٌ ببكاء غيره؛ فإِن وصَّى بما لا يجوز من ذلك، أَثِم بوصيَّته.