الغاية في اختصار النهايةالبابُ الثالثُ في كتاب (الغاية في اختصار النهاية)

البابُ الثالثُ في كتاب (الغاية في اختصار النهاية)

نبذة عن الكتاب الأصل "نهاية المطلب في دراية المذهب" لإمام الحرمين

: يُعدُّ كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" من أهمِّ أوائل الكتب التي صنَّفها الشافعيّة وجمعت بين طريقتي العراقيين والمراوزة أو الخراسانيين، في جمع الأقوال والأوجه ونصوص أصحاب الوجوه.
وقد سلك فيه المؤلِّف رحمه الله مسلك الشارح لمختصر الإمام المزنيِّ لذلك قال في مقدمة (النهاية): "وسأجري على أبواب (المختصر) ومسائلها جهدي، ولا أعتني بالكلام على ألفاظ (السواد) 1، فقد تناهى في إيضاحها الأئمة الماضون، ولكني أنسب النصوص التي نقلها المزني إليه، وأتعرض لشرح ما يتعلق بالفقه منها -إن شاء الله تعالى- وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجهٌ غريب منقاس، ذكرتُ ندوره وانقياسه"؛ وأدرج في إيضاحه وشرحه تقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول وفروع.
وننقل هنا ما قاله فيه تلميذ العز بن عبد السلام، شهابُ الدّين أحْمَد بن يُوسُف اللَّبْلِيُّ (ت: 691 هـ) في "فهرسه" إذ قال: "واتفقت له - أي إمام

الحرمين - نهضة في أعلى ما كان من أيامه إلى أصبهان بسبب مخالفة بعض من الأصحاب فلقي بها من المجلس النظامي ما كان اللائق بمنصبه من الاستبشار والإعزاز والإكرام بأنواع المبارّ، وأجيب بما كان فوق مطلوبه وعاد مكرمًا إلى نيسابور، وصار أكثر عنايته مصروفًا، إلى تصنيف المذهب الكبير المسمى بـ "نهاية المطلب في دراية المذهب"، حتى حرَّره وأملاه، وأتى فيه من البحث والتقرير، والسبك والتنقير، والتدقيق والتحقيق، بما شفى الغليل، وأوضح السبيل، ونبَّه على قدره ومحلِّه في علم الشريعة، ودرَّس ذلك للخواص من التلامذة، وفرغ منه ومن إتمامه، فعقد مجلسًا لتتمَّة الكتاب، حضره الأئمَّة والكبار، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء، وتبجَّح الجماعة بذلك، ودَعَوا له، وأثنوا عليه، فما صُنِّف في الإسلام قبله مثله، ولا اتَّفق لأحد ما اتفق له، ومن قاس طريقته بطريقة المتقدمين في الأصول والفروع وأنصف = أقرَّ بعلوِّ منصبه، ووفور تعبه ونصبه في الدين، وكثرة سهره في استنباط الغوامض، وتحقيق المسائل، وترتيب الدلائل" 1. يرى الباحثون 2 أن هذا الكتاب، والذي سمّاه ابن الصلاح وغيره بـ "المذهب الكبير"، هو الخطوة الأولى لتحرير المذهب، والتي تُوِّجت فيما بعد على يد الشيخين: الرافعي والنووي، لذلك كان هذا الكتاب مقصد

العلماء في الفتوى، وعليه العولُ في نقل كثير من نصوص المتقدّمين ولا سيَّما أصحاب الوجوه من الخراسانيين فيما أُرجح، لسعة اطِّلاع إمام الحرمين، فضلًا عن قوة العارضة لديه في الصياغة والتأليف، وحُسن التبويب والتفريع.
ولن تُغني هذه العُجالة عن الرجوع إلى الأصل، فهو في غاية النفاسة، ولا أحسب أن كتابًا ألف في مذهب من المذاهب مثله؛ في استدلاله بعقله، لقوة استنباط إمام الحرمين، وفهمه، وإدراكه، وإحاطته بعلم المنطق؛ فضلًا عن علوِّ كعبه في الفقه، ورسوخ قدمه في الأدب وصناعة الكتابة؛ وقد تمثَّل فيه قول ابن السُّبكيّ في إمام الحرمين: "كان رجلًا محقِّقًا مدققًا، يغلبُ بعقله على نقله (1) ". وقد استوفى محقِّقه الدكتور عبد العظيم الديب الكلام عليه في مقدِّمته للكتاب، فلا حاجة للتوسُّع بذلك.

مختصرات "نهاية المطلب في دراية المذهب" لإمام الحرمين الجويني

ّ: اختصر "نهاية المطلب" ثلاثة من كبار فقهاء عصرهم في المذهب؛ هم: 1 - إمام الحرمين: مؤلّف الكتاب الأصل "نهاية المطلب"، قال ابن السُّبكي في اختصاره لها: "وله مختصر النهاية اختصرها بنفسه وهو عزيز الوقوع، من محاسن كتبه، قال هو نفسه فيه: إنه يقع في الحجم من النهاية أقل1

من النصف، وفي المعنى أكثر من الضعف 1 ". وينقل عنه النووي في المجموع قليلًا، ويبدو أنّ نسختها نادرة جدًّا، كما قال ابن السُّبكيّ، فلذلك يعزُّ النقل عنها في كتب المذهب.
2 - ابن أبي عصرون: أبو سعد عبد الله بن محمد الموصلي (ت: 585 هـ) شيخ الشافعية في مصر والشام، إذ كان الفقيه المقدَّم في البلد الذي ينزل فيها، ذكر اختصارَه ابنُ الصلاح؛ وقال: "وله تصانيف عديدة، منها: "صفوة المذهب في تهذيب نهاية المطلب" في نحو ثماني مجلدات، وقفتُ على شيء منه، فوجدتُه قد استدرك على الإمام أشياء لم أرتض ما وقع له فيها"، وذكر مسائل؛ وذكره ابن السُّبكيّ في طبقاته باسم: "صفوة المذهب على نهاية المطلب في سبع مجلدات" 2. وسماه ابن قاضي شهبة: "صفوة المذهب في اختصار نهاية المطلب"، وقال: "في سبع مجلدات" 3. ووصف د. عبد العظيم الديب مختصر ابن أبي عصرون بقوله: "جرى في اختصاره على ذكر عبارة الإمام في "نهاية المطلب" كما هي دون تغيير يُذكر، وإنَّما يقوم اختصاره على حذف بعض الأمثلة، وبعض الاستطرادات، والإسهاب في الشرح أحيانًا" 4. 3 - العز بن عبد السلام (ت: 660 هـ): في "الغاية في اختصار النهاية"،

وهو هذا الكتاب؛ وسيأتي توصيفه في هذه المقدّمة.
والملاحظُ أنّ العلماء المختصِرين للكتاب كانوا شيوخ مصر والشام في عصرهم في إمامة المذهب الشافعيّ؛ وهو يدلّ على مكانة كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" لدى أهل العلم، وصعوبة الإقدام عليه، عناية واختصارًا وتهذيبًا، إلا لشيوخ العصر.

توثيق نسبة الكتاب وعنوانه إلى المؤلّف:

ثبتت نسبة الكتاب إلى مؤلّفه في جلّ الكتب التي ترجمت له؛ فقد نسبه إليه أجلّةُ العلماء من المؤرّخين والفقهاء والحُفّاظ، مثل تقيّ الدِّين السُّبكيّ، وابن شاكر الكتبي، وابن تغري بردي، والزركشيّ، وتاج الدين ابن السُّبكيّ، وابن حجر العسقلاني، وجلال الدِّين السيوطيّ، وشمس الدين الداودي، والشيخ زكريا الأنصاريّ، والرمليّ، وأحمد البرلسي عميرة، وابن حجر الهيتمي، ونور الدِّين الشبراملسيّ، وحاجي خليفة، وإسماعيل باشا البغدادي.
وقد ورد عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلِّف عند أهل العلم كما يلي: 1 - "الغاية في اختصار النهاية": ورد عند ابن السُّبكيّ في "طبقات الشافعيَّة الكبرى" (8/ 248)، وتقيّ الدِّين ابن السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (10/ 448)، و"فتاوى السُّبكي" (2/ 91، و 2/ 289)، والسيوطي في "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أنّ الاجتهاد في كلّ عصر فرض" (ص: 7)

(ق 4 من مخطوطة جامعة الرياض)، والداودي في "طبقات المفسرين" (1/ 320)، والشيخ زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب في شرح روض الطالب" (3/ 433)، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" (2/ 1984)، وإسماعيل باشا البغدادي في "هدية العارفين" (1/ 580)، وكذلك على النسخة (م) أو الأصل المنسوخة سنة (642 هـ)، والنسخة (ل) المنسوخة سنة (645 هـ) أي في عصر المؤلِّف.
2 - "مختصر النهاية": ورد بهذه التسمية عند تاج الدين السُّبكيّ في كتابه "الأشباه والنظائر" 1، وتقيّ الدِّين ابن السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (11/ 228)، وبدر الدين الزركشي (ت: 794 هـ) في كتابه "المنثور في القواعد الفقهية" 2، وابن حجر في "رفع الإصر" (1/ 241)، والسيوطي في "الأشباه والنظائر في فروع وقواعد الشافعيَّة" (1/ 74)، وفي "إرشاد المهتدين إلى نصرة المجتهدين" (ص: 6)، والشيخ زكريا الأنصاري في "الغرر البهية في شرح البهجة الوردية" (2/ 45، و 3/ 192، و 5/ 109، و 5/ 192)، والأدنه وي في "طبقات المفسرين" (ص: 242)، والسيوطي في "حسن المحاضرة" (1/ 314)، والرملي الكبير في "حاشية أسنى المطالب في شرح روض الطالب للشيخ زكريا الأنصاري" في (1/ 121 و 1/ 122،

1/ 276 و 1/ 153)، وابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الفقهية الكبرى": (4/ 445 و 6/ 455)، وعميرة: أحمد البرلسي في "حاشيته على شرح المحلِّي على منهاج الطالبين" (4/ 30)، والشبراملسي في "حاشيته على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" للرملي (4/ 177)، وكذلك على النسخة (ظ) المنسوخة في عصر المؤلّف.
3 - "اختصار النهاية": ورد عند تقي الدّين ابن السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (12/ 90)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (13/ 235)، وفي طبقات الشافعيين (1/ 875)، وابن قاضي شهبة في "طبقات الشافعيّة" (2/ 111). 4 - "الغاية": ورد هكذا عند تقي الدِّين ابن السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (10/ 305، و 11/ 236، 10/ 401). 5 - وممّن أشار إلى اختصاره "نهاية المطلب": ابن شاكر (2/ 352) في "فوات الوفيات"، وابن تغري بردي في "المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي" (7/ 288) وقالا: واختصر "نهاية المطلب"، وقال: ابن السُّبكيّ في "فتاواه" (2/ 287): "وعبارة ابن عبد السلام في اختصاره... ". ونلحظ أنّه قد ذُكر باسم "الغاية مختصر النهاية"، أو "الغاية"، اكتفاء بذكر صدر الكتاب عن تمامه، وذُكر باسمه المُجمل الدالِّ على وصفه: "مختصر النهاية"، و"اختصار النهاية"؛ لذلك آثرنا وضع العنوان كما جاء بتمامه على وجه التحقيق: "الغاية في اختصار النهاية".

العز بن عبد السلام و"نهاية المطلب"

: من الواضح أنّ الإمام العز كان كلِفًا بكتاب "نهاية المطلب"، فقد اختصره في "الغاية"، وشرع في كتاب يجمع بينه و"الحاوي" للماورديّ أسماه "الجمع بين الحاوي والنهاية"، لكنّه لم يكمل، ولشدّة عنايته بـ "نهاية المطلب" وإعجابه وولعه وعنايته بها، كان العز رحمه الله تعالى سريع القراءة لها، لا يفوته من معانيها شيء، ويبدو أنّ المداومة على قراءتها، وتكرار ذلك، وإتاحة تقليب النظر فيها مرارًا، جعله مميِّزًا لِمُشكِلِها، هاضمًا لنصوصها، عارفًا ببيان الراجح والمرجوح منها، حتى إنّه كان يقرأ "نهاية المطلب" المطبوع في عشرين مجلّدًا في ثلاثة أيام؛ يشهد لذلك ما ورد في "ذيل تذكرة الحفاظ" للحسيني (5/ 202): "قال شيخنا الحافظ برهان الدين سبط ابن العجميّ: وحُكيَ لي أنَّ الشيخ بهاء الدين بنَ عقيل حكى له عن قيِّم مسجد النارنج 1 بالقرافة أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يخرج إلى المسجد المذكور يوم الأربعاء، ومعه "نهاية إمام الحرمين" فيمكث بالمسجد يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة إلى قبيل الصلاة، فينظر في هذا الوقت "النهاية".
قال: الشيخ بهاء الدين وأنا أستبعد ذلك، فقال الشيخ سراج الدين البُلْقيني: ولا أستبعد لأنّ الشيخ عز الدين لا يُشكل عليه منها شيء، ولا يحتاج إلى أن يتأمَّل منها إلا شيئًا قليلًا أو ما هذا معناه، وأنا أنظر مجلدًا في يوم واحد.

قال شيخنا برهان الدين [سبط ابن العجميّ]: فذكرتُ هذه الحكاية لشيخنا سراج الدين ابن الملقن فقال لي عقيب ذلك: أنا نظرتُ مجلدين من الأحكام للمحب الطبري في يوم واحد".

جارٍ التحميل