الغاية في اختصار النهايةصفحات 284-323

1314 -

باب الرجل يبيع الشيء بأجَل ثمَّ يشتريه بأقلَّ من الثمن

إِذا قبض المبيعَ فله أن يبيعه من البائع بمثل ثمنه أو أقلَّ أو أكثرَ، سواءٌ قبض الثمن الأوَّل أو لم يقبضه، فإِن عمَّ العرف بشيء ففي إِلحاقه بالشرط خلاف.

1315 -

باب تفريق الصفقة

إِذا جمعت الصفقةُ مختلفين فلهما حالان: إحداهما: أن يكونا قابلين للعقد مع اختلاف أحكامه، كالبيع مع الإِجارة أو السلَم أو الصداق، وكما لو باع ثوبًا ودينارًا بثوب ودرهم، أو صاعَ برٍّ ودرهمٍ بصاع شعير ودينار، فيصحُّ العقد في أصحِّ القولين.
وإِن أسلَمَ في أجناس إِلى أجلٍ واحد بِعوض واحد، أو أسلم في جنس إِلى آجال، فقد قطع بعضهم بالصِحَّة، والأشهرُ طردُ القولين.
ولو باع شِقْصًا مشفوعًا وسيفًا، صحَّ قولًا واحدًا؛ لأنَّ الغرض من العقد لا يختلف فيهما، فإِن باعهما بعد ذلك في صفقة ففيه القولان؛ إِذ يملك 1 الشفيع فسخ البيع في الشقص.
الثانية: أن تجمع الصفقةُ ما يقبل العقد وما لا يقبله، وله مراتب: إِحداها: أن يبيع عبده مع مغصوب أو مكاتَبٍ أو أمِّ ولد، فيبطل البيع فيما لا يقبله، وفي القابل قولان: أحدهما: يبطل لعلَّتين: إِحداهما: أن العقد متَّحدٌ، فلا يَقبل الصحَّة والبطلان؛ لأنَّه يفسد

بالشرط الفاسد، وليس مبنيًّا على النفوذِ والسريان، بخلاف العتق والطلاق، فإِنَّهما لا يفسدان بالشرط الفاسد.
الثانية: أنَّ ثمن الحلال مجهول، فأَشْبَهَ ما لو باع بما يقابِل المبيع من ألفٍ لو وُزِّع عليه وعلى عبد فلان؛ فإِنه باطل بالإِجماع؛ فإِن قلنا بالصحَّة فللمشتري الخيار، فإِن أجاز فهل يجيز بجميع الثمن أو بالقسط؟ فيه قولان أصحُّهما الإِجازة بالقسط، فإِن قلنا: يجيز بالجميع، فلا خيار للبائع، وكذلك إِن قلنا: يجيز بالقسط، على الأصح.
الثانية: أن يجمع بينهما فيما لا عوض فيه، كالرهن والهبة، أو فيما يتقسَّط الثمن على أجزائه دون قيمته، كالمثليات أو الأجزاء الشائعة من المتقوِّمات، أو يجمع مسلمةً ومجوسيَّةً في عقد النكاح؛ فإِن قلنا بالصحَّة في الصور السابقة فهذه أَولى، وإِن قلنا بالبطلان ثَمَّ فهاهنا قولان مأخذُهما المعنيان، إِن علَّلنا بجهالة الثمن صحَّ، وإِلا فلا، والنكاحُ أولى بالصحَّة عند الإِمام، إِذ لا يفسد بالشرط الفاسد، فإِن قلنا: يصحُّ البيع، فهل يجيز بالقسط أو يجري على الخلاف؟ فيه طريقان، وإِن صحَّحنا النكاح أجاز بالقسط؛ إِذ لو ثبت بالجميع لأجحف به إِجحافًا لا يقدر على دفعه؛ إِذ لا خيار له، بخلاف المشتري، وكذلك لو تلف المأجور في أثناء المدَّة وقلنا: لا تنفسخ الإِجارة فيما مضى، ومنعنا المستأجر من الفسخ فيما مضى على الأصح، فلا يلزمه تمام الأجرة في مقابلة الماضي؛ لعجزه عن الدفع، وذكر أبو عليٍّ قولين آخرين: أحدهما: يجب مهر المثل.
والثاني: كمالُ المسمَّى، وللزوج أن يفسخ ويرجع إِلى مهر المثل،

وهذا ضعيف لم يوجد لغيره.
الثالثة: أن يضمَّ إِلى الحلال ما لا يتقوَّم إِلّا بتقدير، كالحُرّ [يضم إلى العبد] (1)، فهل يبطل، أو يجري على الخلاف؟ فيه طريقان، ولو قلت: في الصحَّة قولان مرتَّبان على الغصب والحلال، لأفاد ما يفيده الطريقان، وكذلك كلُّ ترتيب.
الرابعة: أن يضمَّ إِليه ما لا يتقوَّم إِلا بتغيير صفته، كالخمر مع الخلِّ، والخنزير مع الشاة، والمَيتة مع المذكَّاة، ففيه خلادت مرتَب على الحرِّ مع العبد، وأولى بالبطلان، فإِن قلنا بالصحَّة فلها مأخذان: أحدهما: أن تُقدَّر الميتة مذكَاةً، والخنزير شاةً أو ما يقارب ذلك، وهل يُقدَّر الخمر خلًّا أو عصيرًا؟ فيه وجهان، ويُحتمل أن يُقوَّم الخمر والخنزير عند من يرى لهما قيمة، كما سنذكره في الوصايا.
المأخذ الثاني: بناؤه على الإجازة بجميع الثمن؛ ليكون في مقابلة الحلال.
الخامسة: أن يضمَّ إِليه مجهولًا لا يُعرف، فلا يصحُّ إِلا إِذا قلنا: الإِجازة بجميع الثمن.

1316 -

فصل في تفريق الصفقة في الدوام

إِذا انفسخ البيع بتلف أحد العبدين فلهما أحوال:1

الأولى: أن يتلف قبل قبضهما، فإِن فرَّقنا الصفقة في الابتداء لم ينفسخ العقد في العبد الباقي، وإِن جمعناها ففي الانفساخ هاهنا قولان، فإِن قلنا: لا ينفسخ، فأجاز المشتري، فإِن قلنا: تخيَّر في الابتداء بالقسط، فهاهنا أولى، وإِن قلنا: تخيَّر ثَمَّ بتمام الثمن، فهاهنا قولان، ولا وجه لذلك أصلًا.
الثانية: أن يقبض أحدهما، ثمَّ يتلف الآخر قبل القبض، فقولان مرتَّبان، وأولى بأن لا ينفسخ؛ لتأكُّد العقد في المقبوض بانتقال الضمان.
الثالثة: أن يقبض أحدهما، فيتلف في يده، ثمَّ يتلف الآخر في يد البائع، فقولان مرتَّبان على الحال الثانية، وأولى ببقاء العقد؛ لتأكُّده بالقبض وانتقالِ الضمان، ولو تلف المأجور في أثناء المدَّة ففي انفساخ الإجارة فيما مضى هذان القولان.

1317 -

فصل في تفريق الصفقة بالاختيار في الدوام

إِذا وجد بأحد العبدين المقبوضين عيبًا ففي جواز إِفراده بالردِّ قولان، فإِن جوَّزناه رجع بالقسط بالاتِّفاق، وله أن يردَّهما على المذهب، وقيل: لا يردُّ إِلّا المعيب، وإِن منعناه فله ردُّهما بالاتِّفاق، فلو قال: رددت المعيب، لغا قوله، وأبعدَ مَن جعل ذلك ردًّا لهما، ولو رضي البائع بالردِّ بالقسط ففي جوازه وجهان؛ لأنَّ الردَّ يتعلَّق بالاختيار، بخلاف الانفساخ.
وإِن كانا معيبين، ففي الإِفراد قولان مرتَّبان، وأولى بالمنع، فإن تلف أحدهما فقولان مرتَّبان وأولى بالجواز، فإِن منعناه، فتلف أحدهما، فضمَّ

قيمة التالف إِلى الباقي ليردَّهما، فقولان مرتَّبان على ما لو ضمَّ أرْش العيب الحادث ليردَّه مع المبيع، وأولى بالمنع؛ لأنَّ الأرش تَبَعٌ، والتالفَ مقصودٌ، فإِن منعنا الردَّ رجع بأرش العيب القديم؛ فإِن امتنع البائع من بذل الأرش، وطلب ردَّ (1) الباقي مع قيمة التالف، ففي إِجبار المشتري على ذلك إنْ قَصَدَ تدارُكَ الظُّلامة قولان، ولو تلف جميع المبيع لم يجز إِيراد الفسخ على قيمته بالاتَّفاق، ولو عاب قبل القبض لم ينفسخ البيع في شيء منه بلا خلافٍ (2).

1318 -

فصل في تبعيض القبول وفروع من التفريق

إِذا باع صاعين بدرهم، فقَبِلَ أحدَهما بنصفه، لم يصحَّ اتِّفاقًا، ولو زوَّج أَمَتَيْه من عبد، فقبل نكاحَ إحداهما، صحَّ عند أبي عليٍّ، ويَحْسُنُ تخريجه على الجمع بين المسلِمة والمجوسيِّة، فإِن أبطلنا نكاح المسلمة وجب القطعُ ببطلان النكاح بتفريق القبول، وإِن أجزنا نكاح المسلمة بخلاف البيع فلا بُعد في الصحَّة هاهنا.

1319 -

فروع:

الأوَّل: إِذا اشترى عشرين درهمًا بدينار، وتقابَضَا العوضين إِلا درهمًا، واختارا التفرُّق، بطل البيع في الدرهم، وفيما يقابله من الدينار، وفي المقبوض قولا تفريقِ الصفقة.12

فإِن قلنا: لا تنفسخ، ففي تخيُّر المشتري ثلاثة أوجه: أحدها: يتخيَّر للتبعيض.
والثاني: المنع؛ لأنة تسبَّب إِلى التبعيض بمفارقته.
والثالث: يتخيَّر إِلأ أن يكون عالمًا بأنَّ العقد ينفسخ بالتفرُّق.
الثاني: قال أبو علي؛ لو أَصْدقَ عبدَه لامرأتين، وقلنا: يصحُّ ويوزَّع على المهرين، فبان بطلان نكاح إحداهما، ثبت الخيار في صَداق الأخرى لتبعُّضه عليه، وعَرَضَ ذلك على القفَّال فارتضاه، واستبعده الإِمام؛ لأنَّ التبعيض لا يُنسب إِلى التي صحَّ نكاحها.
الثالث: لو اشترى عبدًا من رجل لم يردَّ نصفَه بالعيب، وغلط من خرَّجه على الخلاف في إِفراد أحد العبدين، ولو باع نصفه، ثمَّ ظهر عيبه، فردَّ النصف الباقي مع أرش التبعيض، فقد خزجه الأصحاب على أرش العيب الحادث والقديم.
الرابع: إذا جمعت الصفقة حرًّا وعبدًا، فإِن علم البائع بذلك دون المشتري ففيه القولان، وإِن علِماه فقد قطع أبو محمَّد بالبطلان، كما لو باعه بألفٍ لو وُزِّع عليه وعلى عبد فلان، وخرَّجه الإِمام على القولين، وقال: إِن قلنا: نُجِيزُ بالقسط، فلا خيار؛ لعلمه بالحال.
الخامس: إِذا قبض المشتري العبدين، فتلف أحدُهما؛ فإِن أخَّرنا ردَّ الباقي مع قيمة التالف فالقول قول المشتري في القيمة اتِّفاقًا، وإِن تلف أحدهما، وجوَّزنا ردَّ الباقي من غير قيمة، فاختلفا في القيمة لأجل التوزيع، ففيمن يُصدَّق منهما بيمينه قولان، ولعلَّ الأصحَّ تصديق البائع.

السادس: يثبت الردُّ ما بقي المردود، ويَفوتُ بعدمه وفواته، ولا نظر إلى بقاء مُقابله، ولا إِلى فواته، فلو باع ثوبًا بعبد، ثمَّ تلف العبد، فله أن يردَّ الثوب بالعيب، ويرجع بقيمة العبد، والقول في القيمة قول الغارم، ولو تلف أحد العِوضين وبقي الآخر، لم يكن له ردُّ قيمة التالف بناءً على بقاء مقابِلِه.

1320 -

باب اختلاف المتبايعين

إِذا اتّفقا على عقدِ معاوضةٍ واختلفا في صفته تحالفا، مثلَ أن يتَّفقا على المبيع، ويختلفا في عين الثمن أو جنسه أو قَدْرِه أو تأجيله، أو يتَّفقا على عين الثمن ويختلفا في عين المبيع، أو يختلفا فيما يقبله العقد من الشروط الزائدة، كالأجَل والرهن والضمين، وشَرْطِ الحِرَفِ والصفات، وشَرْطِ البراءة إِن صحَّحناه، فإِذا تَحالَفَا فُسخ العقد.
وإِن اختلفا في عين المبيع واتَّفقا على ثمنٍ في الذمَّة، فقال: بعتك العبد بألف، فقال: بل بعتني الجارية بألف، فلا تحالُفَ عند العراقيّين، وفي طريق المَراوزة ما يدلُّ على التحالف، ولهذا التفاتٌ على ما لو أقرَّ بألفٍ من جهة، فأنكر المُقَرُّ له الجهة، وذكر جهةً أخرى، ولو وقع مثله في العين لوجب تسليمها بالاتِّفاق، فإِن قلنا: لا تحالُف، فلا فسخ ولا انفساخ، والمبطلُ منهما مطالَب بما عليه في الباطن، كسائر الخصومات.
ولو ذكر أحدُهما عوضين معيَّنين، وذكر الآخر عوضين آخرين، مثلَ أن قال: بعتك العبد بدينار، فقال: بعتني الثوب بدرهم، فلا تحالف؛ لأنَّهما اختلفا في عقدين، وكذلك لو قال: بعتك الدار، فقال: بل وهبتنيها.
ولو قال: بعتك العبد بهذا الثوب وثوب آخر تلف في يدك، فقال: بل بعتنيه بهذا الثوب وحدَه، بُني ذلك على تفريق الصفقة، فإِن قلنا: لا ينفسخ

العقد فيما بقي، وأنَّ الإِجازة بالقسط، تحالفا؛ لأنه نزاع في القدر المستحَقّ من العبد، وإِن قلنا بالانفساخ، أو قابلنا الباقي بالجميع، فلا تحالُفَ عند القاضي، وقال الإِمام: يتّجه التحالف إِن قابلنا بالجميع؛ لأنّ نزاعهما يَؤُول إِلى ثبوت الخيار للبائع، ولو تنازعا في شرط مفسد فلا تحالُفَ، وأيُّهما يُصدَّق بيمينه؟ فيه وجهان.

1321 -

فصل فيما يجري فيه التحالُف

ويتحالفان في كلِّ معاوضة، كالإِجارة، والصلح عن الدم، والخلع، والصَّداق، والقراض، والمساقاة، والكتابة، والبيع في زمان الخيار، وعقد العتاق، وأبعدَ القاضي فمنع التحالف في زمان الخيار ومكانه؛ لقدرتهما على الفسخ، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المقصود بالتحالف إِحجام الكاذب، وثبوتُ العقد بيمين الصادق، والفسخُ تابعٌ لذلك، وللقاضي أن يقول: طلبُ العوض فيما أصلُه الجواز بعيدٌ، ولو جاز ذلك لجاز طلب الثمن في مدَّة الخيار، وأن يحبس عليه المشتري، ويقال له: إِن أردت الخلاص فافسخ، وهذا لا قائل به.
ويلزم على كلامه ألّا يحلَّف من ادَّعى عليه بيعًا بشرط الخيار، بخلاف المطالبة بالنجم في الكتابة، فإِنَّه يستفاد من تعدُّده فسخُ الكتابة، وهي حقٌّ لازم، ولعلّ القاضي يجوِّز لهما التحالف في مدَّة الخيار من غير إِلزام، لكن لا عهد بالخيار في الأيمان، وكذلك يلزم ألا يتحالفا في القراض قبل الشروع في العمل، وقد يجعل تناكرهما تفاسخًا، كما جعل الشافعي دعوى الرجعة رجعة.

1322 -

فرع:

لا يقف التحالف على بقاء السلعة، ولا بقاء العاقدين، فلو ماتا أو أحدُهما ثبت حقُّ الوارث في التحالف.

1323 -

فصل فيمن يُبدأ بيمينه في التحالف

إِذا اختلفا؛ فإِن كانت بيِّنةٌ عُمل بها، وإِن وقع تعارض ففيه الأقوال، وإِن لم يكن بيِّنة تحالفا، والمنصوصُ أنَّه يُبدأ بيمين البائع ومَن على مرتبته، كالمُسلَم إِليه، والمؤجِّر، والسيِّد المكاتِب، ونصَّ على أنَّ البداية بالزوج في الصَّداق، وهو على رتبة المشتري بالنظر إِلى مقصود النكاح، ولهم في النصَّين طُرق.
إحداها: طرد قولين في جميع الصور.
الثانية: تقرير النصين بتقديم مَن قَوي جانبه، فيُقدَّم الزوج؛ لبقاء مقصود النكاح عليه، ويُقدَّم البائع ومَن على رتبته؛ لانقلاب المقصود إِليه.
الثالثة: يُقدِّم القاضي من شاء، ويُحمل نصُّ الشافعيّ على الفَرْض والاتِّفاق.
الرابعة: يُقرع بينهما كالمتساوقَيْنِ في حكومتين.
هذا إِذا كان الثمن في الذمَّة والمبيعُ عينًا أو جنسًا مقصودًا، كالمسلَم فيه، فأمَّا إِذا تباذلا بعَرْضين، وادَّعى كلُّ واحد زيادة، فلا يُقدَّم أحدهما على الآخر؛ لأنَّ من قدَّم البائعَ نظر إِلى أنَّ قوله يدور على مقصود العقد، ومن

قدَّم المشتري نظر إِلى أنَّه قد اعترف له بالمِلْك، وادُّعِيت عليه زيادة، فإِن لم يُقبل قولُه في المِلْك فلا أقلَّ من تقديمه، وهاهنا العاقدان مستويان (1).

1324 -

فصل في صفة التحالف

النصُّ تحليف كلِّ واحد منهما يمينًا جامعة للنفي والإِثبات، وخرَّجوا قولًا آخر ممَّا لو كان في أيديهما دار ادَّعى كلُّ واحد جميعَها، فيُحلَّف كلُّ واحد منهما على نفي ما ادُّعي عليه، وأيُّهما نكل حُلِّف الآخر وحُكِمَ له بما حلف عليه، ولا خلاف في هذه الصورة؛ فإِن قلنا باتِّحاد اليمين، وبدأنا بالبائع، يحلف ما باع بخمسين، ولقد باع بمئة، ثمّ يُحلَّف المشتري: ما اشترى بمئة ولقد اشترى بخمسين، ويجب تقديم النفي على الإِثبات، فإِن عُكس لم يُعتدَّ بالحلف، وأبعد الإصطخريُّ، فأوجب تقديم الإِثبات.
وإن حلف البائع على النفي والإِثبات، فنكل المشتري عنهما، أو عن الإثبات، حُكم للبائع بما حلف عليه، وإِن نكل البائع عنهما، وحلف المشتري عليهما، حُكم له بما حلف عليه، وإِن قلنا بالمخرج حلف كلّ واحد منهما على النفي، وهل يَتمُّ التحالف بذلك؟ فيه طريقان: أحدهما: نعم، فيفسخ العقد، أو ينفسخ، وعلى هذا لو حلف الأوَّل على النفي، ونكل الثاني عنه، رُدَّت اليمين على الأوّل، فإِن حلف حُكم له، وإِن نكل فهو كتحالفهما، وإِن نكل الأول عن النفي حلف الثاني يمينًا1

جامعةً للنفي والإِثبات.
الطريقة الثانية: لا يتمُّ التحالف إِلّا بالنفي والإِثبات، ويُشترط تقديم حلفهما على النفي، فإِذا حلفا عليه حلف الأول على الإِثبات، ثم الثاني كذلك، فإِن نكل الثاني عن الإِثبات، وحلف عليه الأوّل، حُكم له، وإِن حلف الأوّل على النفي، ونكل الثاني عنه، حلف الأوّل على الإِثبات، وحُكم له، وإاِن نكل الأوّل عن النفي، حلف الثاني يمينًا جامعة للنفي والإِثبات.

1325 -

فرع:

لو نكلا عن التحالف فلا فسخ ولا انفساخ، ويُحتمل أن يلحق التناكل بالتحالف، فينفسخ العقد أو يُفسخ.

1326 -

فصل في الفسخ بالتحالف

إِذا تحالفا لم ينفسخ العقد، والزوائد الحاصلة قبل ذلك للمشتري، وتصرُّفاته نافذةٌ، وأبعدَ من قضى بانفساخ العقد من أصله وأبطل التصرُّف، ويلزمُه انقلابُ الزوائد إلى البائع، وعلى المذهب: إذا تحالفا قيل لهما: إِن توافقتما، وإِلّا فسخنا العقد؛ فإِن رغب أحدهما في الأخذ بما قال الآخر، وإِلّا فسخ العقد، وهل يفسخه الحاكم أو العاقدان؟ فيه وجهان.
وقطعوا بأنّ البائع يفسخ في صورة الفَلَس، وقال بعضهم: الحاكم يفسخ بالغيبة وجهًا واحدًا، والمرأة تفسخ بالعسرة، وخرَّج الإِمام الصورتين على الوجهين في التحالف؛ إِذ لافرق.

والقياس في الجميع أن يتولَّاه العاقد، فإِن جُعل إلى الحاكم فقد قال الإِمام: ليس له الفسخ ما دام يرجو التوافق، فإِن نهياه عن الفسخ مع استمرارهما على النزاع والخصام فَسَخ، وإن نهياه وقالا: تركنا النزاع، وقال المشتري: تركت المبيع بيد البائع، وقال البائع: لا أطلب الزيادة، ففي الفسخ احتمال؛ لتوقُّع نزاعهما في الاستقبال، ومتى فسخ الحاكم نفذ في الظاهر، وفي الباطن طريقان: إحداهما: ينفذ إِن كَذَب المشتري، وإِن صَدَق فوجهان.
والثانية: لا ينفذ إن صدق، وإِن كذب فوجهان.
فإن قلنا: لا ينفذ، فَفَسَخَه المُحِقُّ منهما، فالظاهر نفوذُه في الباطن وإِن لم يُفوَّض إِليه في الظاهر، وإِن فَوَّض الفسخَ إِليهما، فأيُّهما ابتدره نفذ في الظاهر، والوجه القطع بأنه لا ينفذ في الباطن إِلا إِذا كان محِقًّا، والخلاف مختصٌّ بفسخ الحاكم، وإِنْ توافقا على الفسخ فلا شكَّ في نفوذه في الباطن، وإِن

فرَّع

نا على وجه الانفساخ ارتفع العقد عَقيب التحالف، ولا يتوقَّف على شيء.

1327 -

فصل في تلف المبيع قبل التحالف

إِذا تحالفا والمبيع تالفٌ أو عتيق أو مستولد، رجع البائع بقيمته يومَ القبض، أو يوم التلف، أو بالأكثر من القبض إِلى التلف، أو بالأقل من يوم العقد إِلى يوم القبض، فيه أربعة أقوال أبعدُها آخرُها.

ولو تلف أحد العبدين بعد القبض، ثم وجد بالآخر عيبًا، وقلنا: لا يُفرَد بالردِّ إِلّا مع قيمة التالف، ففي القيمةِ الأقوالُ الجارية في التحالف، وإِن جوَّزنا الإفراد من غير قيمة، فالاعتبارُ في تقسيط القيمة بيوم العقد، أو القبض، أو بالأقلِّ من العقد إِلى القبض، فيه ثلاثة أقوال؛ لأنَّ القيمة هاهنا معتَبرة للتقسيط، لا للتغريم.
ويرجع بالقيمة في الإباق، وهل يتعلَّق الفسخ برقبته أو قيمته؟ فيه وجهان أصحّهما التعلّق بالرقبة، فتكون القيمةُ مأخوذة للحيلولة، فيجب ردُّها إِذا عاد الآبِق، وأبعدَ من علَّق الفسخ بالقيمة اعتبارًا بالتالف.
وكذلك يرجع بقيمة المكاتَب والمرهون برهنٍ لازم، وهل يتعلَّق الفسخ بالرقبة أو بالقيمة؟ فيه طريقان: إحداهما: طرد الوجهين.
والثانية: يتعلَّق بالقيمة وجهًا واحدًا؛ ولذلك يثبت الفسخ بالفَلَس في الآبق دون المرهون والمكاتَب.
وقال أبو عليٍّ: يتخيَّر البائع بين أن يفسخ، فيرجع بالقيمة، وبين أن يؤخِّر إِلى الفكاك.
قال الإِمام: إِن عجَّل الفسخ يعود الرهن إِليه بعد الفك على ما تقدَّم، وإِن أخَّر الفسخ فله المطالبةُ بالقيمة، فإِن امتنع من أخذها؛ فإِن علَّقنا الفسخ بها فإِجبارُه على قبضها كإِجباره على قبض الديون؛ وإِن علَّقنا الفسخ بالرقبة لم يُجبر على أخذ القيمة؛ لأنها مأخوذة للحيلولة، وكلُّ مأخوذ للحيلولة فلا إِجبار على قبضه.

1328 -

فرع:

إِذا كان المبيع مأجورًا تعلَّق الفسخ برقبته إن جوَّزنا بيع المأجور، وإِن منعناه احتُمل أن يلحق بالرهن، والأظهر إلحاقة بالإِباق.

1329 -

فصل في تعيُّب المبيع قبل التحالف

إِذا عاب المبيع عند المشتري، أو زُوِّج العبد أو الأمة، رجع البائع بعد الفسخ بأرش النقص من القيمة؛ لأنَّ كلَّ مَن ضمِن الأصل بالقيمة ضمِن الأجزاء بما نقص من القيمة، ومَن لا فلا، وهذا مطَّرِدٌ منعكِس، ولذلك لا يضمن البائع أجزاء المبيع؛ لأنَّه لا يضمن الأصل بالقيمة، وإِذا ثبت الرجوع بالزكاة المعجَّلة فكانت تالفةً وجبت قيمتها، وإِن عابت فقد قال الشافعيُّ رحمه الله: يُخرج الإِمام أرش العيب.
فحَمَله بعضهم على ظاهره، ولا أصل لذلك، والنصُّ محمول على الاستحباب في القيمة والأرش عند اتساع المال.

1330 -

فروع:

الأوّل: إِذا قال كلُّ واحد منهما بعد التحالف: هذا العبد المبيع حرٌّ إِن صَدَق خصمي، فلا يعتق في الباطن إِلا إِذا كذب المشتري، ويعتق على البائع في الظاهر؛ لاعترافه بكذب المشتري، وولاؤه موقوف؛ فإِن صدَّق المشتري البائعَ قبل الفسخ عتق على المشتري، وكان ولاؤه له، وإِن صدَّق البائعُ المشتريَ لم يعتق على المشتري؛ فإِن عاد إِلى البائع عتق عليه، وإِذا صدَّق المشتري البائع لزمه القيمة عند الفسخ؛ لأنَّ العبد قد عتق بتعليقه

السابق وتصديقه اللاحق.
ال

فرع

الثاني: إِذا تنازعا: فهل للمشتري وطء الجارية قبل التحالف؟ فيه وجهان، وفيما بعده وجهان مرتَّبان علَّلهما الإِمام بالإشراف على الزوال دون الاختلاف في الجهة؛ لأنَّ مَن تيقَّن مِلْكَ أمة، وشكَّ هل مَلَكها بإِرثٍ أو بيعٍ أو اتِّهابٍ، فوطؤها جائز بالاتَّفاق.
الفرع الثالث: إِذا تنازعا في عقدين مضافين إِلى عينٍ واحدة، مثل أن قال: بعتك الجارية، فقال: بل زوَّجْتَنيها، حلف كلُّ واحد على نفي ما ادُّعي عليه، وانتفى العقدان من غير فسخ ولا انفساخ، والثابت في الباطن ما هو صِدْقٌ عند الله عز وجل.

1331 -

فصل في التنازع في البداية بالتسليم

إِذا تنازعا في ذلك ففيه ثلاثة طرق: إحداها: يبدأ بالبائع، والثانية: يخيَّران معًا.
والثالثة، وهي المشهورة: إجراء أربعة أقوال: أحدها: إِجبار البائع ليساويَه المشتري في التصرُّف؛ إِذ ينفذ تصرُّفُ البائع في الثمن، ولا ينفذ تصرُّفُ المشتري في المبيع.
والثاني: يُجبران معًا، كما لو كان لأحدهما دين على الآخر، وللآخر عنده عين مغصوبة.
والثالث: لا يُجبران؛ لأنَّ العقد وقع بالتراضي، فيُستدام حكمه.

والرابع: يبدأ بالمشتري؛ ليساويَ البائع في تعيُّن حقِّه، وهذا القول مخرَّج من البداية بالزوج في الصداق.
هذا إِن كان الثمن دينًا، فإِن كان عينًا فليس إِلا قولان: أحدهما: يُجبران.
والثاني: لا يجبران.
وفي التنازع في الصداق ثلاثة أقوال، ولا تُجبَر المرأة على البداية بحال؛ فإِن قلنا: يجبران، لم نَعْرِض لهما إِلّا عند الطلب، فإِذا طَلَبا أُخذا بإِحضار العوضين؛ ليسلِّم كلٌّ منهما ما عليه، أو يأخذه الحاكم بنفسه أو نائبه، فإِذا صار بيده دُفع إِليهما حقُّهما، وإِن انفرد أحدهما بالطلب قيل للآخر: أتؤدِّي ما عليك؟ فإِن قال: نعم، فحكمه ما سبق، وإِن قال: أؤدي ما عليَّ، ولا أطلب ما لي؛ فإن رضي صاحبه فذاك، وإِن طلب إِلزامه بالقبض، فإِن كان العوض دينًا فحكمه حكم الديون في الإِلزام بالقبض، وإِن كان عينًا أجبر على القبض؛ دفعًا لعهدة الضمان.
ولو بذل البائع المبيع، فقال المشتري: لا آخذه حتى أتمكَّن من تسليم الثمن، أُجبر على القبض؛ ليتخلَّص البائع من الضمان، فإِن امتنع من القبض قبضه القاضي عنه بنفسه أو نائبه، وقيل: يبرئه الحاكم من ضمانه، فيصير أمانة بيده لا ينفسخ العقد بتلفه، فإِن لم يجد قاضيًا فالوجه القطع ببقاء عهدة الضمان، ويأثم المشتري بذلك، وقيل: يقبضه البائع عن نفسه بنفسه، فيصير قابضًا مقبِضًا، كما لو ظفر بجنس حقِّه.
ولا ينفذ إِبراء القاضي من الدين عند الامتناع؛ لأنَّه تفويتٌ لأصل

الحقّ، قال الإِمام: لو صحَّ قبض البائع عن المشتري لوجب طرد ذلك في الدين عند عدم الحكَّام، حتّى يصير الدين أمانةً في يد المدين.
وإِن قلنا: لا يجبران، فلا يطالَب واحد منهما، وأيّهما بدأ بالتسليم أُجبر الآخر عليه، وإِن قلنا بإِجبار البائع، فسلَّم المبيع، أو قلنا: لا يجبر، فتبرَّع بذلك؛ فإِن كان الثمن حاضرًا أخذ المشتري بتسليمه من ساعته، وإِن كان غائبًا أشهد على أنّه حُجر عليه في المبيع وجميعِ ماله؛ إِذ لا نأمن أن يهب ماله أويبيعَ من طفله، فيضيع حقُّ الباع، فإِن لم يكن له مال فسخ البيع بالفَلَس.
والأصحُّ أنَّ هذا الحجرَ لا يُلحق بحجر الفَلَس في قَدْر الدين بالإضافة إِلى المال، ولا في فسخ الباع، وأبعدَ مَن ألحقه بحجر الفَلَس، فشَرَط أن يزيد الثمنُ على المال، وذكر في الناقص قليلًا والمساوي خلافًا، وقال: إِنْ أَمْكَنَ أداءُ الثمن من غير المبيع فلا حَجْر، وإِن لم يُمْكِنْ إِلا ببيعه أو بيع بعضه ففي الحجر وجهان.

1332 -

فرع:

إِذا حجر عليه؛ فإِن كان الثمن في البلد فلا فسخ، وإِن كان بمسافة القصر ثبت الفسخ، وفيما دونها وجهان، وقال ابن سُريج: إِن كان في البلد استمرَّ الحجر إِلى أن يحضره، ويترك المبيع بيده، وإِن غاب عن البلد ردَّ المبيع إِلى الباع إِلى أن يتوفَّر عليه الثمن، ولا يفسخ بهذا الحجر إِلّا أن يُعْسِرَ المشتري، أو يتعذَّرَ الثمنُ بغيبةٍ شاسعة يُعدُّ مثلُها امتناعًا، وعلى مذهبه: لو علمنا غيبةَ المال لم يُجبر الباع على البداية؛ إِذ لا فائدة في التسليم، ثم الاسترجاع.

1333 -

فرع:

إِذا أتلف الرهن فللراهن والمرتهن أن يطالِبَا بقيمته، والمذهب: أنَّ البيع لا ينفسخ بإِتلاف الأجنبيِّ، وللمشتري المطالبةُ بالقيمة، وإِن أثبتنا للبائع حقَّ الحبس فهل يطالب (1) بالقيمة؟ فيه وجهان مبنيَّان على الخلاف في حبس القيمة.

1334 - فرع: إِذا أتلفه البائع، وقلنا ببقاء العقد، فهل للمشتري المطالبة بالقيمة قبل أداء الثمن؟ فيه خلاف مبنيّ على وجوب البداية؛ فإِن بدأنا بالبائع طُولب بالقيمة، ثمَّ دفع إِليه الثمن على الفور، وإِن بدأنا بالمشتري لم يُطالب بالقيمة ما لم يدفع الثمن.

1335 - فرع: إِذا أَبَق العبد المبيع قبل القبض؛ فإِن كان قبل أداء الثمن لم يُجبر المشتري على أدائه، وإِن قلنا: البداية به، وإِن كان بعد أداء الثمن لم يكن له استرجاعه؟ لقدرته على الاسترجاع بالفسخ، وفيه احتمال.

1336 -

فصل في معاملة مَنْ أكثرُ ماله حرام

قال الشافعيُّ: لا أحبُّ معاملة مَنْ أكثرُ مالِه حرامٌ إِذا كان المعامَل ممَّن يُظَنُّ به أنَّه لا يتورَّع من الحرام، فالورَع ألَّا يعامل، وإِن عُومل صحَّت1

المعاملة وإِن غلب على الظنِّ أنّ ما تحويه يده حرام؛ لأنَّ الشرع قضى بتقرير ملكه، وحكم بأنَّ القول قولُه عند النزاع.

1337 -

باب الشرط الذي يُفسد البيع الذي لا يفسده

إِذا شُرط في العقد شرطٌ يقتضيه الإِطلاق، كجواز التصرُّف والملك والتسليم والتسلُّم فلا بأس، وإِن شُرط ما لا يقتضيه الإِطلاق فهو ضربان: أحدهما: ما يتعلَّق بمصلحة العقد، كالرهن والكفيل والأجل والخيار، فيصحُّ إِن وافق الشرع، وإِن خالف بطَل الشرط، ويبطل العقد بذلك إِن لم يَقبَل المشروطُ الإِفراد، كالأجل والخيار، وفيما يقبل الإِفرادَ كالرهن والضمان قولان.
الثاني: ما لا يتعلَّق بمصلحة العقد، وهو ضربان: أحدهما: ما لا يتعلَّق بمقصود العقد، كما لو شَرَطَ أن لا يلبس إِلا الحرير وما أشبهه، فيفسد الشرط دون العقد.
الثاني: ما يتعلّق بمقصود للعقد؛ كما لو شرط ألّا يبيع أو لا يطأ، فيفسد الشرط والعقد، وفيه قول يجري في جميع الشرائط الفاسدة: أنّ العقد صحيح والشرطَ فاسدٌ.

1338 -

فصل في شرط العتق

إِذا شرط عتق المبيع فهل يبطل العقد والشرط، أو الشرط دون العقد،

أو يَصِحّان؟ فيه ثلاثة أقوال، والمذهب أنَّهما يصحَّان، وهل يكون العتق حقًّا لله تعالى أو للبائع؟ فيه وجهان، فإِن جُعل لله تعيَّن على المشتري، ولا يسقط بعفو البائع، ولا يجزئ عتقه عن الكفارة، وللبائع أن يطالب به على الأصحّ، وإِن جُعل للبائع فهل يُجبر المشتري عليه إِذا امتنع؟ فيه قولان، فإِن قلنا: لا يُجبر، فللبائع الخيار، كما لو شرط الرهن والضمان، فإِنَّ المشتري لا يُجبر عليهما، وللبائع الخيار، وإِن قلنا بالإِجبار فهل يعتقه السلطان أو يُحبس حتّى يُعتق؟ يتجه أن يُخرَّج على الخلاف في طلاق المُولي، ويتّجه ألّا يُجبر إِلّا بالحبس، وإِن أسقطه البائع أو أسقط ما يستحقّه من رهن أو ضمان سقط، ولا رجوع له فيه، ورمز أبو محمّد إِلى خلافه؛ إِذ لا استقلال لهذه (1) الحقوق، فأشبهت إِسقاط الأجل، فإِن قلنا بالسقوط، فأعتقه عن الكفّارة، أجزأه على الأصحّ.

1339 -

فرع:

إِذا عتق بالشرط فالولاء للمشتري سواءٌ جعل العتق لله تعالى أو للبائع، فإِنْ شَرَط البائع الولاء لنفسه ففي فساد العقد قولان، فإِن قلنا: لا يفسد، فالولاء للبائع على الأصحِّ، ولا يُقدَّر انتقال الملك إِليه؛ لأنَّ الولاء قد يثبت من غير ملك، كما لو باع العبد من نفسه، فإِنَّه يعتق والولاء للبائع.

1340 - فرع: لو مات العبد قبل العتق لم ينفسخ البيع على الأصحّ، وهل يجب شيء1

لفوات العتق؟ فيه وجهان، فإِن أوجبناه فهل يجب ما بين قيمته مشروطًا فيه العتق وقيمته خليًّا من الشرط، أو مثل نسبة ذلك إِلى الثمن؟ فيه وجهان.
فإِذا اشتراه بتسعين، وكانت القيمة مع الشرط مئة، وبدون الشرط مئة وخمسين، فهل يجب الخمسون، أو مثل نسبتها إِلى الثمن بأنْ يُقال: كأنّه استوفى ثلثي الثمن، وهو تسعون، وترك ثلث الثمن لأجل الشرط، وهو خمسة وأربعون من مئة وخمسة وثلاثين؟ فيه الوجهان، فإِن أوجبنا ما بين القيمتين لزمه ذلك وإِن زاد على الثمن، والظاهر تفريع هذا الخلاف على قولنا: العتق للبائع، ويتَّجه إِجراؤه وإِن جعل لله تعالى؛ لأنّ البائع سامَح في الثمن لتحصيله، وقد فات.

1341 -

فصل فيما يضمنه المشتري إِذا فسد البيع

إِذا فسد البيع لفساد شرط أو عِوض لم يملكه المشتري وإِن قبضه، ويضمنه عند التلف بقيمته يوم القبض، أو يوم التلف، أو بالأكثر من القبض إِلى التلف فيه ثلاثة أقوال تجري في كلِّ ضامن غير متعدٍّ ولا متصرّف في غصب، كالمستعير والمُستام، وظاهر النصِّ التضمين بالأكثر، كالغصْب، فإِن نقصت العارِيَّة بالاستعمال مثل انسحاق الثوب، وقلنا: لا يضمن [ذلك] 1، فعلى قول يلزمه قيمة ثوب منسحق بأقصى ما يقدَّر من القبض إِلى التلف، وعلى قول يلزمه قيمته يوم التلف، وعلى الثالث يجب قيمته

منسحقًا يوم القبض.
ولا يضمن الزوائد المنفصلة بهذه الأيدي إِلّا إِذا قلنا بضمان الغصوب، فإِن وطئ المشتري مع العلم بالتحريم وفساد العقد ففي الحدّ احتمال؛ لأنّ أبا حنيفة أثبت الملك ولم يُبح الوطء، وإِن كان جاهلًا فلا حدَّ، وعليه المهر إِن كانت الجارية جاهلة، وإِن كانت عالمة؛ فإِن لم نلحقه بالزناة إِذا علم فلا أثر لعلمها، وإِن ألحقناه بالزناة فوجهان.
وإِن أحبلها فالولد حرّ لا ولاء عليه؛ إِذ لم يمسَّه الرقُّ، فإِن انفصل حيًّا لزمه قيمته يوم الوضع اتّفاقًا، وإِن انفصل ميتًا فلا قيمة إِلّا أن ينفصل بجناية، فيضمنه الجاني، ثمَّ يجب الضمان على المشتري.
وكذلك الحكم في كلِّ مغرور؛ فإِن علم البائع بفساد البيع فلا قيمة له؛ لأنّه الغارُّ، ولو ضمِنها المشتري لَرَجع بها عليه كما في صورة الغرور، وإِن جهل البائع فساد البيع ففي القيمة احتمال رمز إِليه المحقّقون، ثمّ الولد مضمون على كلّ قول، وإن قلنا: لا يضمن الزوائد؛ لأنّه يُسبِّب إِلى تفويت رِقه بظنّه، فصار ذلك كإِتلافه.

1342 -

فرع:

لو رجعت الجارية إِلى يد البائع، وماتت من الطَّلْق، وجبت قيمتها، ولو ماتت الحُرَّة المكرَهة على الزنا من الطلق ففي الدية قولان؛ إِذ لا تثبت الأيدي على الأحرار.

1343 -

فصل فيمن اشترى زرعًا بشرط أن يحصده البائع

إِذا قال: اشتريت هذا الزرع، واستأجرتك على حصاده بدينار، ففي فساد الإِجارة طريقان: إحداهما: التخريج على الجمع بين مختلفات الأحكام.
والثانية: القطع بالبطلان؛ لوقوع أحد شقي الإِجارة قبل ملك الزرع، فأشبه ما لو استأجر على حصاد زرع، ثمَّ ملكه بعد ذلك؛ فإِن أفسدنا الإِجارة ففي البيع قولا تفريقِ الصفقة.
وإِن قال: اشتريته بدينار على أن تحصده، فهل يلحق بالمسألة السابقة (1)، أو يُقضى بالفساد؛ لأنّها صيغة اشتراط؟ فيه خلاف.
ولو قال: اشتريته بدينار على أن تحصده بدرهم، بطل قولًا واحدًا؛ لأنّه شرط عقدًا في عقد.
وهذا التفصيل جارٍ في كلّ صورة تشابه ما تقدّم، فإِذا قال: اشتريت هذا الصرم واستأجرتك على خصفه على هذا الخفِّ، فهو كالمسألة الأولى، وإِن قال: على أن تخصفه عليه، فهو كالمسألة الثانية، وإِن قال: اشتريته بدرهم على أن تخصفه بدينار، فهو كالمسألة الثالثة، وكذلك كلّ ما وجد فيه أحَدُ شقَّي الإِجارة قبل الملك.

1344 -

فرع:

إِذا قال لعبده: كاتَبتُك، وبعتك ثوبي بكذا، لم يصحَّ البيع1

عى الظاهر.

1345 -

فصل فيمن باع الصبرة كلَّ صاع بدرهم على أن ينقص صاعًا أو يزيده، وانعقاد البيع بالكنايات

إِذا باع صبرة أو ملء بيت من البرّ كلَّ صاع بدرهم، صحَّ وإِن جُهل عدد الصيعان.
وإِن اشتراها كلَّ صاع بدرهم على أن يزيده صاعًا؛ فإن قصد هبة الصاع بطل البيع، وإِن أدخله في البيع: فإِن عُلمت الصَّيعانُ صحَّ على الأصحّ، وإِن جهلاها أو أحدُهما لم يصحَّ.
وإِن اشتراها كلَّ صاع بدرهم على أن ينقص صاعًا، فإِن قصد هبة صاع منها وبيع باقيها بالحساب فسد البيع.
وإِن قصد شراء الجميع؛ فإِن كانت مجهولة الصيعان بطل البيع، وإِن كانت معلومةً صحَّ على الأصحّ.
وإِنما انعقد البيع بهذا اللفظ مع تردُّده؛ لاحتفاف القرائن بذلك، أو لأنّه ينعقد بمجرَّد الكناية مع النية؛ وقد قال الأصحاب: كلّ لفظ عُلّق به حكم فإِنّه يحصل تصريحه، وأما الكناية مع النية، فإِن لم يفتقر اللفظ إِلى جواب، كالإِبراء والإِقرار والطلاق والعتاق، انعقد بالكناية مع النية، وإِن افتقر إِلى جواب، كعقود الإِيجاب والقبول؛ فإِن وجبت فيه الشهادة - كالنكاح وبيع الوكيل المشروطِ عليه الإِشهادُ - فلا ينعقد بالكناية، وإِن لم يجب الإِشهاد؛ فإِن

قَبِلَ التعليق بالإغرار- كالخلع والصلح عن الدم والطلاق - انعقد بالكناية، وإِن لم يقبل التعليق - كالبيع والإِجارة - ففي انعقاده بالكناية وجهان.
قال الإِمام: ولا تلحق الكناية بالصريح بقرائن الأحوال، وكذلك لا تنعقد العقود بمجرَّد القرائن، وإِن انضمَّت القرائن إِلى الكناية بحيث حصل التفاهم وجب القطع بصحَّة العقد، ومحلّ الخلاف عند عدم القرائن، والظاهر أنّه لا ينعقد إِذا لم يحصل التفاهم، ولا ينعقد النكاح بالكناية مع القرائن؛ إِذ القصد من حضور الشهود إِثبات المجحود، ولا أثر للقرائن في ذلك.

1346 -

فصل في بيع المائعات في الأوعية

إِذا رأى السمن من أعلى الوعاء؛ فإِن عرف رقة الوعاء وغلظه صحَّ البيع، وإِن جهل ذلك، ولم يدلَّ ظاهره على باطنه، وجَوَّز أن يتفاوت تفاوتًا بيّنًا، فقد قيل بالإِبطال، والأصحّ إِلحاقه بالغائب.
وقيل: إِن الجهالة بالقدْر لا تُلحق ببيع الغائب؛ لأنّ القدر مقصود، والوصف تابع، وهذا بعيد.
ومهما حصلت الإحاطة بالعيان، ولم يظهر ما يخالف الإحاطة، فالبيع صحيح، فإِن بان خلافُها 1 بأن اشترى سمنًا في بُستوقة 2 يظنُّ تساويها، فظهر

تفاوتُها، أو صُبرةً فظهر تحتها دكّة جَهِلَها، أو قرطلة فاكهة فظهر فيها حشْوٌ جهِله صحَّ البيع، خلافًا لأبي محمّد، فإِنهّ ترك البيع على ما ظهر بالأخرة.
وإِن قال: بعتك السمن مع الظرف كلَّ رِطل بكذا؛ فإِن شَرَط طرح وزن الظرف صحَّ، وإِن لم يشرطه، فإِن كان الظرف قابلًا للإِفراد بالبيع؛ فإِن علما وزنه صحَّ اتّفاقًا 1، وإِن جهلاه صحَّ على الأصحّ وإِن اختلفت القيمة، كما يصحّ بيع الفواكه المختلِطة على وزن واحد.
وإِن كان الظّرف غير متقوَّم فقد خرَّجه الإمام على الجمع بين الخنزير والشاة، وقطع بعضهم بالبطلان.
وإِن قال: بعت السمن كلَّ رِطل بكذا على أنْ أزِنَه بظرفه، ولا أحطَّ زِنة الظرف، لم يصحَّ؛ لأنه باع السمن، ثمّ شرط أن يجعل الظرف بدلًا عنه.
وإِن قال: بعت من هذا السمن كلَّ رطل بدرهم، أو: من هذه الصُّبرة كلَّ صاع بدرهم، أو أجَّر الدار كلَّ شهر بدرهم، لم يصحَّ في الكلّ، وهل يصح في رطل وصاع وشهر؟ فيه وجهان.

1347 -

باب النهي عن بيع الغرر وثمن عسب الفحل

يجوز إِعارة الفحل للضراب، ولا يجوز استئجاره لذلك؛ لِمَا فيه من الغرر والجهالة، والغرر ما انطوت عاقبته، وليس كلُّ غرر محرَّمًا؛ إِذ لا يكاد كلّ عقد ينفكّ من غرر وإِن خفي، وإِنّما يحرم الغرر الظاهر، كبيع الجمل الشارد، والعبد الآبق؛ إِذ يُشترط أن يكون التسليم ممكنًا في العرف، فلا يصحّ بيع ما يُعدّ في العرف متعدِّر التسليم، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال وصفات العاقدين، فمهما خفي مكان الآبق امتنع بيعه، ولا يُشترط الإياس من تسليمه.
وإِن باع مغصوبًا لا يمكن تسليمه لقوّة الغاصب وضعف العاقدين 1، لم يصحَّ البيع، وإِن قدر البائع على انتزاعه صحَّ، وكذلك إِن قدر عليه المشتري دون البائع على الأصحّ، فإِن جوَّزنا فلا خيار للمشتري إِلّا إِذا جُهل الغصب، فإنّه يتخيَّر وإِن لم يدخل وقت وجوب التسليم، وإِن علم بالغصب فلا خيار له، إِلّا إِذا وجب التسليم وعجز عنه البائع فيثبت الخيار على الأصحّ، ويصحّ تزويج الآبقة وإِعتاقها.

1348 -

فصل في بيع السمك في الماء والطير في الهواء

إِذا باع الطير في الهواء أو السمك في الماء فإِن لم يملكهما، أو ملكهما وتعذَّر الوصول إليهما، لم يصحَّ.
وإِن باع حمامًا عادتُه الإِياب إِلى البرج وهو طائر، جاز على المذهب، كالعبد المرْجوِّ الإِياب، وإِن باعه في دارٍ فيحاءَ لا منفَذ لها فوجهان، ووجه الصحّة إِلحاقه بالعبد الغائب في مسافة بعيدة من المشتري.
وإِن باع البرج بحَمَامه، فقَبْض البرج بالتخلية، وهل تكون التخلية في الحمام تبعًا للبرج 1؟ فيه وجهان.
ويجوز بيع النحل في الكُوَارَة 2، فإِن خرج منها جاز بيعه على المذهب، كالطير الآلِف للإِياب.
وإِن باع السمك في الماء الصافي الذي لا يمنع رؤيته فهو كبيع الطير في الهواء، وإِن امتنعت رؤيته خُرِّجَ مع ما ذكرناه على بيع الغائب.
والضابط: أنّ التسليم إِذا أمكن مع عُسْر يسير صحّ البيع، وإِن اقترن العجز بالعقد، فإِن لم يثق بالتمكّن بطل، وإِن وثقنا به بعد عسر ومعاناة، كالسمك في البِرْكة الواسعة فوجهان.

1349 -

فرع:

إِذا اصطاد سمكة فوجد في بطنها دُرَّة ملكها، وإِن باع السمكة لم تدخل الدُّرَّة في البيع، فإِن كانت الدرَّة مثقوبةً فهي لُقَطة.

1350 -

فصل في وقف العقود على الإجازة

الوقف ثلاثة أقسام: الأوّل: أن يبيع ما لا يملكه بغير إِذنٍ ولا ولاية، فلا يصحّ على الجديد، ويصحّ في القديم موقوفًا على إِجازة المالك أو من يقوم مقامه، وإِنّما يتوقّف على الإِجازة إِذا كان له مُجيز عند الإِنشاء 1؛ فإِن باع مال طفل، فأجازه الطفل بعد البلوغ، أو ملكه 2 البائع، فأجاز، لم ينفذ؛ لأنّه لم يكن أهلًا عند الإِنشاء، وإِن أجازه وليّ الطفل أو وصيُّه أو الحاكم نفذ.
وإِن اشترى لزيد بثمن يملكه زيد ففيه القولان، وكذلك إِن اشترى له في الذمّة عند بعض المحقّقين.
وإِن قلنا بالجديد، فاشترى لغيره في الذمّة، وقع الشراء للمشتري إِلّا أن يصرّح بالإِضافة إِلى الأجنبيّ، فهل يفسد البيع أو يقع للمشتري؟ فيه وجهان.
الثاني: أن يبيع مالًا يحسبه لأبيه، فإِذا هو قد ورثه عنه، ففي صحّة

البيع ولزومه قولان مشهوران رمز إليهما في الجديد.
الثالث: إِذا كثرت تصرّفات الغاصب في الأموال المغصوبة والأثمان، وترادفت عليها العقود بحيث يعسر تداركها، ولو أجازها المالك لحصل على الأرباح والأثمان، ففي نفوذها بالإِجازة قولان منصوصان؛ لما في ذلك من عسر التدارك وتحصيل (1) مصلحة المالك، بخلاف القسم الأوّل.
ويطَّرد قول الوقف في كلّ تصرّف قابل للاستنابة، كالبيع والإجارة والنكاح والطلاق والهبة والعتاق ونحوها، ولا يحصل الملك في البيع والهبة إِلّا عند الإِجازة من غير تقدُّم عليها.

1351 -

فصل في بيع ذراع من الأرض وقطعة يحيط بها ملك البائع

إِذا باع ذراعًا من أرض؛ فإِن علم ذرعها صحَّ تنزيلًا على الإِشاعة، وإِن جهل ذرعها لم يصحَّ؛ لتفاوت أجزائها، بخلاف ما لو باع صاعًا من صبرة مجهولة الصيعان، فإِنّه يصحّ على ظاهر المذهب؛ إِذ لا تفاوت، وإِن أراد ذراعًا مبهمًا لم يصحَّ، كما لو باع شاة من قطيع؛ فإِن اختلفا، فقال البائع: أردتُ الإِبهام، وقال المشتري: بل أردتَ الإِشاعة، ففيه احتمال، والظاهر تصديق المشتري.
وإِن وقف على طرف الأرض، وباع عشرة أذرع في جميع العرض من1

موقفه إلى حيث ينتهي في الطول صحَّ عند الأكثرين، ولا وجه لمنعه.
وإِن وقف في الوسط، وباع العشرة في جميع العرض، ولم يبيّن الجهة التي ينتهي إِليها الذرع لم يصحَّ.
وإِن رسم في وسطها شكلًا مستديرًا أو مربَّعًا، وباعه؛ فإِن كان أحد أقطاره متاخمًا للشارع أو لملك المشتري صحَّ، وتعيَّن الممرُّ في الشارع، ولا طروق له في ملك البائع على ما يقتضيه كلام الأصحاب.
وكذلك الحكم في متاخمة ملك المشتري على الظاهر، إِلّا أن يبيعه بحقوقه، فالوجه استحقاق الطروق في ملك البائع، وإِن لم يتاخم شارعًا ولا ملكًا للمشتري، فإِن باعه بحقوقه ثبت حق الممرِّ من جميع الجوانب، وإِن أطلق ففي ثبوت الممرِّ وجهان يجريان فيما لو باع بيتًا من دار، ولم يتعرَّض للمَمرِّ، فإِن لم يثبت الممرِّ فالأصحُّ بطلان البيع؛ إِذ لا منفعة للمبيع، وإِن أثبتناه صحَّ البيع، والوجه ثبوته من جميع الجوانب، كما كان ثابتًا للبائع.
وإِن شرط ممرًّا واحدًا؛ فإِن عيَّنَه جاز، وإِن أبهمه فالوجه إِبطال البيع.

1352 -

فصل فيمن باع أرضًا وشرط ذرعًا فنقص أو زاد

إِذا قال: بعت هذا العبد على أنّه تركيّ، فظهر من جنس آخر، صحَّ البيع، وإِن قال: بعت هذه الشاة، فظهرت بقرة، فوجهان.
وإِن قال: بعتك الأرض على أنها مئة ذراع، فنقصت أو زادت، فقولان، والفتوى بصحّة البيع، وقطع العراقيّون بالصحّة في صورة النقصان.

فإِن قلنا بالصحّة، فظهرت مئة وخمسين، تخيّر البائع، فإِن أجاز فلا حقَّ له إِلّا في الثمن؛ لأنّ الإِشارة قد تناولت الأرض، وإِن أراد الفسخ، فبذَل له المشتري ثمن الخمسين مع تساوي أجزاء الأرض، لم يكن له ذلك؛ لأنّه إِلحاق زيادة لم يتناولها العقد، وإِن قال: أنا أقنع بالمئة، ففي بطلان الخيار قولان، وقطع أبو محمّد ببطلانه، ولا وجه له؛ لأنّ شياع المئة في المئة والخمسين مخالف لوضع العقد وصيغة اللفظ.
وإِن نَقَصت عن المئة وقلنا بالصحة تخيَّر المشتري دون الباع، ولا يسقط الخيار بأن يحطَّ البائع من الثمن بقدر النقصان، فإِن أجاز فهل يجيز بالقسط أو بالجميع؟ فيه قولان مرتَّبان على نظيره في التفريق، والأَولى هاهنا الإِجازة بالجميع، لتناول الإِشارة لجميع الأرض.

1353 -

فرع:

إِذا باع ذراعًا من كِرْبَاس (1) فحكمه حكم بيع ذراع من الأرض في صورة الإشاعة والتعيين، والعلم والجهل، حرفًا بحرف.

1354 -

فصل في بيع ما يَنْقُصه القطع والفصل

إذا اشترى جزءًا معيَّنًا ممّا تنقص قيمته بالقطع، وشرط قطعه، فالبيع باطل وإِن رضي البائع بذلك والتزمه، كما لو باع نصف نصل معيَّنًا، أو ذراعًا1

من ثوب نفيس تنقص قيمته بالقطع، وشرط قطعهما.
وإِن كان النقص ممّا لا يؤثّر ولا يعتبر مثله -كالكرباس الصفيق- فوجهان، وفي القلب شيء من القطع بالفساد إِذا كان التأثير يسيرًا.
وإِن باع جزءًا معيّنًا من خشبةٍ بشرط القطع؛ فإِن كان طولها مقصودًا، وقطْعُها منقصًا، لم يصحَّ، وإِن لم يقصد لطولها، ولم يَظهر نقص قيمتها، ففيها كالكِرْبَاس وجهان.

1355 -

فصل في بيع اللبن في الضرع

إِذا باع اللبن في الضرع؛ فإن ذكر قدرًا لا يمكن حلبه إِلّا بتزايدٍ ظاهرٍ ينصَبّ إِليه من العروق بطل البيع قولًا واحدًا، وإِن ذكر قدرًا لو ابتدر حلبه لم ينصبَّ إِليه شيء يُبالَى بمثله؛ فإِن لم يُرِه أنموذَجَه فقد قيل بإلحاقه بالغائب، وإِن أراه الأنموذج فوجهان، ووجه الجواز تشبيه المنصبِّ بما يتزايد من القُرط إذا كان يسيرًا.

1356 -

فرع:

لو 1 أراه أنموذجًا من المتماثلات، وأسلم إِليه فيما يوافقه في الصفات؛ فإِن لاحظ الأنموذج ولم يضبط وصفه لم يَجُزْ، وإِن اكتفى بمثله في بيع الأعيان، وإِن لحظ الأوصاف على وجه لو عُدِم الأنموذج لاستقلَّ بأوصافه،

صحّ السَّلَم عند طوائفَ من المحقّقين، خلافًا لأبي محمّد.

1357 -

فصل في بيع المسك في الفأرة والصوف على ظهر الغنم

بيع الصوف على ظهر الغنم ممنوع؛ لأنّ استئصاله تعذيب للحيوان، وليس في جزِّه عادة مضبوطة حتى يحمل عليها، فإِن أشار إِلى مقدار وأعلم على موضع القطع جاز.
والمسك طاهر بالاتّفاق، وكذلك فأرته عند الأكثرين، فإِن باعه فيها قبل فتقها فقد قطع في "التقريب" بالصحّة؛ اعتبارًا بالجوز؛ لما في بقائه فيها من المصلحة، وقطع بعضهم بالإِبطال، وألحقه الإِمام بالغائب.
وإِن قلنا بنجاستها، فباعها مع المسك بطل بيعها، وفي المسك قولا التفريق.
وإِن فتقها، وردَّ المسك إِليها، ثمّ باعه معها أو دونها، فحكمه حكم بيع السمن في البستوقة.
وبيع اللبوب دون القشور باطل وإِن جوَّزنا بيع الغائب؛ إِذ لا يمكن قبضها إِلّا بكسر القشر.
وفي بيع بزر دود القزّ وبيض ما لا يُؤكَل وجهان، مأخذُهما الخلاف في طهارته، وإِن باع القزّ، وفيه دود ميت؛ فإِن باعه وزنًا لم يجُزْ، وإِن باعه جزافًا جاز.

1358 -

فصل في تملك الكافرِ العبدَ المسلم

إِذا أسلم عبد لكافر لم يزُل مِلكُه عنه، فإِن مات ورثه عنه وارثه الكافر 1، لكن يؤمر بإِزالة ملكه ببيع أو هبة أو إِعتاق، فإِن امتنع بِيعَ عليه بثمن مثله، فإِن لم يجد من يبذل ثمن المثل حِيل بينهما وأُخِذَ بنفقته، واستُكسب له إِلى أن يوجد من يأخذه بثمن مثله، ولا يباع بالغبن، ولا يكتفى بالرهن والتزويج.
وفي الكتابة وجهان، فإِن قلنا: يُكتفى بها، حُكم بصحّتها، وإِن قلنا: لا يُكتفى؛ فإِن جوّزنا بيع المكاتَب صحَّت الكتابة، وإِن منعناه فوجهان.
فإِن قلنا: تصحّ، فسخها الشرع، وباعه عليه.
وإِن أراد الكافر تملُّك مسلم بسبب اختياريّ، كالبيع والهبة، فهل يصحّ ويملِكه به؟ فيه قولان.
وفي المصاحف وكُتب السنّة قولان مرتبان، وأَولى بالبطلان.
فإن قلنا: لا يصحّ، ففيمن يعتق عليه وجهان.
ولو استَدْعَى عتقَ مسلم بعوض أو بغير عوض 2، ففي وقوعه عنه وجهان.
ولو شهد بإِعتاق عبد مسلم، ثمّ اشتراه، فوجهان.
ورتَّب الإِمام استدعاء العتق على شراء الأب، ورآه أولى بالنفوذ، ورتَّب

مسألة الشهادة على مسألة الأب، ورآها أولى بالمنع.
وإِن باع الكافر مسلمًا بثوب، ثمّ وجد بالثوب عيبًا، ففي جواز ردِّه وجهان؛ إِذ الفسوخ لا تلحق بالعقود، ولذلك لا يثبت بها الشفعة، ولا يلحقها الفسخ؛ لأنّها تردّ الأمر إِلى ما كان.
وإِن وُجد العيب بالعبد، فقد قطع بعضهم بجواز الردّ؛ إِذ لا خِيرَةَ للكافر فيه، وخرَّجه أبو محمّد على الوجهين، فإِن منعنا الردَّ ثبت الأرش.
وإِنْ وكَّل مسلمًا في شراء مسلم وقع العقد للوكيل، وإِن توكَّل لمسلم في شراء مسلم صحَّ الشراء إِن أضافه إِلى المسلم وقلنا: يصحّ بصيغة السَّفارة، وإِن أطلق ونوى المسلم، فوجهان أصلُهما تعلّق العهدة بالوكيل.
وإِن اشترى مرتدًّا فوجهان، وإِن اشترى كافرًا، فأسلم في يد البائع ففي انفساخ البيع وجهان؛ فإِن قلنا: لا ينفسخ، ثبت له الخيار، وهل يقبضه بنفسه، أو يقبضه الحاكم عنه، ثم يباع؟ فيه وجهان، فإِن كان المردود عليه كافرًا فلا وجه للانفساخ؛ إِذ ينقلب من كافر إِلى كافر.
وإِن استأجر مسلمًا صحَّ إِن كان على الذمّة، وإِن كان على العين فوجهان، فإِن قلنا بالصحّة ففي إيجاره عليه وجهان.
ويجوز إِعارة المسلم من الكافر وإِيداعه عنده.
وإِن أسلمت أمُّ ولده حِيْل بينهما، وأبعدَ من أجبره على الإِعتاق.

1359 -

فروع متفرّقة:

إِذا اشترى المسلم عبدًا فوجده كافرًا، تخيَّر إِن اشتراه في بلاد الإِسلام؛

لندرته فيها، وإِن اشتراه من دار الحرب فلا خيار عند الأكثرين، خلافًا لأبي محمّد.

1360 -

فرع:

إِذا اشترى عشر شياه من قطيع، لم يصحَّ وإِن علم عدد القطيع، وإِن اشترى القطيع كلَّ شاة بدرهم، صحَّ وإن جهل العدد.

1361 - فرع: إِذا وكَّل المسلمُ ذمِّيًّا في شراء خمر، فاشتراها له، لم يصحَّ، ولم تصِرْ بذلك محترمة، وإِن وكَّل في شراء غائب لم يره الموكّل صحَّ الشراء للموكّل وإِن منعنا شراء الغائب، بخلاف شراء الخمر، فإِنّها ليست مالًا في اعتقاد الموكِّل.

جارٍ التحميل