شرح مشكل الآثاربَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنَ اطَّلَعَ عَلَى رَجُلٍ فِي مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ هَلْ لَهُ فَقْءُ عَيْنِهِ لِذَلِكَ أَمْ لَا؟

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنَ اطَّلَعَ عَلَى رَجُلٍ فِي مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ هَلْ لَهُ فَقْءُ عَيْنِهِ لِذَلِكَ أَمْ لَا؟

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح مشكل الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى - 1415 هـ، 1494 م
عدد الأجزاء
16 (15 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

932 - حَدَّثَنَا بَكَّارٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَخَذَفْتَهُ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْيُ الْجُنَاحِ عَنْ مَنْ خَذَفَ رَجُلًا قَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ، فَفَقَأَ بِذَلِكَ عَيْنَيْهِ إذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ قَطْعُهُ الِاطِّلَاعَ عَلَى مَنْزِلِهِ، وَالنَّظَرُ إلَى مَا فِيهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ النَّظَرُ إلَيْهِ

933 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، سَمِعَهُ يَقُولُ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجْرَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرَى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إنَّمَا جُعِلَ

الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ "

934 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، أَخْبَرَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ

935 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إيَاسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُكُّ رَأْسَهُ بِالْمِدْرَى، فَقَالَ: " لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ فِي عَيْنِكَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْإِبْصَارِ " فَفِي هَذَا إطْلَاقُ مَا فِي الْأَوَّلِ لِلْمُطَّلَعِ عَلَيْهِ مِنَ الْمُطَّلِعِ عَلَيْهِ

936 - حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ

بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ "

937 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ الْمُنْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْقَمَ عَيْنَيْهِ خَصَاصَةَ الْبَابِ، فَبَصُرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ سَهْمًا أَوْ عُودًا مُحَدَّدًا وَجَاءَ بِهِ لِيَفْقَأَ عَيْنَ الْأَعْرَابِيِّ فَانْقَمَعَ الْأَعْرَابِيُّ، وَذَهَبَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَا إنَّكَ لَوْ ثَبَتَّ لَفَقَأْتُ عَيْنَكَ "

938 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ أَوْ قَالَ: بِمَشَاقِصَ، قَالَ أَنَسٌ: " وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ "

وَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ ِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ تَرْكُ الِاطِّلَاعِ إلَى مَنْزِلِهِ كَانَ لَهُ قَطْعُ ذَلِكَ عَنْ مَنْزِلِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي قَطْعِهِ إيَّاهُ عَنْهُ تَلَفُ عَيْنِ الْمُطَّلِعِ عَلَيْهِ , وَكَانَ مَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فَفَعَلَهُ مَعْقُولًا أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَفْيِهِ وُجُوبَ ضَمَانٍ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ لِمَنْ فَعَلَهُ بِهِ مِنْ قِصَاصٍ وَمِنْ دِيَةٍ

939 - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ جَنَّادٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: " مَنِ اطَّلَعَ فِي دَارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ وَلَا قِصَاصَ "

940 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ،

حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ قَدْ جَاءَتْ بِمَا فِيهَا مِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ مَجِيئًا مُتَوَاتِرًا يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَلَمْ نَجِدِ اسْتِعْمَالَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لَهَا كَذَلِكَ وَكَانَ قَطْعُ نَظَرِ الْمُطَّلِعِ إلَى بَيْتِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ عَنْ نَظَرِهِ إلَى مَا فِي بَيْتِهِ مِنْ مَا قَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِالزَّجْرِ بِاللِّسَانِ، وَالْوَعِيدِ بِالْأَقْوَالِ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ ذَلِكَ وَمُتَجَاوِزُهُ إلَى فَقْءِ عَيْنِ النَّاظِرِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ فِي فَقْئِهِ إيَّاهَا، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا جِهَادَ الْعَدُوِّ وَاجِبًا عَلَيْنَا فَكُنَّا إذَا فَعَلْنَاهُ بِدُعَاءٍ مِنَّا الْعَدُوَّ إلَى مَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمًا لِقِتَالِنَا إيَّاهُمْ كَانَ حَسَنًا، وَلَوْ قَاتَلْنَاهُمْ بِغَيْرِ دُعَاءٍ مِنَّا إلَيْهِمْ إلَى ذَلِكَ لَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا مَا نَدْعُوهُمْ إلَيْهِ، وَمَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَيْهِ كُنَّا غَيْرَ مَلُومِينَ فِي ذَلِكَ وَغَيْرَ ضَامِنِينَ لِمَا نُصِيبُهُ مِنْهُمْ فِيهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَمِنْ أَوْلَادِهِمْ، فَكَانَ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ أَمْرُ هَذَا الْمُطَّلِعِ فِي بَيْتِ مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِهِ إنْ دَعَوْنَاهُ إلَى مَا يُحَاوِلُهُ مِنْهُ، وَأَعْلَمْنَاهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْزَجِرْ عَنْ مَا هُوَ عَلَيْهِ أَنَّا فَاعِلُوهُ بِهِ كَانَ حَسَنًا، وَإِنْ لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِ وَاسْتَعْمَلْنَا فِيهِ مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا لَعِلْمِنَا أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا نُرِيدُهُ مِنْهُ مِنَ انْزِجَارِهِ عَنْ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الِاطِّلَاعِ إلَى مَا يَطَّلِعُ إلَيْهِ مِمَّا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا لَنَا.
وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُرْتَدُّ عَنَ الْإِسْلَامِ إلَى الْكُفْرِ إنِ اسْتَتَبْنَاهُ قَبْلَ أَنْ نَقْتُلَهُ كَانَ حَسَنًا، وَإِنْ قَتَلْنَاهُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ مِنَّا إيَّاهُ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا نُرِيدُهُ بِاسْتِتَابَتِنَا إيَّاهُ مِنْهُ كَانَ جَائِزًا.

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ نَفْيِ قِصَاصٍ وَمِنْ نَفْيِ الدِّيَةِ عَنِ الْفَاقِئِ لِعَيْنِ الْمُطَّلِعِ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ مَا لَا يَسْعُ خِلَافُهُ وَلَا الْقَوْلُ بِغَيْرِهِ؛ لِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، ثُمَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعْقُولِ، وَمِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي اجْتَبَيْنَا عَنْ عُمَرَ

كَمَا حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " مَنِ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ فَأَصَابُوهُ بِجِرَاحَةٍ فَلَا دِيَةَ لَهُ "

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَوَابِهِ الْمِقْدَادَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنَ الْكَافِرِ الَّذِي قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ لَاذَ بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَأَقْتُلُهُ؟

941 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَا: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، عَنِ الْمِقْدَادِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: " لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ تَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ "

فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ منْ ِمَا يَجِبُ كَشْفُهُ وَتَأَمُّلُهُ وَطَلَبُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ فِيهِ، فَكَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِلْمِقْدَادِ لَمَّا سَأَلَهُ بَعْدَ قَطْعِ الْكَافِرِ يَدَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ أَيْ إنَّهُ يَعُودُ بِإِسْلَامِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ بِهِ مُسْلِمًا كَمَا كُنْتَ أَنْتَ مُسْلِمًا، وَأَنْ تَكُونَ أَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ، يَعْنِي بِذَلِكَ كَلِمَتَهُ الَّتِي صَارَ بِهَا مُسْلِمًا أَيْ إِنَّكَ تَعُودُ قَاتِلًا لِمَنْ قَدْ صَارَ مُسْلِمًا , فَتَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا كَانَ هُوَ قَبْلَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا كَافِرًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ النِّسْعَةِ لِأَخِي الْمَقْتُولِ الْمَذْكُورِ فِيهِ: " أَمَا إنَّكَ إِنْ قَتَلْتَهُ يَعْنِي قَاتِلَ أَخِيهِ " كُنْتَ مِثْلَهُ "

942 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِقَاتِلِ وَلِيِّهِ إلَى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: " اعْفُ فَأَبَى " قَالَ: " خُذْ أَرْشًا فَأَبَى " قَالَ: " أَتَقْتُلُهُ؟ فَإِنَّكَ مِثْلُهُ " قَالَ: فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَرُئِيَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ ذَاهِبًا إلَى أَهْلِهِ

943 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ جَنَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَجَاءَ رَجُلٌ فِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا

فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " اعْفُ عَنْهُ، فَأَبَى ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " اعْفُ عَنْهُ، فَأَبَى " ثُمَّ قَامَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ هَذَا وَأَخِي كَانَا فِي جُبٍّ يَحْفِرَانِهَا فَرَفَعَ الْمِنْقَارَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ صَاحِبِهِ، فَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " اعْفُ عَنْهُ فَأَبَى " قَالَ: " اذْهَبْ بِهِ إنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ " فَخَرَجَ بِهِ حَتَّى جَاوَزَ فَنَادَيْنَاهُ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنْ قَتَلْتُهُ كُنْتُ مِثْلَهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ " فَعَفَا عَنْهُ فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، فَوَجَدْنَا فِيهِمَا مَا قَدْ حَمَلَ أَنَّ قَتْلَ صَاحِبِ النِّسْعَةِ صَاحِبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَتْلُهُ إيَّاهُ قَدْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَيِّنَةٍ قَبْلَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزَجَرَ خَصْمَهُ عَنِ النِّسْعَةِ الَّتِي أَسَرَهُ بِهَا حَتَّى جَاءَ بِهِ كَذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: " اعْفُ عَنْهُ " وَلَمَا قَالَ لَهُ: " خُذْ أَرْشًا "

لَمَّا أَبَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَفِي ذَلِكَ مَا حَقَّقَ مَا قُلْنَا وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ لِلْخَصْمِ: " اعْفُ عَنْهُ "، فَلَمَّا أَبَى قَالَ لَهُ: " خُذْ أَرْشًا " مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الْعَفْوَ مِنْ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ لَا يُوجِبُ لَهُ عَلَى قَاتِلِهِ أَرْشًا كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَزُفَرُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ فِيهِ وَعَلَى خِلَافِ مَا يَقُولُهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ فِيهِ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ، ثُمَّ تَأَمَّلْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " إنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ "

944 - فَوَجَدْنَا أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ الْقَاتِلُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " أَمَا إنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا، ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ " قَالَ: فَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَكَانَ مَكْتُوفًا بِنِسْعَةٍ فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، فَسُمِّيَ ذَا النِّسْعَةِ فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ،

فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي كَانَتْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ أَخَا خَصْمِهِ شَهِدَتْ بِظَاهِرِ فِعْلِهِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهَا أَنَّهُ عَمْدٌ لَهُ لَا شَكَّ عِنْدَهَا فِيهِ، وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَعْلَمَ بِنَفْسِهِ، وَبِمَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ، فَادَّعَى بَاطِنًا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَهُ فِيمَا كَانَ مِنْهُ فِيهِ قَوَدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْوَلِيِّ عِنْدَ ذَلِكَ: " أَمَا إنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا، ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ ". فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ: " أَمَا إنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ ": أَيْ أَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ لِثُبُوتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ مَنْ قَتَلَ، وَإِنْ قَتَلْتَهُ وَهُوَ فِي مَا قَالَ إنَّهُ صَادِقٌ كُنْتَ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَوَجَدْنَا حَدِيثَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي رَوَيْنَاهُ مِنْهَا قَدْ جَاءَ بِمَعْنًى يُخَالِفُ مَعْنَى حَدِيثِهِ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ

945 - كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جِيءَ بِالْقَاتِلِ الَّذِي قَتَلَ إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِهِ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتَعْفُو؟ " قَالَ: لَا، قَالَ " أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " أَتَقْتُلُ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَاذْهَبْ "، فَلَمَّا ذَهَبَ دَعَاهُ، فَقَالَ: " أَتَعْفُو؟ " قَالَ: لَا قَالَ: " أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " أَتَقْتُلُ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: " اذْهَبْ " فَلَمَّا ذَهَبَ قَالَ: " أَمَا إنَّكَ إنْ عَفَوْتَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ " فَعَفَا عَنْهُ فَأَرْسَلَهُ قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ

946 - وَكَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ أَبُو عُمَرَ الْعَائِذِيُّ، حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلٍ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ جِيءَ بِالْقَاتِلِ يَقُودُهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فِي نِسْعَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: " أَتَعْفُو؟ " ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ سَوَاءً فَزَادَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيَاهُ جَمِيعًا عَنْ عَوْفِ بْنِ حَمْزَةَ الْعَائِذِيَّ قَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، وَحَمْزَةُ: هَذَا رَجُلٌ مَشْهُورٌ قَدْ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ

947 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ الْحَبَطِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ،

عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمِثْلِهِ، قَالَ يَحْيَى وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ وَائِلٍ هَذَا مَكَانَ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ وَائِلٍ، وَعَنْ أَنَسٍ: " إنَّكَ إنْ قَتَلَتْهُ كُنْتَ مِثْلَهُ، أَمَا إنَّكَ إنْ عَفَوْتَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِهِ "، فَمَعْنَى ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ , إنْ كَانَ هُوَ الصَّحِيحَ فِي حَدِيثِ وَائِلٍ أَنَّكَ إنْ عَفَوْتَ عَنْهُ بَاءَ بِإِثْمِ صَاحِبِكَ الَّذِي لَمْ تُقِمْ عَلَيْهِ عُقُوبَتَهُ وَبَاءَ بِإِثْمِكَ، فِيمَا أَدْخَلَ عَلَى قَلْبِكَ فِي قَتْلِهِ صَاحِبَكَ، مِمَّا لَمْ تُقِمْ عَلَيْهِ عُقُوبَتُهُ

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا فِي جَوَابِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَمِنْ عُمَرَ، وَمِنْ سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سُؤَالِهِ إيَّاهُ مَا يَفْعَلُ بِرَجُلٍ لَوْ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ؟

948 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبَّوَيْهِ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ: " أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتَ مَعَ أُمِّ رُومَانَ رَجُلًا مَا كُنْتَ صَانِعًا بِهِ؟ " قَالَ: كُنْتُ صَانِعًا بِهِ شَرًّا قَالَ: " فَأَنْتَ يَا عُمَرُ؟ " قَالَ: كُنْتُ قَاتِلَهُ، قَالَ: " فَأَنْتَ يَا سُهَيْلُ بْنَ بَيْضَاءَ؟ " قَالَ: كُنْتُ أَقُولُ أَوْ قَائِلًا: لَعَنَ اللهُ الْأَبْعَدَ وَلَعَنَ اللهُ الْبَعْدَاءَ وَلَعَنَ أَوَّلَ الثَّلَاثَةِ، أَخْبَرَ بِهَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " تَأَوَّلْتَ الْقُرْآنَ يَا ابْنَ بَيْضَاءَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] " الْآيَةَ

فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا مَا فِيهِ مِنْ جَوَابِ أَبِي بَكْرٍ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُؤَالِهِ إيَّاهُ الْمَذْكُورِ فِيهِ مَكْشُوفَ الْمَعْنَى، وَوَجَدْنَا مَا فِيهِ مِنْ جَوَابِ عُمَرَ إيَّاهُ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ فِيهِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلِهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى الْمَعْنَى فِيهِ فَتَأَمَّلْنَاهُ، فَوَجَدْنَا فِيهِ إخْبَارَ عُمَرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ قَاتِلًا مَنْ وَجَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَتَرْكَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنْكَارَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ وَالزَّجْرَ لَهُ عَنْهُ، وَالْمَنْعَ لَهُ مِنْهُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إطْلَاقِهِ إيَّاهُ لَهُ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ مَنْ دَارَتْ عَلَيْهِ الْفُتْيَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَائِلُونَ مِنْهُمْ لَمْ نَقِفْ عَلَى قَوْلِهِمْ بِهِ؛ لِأَنَّ مِمَّا قَدْ يَجُوزُ أَنْ نَقِفَ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ أَوْ مِمَّا قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا نَقِفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا قَائِلَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ تَرْكُهُمُ الْقَوْلَ بِهِ أَوِ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى ضِدِّهِ دَلِيلًا عَلَى نَسْخِهِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا نَقُولُ كَمَا يَقُولُ بِهِ لِأَخْذِنَا إيَّاهُ عَنْهُ وَامْتِثَالِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِيهِ أَوْ فِي مِثْلِهِ مِنْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَجِبَ الْقَوْلُ بِهِ فِيهِ , وَلَمَّا كَانُوا مَأْمُونِينَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا حُجَّةً فِيهِ كَانُوا كَذَلِكَ فِي تَرْكِهِمْ مِثْلَهُ وَالْعَمَلِ بِضِدِّهِ ,،

وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ

كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: " نَهَى عَنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ , وَهُمْ شَهِدُوهَا وَهُمْ نَهَوْا عَنْهَا فَلَيْسَ فِي رَأْيِهِمْ مَا يُرَدُّ وَلَا فِي نَصِيحَتِهِمْ مَا يُتَّهَمُ وَإِنْ كَانَ لَهُ قَائِلُونَ بِهِ كَانَ مِنْ مَا لَا يَجِبُ تَرْكُهُ وَلَا يَمْتَنِعُ الْقَوْلُ بِغَيْرِهِ " وَوَجَدْنَا مَا فِيهِ مِنْ جَوَابِ سُهَيْلٍ إيَّاهُ عَنْ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ فِيهِ مَوْضِعَانِ مِنَ الْفِقْهِ أَحَدُهُمَا إبَاحَةُ لَعْنِ أَهْلِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ مِنْ نَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَّتَهُ أَنْ يَكُونُوا لَعَّانِينَ وَدَلِيلٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي مَا رُوِيَ عَنْهُ النَّهْيُ فِيهِ غَيْرُ الْمُطْلَقِ مِنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَسَنَذْكُرُ مَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي اللَّعْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي مَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي مَوْضِعٍ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إنْ شَاءَ اللهُ.
وَالْمَوْضِعُ الْآخَرُ سُكُوتُهُ عَنْ مَا رَأَى مِنْ زَوْجَتِهِ، وَعَنْ ذِكْرِهِ لِإِمَامِهِ حَتَّى يُجْرِيَ بَيْنَهُمَا اللَّعْنَ الَّذِي حَكَمَ اللهُ بِهِ فِي أَمْثَالِهِمَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: 6] الْآيَةَ، إذْ كَانَ إظْهَارُهُ ذَلِكَ وَكَشْفُهُ إيَّاهُ وَإِخْبَارُهُ بِهِ يَكُونُ بِهِ قَاذِفًا لِمُحْصَنَةٍ وَيَلْحَقُهُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَ النَّاسِ الْوَعِيدُ فِي قَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَإِنْ كَانَ

فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَلَكِنَّ اللهَ تَوَلَّى السَّرَائِرَ وَرَدَّ أَحْكَامَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا إلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يُدْرِكُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَكَانَ فِي سُكُوتِهِ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُودًا، وَكَانَ اللِّعَانُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ لَوْ أَظْهَرَ ذَلِكَ وَطَالَبَتْهُ زَوْجَتُهُ بِالْوَاجِبِ لَهَا عَلَيْهِ فِيهِ لَا يُوصِلُهُ إلَّا إلَى فُرْقَتِهَا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى فُرْقَتِهَا بِطَلَاقِهِ لَهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْحَقُهُ مِنْ ذَلِكَ فَحَمِدَهُ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَعْلَمَهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَنَّهُ الْآيَةُ الَّتِي تَلَاهَا عَلَيْهِ , وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

جارٍ التحميل