الغاية في اختصار النهايةكتاب الأشربة والحد فيها

كتاب الأشربة والحد فيها

3529 -

مَنْ شرب الخمرَ المتَّخَذ من عصير العنب، أو الرطب وهو نِيْءٌ مشتدٌّ قد غلى، وقذف بالزَّبَد، لزمه الحدُّ إجماعًا، فإن استحلَّها مع علمه بتحريمها، كفر، وكذلك من صدَّق المُجْمعين فيما نسبوه إلى الشرع، ثمَّ كذَّب به.

وكلُّ ما أسكر كثيرُه، فقليلُه نجسٌ محرَّم موجب للحدِّ، والسكر عبارةٌ عن الطرب، وتخبُّل العقل.
ومن جهل تحريمَ الخمر؛ لقرب عهده بالإِسلام، أو شربها وهو يظنُّها خلًّا، فبانت خمرًا، فلا حدَّ عليه، وإن علم التحريم (1)، وجهل وجوبَ الحدِّ، لم يسقط الحدُّ، وإن شرب شرابًا يظنُّه غيرَ مسكر، فسَكِر؛ فإن جهل جنسَه، لم يقضِ الصلواتِ الفائتةَ في السُّكْر، وإن علم أنَّه مسكر، وظنَّ أنَّ ذلك القدرَ لا يُسكر، لزمه القضاءُ.

3530 -

فصل في التداوي بالخمر والنجاسات

لا يجوز التداوي بالخمر، ويجوز بسائر النجاسات؛ كالترياق الذي1

فيه لحومُ الحيَّات، ومَنْ أُكره على شرب الخمر، فخاف على نفسه، أو غصَّ بلقمة، فلم يجد ما يُسِيْغُها سوى الخمرِ، لزمه شربُها اتِّفاقًا، وأشار القاضي وبعضُ المتأخرين إلى جواز شُربها للتداوي، وإسقاط الحدِّ عمن شربها لذلك.
وقال أبو محمد: إذا كانت الخمرةُ في المعاجين، فحكمها حكمُ الأعيان النجسة؛ لسقوط خاصِّيتها.
ومَنْ شرب ما وقعت فيه قطرةُ خمر، فانغمرت صفاتُها, لم يُحَّد، وسوَّى الإمامُ بين الخمر وسائر النجاسات، وقال: إذا تحقَّقت الحاجةُ، وعُلم أنّه ينتفع بالخمر، أو بغيرها، جاز التداوي بذلك، كما يجوز إساغةُ اللقمة، وإن لم نقطع بأنَّ ذلك دواؤهُ، أو لم نعلمْه عِلْمَ مثله (1)، لم يجز بالخمر ولا بغيرها، وإن علم أنَّ ذلك دواؤه، وكان الانتفاعُ به مغيَّبًا؛ كلحم السرطان في بداية الدقِّ (2)، ففي التداوي بذلك تردُّد واحتمال.

3531 -

فصل فيما يثبت به الحدُّ

من وُجد سكرانَ، أو وُجد منه ريحُ الخمر، لم يُحدَّ؛ لاحتمال أنَّه أُوجِرَها، أو أُكره على شُربها, ولا يُسأل عن ذلك، ولا يُلَحُّ في البحث، وإن أقرَّ بشربها، أو شهد اثنان على إقراره بشُربها، أو على أنَّه شربها، أو شرب12

من شراب في قدح شَرِب منه غيرُه، فسكر، وجب الحدُ، وخرَّجه الإمامُ على الخلاف في تفصيل الإقرار بالزنا، وهذا أولى بوجوب التفصيل؛ فإنَّ شربَ الخمر ينقسم إلى محرَّم ومحلَّل، والزنا محرَّم بكلّ حال.

3532 -

باب حدِّ الخمر ومَنْ يموت مِن ضرب الإِمام

ضرب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الخمر بالأيدي والنعال وأطراف الثياب 1، فلما استُخلف أبو بكر أحضر مَنْ شهد ذلك، فعدَّلوه بأربعين جلدةً، فجلد بها أيَّامَ حياته، وجلد بها عمرُ صدرًا من خلافته، ثمَّ جلد ثمانين، وجلد عثمانُ ثمانين، وعليٌّ أربعين، وروي عنه عليه السلام: أنّه جلد أربعين 2. واتَّفق الأصحابُ على أنَّه يُجلد بالسوط أربعين، ولا تجوز الزيادةُ على ثمانين اتِّفاقًا، وفي الثمانين إن رآها الإمامُ وجهان، وإن رأى الجلدَ بالنعال، وأطراف الثياب كما فعله عليه السلام، جاز، وأبعد مَنْ منع ذلك؛ تعليلًا بعُسْر الضبط.

3533 -

فصل في موت الشارب بالحدِّ

إذا (1) ضربه الإمامُ بالنِّعال، وأطراف الثياب ضربًا يُعدَل بأربعين جلدة، فمات، لم يُضمن إلَّا على الوجه البعيد، وإن جلده أربعين سوطًا، فمات؛ فإن صحَّ أنّه عليه السلام جلده (2) بالسوط، لم يُضمن، وكذا إن لم يصحَّ على أظهر القولين، فإن ضمَّنَّاه، [وجب كمال الدِّيَة، وأبعد مَنْ أوجب ما بين ضرب النعال والجلد بالسوط؛ تقريبًا بالاجتهاد، وإن جلده ثمانين، فإن ضمّنَّاه] (3) بالأربعين، ضُمِّن بالثمانين، وإن لم نضمِّنه بالأربعين، وجب نصفُ الدية اتِّفاقًا.

3534 -

فرع:

إذا زاد الجلَّاد سوطًا في حدٍّ قدَّره الشرعُ؛ كحدِّ القذف، فهل يوزَّع الضمان على عدد الجلدات، أو يتشطَّرُ؟ فيه قولان.
وإن أمر الإِمام الجلَّادَ أن يضربَ الشاربَ ثمانين، فضربه مختارًا، فلا ضمان على الجلَّاد، وهل يتشطَّر على الإِمام، أو يتوزَّع على الجلدات؟ فيه القولان، فإن زاد الجلاد سوطًا على الثمانين، ففيه أوجه: أحدُها: يُهدر ثلث الدية، ويتعلَّق ثلثها بالجلَّاد، والثلث الآخر بالإمام.
والثاني: يُهدر نصفُها، ويجب الربع على الجلَّاد، والربع الآخر على123

الإِمام، وهو بعيدٌ.
والثالثُ: يتعلّق بالجلَّاد جزءٌ من أحد وثمانين، ويُهدر أربعون، ويتعلَّق أربعون بالإمام.
والرابع: يُهدر نصفُها، ويوزَّع النصفُ الآخر على أحد وأربعين، جزءٌ منها على الجلَّاد، وأربعون على الإِمام، وما يتعلَّق بالإمام فهو على عاقلته، أو بيت المال؛ فيه قولان.

3535 -

فصل في محلِّ ما يضمنه الإِمام

إذا أتلف الإمامُ شيئًا فيما لا يتعلَّق بمصالح الأنام، فهو كسائر الناس يُقتصُّ منه إن عمد، وإن رمى صيدًا، فأصاب إنسانًا، فالديةُ على عاقلته اتِّفاقًا، وإن أخطأ في الحدود والسياسات؛ فإن قصَّر؛ مثل أن جلد الحاملَ مع علمه بالحمل، فأجهضت، فالغرَّة على عاقلته اتِّفاقًا، وإن بذل الجهدَ، ولم يقصِّر؛ فإن كان المتلَف مالًا، فضمانه في ماله، أو في مال المصالح؛ فيه قولان، وإن كان نفسًا، فالديةُ على عاقلته، أو مال المصالح؟ فيه القولان، فإن جعلنا الديةَ على عاقلته، فالكفَّارة في ماله، وإن جعلناها في مال المصالح، ففي الكفَّارة وجهان.
وإذا مات الشاربُ من جلد أربعين، وأوجبنا الضمانَ، أو من جلد الثمانين، وجوَّزنا ذلك، ففي محلِّه القولان.

3536 -

فرع:

إذا عزَّر إنسانًا، فمات بالتعزير، وجب الضمانُ، فإن ظهر سَرَفُه فيه، ومجاوزتُه للحد، تعلَّق به الضمانُ، وإن لم يظهر ذلك، ففي محلِّه القولان.

3537 -

فصل فيما يضمنه الإمام إذا تبيَّن بطلان الشهادة

إذا عاقب الإمامُ رجلًا بشهادة اثنين، فهلك، ثُمَّ بان أنَّهما فاسقان أو مراهقان، أو كافران أو رقيقان؛ فإن لم يبحث عن حالهما، لزمه الضمانُ اتفاقا، وكذا القصاصُ على الأظهر، ويُحتمل أن يُخرَّج على الخلاف فيمن قتل مسلما على زيِّ الكفار وهو يظنُه كافرًا، وإن بالغ في البحث عن حالهما، وجب الضمانُ، وفي محلِّه القولان، والمذهبُ: أنّه يرجع على العبدين والكافرين؛ لأنَّهما كالغارِّ في النكاح، وقيل: لا يرجع؛ فإنّه يلزمه البحثُ، ولا يلزم المغرورَ، فإن قلنا: يرجع على العبدين، فهل يتعلَّق [الضمان] 1 بذمَّتهما، أو رقبتهما؟ فيه وجهان.
ولا يرجع على المراهقين؛ إذ لا قولَ لهما، ويُحتمل أن يرجعَ إذا علَّقنا الضمانَ برقبة العبدين؛ فإنَّا جعلناه كالجناية.
ولا يرجع على الفاسقين إن قلنا: لا يرجع على الكافرين، وإن قلنا: يرجع عليهما؛ فإن كان الفسقُ مُجَتَهدًا فيه، لم يرجع على الفاسقين اتفاقا، وإن كان الفسقُ مُجْمَعًا عليه، لم يرجع على ما أطلقه الأصحابُ؛ لأنَّهما أهلٌ للشهادة عند بعض العلماء، ويَحتمِل ذلك أوجهًا:

أحدُها: الرجوعُ؛ كظهور الرقِّ؛ فإنَّ الرقيقَ من أهل الشهادة عند شطر العلماء.
والثاني: لا يرجع؛ لأنهما مأموران بكتمان الفسق، والكافر والرقيق مأموران بإظهار الكفر والرقِّ.
والثالث: إن كانا متظاهرين بالفسق، رجع، وإلَّا فلا.

3538 -

فصل في حكم الجلَّاد

ليس للجلَّاد أن يمتثلَ أمرَ الإِمام إلَّا فيما يعلم أنّه حق، أو يظنُّه حقًّا، وإذا أمره الإمامُ العادل بقطع أو قتل أو جَلْد، فامتثل مختارًا، والإمامُ ظالم في الباطن؛ فإن جهل ظلمَه، فالدية والكفَّارة والقصاص على الإِمام دونه؛ إذ لا يلزمه البحثُ عن ذلك، وإن علم بظلمه؛ فإن كان القتلُ محرَّمًا بالإجماع، فامتثل مختارًا، فالضمانُ والقصاصُ عليه دون الإِمام؛ لانتفاء الإكراه، وإن كان القتلُ مختلَفًا في حقه، فقال: كنت أعتقدُ تحريمَه، فقلت: لعلَّ الإمامَ يرى جوازَه عند بعض العلماء؛ كقتل الحُرِّ بالعبد، فهل يجب عليه القصاصُ والضمان، أو لا يجب شيء؟ فيه وجهان، ولا يبعد أن تجبَ الديةُ دون القصاصِ، وينشأ من هذا خلافٌ في أنَّ الجلَّادَ هل له مخالفةُ ما يعتقده لأجل اعتقاد الإِمام؛ كالخلاف فيما يأخذه الشافعيُّ من الإرث بالرحم، أو الشفعة بالجوار إذا حكم له بذلك الحنفيُّ، وها هنا أولى بالجواز؛ فإنَّه لا يستوفي الحدَّ لنفسه، وقطع الإمامُ بتحريم الإرث والشُّفْعة في الباطن، وخصَّ الخلافَ بالظاهر، بخلاف قتل الجلَّاد؛ فإنَّه ممتثل ومعاون.

فإن اعتقد الإمامُ أنَّ الحرَّ لا يُقتل بالعبد، واعتقد الجلَّاد أنّه يُقتل به، وأمره الإمامُ بالقتل من غير بحث عن الحريَّة، فقتله؛ بناءً على اعتقاد نفسه؛ فإن قلنا: العبرةُ في المسألة السابقة باعتقاد الإمام، وجب القصاصُ على الجلاد، وإن قلنا: العبرةُ بعقيدة الجلَّاد، لم يضمن ها هنا عند العراقيين، وقال الإِمام: يضمن؛ لأنَّه مسخَّر مؤتمَن لم يُفوَّض إليه العمل برأيه، فهذا عمل برأيه، صار مستقلًّا بالقتل، وإن أخبره الإمامُ بأنَّه ظالم بالأمر بالقتل، فإن كان مُكرَهًا، فالضمانُ عليهما، وإن كان مختارًا، فلا ضمانَ على الإِمام.

3539 -

فصل في ضمان مَنْ مات بالتأديب أو التعزير

للوالد تأديبُ ولده، وللمعلِّم تأديبُ الصبيِّ، وللزوج تأديبُ الزوجة الناشزة؛ بشرط الاقتصار على ما يحصّل التأدُّبَ مشروطًا بالسلامة، فإن لم يَحْصُلِ التأدُّبُ إلَّا بضرب مُبَرِّح يُخشى منه التلفُ، لم يحلَّ المبرح؛ لأنه قاتل، ولا ما دونه؛ إذ لا فائدةَ فيه 1، فإن أدَّى التأديبُ إلى التلف؛ فإن

اقتصد فيه، وجب الضمانُ، وإن أسرف؛ فإن فعل ما لا يُقصد به القتلُ، فهو شبه عمد، وإن فعل ما يُقصد به القتل غالبًا، وجب القصاصُ.
وأمَّا التعزيرُ: فلا يتخيَّر فيه الإمامُ، بل لو كانت المصلحةُ في العفو، وجب العفوُ، وحَرُم التعزير، وإن كانت المصلحةُ في التعزير، وجب، وكان كتأديب المعلِّم والزوج في جميع ما ذكرناه، فإن تعلَّق بالتعزير حقٌّ لآدمي؛ مثل أن قذف إنسانًا بزنًا قد حُدَّ في قذفه به، أو قذف غيرَ مُحْصَن، أو عرَّض بقَذْف مُحْصَن، فإن طلبه المستحقُّ، فرأى الإمامُ المصلحةَ في العفو والإصلاح، فهل له ذلك؛ فيه وجهان، فإن قلنا: له ذلك، فلا بدَّ من التغليظ له في القول، والتوبيخ، فإن عفا المستحقُّ عن ذلك، أو عفا عن حدٍّ أو قصاص، فرأى الإمامُ المصلحةَ في التعزير، فهل له ذلك؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثُها: المنعُ في الحدّ، والجوازُ في التعزير.

3540 -

فصل في قطع السِّلَع والأيدي المتآكلة

إذا نبت للرجل سِلْعةٌ يخاف من بقائها, ولا يخاف من قطعها، جاز قطعُها اتِّفاقًا, ولمن يأمره بقطعها أن يقطعَها كما يجوزُ ذلك في الفَصْد والحجامة ونحوهما، وإن خاف من قطعها, ولم يكن في بقائها سوى الشَّيْن، حَرُم قطعُها؛ إذ لا يجوز التعرُّض للتلف لأجل الشَّيْن، وإن خاف من القطع والإبقاء؛ فإن استوى الخوفان، ففي جواز القطع وجهان، وإن غلب خوفُ القطع حَرُم القطعُ اتِّفاقًا، وإن غلب خوفُ الإبقاء؛ جاز القطعُ على الأصحِّ، ومتى أجزنا القطعَ، فقُطعت بإذنه فمات، فلا ضمانَ على القاطع اتِّفاقًا, ولو

أذن بقطع لا غرضَ فيه، فهلك بذلك، ففي وجوب دية نفسه قولان.

3541 -

فرع:

من نزلت به علَّة مزمنة لا يتخلَّص منها، أو عظمت به آلامٌ لا يستقلُّ بحملها، فليس له أن يهلكَ نفسه ليستريحَ.
وإن وقع فيه نارٌ لا يتخلَّص منها, ولا صبر له عليها، فأغرق نفسه، أو أهلكها بسبب آخر، جاز عند أبي محمد؛ لأنَّ الاحتراق 1 والإغراق مذفِّفَان، وفيه احتمال.
وما جاز للإنسان أن يقطعَه من نفسه في محلِّ الوفاق والخلاف، فله أن يقطعَه من ولده وولد ولده إذا كان تحتَ حَجْره بصِبىً أو جنون؛ لكمال شفقته، والأظهر المنعُ ها هنا إذا استوى الخوفان، فإن قطعهما حيث يجوز ذلك، فهلك الصبيُّ والمجنون بالقطع، لم يضمن اتِّفاقًا، وقال القاضي: يضمن؛ لأنه أخطأ فيما ظنَّه، فأشبه خطأَ التعزير، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ القطعَ جائز مع ما فيه من الخطر، فلا يجوزُ أن يتعلَّق به الضمان، ومِن أبعد البعيد أن نجوِّز فصْدَ المجنون، ثمَّ نوجب ضمانَه.
فإن كان الصبيُّ أوالمجنون تحت نظر الإِمام، فله أن يأمر بفَصْدهما وحجامتهما، وقطع سِلعتهما إن كانت كالفَصْد والحجامة، وإن كان الخوفُ في قطع السّلعة واليد المتآكلة، وفي الابقاء، وافتقر إلى نظر يغلب به أحدُ الظنَّين، فقد قال الشافعيُّ: ليس له قطعُهما؛ لافتقار ذلك إلى نظر دقيق

لا يصدر إلَّا من شفيق؛ كما في إجبار البكر، فإن قطعهما فماتا، وجبت الديةُ، وفي القود قولان، والمذهب؛ أنَّ الديةَ في ماله كما ذكرناه فيمن قتل مسلمًا في دار الإِسلام، وهو يظنُّه كافرًا, وليس للسلطان (1) أن يقطعَ من المستقلِّ سلعةً، ولا يدًا متآكلة، ولا أن يأمرَ بفَصْدِه وإن حكم به الأطبَّاء، فإن قطعهما منه كرهًا، وجب القصاصُ.

3542 -

فصل في الختان

يجب الختانُ على الرجال والنساء، ومؤونته على المختون، ويكفي في النِّساء ما يقعُ عليه الاسمُ، وتقليله أَوْلى، ويجب أن يقطعَ من الرجل ما يُبرِز جميعَ الحشفة، فإن بقي على الكَمَرَة من الغُلْفة شيءٌ لانبسط على الحشفة، وجب قطعُه بحيث لايبقى منه شيءٌ متدلٍّ متجافٍ.
ومَنْ خِيف عليه من الختان؛ لضعفه، حَرُم ختانه حتَّى ينتهيَ إلى حال يغلب على الظنّ سلامتُه من الختان.
ومن بلغ لزمه الختانُ على الفور، ولا يجب قبل البلوغ، فإن امتنع بعد الوجوب، أمره به الإمامُ، فإن أبي، أجبره، فإن هلك بذلك، لم يضمنه الإمامُ؛ فإنّه أجبره على إقامة شعار الدين.
وإذا رأى الأبُ أوالجدُّ ختانَ الصبيِّ، أو رآه الإمامُ عند عدمهما، فهلك به الصبيُّ؛ فإن وقع الختانُ في اعتدال الهواء، لم يجب الضمانُ، خلافًا1

للقاضي، وإن وقع في حَرٍّ شديد، أو بردٍ مفرط، فلا ضمانَ على الأصحِّ، ونفيُ الضمان عن الأب أوْلى من نفيه عن الإِمام؛ فإنَّ الختانَ في حقه كالحدِّ في حق الإِمام.

3543 -

باب صفة السَّوْط

القصدُ بالحدود الإيلام الناجع مع رعاية حفظ النفس، فلا يجوز الاقتصارُ على أقلِّ درجات الإيلام، ويجب أن يُضربَ ضربًا متوسِّطًا بسوط متوسِّط، وهو السوطُ المعتاد، والقضيبُ إن زاد على السوط المعتاد فهو عصًا، وإن نقص عنه، لم يجز، وينبغي ألَّا يكون رطبًا قريبَ العهد، والقضيبُ اليابس لا ينعطف انعطافَ السوط، فلا يحصلُ به الإيلامُ المطلوب، وقد أُتي عليه السلام بخشبة يابسة، فردَّها، فأُتي برطبة فردَّها، فأُتي بخشبة لا خلقة ولا جديدة، فجلد بها 1. ويجب رفعُ اليد إلى حدٍّ يحصلُ به الإيلامُ، ولا يرفعها حتَّى يُرى بياضُ

إبطه، ويتَّقي الوجهَ والمَقَاتل؛ كالقُرْط، والأخدع، وثغرة النحر، والفرج، ولا بأس بضرب الرأس.
ويجلد الرجلُ قائمًا، والمرأةُ جالسةً، ويشدُّ عليها ثيابها؛ لئلَّا تنكشف، وتُترك يداه؛ ليتَّقي بهما, ولا يجلد في حَرٍّ شديد، ولا برد مُفْرِط، فإن فعل ذلك، فمات، لم يضمن على النصِّ، وإن جاوز الحدَّ في الضرب، أو في السوط، ضمن عند الإِمام؛ لتعدِّيه.
ويجب الموالاةُ في الجلدات، فإن فرَّقها على كلِّ يوم سوطًا، لم يجزئه، وإن جلد في كل يوم خمسين، أجزأه على ما ذكره القاضي.
وقال الإمامُ: إن بقي ألمُ الضرب الأول، وكان الضربُ الثاني مؤلمًا، أجزأه على الظاهر، وإن سقط ألمُ الضرب الأوَّل، لم يجزئه وإن كان الضربُ الثاني مؤلمًا؛ لأنَّه كإسقاط بعض الحدِّ، وظاهرُ كلام القاضي أنَّه يجزئه.
ولو حلف: ليضربنَّه مئةَ سوط، ففرَّقها على الأيَّام، برَّت يمينهُ؛ فإنَّا نعتبر الألفاظَ في الأيمان، والمقاصدَ في الأحكام، والقصدُ بالحدِّ النكاية، فصار تركُ الولاء كترك بعض الحدِّ.

3544 -

فصل في بيان قدر التعزيرات

يجب حطُّ التعزير عن الحدِّ، وفي كيفيَّة حطِّه طريقان: إحداهما: يُحطُّ تعزير الحرِّ عن أربعين، وهل يُحطّ تعزير العبد عن

أربعين، أو عن (1) عشرين؟ فيه وجهان، والثاني: يُحط تعزير مقدِّمات كلِّ حدِّ عن ذلك الحدِّ، فيُحطُّ تعزيرُ مقدِّمات الزنا عن مئة في الحرِّ، [وعن خمسين في العبد، ويُحطُّ مقدِّمات الشرب عن أربعين في الحرِّ] (2)، وعن عشرين في العبد، وإن عرَّض بقَذْفِ مُحْصَن، أو قذف غير محصن، حُطَّ الحرُّ عن ثمانين، والعبد عن أربعين، وينبغي أن يُعتبرَ تعزيرُ أسباب السرقة بجلد مئة؛ فإنَّها أيسرُ من القطع.
وقال في "التقريب": صحَّ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يُجلدُ فوق العَشَرة إلَّا في حدٍّ" (3)، ومذهب الشافعيِّ متابعةُ الحديث الصحيح؛ فإنّه قيَّد كلَّ ما ذهب إليه بألَّا يصحَّ حديثٌ يخالفه، وأمر بترك مذهبه، واتِّباع الحديث.

3545 -

فرع:

قال الأئمَّة: ليس للإمام أن يبتدر الضربَ في التعزير، بل يرعى في التأديب ما يرعى في دفع الصائل؛ من الاقتصار على قدر الحاجة، فإن علم أنَّه ينزجر بالتوبيخ، اقتصر عليه، وإلا رقى إلى التعنيف، ثمَّ إلى ما يراه من حبس أو دفع في الصدر، إلى أن ينتهيَ رأيهُ.
ومن أدب الإِمام في ذلك إضمارُ الشفقة على المؤدَّب قاصدًا لإصلاحه، متحرِّزًا من الهيج والغضب، فقد رفع عمرُ الدِّرةَ على شخص كان يؤذي123

صاحبَهُ، فأطلق لسانَه في عمر، فتركه، فقيل له في ذلك، فقال: أما إنِّي رفعتها لله، فمن ابن أمَّ عمرَ حتَّى يُنَتقَم له مع الانتقام لله؟ !

3546 -

فصل في دفع الصائل

يجب قتلُ البهائم الضارية؛ لما يتوقَّع من صيالها، وإن صال على المسلم حربيٌّ أو مرتدٌّ أو بهيمة، لزمه الدفعُ، وإن صال عليه مسلمٌ، ففي وجوب دفعه قولان؛ فإن قلنا: لا يجبُ، ففي استحباب الاستسلام وجهانِ، والصبيُّ والمجنونُ كالبهيمة، أو كالمسلم المكلَّف؟ فيه طريقان؛ فإنَّهما لا يأثمان.
ويُستحبُّ للمضطرِّ أن يؤثرَ على نفسه مضطرًّا آخر اتِّفاقًا، وكذلك الحكم في كل سبب يحفظ به المُهَج، ولا يحلُّ له إيثارُ البهائم اتفاقًا، بل يلزمه ذبحُها؛ ليحفظ بها مُهْجتَه.
ولو قُصِد قريبُه أو أجنبي بقتل أو فاحشة، كان دفعه عنهما كدفعه عن نفسه في الوجوب وغيره، وقال أربابُ الأصول: لا يجب ذلك إلَّا على الولاة.
واختلفوا في جواز شَهْر السلاح لذلك في حقِّ الآحاد، ومَنْ رأى مرتكبًا لمحرَّم؛ كشرب الخمر، وغيره من أنواع المحرَّمات، وافتقر في إزالته إلى شَهْر السلاح، فقد منعه الأصوليُّون اتِّفاقًا، وأجازه طوائفُ من الفقهاء.

3547 -

فرع:

إذا قدر المَصُول عليه على الهرب؛ فإن أوجبنا الدفعَ، ففي جواز المكاوحة وجهان، وإن لم نوجبه، ففي وجوب الهرب وجهان، والأوجه:

الوجوبُ؛ حفظًا للمهجتين.

3548 -

فرع:

للرجل أن يذبَّ عن ماله بما يذبُّ به عن روحه، وقيل في القديم قولٌ أنَّه إن أدَّى إلى قتل الصائل، أو إتلاف بعض أعضائه، لم يجز، وعلى المذهب: لو أخذ المالَ وهرب، فاتبعه المالكُ؛ فإن طرح المتاع، لم يتبعه، فإن اتبعه، وضربه، ضمن، وإن لم يطرحه، فتجاذباه حتَّى كانت بينهما مكاوحةٌ، كان ذلك بمثابة دفعه عن المال.

3549 -

فصل في كيفيَّة دفع الصائل

قال الأئمَّة: يُدفع الصائل بالأيسر فالأيسر، فيُدفع بالكلام، ثمَّ باللكم، ثمَّ بالسوط، ثمَّ بالعصا والمثقَّلات، ثمَّ بالسلاح مع الاقتصار على الأهون فالأهون، فمهما أمكن الدفعُ بشيء ممَّا ذكرناه، لم يجز العدولُ إلى ما فوقه، فإن أمكن الدفعُ بالسوط، فلم يجد سوى سكِّين لو حذفه بها لقتله، ففي جواز حذفه بها تردُّد؛ إذ لا يجبُ استصحابُ السوط، وكذلك يدفع الماهر بوجوه من الدفع لا يعرفها الأخرقُ، ولا يلزم الأخرقَ الضمانُ؛ لجهله بها.

3550 -

فصل فيمن عضَّ يد إنسان

من عُضَّ عضو من أعضائه، فله أن يسلَّه، وإن انتثرت أسنانُ العاضِّ، فإن لم يمكن سلُّه إلَّا بفكِّ لحييه، فله فكُّهما، وإن لم يمكن إلَّا باستعمال السلاح في العضو الجاني، فله ذلك، وإن لم يمكن إلَّا باستعماله في غير

العضو الجاني؛ مثل أن عضَّ قفاه بحيث لا تناله يدُه، ويمكنه وضعُ السكين في بطنه، فالأصحُّ أنَّ له ذلك، كما يجوز قتلُه دفعًا عن فَلْس واحد.
وقال الإِمام: إذا لم يخف المعضوضُ على نفسه أو بعض أعضائه، ففيه الخلاف، وإن خاف على ذلك، وجب القطعُ بالجواز.

3551 -

فرع:

إذا رأى الرجلُ من يزني بامرأته، فله أن يدفعَه بتدريج دفع الصائل، فإن هلك بالدفع، فهو مهدر، ديان قتله بعد فراغه من الزنا؛ فإن كان مُحْصَنًا أُهدر، وإن كان بكرًا، لزمه القَوَدُ، فإن أكذبه الوليُّ في زنا الثيِّب، فأقام البيِّنة أُهدر، وإن لم يُقِمْها لزمه القصاصُ.

3552 -

فصل فيمَنْ نظر إلى حرم إنسان في داره

من نظر إلى حرم إنسان في دار، فلصاحب الحرم رميُ عينه بشرط أن يتعمَّدَ النظر، وألَّا يكونَ له حرمٌ في الدار، وألَّا يُفرطَ ربُّ الدار بفتح الباب، وسواء نظر من الشارع، أو من مُلْكه، أو من سكَّةٍ مُنْسدَّة، فإن كان البابُ مفتوحًا، فنظر منه، أو من ثُلْمة في الجدار، أو كان له حرمٌ في الدار، لم يجز رميُ عينه، ولا يجوز الرميُ إلَّا أن ينظرَ من كوَّة يُعتاد مثلها، أو من صِير الباب.
وإذا جاز الرميُ، فأعماه به، أُهدرت عيناه، ولا يرميه إلَّا بما يقصد بمثله العين؛ كالمِدْرى والبندقة والحصاة، فإن رماه بنشَّابة، فقتله، وجب القصاصُ.
وإن نظر، فلم ير الحرم؛ لاستتارهنَّ ببيت أو غيره، جاز رميهُ على

الأظهر، وإن خلت الدارُ من الحرم، وكان فيها المالكُ وحدَه، أو مع رجال، ففي جواز الرمي وجهان.

3553 -

فرع:

إذا تعذَّر قصدُ عينه، فأصرَّ على النظر، استغاث عليه، وقطع بصرَه عن نفسه، فإن أبى، فله دفعه وإن أتى الدفعُ على نفسه.
ولو وقف بالباب، فاسترق السمعَ، لم يجز قصدُ أذنه، وأبعد من أجازه.
وإن دخل الدار، فلربها إخراجُه، فإن أبي، فله دفعه بالتدريج الذي يدفع به عن المال، وغلط من خصَّ الدفعَ برجله، وأبعدُ منه مَنْ أجاز قصدَ عينه.
ويجوز الرميُ بغير إنذار، خلافًا للقاضي، فإنَّه أوجب الإنذار، والتدريج المذكور في الصِّيال، وقال في "التقريب": لا يجبُ الإنذار في النظر، وفيما عداه من كلِّ ما يجوز الذَّبُّ عنه قولان مأخوذان من القولين في استتابة المرتدِّ، وهذا ممَّا تفرَّد به؛ فان الصائلَ إذا اندفع بالتخويف والصياح، لم يُعدل عنه، ولعلَّه أراد بالإنذار ما لا يكونُ مثلُه دفعًا؛ كالوعظ وغيره، فإن أوجبنا الإنذارَ، فقتل الصائلَ بغير إنذار، ضمنه؛ كما لو قتله تاركًا لتدريج الدفع.

3554 -

باب ضمان البهائم

إذا أرسل دابَّته للرعي، فأفسدت زرعًا لغيره؛ فإن كان معها، أو كان معها راع بأجرة أو تبرُّع، وجب ضمانُ الزرع، وإن لم يكن معها أحدٌ؛ فإن قصَّر صاحبُ الزرع في حفظه، ولم يقصِّر ربُّ البهيمة في إرسالها, لم يجب الضمانُ، فإن أرسلها بقرب المزارع، وجب الضمانُ عند الإِمام؛ لتفريطه، وإن قصَّر في الإرسال، ولم يقصِّر صاحبُ الزرع في حفظه، وجب الضمانُ، ويُرجع في تقصيرهما إلى العادة الغالبة، وهي جارية بحفظ البهائم بالليل، وإرسالها بالنهار، وبحفظ المَزارع نهارًا، وإهمالها بالليل، فإن انعكست العادةُ في بعض البلاد، انعكس الحكمُ، وقيل: لا ينعكس، فيجب ضمانُ ما تتلفه بالليل دون النهار.

3555 -

فرع:

قال الأئمَّة: إذا كان للمَزارع أو البساتين أبوابٌ وأغلاق، ففرَّط صاحبُ البهيمة بإرسالها ليلًا، وفرَّط المالكُ بترك التوثُّق بالأغلاق؛ لم يجب الضمانُ؛ لتفريط ربِّ البستان، حتَّى لو لم يكن في ذلك المكان سوى البساتين، فلا تفريطَ في إرسال البهائم بالليل، وإن كان فيه مزارعُ وبساتينُ، كان الإرسالُ بالليل تفريطًا في المزارع دون البساتين.

3556 -

فرع:

إذا وجب الضمانُ، لم يتعلَّق برقبة البهيمة، ولو ربطها ليلًا على الاحتياط المعتاد، فانفلتت وأفسدت، فالضمان على ما تقدَّم في غلبة الدابة في الاصطدام.

3557 - فرع: إذا أخرج البهيمةَ من زرعه، فوقعت في زرع غيره، لم يلزمه الضمانُ، فإن تبعها بعد خروجها من زرعه، فوقعت في زرع غيره، لزمه الضمانُ، فإن لم يمكن إخراجُها إلَّا بإدخالها مزارعَ الناس، لم يجز له إخراجُها؛ إذ ليس له وقايةُ ماله بمال غيره، فإن أخرجها, لزمه الضمانُ عند الإِمام؛ فإنَّه مباشِر، وربُّ الدابّة متسِّبب، وعلى هذا لو تمكَّن من طردها من زرعه، فتركها, لم يُضمن زرعه.

3558 -

فصل فيما تتلفه البهيمة (1) ومعها راكبٌ أو قائد أو سائق

إذا كان مع الدابّة راكبٌ أو قائد أو سائق، فأتلفت شيئًا ببعض أعضائها؛ كفمها أو يدها أو رجلها، فَلِما يصدر منها أحوالٌ: أحدُها: ألَّا يمكنَ التحرُّزُ منه، ولو مُنع لانسدَّ رفق الطروق 2؛ كإثارة الغبار بالاستطراق المقتصد، والرشاش الحاصل في الشتاء، وكثرة الوحول،1

والإيذاء، فإذا فسد بذلك متاعٌ أو غيره، لم يجب الضمان، وعلى صاحب المتاع حفظُ متاعه، وعلى الراكب بذلُ الجهد 1 في الاقتصاد.
الثاني: ما يزيد على ذلك، ويمكن التحرُّز منه، فيوجب الضمان.
الثالث: ما يوجب فسادًا لا يمكن دفعُه، ولكنَّه غيرُ معتاد؛ كركوب دابّة نَزِقة لا يضبطها الكبح باللجام، وإرسالِ الإبل غيرَ مقطَّرة في الأسواق، فيوجب الضمانَ؛ إذ العادةُ تقطيرُ الإبل في الأسواق، وأنَّ الدوابَّ النزقةَ لا تركب إلَّا في الصحراء.

3559 -

فرع:

إذا ساق بهيمةً عليها حطبٌ، فتخرَّق به ثوبُ إنسان؛ فإن كان بصيرًا مقابلًا للدابة، وأخذ المنحرف، لم يجب الضمان، وإن كان مستدبرًا للدابّة؛ فإن أنذره السائقُ بذلك؛ ليتحرَّز، لم يجب الضمانُ، وإن لم ينذره، وجب الضمانُ.

3560 - فرع: إذا راثت الدابَّة في الطريق، أو بالت، لم يتعلَّق بذلك ضمانٌ؛ لتعذُّر دفعه، فإن أوقفها، فزاد الانتشارُ بسبب وقفها؛ فإن كان الطريقُ ضيّقًا، لزمه الضمانُ بوقفها؛ لأنَّه عدوان، وإن كان واسعًا، لم يضمن؛ لأنَّه بمثابة مَشْيها، وخرَّجه الإمامُ على الخلاف في اصطدام الماشي والواقف.

3561 - فرع: إذا انتشرت هرَّة إنسان، فقتلت طيورًا، أو قلبت قدورًا، ففي الضمان

وجهان، فإن أوجبناه، فهل يضمن ما تتلفه بالليل دون النهار، أو بالعكس؟ فيه وجهان.

3562 -

فصل في قتل المؤذيات

تُقتل الفواسق في حال سكونها، وكذلك ما يؤذي بطبعه؛ كالأُسُود والنمور، ولا تُملك بالاقتناء، كما لا تملك الحشرات، ولا يمنع اقتناؤها من قتلها؛ فإنَّه عليه السلام أمر بقتلها في الحِلِّ والحرم 1. وإذا ضرِيَت الهرَّةُ بالفساد وقتل الطيور؛ فإن كانت مربوطةً، لم تُقتل، وإن كانت مطْلَقة، فوجهان، فإن قلنا: يجوز، ففي قتل المربوطة تردُّد.
والفواسق: الحيَّة، والعقرب، والفأرة، والحِدَأة، والغراب، والكلب العقور، وأبعد مَنْ ألحق الكلبَ العقور بالهرَّة الضارية، فحصل أنَّ الفواسق، وما يؤذي بالطبع مقتولٌ بكلِّ حال، وما لا يؤذي بالطبع، ولكنَّه يؤذي عن وِفاق، فإنّه يُدفع في حال الصِّيال، فإن ظهر تولُّعُه وضَراوتُه، كالهرة الضارية، ففي قتله في حال سكونه الخلافُ.

جارٍ التحميل