الغاية في اختصار النهايةصفحات 204-243

لا نظر إِلى اتِّحاد الجنس، وإِنَّما هو محلٌّ للعلَّة على القولين، ومجلسُ القبض كمجلس الخيار من غير فرق، فيصحُّ التقابض ما داما مجتمِعَين؛ فإِن تفرَّقا قبل القبض انفسخ العقد.

1205 -

فصل في الردِّ بالعيب في الصرف

إِذا باع النقد بجنسه أو بنقد آخر فله حالان: إحداهما: أن يتعيَّن 1 العوضان، فإِن تلفا، أو تلف أحدهما قبل القبض، انفسخ العقد، وامتنع الإِبدال، وإِن تقابضا، ثمّ وَجد أحدُهما بما قبضه عيبًا، كرداءة الجنس، أو تشوُّش النقش، تخيَّر، فإِن ردَّه انفسخ العقد، وامتنع الإِبدال، وسواء ردَّه قبل القبض أو بعده، وإِن وجده نحاسًا؛ فإِن كان قد قال: بعتك هذا؛ صَحَّ العقد، وتخيَّر، وإِن قال: بعتك هذه الدراهم؛ ففي الصحَّة وجهان؛ فإِن صحَّحناه تخيَّر.
الحال الثانية: أن يقع العوضان في الذمَّة باعتبار الصفة، فيشترط قبضُهما في المجلس اتِّفاقًا؛ فإِن وجد أحدهما عيبًا تخيَّر، فإِن فسخ قبل التفرُّق فالعقد باقٍ، وله الإِبدال، وإِن فسخ بعد التفرُّق فهل يثبت 2 الانفساخ، وأن المِلك لم يحصل؟ فيه قولان؛ فإِن قلنا: لا ينفسخ، فله طلب البدل المستحَقِّ له بالعقد، وإِن قلنا بالانفساخ امتنع الإِبدال، وإِن بان بعد

الافتراق أنّ المقبوض نحاس، فقد بان الانفساخ، فإِن رضي به لم يَجُزْ، كما لو أسلم في جارية، فسُلِّم إِليه غلام، ولو تسلَّم جارية فوجدها على غير الصفة، ففسخ، فهل يجب على المسلَم إِليه استبراء الجارية؟ فيه القولان، وإِن ظهر بعضُ المقبوض نحاسًا انفسخ العقد فيه، وفي الباقي قَوْلَا تفريقِ الصفقة، وإِن ظهر بعضه رديءَ الجنس، فردَّه، ففيه القولان، فإِن قلنا بالانفساخ ففيما بقي قولا التفريق، وإن قلنا: لا ينفسخ، أبدل المعيب، ولا يخرج الباقي على التفريق؛ لأن الصفقة إِنَّما تُفرَّق إِذا اشتملت على صحيح وفاسد، أو مختلِفٍ في الأحكام، أو طرأ الفسخ على بعض العوض في الدوام.

1206 -

فصل في الذريعة

لا بأس بذريعةٍ لا تُناقِضُ أصول الشريعة؛ فمَن مَلَكَ ثمانين صحاحًا، فأراد تحصيل مئة مكسَّرة، فاشترى بالثمانين سلعة، أو نقدًا آخر، وألزم البيع، ثمَّ اشترى بها المئة المكسّرة، جاز.

1207 -

باب بيع اللحم باللحم

اللحوم متجانسة أو مختلفة؟ فيه قولان؛ فإِن قلنا بالتجانس ففي البرّي مع البحري وجهان، وإِن قلنا بالاختلاف فالضأن والمَعْز جنس، والإِبل والبقر جنسان متنوِّعان، والوحشيُّ والأهليُّ جنسان يشتمل كلُّ واحد منهما على أجناس، فالأيِّلُ والظباء جنسٌ، وبقر الوحش وظباؤها جنسان، والبرّيُّ مع البحري جنسان، والسُّمُوك جنس، وفيها مع سائر الحيوان المائي وجهان، فإِن قلنا باختلافهما فحيوان الماء أجناس، فغنمه وبقره جنسان، والطيور أجناس؛ فالبطُّ والدجاج جنسان، والعصافير جنس مع اختلاف الجثث والألوان، والحمام جنس متنوِّع إِلى كلِّ ما عَبَّ وهَدَر، كالقُمرِيِّ والدُّبْسيِّ والقَطا والفواخِت واليمام.

1208 -

فصل في تجانس أجزاء الحيوان

كلُّ جزءٍ مخصوصٍ باسمٍ غير مضافٍ، ولا يعدُّ لحمًا في الإِطلاق، كالكرش والرئة والكَبِد والمعاء والطِّحال، ففيه طريقان: أحدهما: أنَّها من جنس اللحم إِن قلنا بتجانس اللحوم، وإِن قلنا بالاختلاف فوجهان، ولا تُعدُّ هذه الطريقة من المذهب عند الإِمام.

والطريقة المشهورة: أنَّها مختلِفة من الحيوان الواحد إِن قلنا باختلاف اللُّحمان، وإِن قلنا بالتجانس فكلُّ ما حنث به الحالف على الامتناع من أكل اللحم فهو من جنس اللحمان، وفيما لا يحنث بأكله وجهان كالوجهين في اللحم البرّيِّ مع لحوم الحيتان.
وقطعوا بأنَّ الأكارع لحم في الأيمان، وهي من الشاة مجانِسة للحمها، والظاهر عند الإِمام أنّها ليست لحمًا؛ لأنّها أعصاب تحويها الجلود وإِن أُكلت كما يُؤكل اللحم.
ولا يَحْنَثُ بالشحم اتِّفاقًا، وكذلك لا يَحنثُ بالكبد والكرش والرئة والمعى والطحال عند الجمهور، وقيل: فيها قولان.
والقلب لحم عند المراوزة والصيدلانيّ، وكالكبد في طريقة العراق.
والكلية كالقلب عند الإِمام، وسمين اللحم لحم بالاتِّفاق، وكذلك الرؤوس.
والمحقِّقون على أنَّ الألية ليست بلحم ولا شحم، ويُحتمل إِلحاقُها بسمين اللحم.
والعظم الصلب والغُضروفيُّ والمشاشيُّ والمخاخ غير معدودة من اللحمان.

1209 -

فصل فيما يُشترط في بيع اللحم باللحم

إِذا حكمنا باختلاف اللحوم جاز التفاضل بشرط الحلول والتقابض؛

فإِن قلنا بالتجانس أو بيع لحم الشاة بعضِه ببعض؛ فإِن زالت رطوبته بالجفاف، ونُزع عظمه، جاز بيعه إِلا أن يكون فيه ملحٌ يظهر أثره في الميزان، وإِن بِيع وهو رطب لم يجز على المذهب وقولِ الأكثر، وقيل: فيه كالخوخ الرطب وجهان، وإِن بِيع مع العظم فالأكثرون على البطلان، بخلاف نوى التمر؛ فإِنَّ بقاءه يُصلح التمر، وبقاء العظم يفسد اللحم؛ فإِن أخَّرنا بقاء العظم فلا يُشترط تساوي العضوين، بل يجوز بيع الفخذ بالجنب مع تفاوت العظام.
قال الإِمام: لو بِيع عضو نُزع بعضُ لحمِه بعضوٍ لم يُنزع منه شيء؛ فإِن كان المنزوع قليلًا جاز، وإِلا فلا.

1210 -

باب بيع اللحم بالحيوان

إِذا باع لحم الشاة بشاة لم يجز بالاتِّفاق، وإِن باعه ببقرة أو بعيرٍ حَرُمَ إِن قلنا بتجانس اللحم، وإِن قلنا بالاختلاف فقولان أقيَسُهما الصحَّة، ووجه المنع: نهيُه عليه السلام عن بيع اللحم بالحيوان 1، وأبعدَ مَن أجرى القولين في بيع العبد بلحم الحيوان؛ لاندراجه في العموم.

1211 -

باب ثمر الحائط يُباع أصله

إِذا باع شجرًا عليه ثمر؛ فإِن كان بارزًا من أوّل خلقه كالتين، أو بارزًا من كمّه كالطلع وغيره، فهو للبائع إِلّا أن يَشرطه المبتاع، وإِن كان مستترًا كالطلع في كمّه، والورد في زرّه، وكرسف الحجاز في جوزه، فهو للمشتري، وكذلك الثمر الذي تحيط به مراكب الزهر على هيئة الخوخ الصغار، كالمشمش والخوخ.
وفيما استتر بالزهر من غير إِحاطة كالكُمَّثْرى والتفاح وجهان.
وفي إِلحاق القشر الأعلى من الجوز بالكِمَام مذهبان؛ إِذ القشر معدود من الثمر؛ ولذلك يُقطف معه، بخلاف الكمام؛ فإِنها تبقى على الشجر.

1212 -

فصل في حكم الثمار قبل الإبار وبعده

الإبار: تشقيق الكمام؛ ليذرَّ فيها طلع الفحول، وقد يتأبَّر الثمر بنفسه، ثم تنتشر إِليه رياح الفحول، وإِناث الثمار قبل الإبار للمشتري، وكذلك الفحول على المذهب، ولو أُبِّر بعض ثمر البستان فله حالان: أحدهما: أن يتَّحِدَ النوع؛ فإِن باع البستان صفقةً واحدة فالجميع

للبائع، وإِن أفرد غيرَ المأبور بالبيع فلأيِّهما يُحكم به؟ فيه وجهان.
الثانية: أن يختلف نوعه، ويؤبَّر أحد نوعيه؛ فإِن باع الجميع في صفقة واحدة فالمأبور للبائع، وفي غير المأبور وجهان، وإِن أفرد أحد النوعين بالبيع؛ فإِن كان غيرَ مأبور فهو للمشتري، وإِن كان مأبورًا فهو للبائع.
والفحول مع الإِناث نوعان.

1213 -

فرع:

إِذا أبَّر بعضَ الشجر، ثمَّ أطْلَع الباقي بعد البيع، فالمأبور للبائع والباقي على ما تقدَّم من اتِّحاد النوع أو اختلاف الأنواع، وقال ابن أبي هريرة: لا إتباع؛ إِذ لا إطْلاع.

1214 - فرع: لو أفرد الثمر بالبيع قبل الإبار صحَّ عند المُعْظَم، خلافًا لأبي إسحاق، وذكر في "التقريب" قولين، كبيع الحنطة في السنابل، وهو حسن.

1215 - فرع: إِذا ظهرت الأوراق؛ فإِن لم تكن مقصودةً دخلت في البيع بالاتِّفاق، وكذلك المقصودة، خلافًا لأبي إسحاق، ولا خلاف فيما يُعتاد قطعه من أغصان الخِلَاف 1؛ لأنه جزء من الأشجار.

1216 -

فصل فيما يستحقُّه البائع من إبقاء الثمار

إِذا بقي الطلع للبائع فالكمام للمشتري عند أبي محمّد؛ لأنها جزء من الشجر، ولا يُلزم البائع بالقِطاف قبل أوانه، ولا سقيَ على المشتري، وإِنّما عليه التمكين من السقي إِن لم يضرَّ بالشجر، وإِن أضرَّ السقي بالشجر، وأضرَّ تركه بالثمر بإِفسادٍ أو نقصٍ عن الاقتصاد، أو كان السقي مُضِرًّا بالثمر، وتركه مضرًّا بالشجر، فهل يُقدَّم حقُّ البائع، أو المشتري، أو يستويان؟ فيه ثلاثة أوجه؛ فإِن قلنا بالتسوية، فترك أحدُهما حقَّه فذاك، وإِن تشاحَّا فسخ الحاكم العقد، وإِن كان السقي نافعًا للشجر والثمر، والتركُ مضرًّا بالشجر؛ لامتصاص الثمرِ رطوبتَه، فإِن تمكَّن البائع من السقي أُجبر على أحد أمرين من السقي أو قطع الثمر، وإِن تعذَّر السقي فهل يجبر على القطع؟ فيه وجهان ذكرهما العراقيُّون، ويجيء هاهنا وجه التسوية، وهذا الخلاف مخصوص بما يحتاج إِليه من السقي، وأمّا ما لا يحتاج إِليه ويضرّ بالشجر فهو ممنوع.

1217 -

فرع:

لو كان السقي مضرًّا بالشجر دون الثمر، ولو سقى الشجر لعظمت زيادة الثمر، احتُمل منعُ البائع من السقي؛ إِذ لا ضبط للزيادات، واحتُمل تمكينه منه إِذا قلنا برعاية جانبه.

1218 -

فصل في اختلاط الثمر المبيع بما يحدث من ثمر للبائع

إِذا اشترى الثمر دون الشجر، فلحقه ثمر للبائع، واختلطا بحيث

لا يتميَّزان، فله حالان: أحدهما: أن يكون التلاحق نادرًا؛ فإِن وقع الإِبهام قبل التخلية فأقوال: أحدها: الانفساخ، كما لو باع ذُرةً فسقطت منه في لُجَّة، ويئس منها.
والثاني: لا ينفسخ، وللمشتري الخيار.
والثالث، وهو بعيد: لا انفساخَ ولا خيار؛ فإِنْ أثبتنا الخيار، فترك البائع حقَّه من الثمار، أُجبر المشتري على القبول، وسقط الخيار، كما سنذكره في ترك النقل في الردّ بالعيب.
كذا ذكره الأصحاب، وقال الإِمام: في الإِجبار على قبول النقل خلافٌ، وهذه الصورة أولى به؛ فإِن قلنا بالإِجبار سقط الخيار، وإِلّا فلا، وإِن وقع الإِبهام بعد التخلية، فإِن جُعلت الجوائح من ضمان البائع فهو كالإِبهام قبل التخلية، وإِن جعلت من ضمان المشتري فلا انفساخ ولا خيار، كما لو اختلطت الحنطة المبيعة بحنطةٍ للبائع بعد القبض، فلا طريق إِلّا المصالحة، أو التوقُّف، أو المنازعة.
الثانية: أن يكون التلاحق ممّا يقع لا محالة في مدّة بقاء الثمر للمشتري، فإِن شُرط القطع صحَّ البيع؛ فإِن لم يقطع حتّى وقع الإِبهام فحكمه ما سبق حرفًا بحرف، وإِن لم يشرط القطع لم يصحَّ البيع إِلا على قول بعيد أنَّه موقوف، فإِن سمح البائع بحقِّه تبيَّنت الصحَّة، وإِلَّا فلا.

1219 -

فرع:

لو باع الشجر دون الثمر، فلحقه ثمرٌ للمشتري، ووقع الإبهام، فلا فسخ ولا انفساخ؛ إِذ لا تعذُّر في المبيع، وكذلك لو اشترى الشجر، فأثمر وتعيَّب الثمر قبل القبض، فلا خيار بتعيُّب الثمر، وألحقها بعض الأصحاب

بالمسألة السابقة في الفسخ والانفساخ، وهو ظاهر نَقْل المزنيِّ، والأوَّل هو القياس.

1220 -

فصل في التنازع عند الإِبهام

إِذا انثال على الحنطة المَبيعة حنطةٌ للبائع، وتنازعا في المقدار، فالقول قولُ البائع فيما قَبْلَ القبض، وقولُ المشتري فيما بعده؛ نظرًا إلى اليد في الصورتين، وينبغي ألا يُتعرَّض للبيع؛ كيلا يجري التخالف لأجل التنازع في قدر المبيع، وإِن وقع ذلك في الثمار، فإِن كان قبل التخلية فالقول قول البائع، وفيما بعد التخلية وجهان مأخذهما ضمان الحوائج، فمن جعلت من ضمانه فاليد له، وفيه وجه ثالث: أنّ الثمر في أيديهما؛ لتعلُّقه بهما؛ إِذ يجب سقيه على البائع، وينفذ فيه تصرُّف المشتري.

1221 -

فرع:

إِذا وقع الاختلاط بعد القبض، واعترفا بالالتباس، ورضيا بألا يُفسخ العقد، رجع أمرهما إِلى الوقف أو الاصطلاح.

1222 - فرع: إِذا اشترى جزَّةَ قُرْطٍ بشرط القطع، فلم يفِ بالشرط حتى ظهرت الزيادة، فما زاد في جهة الطول فهو للبائع لا يلزمه تسليمه، والحكمُ في ذلك كالحكم في اختلاط الثمار، وأَبعدَ مَن قال: لا انفساخ في هذه الصورة.

1223 -

فصل في دخول البناء والغرس في بيع الأرض

إِذا قال: بعتك الأرض، أو الساحة، أو البقعة، وفيها بناء أو شجر، فظاهر نقل المزنيِّ: أنَّهما يدخلان في البيع، وفي مثله في الرهن: لا يدخلان، ولهم في النصَّين طرق: أضعفُها: الفرق بقوّة البيع وضعف الرهن.
والثانية: قولان، أصحّهما: أنَّهما لا يدخلان في الصورتين.
والثالثة: الجزم بأنَّهما لا يدخلان، وتأوَّلَ نقلَ المزنيّ، أو يُحمل على الإِخلال [في النقل] (1)، وعلى الأصحِّ لو قال: بعتك الأرض بحقوقها ففي دخول البناء والغراس وجهان أشهرُهما الدخول، وأقيسُهما أنّهما لا يدخلان؛ إِذ الحقوق في العرف عبارة عن المَمَرِّ ومُطَّرَح التراب ومَجرى الماء وأمثالها.

1224 -

فصل فيما يدخل في بيع الدار

إِذا قال: بعتك الدار، دخل في البيع كلُّ معدود من أجزاء الدار، ولا يدخل ما ليس بمثْبَتٍ، كالأمتعة والسلاليم المنقولة والرفوف الموضوعة، وفي المفتاح وجهان؛ لأنَّه تابع للأَغْلاق، وهي من جملة الدار، وإِن كان فيها حمَّام لم يدخل على النصِّ، وحمله الربيع على حمَّامات الحجاز؛ لأنها خشب يُنقل ويُحوَّل 2، بخلاف الحمَّام المبنيِّ؛ فإِنَّه يدخل؛ لأنَّه من مرافق الدار.1

وإِن كان فيها شجر، وقلنا: لا يدخل في بيع الأرض، ففي شجر الدار أوجه؛ أعدلُها: أنّها تدخل إِلّا أن تبلغ مبلغًا يجوز تسمية الدار لأجلها بستانًا، فلا تدخل.
وأمّا الثوابت: فكلُّ مثبَّت لإِكمال البناء فهو من الدار، كالرفوف المثبَّتة في البناء؛ تتمَّةً للمرافق، والمراقي المبنيَّة بالطُّوب والجِصِّ، وكذلك مراقي الخشب إِذا أُثبتت للتخليد على الأصحِّ، وأمَّا ما أُثبت لئلّا يتحرَّك عند استعماله؛ كالأجاجين (1) المثبَّتة، والرفوف والسلاليم المُسمَّرة، فلا يدخل على الأقيس.
وفي حَجَري الرحا أوجُه؛ أقيسُها: أنَّهما لا يدخلان، والثاني: يدخلان.
والثالث: يدخل الأسفل دون الأعلى.
ولو قال: بعتك الطاحونة، دخل الأسفل، وكذلك الأعلى على الأظهر، ولو أُثبتت الأجاجين في مدبغة في الدار؛ فإِن قال: بعتك المدبغة، دخلت الأجاجين، وإِن قال: بعتك الدار، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالدخول من أجاجين الدار، وإِذا قلنا: البناء والغراس لا يدخلان في بيع الأرض، فالخلاف جارٍ فيما أُثبت من السلاليم والحجر الأسفل والأجاجين.

1225 -

فرع:

إِذا كان في الدار بئر أو معدن عُدَّ كالنفط والقار، فما يحدث منهما بعد الشراء للمشتري، والحاصل عند البيع من المعدن للبائع بالاتّفاق.1

وأمّا الماء، فإِن قلنا بأنه يُملك فالموجود منه للبائع، وإِن عَمَّتِ العادة بالمسامحة فيه، وإِن قلنا: لا يملك؛ فهو للمشتري.

1226 -

فصل فيما يدخل في بيع القرية والبستان

إِذا قال: بعتك البستان، أو الباغ (1)، دخل الشجر، وكذلك البناء على قول الأكثر، وألحقه الإِمام بأشجار الدار، وفي عروش الكرم تردُّد لأبي محمد، وقطع الإِمام بالدخول؛ لأنَّها مفهومة في العرف من لفظ البستان والكرم، وإِن باع القرية دخلت الدور والمزارع والأبنية، وفي الشجر قولان، وأولى بالدخول من شجر الدار؛ لأنّها مألوفة في القرى، بخلاف الدور.

1227 -

فصل في بيع الأرض المزروعة والمبذورة والدارِ المشحونة

إِذا باع الأرض مع زرعها صحَّ البيع فيهما، وإِن باعها مع بذرها؛ فإِن منعنا بيع الغائب لم يصحَّ بيع البذر، وقيل: يصحُّ تبعًا للأرض، وإِن أجزنا بيع الغائب لم يَبعُد التصحيح عند الإِمام؛ فإِن لم يصحَّح بيع البذر ففي الأرض قولا تفريقِ الصفقة.
وإِن باع الأرض ولم يتعرَّض لزرعها فله حالان:1

إحداهما: أن لا يكون مُخْلِفًا، فلا يدخل بالاتِّفاق، ويصحُّ بيع الأرض على الأصح، وقيل: بتخريجه على بيع المأجور، لكن الفرق أنّ تسليم المزروعة ممكن، بخلاف المأجور.
ولو باع دارًا مشحونة بمتاع للبائع لا يتأتَّى نقله إِلا في مدَّة لها أجرة صحَّ البيعُ على المنقول، والقياسُ: التسوية بينها وبين الأرض المزروعة.

1228 -

فرع:

إِذا علم المشتري بزرع الأرض وشحنة الدار فلا خيار له، وإِن جهلهما تخيَّر، وشَرْطُ تخيُّره في الدار أن تتعطَّل مدَّة لها أجرة، وقيل: لا خيار في الدار؛ إِذ لا تخلو عن الأمتعة في الغالب، وإِن أجاز البيع في الأرض فهل يستحقّ الأجرة لمدَّة بقاء الزرع؟ فيه وجهان؛ وجه المنع: أنَّه تمكَّن من الفسخ فأشبه الرضى بالعيب.

1229 - فرع: لو باع أرضًا مبذورة من غير تعرُّض للبذر فهو كبيع المزروعة حرفًا بحرف.

1230 - فرع: لو تسلَّم الدار المشحونة، والأرضَ المزروعة أو المبذورة، ففي ثبوت يده ثلاثة أوجه: المذهب: الثبوت؛ لأنّ الرقبة مسلَّمة إِليه، وإِنّما التعذّر في الانتفاع.
والثاني: لا يثبت قبل الفراغ.

والثالث: يثبت في الأرض دون الدار.
الحال الثانية: أن يكون الزرع ممّا يُخْلِفُ، فإِن لم يظهر منه شيء ففيه من الخلاف ما في البناء والغراس، وقطع أبو محمد بدخوله، وفرَّق بينه وبين الغراس بكمونه وظهور الغراس، وإِن ظهر من الجزة شيء فهو للبائع بالاتّفاق، وفي أصوله الخلافُ.

1231 -

فصل فيمن اشترى أرضًا فوجد فيها أحجارًا

الأحجار إِن كانت خَلْقيّة دخلت في البيع، وإِن كانت في أساس فهي كالغراس، وإِن كانت مُودَعةً لم تدخل اتِّفاقًا كالكنوز، فإِن جهلها المشتري فللأرض حالان: أحدهما: أن تكون بيضاء، فلها أحوال: الأول: ألّا يضرَّ ترك الأحجار ولا نقلُها، فلا خيار له، ويؤخذ البائع بالنقل، وأبعدَ مَن خيَّره بين النقل والإِبقاء.
الثاني: أن يتضرَّر بالبقاء دون النقل، أو يكون في النقل ضرر يزول في مدَّة لا أجرة لمثلها، فيؤخذ البائع بالنقل، ولا خيار له؛ لأنّه قد أزال الضرر، فأشبه ما لو اختلَّ سقف المبيع قبل القبض خللًا يسيرًا يُمْكن تداركُه في مدَّة قريبة من غير استعمالِ عينٍ للبائع جديدةٍ، أو غُصب العبد، فاستردَّه البائع عن قُرْب، أو مَرِض فأزال مرضه بالعلاج على الفور، فلا خيار للمشتري في هذه الصور.

الثالث: ألّا تتضرَّر رقبة الأرض، ولا يتأتَّى النقل إِلا بتعطيل مدَّة لها أجرة، فيثبت الخيار، فإِن بذل البائع الأجرة لإِسقاط الخيار، ففي سقوطه وجهان: أحدهما: يسقط، ويُؤخذ البائع بالنقل.
والثاني: لا يسقط، كما لو بذل الأرش لإِسقاط الردّ بعيب قديم، فإِنّه لا يسقط اتّفاقًا.
فإِن أجاز فهل يستحقّ الأجرة لمدة النقل، فيه ثلاثة أوجه؛ في الثالث: تجب لِما بعد القبض دون ما قبله.
فإِن حصلت حفائر أُخذ البائع بطَمِّها اتّفاقًا.
ولو هدم جدار إِنسان لزمه أَرشُ النقصان دون إِعادة البنيان.
والفرق بينهما: أنّ الصفاتِ منقسمة إِلى المثليّ والمتقوّم كالأعيان، فردْم الحفائر مثليّ، فأُخذ به، وإِعادة البناء متقوّم فألزم بأرشه.
ولو أزال لبنةً من جدار، وأمكن الردّ إِلى ما كان من غير تفاوت، فهو كردم الحفائر.
الحالة الثانية: أن يكون في الأرض غرس، فله أحوال: الأولى: ألّا تتضرَّر بنقل ولا ترك، فحكمُه ما سبق.
الثانية: أن تتضرَّر بالقلع والترك، فيتخيَّر؛ فإِن أجاز أُخذ البائع بالنقل، وفي أرش النقص الأوجُهُ الثلاثة المذكورة في الأجرة، وأولى بالوجوب من الأجرة؛ لأنّه في مقابلة إِجراء المبيع وصفاته، بخلاف الأجرة.

الثالثة: أن يتضرّر بالترك دون النقل، فيُلزم البائع بالنقل، ولا خيار إِلّا أن تتعطَّل المنافع، فيتخيَّر، فإِن أجاز ففي الأجرة الخلاف.
الرابعة: أن يتضرَّر بالنقل دون الترك، فلا يُمنع البائع من النقل، وله حالان: أحدهما: أن يترك الأحجار، فيُجبر المشتري على القبول، ويسقط الخيار بالاتّفاق، فإِن قال البائع: تركت الأحجار، ففي اعتبار لفظ الترك وجهان، فإِن اعتبرناه ففي إِفادته الملك قهرًا وجهان، فإِن قلنا بإِفادته الملك فلا رجوع فيه بحال، وإِن قلنا: لا يفيد، لَزِمَ الوفاءُ بالترك بالاتِّفاق، فلا رجوع له إِلا أن يزول سبب الترك، كما لو انقلع الغرس أو قلعه المشتري، وإِن وهبه الحجر فإِن كان بحيث لا تصحُّ هبته مفردة ففي صحَّتها هاهنا وجهان مرتَّبان على لفظ الترك، وأولى بالاعتبار؛ لأنَّها عقد، فإِن اعتبرناها ففي المِلْكِ خلافٌ مرتَّبٌ على الترك، وأولى بالحصول، وإِن وُجدت شروط الهبة فالمذهبُ إِفادتُها للمِلك، وخرَّجها بعضهم على الخلاف؛ لأنّها صَدَرت عن حاملٍ عليها.
الحال الثانية: أن ينقل فيتضرَّر الغرس، فيتخيَّر المشتري، فإِن أجاز ففي الأرش الخلاف، وقطع بعضهم بوجوبه هاهنا؛ لقدرة البائع على دفع الضرر بترك الحجر على وجه يجبر المشتري على القبول.

1232 -

فرع:

إِذا كان المشتري عالمًا بحقيقة الحال فيما ذكرناه من الصور، فلا أرش له ولا خيار، ولو اشترى أرضًا فغرسها، ثم اطَّلع على دفينِ أحجارٍ يمنع

العروق من الانتشار، ففي تخيُّره وجهان، ووجه المنع: أنَّه ليس من شرط المبيع أن يصلح لضروب الانتفاع.

1233 -

باب الوقت الذي يحلُّ فيه بيع الثمار وردُّ الجائحة من كثب

إِذا باع الثمرة على الشجر فلها حالان: إحداهما: أن تكون مُزْهِية، فيجوز بيعها مطلقًا وبشرط القطع وبشرط التبقية، والإِطلاقُ محمول على التبقية إِلى الجذاذ، لأنَّه العرف المعتاد.
ولو باع البناء أو الشجر بشرط القلع صحَّ.
وإِن أطلق استحقَّ المشتري إِبقاءَهما ما بقيا، وليس لذلك حكم الإِعارة، فلو رام البائع القلع وغرم الأرش لم يكن له ذلك، ولا يملك المشتري المغارس على أصحِّ القولين، ولا يجوز له الانتفاع بالمغارس بعد الانقلاع إِلا إِذا ملَّكناه.
الحال الثانية: ألا تكون مُزْهية، فلا يجوز بيعها مطلقًا، ولا بشرط التبقية، وإِنْ شرط قطعها صحَّ بيعها 1، وإِنَّما امتنع شرطُ إِبقائها؛ لأنَّها متعرِّضة للآفات، أو لامتصاصها ما في شجر البائع من الرطوبات، ولا مبالاة بالامتصاص بعد الزَّهْو؛ لأنَّه نَزْرٌ قليل، وإن باعها قبل الزَّهْوِ مع الشجر صحَّ تبعًا للشجر إِن علَّلنا بالتعرُّض للآفات، أو لاجتماعهما في ملك المشتري إِنْ علَّلنا بامتصاص الرطوبات، وإِن باعها من مالك الشجر فوجهان مأخذهما المعنيان،

وإِنَّما حُمل الإِطلاق على التبقية إِلى الجذاذ؛ لأنّه عرفٌ عامٌّ في جميع البلاد، والعرف العامُّ مؤثِّر في توابع العقود، ولذلك يتقيَّد الثمن المطلَق بغالب النقود.
ولو عمَّ عرفٌ في بعض الأمصار بإِباحة منافع الرهن للمرتهن، أو بشروط فاسدة في القرض، فأطلق العقد، ففي فساده حملًا على ذلك العرف خلاف؛ لأنّه خاصٌّ.
وإِن ندر عُرفٌ في ناحية بقطع الحصرم قبل أن يصير عنبًا، فأطلق البيع، فهل يصحُّ بناءً على ذلك العرف؟ فيه خلاف.

1234 -

فرع:

إِذا بقي الثمر المأبور للبائع، فأصابته آفة تمنع نموَّه، فهل يُجبر على قطعه؟ فيه قولان.

1235 -

فصل في بيان الزهو وبدوِّ الصلاح

الزَّهْو: أن يبدو صلاح الثمر بحيث يطيب أكله، وذلك بالتلوُّن في المتلوِّنات، وبالتموُّه في المتموِّهات، ولا يُشترط البلوغ إِلى الغاية المقصودة؛ لأنَّ بين بدوِّ الصلاح وتكامله نحوٌ من شهرين، ويُعتبر في القِثَّاء انتهاؤه إِلى حال يؤكل فيها غالبًا، وشروع الناس في الأكل هو الضابط في الجميع؛ لأنَّهم يَشْرَعون في الأكل عند أوائل الزهو، وإِذا اتَّحد البستان، فأَزْهَى بعض ثمره، فإِن اختلف الجنس فلا إتباع في جواز البيع، وإِن اختلف النوع أو

اتَّحد فإتْباع غير المُزْهي للمُزْهي في جواز البيع كإتْباع غيرِ المأبور للمأبور حرفًا بحرف.
ولو باع ثمرة غير مُزْهية بعد ظهور الزهو في بستان آخر للبائع أو لغيره فلا إتْباع بالاتِّفاق.
ولو أَزْهى أحدُ بستانيه، فباعهما صفقةً واحدة، فلا إتْباع عند العراقيّين، وخالفهم الإِمام إِذا تقارَبَا تقارُبًا لا يؤثِّر في التغايُر، ولا حاجز إِلّا جدار، ولو اتَّحد البستان واختلف الملك، ووقع الزهو أو الإبار في بعض الثمار، ففي إتْباع المبيع لغير المبيع خلاف سواءٌ كان ما أبقاه البائع لنفسه أو لغيره.

1236 -

فصل في بيع الزرع

إِذا كان الزرع مُخلِفًا بعد الجزِّ كالقرط لم يجز بيعه إِلّا بشرط القطع وإِن أمِن العاهات؛ لأنّه عرضة للاختلاط، وإِن كان ممَّا لا يُخلف؛ فإِن نجا من العاهة جاز بيعه، ولا نظر إِلى ما يحصل فيه من الزيادات؛ لأنّه يملكه بعروقه، وإِن لم ينجُ من العاهة لم يجز بيعه إلّا بشرط القطع، وقد قيَّده الأصحاب بالاخضرار، ولا عبرة بالخضرة، وإِنَّما العبرة بالنجاة من الآفات.
وإِن باع البطِّيخ مع أصوله؛ فإِن بدا صلاحه جاز، وما يحدث منه بعد الشراء فهو للمشتري، وإِن لم يبدُ صلاحه لم يجز إِلا بشرط القطع؛ لأنَّه مع أصوله عرضة للعاهة، بخلاف بيع الثمر قبل الزهو مع الشجر، وإِن باعه دون أصوله فليشرطْ قطعَه إِن لم يبدُ صلاحه، وإِن بدا لم يُشترط، ثمّ يتبع الصغار الكبار، وما يحدث بعد الشراء فهو للبائع.

1237 -

فرع:

الكُرْسُف في بلادنا كالزرع، بخلاف كرسف الحجاز فإِنَّه شجر تتعاقب عليه الثمر.

1238 -

فصل فيمن باع الشجر واستثنى الثمر

إِذا باع الشجر وعليه ثمر غير مأبور، فاستثناه لنفسه، صحَّ الاستثناء إِن شرط القطع، وإِن أطلق فقولان، فإن قلنا: لا يصحُّ، دخل الثمر في البيع على ظاهر كلامهم؛ لبطلان الاستثناء، وعند الإِمام يبطل العقد إِلحاقًا للاستثناء الفاسد بالشرط الفاسد؛ إِذ كيف يملكه المشتري مع التصريح بإِخراجه من البيع.
وإِن قلنا: يشترط التقييد بالقطع، فقيَّد به، لزمه الوفاء به، وإِن قلنا: لا يُشترط، جاز الإِبقاء، ولا خلاف أنَّ الثمر المأبور إِذا بقي للبائع لم يجب قطعه وإِن لم يبدُ صلاحه.
وعبَّر الأصحاب عن القولين في شرط القطع في الاستثناء بأنّ المِلْك المشرِف على الزوال إِذا استُدرِك فهل يلحق بالزائل العائد؟ فيه وجهان يجريان فيما لو دبَّر عبدًا، فجنى جناية مستغرقةً 1، فمات ولم يخلِّف غيرَه، ففداه الوارث، فإِن جعلنا المشرِف على الزوال كالزائل فالولاء للوارث، وإِلا فهو للميت.
هذا إِذا جعلنا الإِجازة تنفيذًا، فإِن جعلناها ابتداءَ عطيةٍ، قطعنا بأنَّ

الوارث هو المعتِق، وافتقر العتق إِلى لفظه.

1239 -

فصل في بيع المستتر بالقشور أو السنابل

كلُّ ما كان بقاؤه وصلاحه في قشره، كالجوز في القشر الأسفل، والرمَّانِ والبيضِ، جاز بيعه في قشره، ولا يجوز بيع الجوز والباقلاء في القشرة العليا اليابسة، وفي الرطبة وجهان: أظهرُهما: الجوازُ في الباقلاء، ويجوز بيع الشعير في السُّنبل، وفي الحنطة في السنبل والأرزِّ في القشور أقوال؛ في الثالث: يجوز بيع الأرزِّ دون الحنطة؛ إِذ يَغْلب ادِّخاره في قشوره، ولا يجوز بيع نيل المعدن في ترابه، ولا الجَزَرِ واللِّفْتِ والفِجْلِ في الأرض.
هذا كلُّه إِن منعنا بيع الغائب، وإِن أجزناه صحَّ البيع في جميع ما ذكرناه.

1240 -

فصل في الاستثناء في الثمر والأرض والصُّبْرَة

إِذا باع ثمر البستان إلا جزءًا شائعًا معلومًا صحَّ، وإِن باعه إِلّا مدًّا لم يصحَّ، وإِن باع الصبرة إِلا مدًّا؛ فإِنْ عُلم أمدادها صحَّ، وإِلّا فلا، ويكفي العلم بالأمداد وإِن لم تُذكر، وإِن باع صاعًا من صبرة صحَّ إِن عُلمت الصِّيعان 1، وهل يُنزَّل على الإِشاعة أو الإِبهام؟ فيه وجهان؛ فإِن نُزِّل على الإِشاعة، فتلف بعض الصبرة، انفسخ من الصاع بالحساب، وإِن نُزِّل على الإِبهام، بقي المبيع ما بقي من الصبرة صاعٌ، والقول بالإِشاعة اختيار القفَّال، واعتبره بما

لو باع صاعًا من صيعان مفرَّقة على الإبهام، وإِن جُهلت صيعان الصُّبْرة بطل البيع إِن علَّلنا بالإِشاعة، وصحّ إِن علّلنا بالإِبهام، وإِن باع عشرة أَذرع من أرض لم يصحَّ إِن جُهل ذرعها، وإِن عُلم فوجهان مأخذهما المعنيان.

1241 -

فرع:

قال الشافعيّ: لو باعه ثمر البستان بثلاثة آلاف درهم إِلا ما يخصُّ ألف درهم؛ فإِن أراد: إِلا ما يخصُّها من الثمن، صحَّ؛ لأنَّه باع الثلثين بألفين، وإِن أراد: إِلا ما يخصُّ جزءًا من قيمة الثمر لو قُوِّم، لم يصحَّ.

1242 -

فصل في وضع الجوائح

إِذا باع الثمر المُزْهي مطلَقًا أو بشرط التَّبْقية، وسلَّمه على الشجر، فهلك، فله أحوال: الأولى: أن يهلِك بآفة سماوية كالبرْد والبرَد والحرِّ والصواعق، فهل ينفسخ البيع ويسقط الثمن؟ فيه قولان: أحدهما: ينفسخ؛ للاتِّفاق على وجوب السقي على البائع إِلى وقت الجذاذ.
والثاني وهو المذهب: أنَّه لا ينفسخ؛ للاتِّفاق على تنفيذ تصرُّفات المشتري المفتقرةِ إِلى كمال القبض، فإِن قلنا بالانفساخ، فتلف البعض، انفسخ العقد فيه، وفيما بقي قولا تفريقِ الصفقة في الدوام.
الثانية: أن يتلف بالسرقة، فالأصحُّ أنّها لا تلحق بآفات السماء؛ لاستناد

ذلك إِلى تفريط المشتري، فأشبه ما لو اشترى الثمر قبل الزهو بشرط القطع، فأخَّر قطعه حتى هلك بالجوائح، فإِنَّه يتلف من ضمانه ولا انفساخ.
الثالثة: أن يتلف وقد أخَّر الجذاذ عن وقته تأخيرًا يُعدُّ به مفرِّطًا متوانيًا، فالضمان عليه قولًا واحدًا.
الرابعة: إِذا أخَّر الجذاذ عن الوقت بيوم أو يومين بحيث لا يُعدُّ متوانيًا، وقد يَطلب بذلك تكاملًا لا يحصل في الجَرِين (1)، فالمذهب أنَّه من ضمانه، ورمز بعضهم إِلى تخريجه على الخلاف، وقد رتَّبوا السقي على ما ذكرناه، فأوجبوه على البائع حيث ينفع إِلى أوان الجُذاذ، ورتَّبوه بعده على ما ذكرناه، ولا نعرف خلافًا أن البائع لا يلزمه حفظ الثمر بالناطور إِلى وقت الجذاذ، وقيل: فيه القولان (2). الحالة الخامسة: أن يتلف بترك السقي؛ فإِن لم يشعر به المشتري فقد قيل بالانفساخ، وقيل: فيه القولان؛ فإِن قلنا: لا ينفسخ، لزم البائعَ ضمانُ العدوان.

1243 -

فصل في تعيُّب الثمر بعد التخلية

إِذا تعيَّب الثمر بآفة سماوَّية؛ فإِن جُعلت الجوائح من ضمان البائع12

ثبت الخيار، وإِلا فلا، وإِن تعيَّب بترك السقي ثبت الخيار بالاتِّفاق، وقال الصيدلانيُّ: إِذا انقطع الماء تخيَّر بمجرَّد الانقطاع، فإِن لم يشعر حتَّى تلف الثمر فلا خيار، وفي الانفساخ القولان، فإِن قلنا بالانفساخ سقط الثمن، وإِن قلنا: لا ينفسخ، فعلى البائع ضمان العدوان بالقيمة، أو المثل؛ لأنَّ ترك السقي كجنايةٍ ذاتِ سريان، وإِن علم بذلك قبل التلف تخيَّر، فإِنْ سرى العطش إِلى التلف ففي الانفساخ القولان، فإِن قلنا: لا ينفسخ، فقد أشاروا في الضمان إِلى جوابين، فإِن قلنا بالضمان فلا يضمن ما كان يحصل من الزيادات بسبب السقي.

1244 -

باب المحاقلة والمزابنة والعرايا

المحاقلة والمزابنة باطلتان، والمحاقلة: بيع الحنطة في السنبل بخرصِها من الحنطة.
ولو باع الزرع قبل بدوِّ الحَبِّ بالحنطة جاز؛ لأنَّه حشيش غير مطعوم.
والمزابنة: بيع الرطَب على النخل مخروصًا بتقديرِ كونه تمرًا بتمرٍ على الأرض.
والعرايا: مستثناة من المزابنة، ولا تختصّ بالفقراء إِلّا على قولٍ بعيد.
وصورتها: أن يُخْرصَ الرطبُ على النخل، ثم يُقدَّر تمرًا، ويُباع بمثله تمرًا على الأرض، وذلك جائز فيما نقص عن خمسة أوسق، ممنوعٌ فيما زاد، وفي الخمسة قولان، ومَيلُ النصِّ إِلى الجواز، واختار المزنيُّ البطلان.
ولو اشترى أوساقًا كثيرة في صفقات تنقص كلُّ صفقة عن الخمسة جاز.
وإِن اشترى اثنانِ تسعةَ أوسق من واحد أو اثنين جاز، وإِن اشترى واحدٌ تسعةً من اثنين، فوجهان من جهةِ أنَّه دخل في ملكه تسعة أوسق دفعة واحدة.
وإِن باع رطبًا مقطوفًا مخروصًا تمرًا بتمر، ففيه خلاف، وإِن باع الرطب بالرطب مخروصَينِ تمرًا فثلاثة أوجه، في الثالث: يجوز إِن كانا على الشجر، وإِن كانا أو أحدُهما على الأرض لم يجز.

وأمَّا سائر الثمار: فإِن منعنا خرْصَها امتنعت العرايا، وإِن أجزناه ففي العرايا خلاف.

1245 -

باب بيع الطعام قبل أن يُستوفَى

المبيع قبل القبض من ضمان البائع، بمعنى: أنَّه لو تلف لانقلب الملك إِليه، ولو عاب لتخيَّر المشتري، فإِذا قبضه المشتري صار التلف والعيب من ضمانه، ولا يجوز بيعه قبل القبض وإِن رضي البائع وقَبض الثمن؛ لأنَّه لو صحَّ وفُرض تلفُه لانقلب المِلْكُ إِلى كلِّ واحد من البائعين على الاستقلال، وتلف ملكًا لهما، وهذا مُحال يعبِّر عنه الفقهاء بتوالي الضمانين.
والإِجارة وتزويج الأمة نافذان، وإِن أثبتنا حقَّ الحبس.
وقيل: لا ينفذان وإِن نفينا حقَّ الحبس؛ لضعف المِلْك.
وقال الإِمام: إِن أثبتنا حقَّ الحبس فينبغي أن نفرِّق في التزويج بين ما قبْلَ تأدية الثمن وما بعدها؛ لأنّ التزويج مُنقِصٌ للقيمة، وكذلك إِن فُرضت إِجارة مُنقصة.
وإِجارةُ المأجور قبل القبض باطلة بالاتِّفاق.
والرهن والهبة بعد تأدية الثمن كالإِعتاق، وفيما قبل التأدية أوجه، في الثالث: تنفذ الهبة دون الرهن؛ لأنَّ ما بطل بيعه لم ينفذ رهنه، وقياس هذا بطلان الرهن بعد التأدية؛ لبطلان البيع، فإِن نفَّذناهما وأثبتنا حقَّ الحبس، فلا يمنع المشتري من تسليمهما بعد التأدية، ويمنع من ذلك قبل التأدية بالاتِّفاق.

والإِعتاق بعد التأدية نافذ على المذهب، وكذلك قبل التأدية إِن نفينا حقَّ الحبس، وإِن أثبتناه فأوجُهٌ، يفرَّق في الثالث بين الموسِر بالثمن والمعسِر به، ورتَّبه أبو محمَّد على عتق الرهن، ورآه أولى بالنفوذ؛ لأنَّ حقَّ الحبس غير مقصود.

1246 -

فصل في اليد المانعة من التصرُّف والتي لا تمنع

كلٌّ عوضٍ تَعيَّنَ في معاوضةٍ محْضةٍ فلا ينفذ التصرُّف فيه قبل قبضه، كالمبيع والأجرة والعوض في الإِقالة إِن جعلت بيعًا، وفيما تعيَّن بمعاوضة غيرِ محضةٍ - كالصَّداق وبدَل الخُلع والصلح عن دمِ العمد - قولان.
وكلُّ يد ثبتت على مِلْكٍ تامٍّ من غير معاوضةٍ فلا تَمنع التصرُّفَ إِذا قدَر المالك على الأخذ، كيد المودعَ والمقارِض والمستعير والغاصب والمستام، وكذلك تنفيذ تصرُّفات الواهب فيما رجع فيه، والقابلِ للوصيّة، والمردودِ عليه بالعيب، والمقايِلِ إِن جُعلتِ الإِقالة فسخًا، وإِن لم يقبضوا شيئًا من ذلك.

1247 -

فصل في بيان القبض

القبض مختلِف باختلاف المقبوض، وله أحوال: الأولى: أن يكون ثابتًا كالعقار، فقبضُه بالتخلية، وهي: تمكينُ المقبض مع تمكُّن القابض عند زوال يد المقبض 1، وهذا يستدعي حضور

القابض والمقبوض، فإِن غاب المقبوض فسنذكره في الرهون.
الثانية: ما لا يتقدَّر، أو يتقدَّر لكن بِيعَ جزافًا، فلا تكفي فيه التخلية على أصحِّ القولين حتى ينقلَه بما يسمَّى نقلًا، فإِن كان بمكانٍ لا يختصُّ به البائع، كالمسجد والشارع، حصل القبض بأن ينقله المشتري بإِذن البائع، أو ينقله البائع إِلى المشتري مع زوال المانع، ولا بدَّ من شعور المشتري بذلك، فلو نقله إِليه وهو نائم، أو نقله إِلى غير جهة المشتري، لم يصحَّ القبض.
ولو نقله إِليه وهو كارهٌ حصل القبض على الأصحِّ، وقيل: لا يحصل، كنظيره في الإِيداع، وبناه الإِمام على الإِجبار على قبض الدين الحالِّ؛ فإِن قلنا بالإِجبار فالظاهر أن هذا إِقباض، وفيه احتمال، وإِن قلنا: لا يُجبَر، فليس هذا بإِقباض، ولا يَبْعُدُ أن يقبضه السلطان عنه.
وإِن كان بينهما مسافةُ التخاطب، فنَقَله البائع إِلى أكثر من نصفها، صحَّ، ولا يصحُّ إِن نقل إِلى ما دون النصف، وفي النصف وجهان، ولو زاد على مسافة التخاطب كعشرين ذراعًا، فنقله أحدَ عشرَ ذراعًا، فليس بإِقباض عند الإِمام، بل ينبغي أن ينقله إِلى حدٍّ تناله يد المشتري من غير انتقال وقيام.

1248 -

فرع:

لا يُشترط النقل في ضمان العدوان، فلو أنزل راكبًا وركب مكانه، أو أزعجه عن بساط وجلس عليه، ضمِن، وأبعدَ مَن شَرَطَ النقل في ضمان العدوان؛ فإِن قلنا: لا يُشترط، فاستولى المشتري على المبيع من غير = اليد عند ارتفاع يد الممكِّن"، وهي واضحة لا إشكال فيها.

نقل، لم ينفذ تصرُّفه على الظاهر، لكن ينتقل إِليه الضمان، وأبعدَ مَن قال: لا يضمن، كما لا يتصرَّف، ولو فرضت التخلية من غير نقلٍ ولا استيلاء؛ فإِن لم يقبله المشتري فلا تصرُّف ولا ضمان، وإِن قَبِلَ لم ينفذ التصرُّف، وفي الضمان وجهان.

1249 -

فرع:

إِذا انفرد المشتري بالقبض صحَّ إِن كان بعد أداء الثمن، وإِن كان قبله وأثبتنا الحبس انتقل الضمان، ولا ينفذ التصرُّف على الظاهر؛ اعتبارًا بما لو اشترى الطعام مكايلةً، وقبضه جزافًا.

1250 - فرع: إِذا اختصَّ المكان بالبائع بملكٍ أو إِعارةٍ أو استئجارٍ فلا يكفي النقل بإِذن البائع؛ لأنَّ الدار بما فيها في يده، ولذلك لو نازعه دخيل في متاع بقرب الدخيل فالقول قول ربِّ الدار ما لم يختص الدخيل بالمتاع؛ كثوبٍ هو لابسه، أو متاعٍ يحتوي عليه.
ولو أذن له في النقل إِلى بقعة أعارها منه أو أجَّرها، أو قال: اقبض المبيع وانقله إِلى تلك الزاوية، صحَّ القبض؛ لأنَّ إِذنه في ذلك إِعارة للزاوية، ولو قال: انقل المبيع إِلى تلك الزاوية، لم يصحَّ القبض؛ لأنّه لم يتعرَّض له.

1251 - فرع: إِذا اعتبرنا النقل، فباع دارًا بما فيها من متاع، ففي اعتبار النقل في المتاع وجهان.

1252 -

فرع:

إِذا دفع الكيل إِلى المَدِين ليملأه له، فملأه، لم يكن ذلك إِقباضًا؛ لأنه تقدير مجرَّد.
الثالثة 1: المقدَّر إِذا اشتراه مكايلةً أو موازنة، فلا يصحُّ قبضه إِلّا بالكيل بعد العقد فيما شُرط كيلُه، أو الوزنِ فيما شُرط وزنُه، كما لو باع الصُّبرة كلَّ صاع بدرهم، أو كلَّ رِطلٍ بدرهم؛ فإِن وزَن ما شُرط كيلُه، أو كال ما شُرط وزنه، لم يصحَّ إذا شرطنا النقلَ 2. ولو اشترى الحنطة مكايلةً وتركها في الكيل، ثمَّ باعها مكايلةً، فهل يكفي صبُّها بين يدي المشتري، أو لا بدَّ من استئنافِ كيلها بعد صبِّها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكفي؛ لنهيه عليه السلام عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان 3، فقيل: أراد بالصاعين: صاع البائع وصاع المبتاع.
والثاني: يكفي، كما لو اشتراها مكايلةً، فملأ المكيال، ونقله، فإِنَّه يكفيه وإن لم يفرغ المكيال، وقد قال الأصحاب: إِذا شرطنا النقل فالكيل مع التفريغ إِقباض، لكن لا بدَّ مع ذلك من النقل على ما ذكرناه في كيفية النقل، فلو كاله في غير جهة المشتري فهذا كيلٌ وليس بنقلٍ، فإِن وقع

الكيل على صورة النقل كفى ذلك، وإِن لم يقع على صورة النقل شُرط نقله بعد ذلك؛ لأنَّ مجرَّد الكيل تقدير، وليس بإِقباضٍ، فإِذا وقع الكيل على صورة النقل حصل التقدير والإِقباض.

1253 -

فصل فيمن اشترى مكايلةً وقبض جزافًا

إِذا اشترى عشَرة آصُع، وأشار إلى صُبرة يمكن زيادتها على العشرة، ثمَّ قبض الصُّبرة جزافًا بإِذن البائع، انتقل إِليه الضمان بالاتِّفاق، وهل ينفذ بيعه في القَدْر المستيقَن؟ فيه وجهان، فإِن نفذناه فباع الجميع، بطل فيما زاد على المستيقَن، وهل يبطل في المستيقَن، أو يخرَّج على تفريق الصفقة؟ فيه خلاف.
ولو قبضها بغير رضا البائع، وقلنا: ينتقل الضمان، وأثبتنا الحبس، لزم ردُّها على البائع، ولا ينفذ البيع وجهًا واحدًا، كالرهن.
ولو قبض بإِذن البائع ونفَّذنا بيعه، فباع، لم يكن للبائع نقضُه، وإِن منعنا البيع فهل للبائع نقضُ يده وردُّه إِلى الحبس؟ فيه احتمال.

1254 -

فرع:

إِذا ادَّعى القابض نقصًا متفاحشًا قُبل قولُه فيما قَبَضه جزافًا، ولا يُقبل فيما قبضه بالكيل إِلا فيما يمكن الخطأُ بمثله في المكيال.

1255 -

فصل فيمن لزمه دين، فأذِن في قبضه من عين أو دين

إِذا استقرَّ لزيد في ذمَّة عمرو طعامٌ مَكِيل بسَلَمٍ أو قرْض أو إِتلاف، وثبت لعمرو مثلُه على خالد، فقال عمرو لزيد: استوفِ حقَّك من خالد، ففعل، لم يصحَّ القبض، ولا ينفذ تصرُّف القابض، ويلزمه الضمانُ كالمستام، ولو قال: اقبض حقِّي من خالد، صحَّ القبض، وكان المقبوض من ضمان الإِذن، ولو قال: اقبض لي حقِّي، ثم اقبض منه حقَّك، صحَّ القبض؛ للإِذن، حتى لو تلف في يد القابض كان من ضمان الإِذن.
وفي قبضه لنفسه وجهان يجريان فيما لو قال: اقبض حقَّك من صبرتي هذه؛ فإِن قلنا: لا يصحُّ، لم ينفذ تصرُّفه فيه؛ لأنّه لم يملكه، بخلاف قبض الجزاف.
ولو قال: اشترِ بهذه الدراهم طعامًا لنفسك، لم يصحَّ، وقال القفّال: يمكن حمل ذلك على إِقراض الدراهم، أو على هبتها.
كما لو قال: أعتق عبدك عن كفَّارتي، ففعل، نفذ العتق حملًا على الهبة دون الإِقراض.
وإِن قال: اشترِ لي طعامًا في الذمَّة، واقبضْه لنفسك، صحَّ الشراء دون القبض، وإِن قال: اقبضه لي، ثمَّ اقبض منه حقَّك، صحَّ الشراء والقبض؛ للإِذن، وفي قبض المأذون الوجهان.

1256 -

فصل في قبض الربويِّ جزافًا أو من غير رؤية

إِذا باع الطعام بالطعام كيلًا، وقبضاه جزافًا، ثمَّ افترقا، ففي بطلان العقد

وجهان أجراهما بعضهم فيما لو تبايعاه في الذمَّة، وتقابضاه من غير رؤية، وألحق الإِمام قبض الغائب ببيع الغائب؛ لأنّ القبض سبب مملِّك كالبيع، فإِن قلنا: لا يصحُّ، بطل العقد بالافتراق، بخلاف قبض الجزاف؛ لأنَّ القبض فيه وارد على عين مملوكة، وإِن صحَّحنا القبض ففيه احتمال من جهةِ أنَّهما تفرَّقا مع جواز البيع؛ لأنَّا إِذا جوَّزنا قبض ما لم يرَ فلا بدَّ فيه من الخيار.
وتردَّد الإِمام في الخيار فيما لم يره القابض، من جهةِ أنّه إِن كان على الصفة المستحَقَّة فلا فائدة في ردِّه؛ لأنَّه يملك إِلزامه به بعد الردِّ، وليس ذلك بفسخ، بخلاف الخيار في العقد، ويجوز أن يُجعل ذلك فسخًا للقبض.

1257 -

فصل في قبض الموزون مجازفةً

إِذا ثبت له دين موزون ببيع أو قرض أو غيرهما لم يستحقَّ قبضه إِلَّا بالوزن، فلو دفع إِليه المَدِينُ كيسًا فيه دراهمُ مجهولةٌ، وقال: خذها بحقِّك؛ لم يحصل القبض، ولم يملك الدراهم، ويلزمه ضمانُها، وإِن قال: خذ حقَّك ممَّا في الكيس، فأخذه بالوزن، ففيه الوجهان، ولو تلفت الدراهم قبل الوزن فلا ضمان، لأنَّه وكيل ما لم يقبض، فصار كما لو أذن المودِع في استخدام الوديعة، فإِنَّ يد الإِيداع تستمرُّ إِلى الاستخدام.

1258 -

فصل في الاستبدال عن الدُّيون والأثمان

وللدَّيْن أحوال:

أحدها: أن يكون مثمَّنًا كالمسلَم فيه، فلا يجوز إِبداله قبل قبضه؛ لأنَّ الإِبدال بيع، وفي الحوالة به وعليه ثلاثة أوجه: أصحُّها: المنع، والثاني: الجواز، والثالث: تجوز به، ولا تجوز عليه.
فإِن أجزناها مطلقًا جازت بالسَّلَم على القرض والسَّلَم؛ بناءً على أنَّها قبض واستيفاء.
الثانية (1): أن يكون مستقرًّا بقرض أو إِتلاف أو ضمان؛ فإِن باعه من المَدين صحَّ وشُرِطَ القبض في المجلس إِن كان عقْدَ ربًا، وإِن لم يكن عقدَ ربًا، واستبدل عينًا صحَّ، ولا يُشترط قبضها في المجلس على الأصح، وظاهر النصِّ أنَّه يُشترط، وإِن باعه من غير المَدِين لم يجز إِن باعه بدينٍ، وإِن باعه بعينٍ فقولان.
الثالثة: أن يكون من الأثمان، ففي جواز الإِبدال أقوال؛ يجوز في الثالث بين النقدين دون سائر الأموال، وقال في "التقريب": إِن منعنا الإِبدال بالعرض ففي إِبدال الدراهم بالدراهم أو بالدنانير وجهان؛ لاشتراك النقود في الغرض المقصود.

1259 -

فصل في بيان الأثمان

وفي الأثمان أوجه: أحدها: أنَّها النقدان المضروبان.1

والثاني: ما اتَّصل بباء الأثمان، فلو قال: بعتك هذه الدراهم بهذا العبد، فالدراهم مبيعٌ، والعبد ثمنٌ.
والثالث: إِن اشتمل العقد على نقد فهو الثمن، ولا نظر إِلى الباء، وإِن لم يكن نقدٌ فالثمن ما اتَّصل بباء الأثمان.
فإِن خصَّصنا الثمن بالنقد، فجَعْلُه مثمَّنًا مبنيٌّ (1) على صحَّة السلَم في الأثمان، وفيه وجهان أجراهما أبو محمَّد فيما لو قال: بعتك ألفَ درهم بهذا العبد، والأصحُّ الصحَّة؛ فإِن منعنا ذلك، فقال: بعتك هذه الدراهم بهذا العبد، ففي الصحَّة وجهان.
وإِن قال: بعتك هذا العبدَ بثوب في ذمَّتك، صحَّ العقد، وهل يثبت للثوب حكم السلَم أو الثمن؟ فيه وجهان، مأخذهما: أنَّ العرض هل يصير ثمنًا إِذا أُلصق بباء الأثمان؟ ولا يجب تسليم العبد في المجلس إِلّا إِذا جُعل سلمًا، ففي وجوب التسليم وجهان.
والحاصل: أنّ الإِبدال ممنوع في المثمَّن من الديون والأعيان، وفي الثمن أقوال.

1260 -

فصل في تلف المبيع قبل القبض

إِذا تلف المبيع قبل القبض فله أحوال:1

الأولى: أن يتلف بآفة 1 فينفسخ البيع، وينقلب الملك إِلى البائع قبيل التلف، فيلزمه تجهيز المبيع وتكفينه، وتُسلَّم الزوائد للمشتري؛ لحدوثها على ملكه، وأبعدَ مَن قال: يتبيَّن زوال الملك من حين العقد حتَّى كأن العقد لم يوجد 2، وتكون الزوائد للبائع.
الثانية: أن يُتلفه أجنبيٌّ، فلا انفساخ عند المراوزة؛ لبقاء القيمة، وفي طريقة العراق قولان؛ فإِن قلنا بالانفساخ سقط الثمن، وطالَبَ البائعُ المتلِفَ بالقيمة، وإِن قلنا: لا ينفسخ، تخيَّر المشتري، فإِن فسخ سقط الثمن، وكانت القيمة للبائع، وإِن أجاز استقرَّ الثمن، وكانت القيمة للمشتري، فإِذا غرمها الأجنبي، فهل للبائع حبسُها على الثمن؟ فيه وجهان: أصحُّهما: ليس له ذلك، فيأخذها المشتري، ولا حقَّ للبائع إِلا في الثمن؛ لأنَّ حقَّ الحبس تابع، بخلاف نظيره من الرهن، فإِنه مقصود، ولذلك لو أتلفه الراهن لزمته القيمة؛ لتكون رهنًا مكانه، ولو أتلف المشتري المبيع لم يلزمه بذلُ القيمة لأجل الحبس.
والثاني: له أن يحبسها، فإِن تلفت في يده بآفة سماوية لم ينفسخ البيع على المذهب؛ إِذ ليست بمبيع، وأبعدَ مَن قضى بالانفساخ.
الثالثة: أنَّ إِتلاف البائع كالآفة أو كإِتلاف الأجنبيِّ؟ فيه للمراوزة قولان، وللعراقيين طريقان:

جارٍ التحميل